النص المفهرس
صفحات 1021-1040
جيّدةٌ، مِنَ ((الاستيعاب)) لابن عبد البرِّ في ستة أسفار أو أكثر، وكذا نسخة
متقنة ((بصحيح مسلم)) في مجلد، إلى غير ذلك ممَّا يطول شرحه.
وأعلى مِنْ هذا كله: أنَّ البدر العيني لمّا شرع في ((شرح البخاري))،
رام استعارة (شرح)) صاحب الترجمة من شيخنا البرهان ابن خضر، فتوقّف
حتى استأذنه، فأذِنَ له رغبةً في عموم النفع. هذا مع ما كان سلَفَ مِنَ البدر
ممَّا ألجأ لتصنيف ((الاستنصار)). رحمة الله عليهم.
[اهتمامه بطلبته]
وأما تنبيهه الطلبة على مَنْ ببلده (١) من شيوخ الرّواية، وإعطاؤه إياهم
الأجزاء والكتب المروية لهم، فعندي مِنْ أخباره في ذلك جملةً. وطال ما
دفع إليَّ الأجزاء العالية يأمرني بقراءتها على العز بن الفرات. وربما شكوتُ
إليه جَفْوَتَه وعدمَ طواعيته لي في القراءة لما أرومه، فيكتب له يرغِّبُه في
التحديث ويحثُّه عليه، ويؤكِّدُ عليه في الاهتمام بشأني، حتى كان العزّ
يتبجَّح بذلك. وكثيراً ما كان يكتُب لي بخطه أسانيد للعزّ وغيره، بل تراجم
جماعة مِنَ الشّيوخ ونحوه (٢) بخطه، كما أشرت إليه قريباً مما يقضي العجب
من ذكره، فکیف برؤيته.
وبالله كلَّما تذكّرتُ هذا وشبهه مِنْ إقباله عليٍّ وإحسانه إليَّ، يتصدَّعُ
قلبي، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكنتُ في خدمته مرةً (٣) على العادة بالمدرسة المحمودية، فعند إرادتي
الانصراف قال لي: إلى أين؟ فقلت: إلى ابن الجمال الأميوطي لسماع
((سيرة ابن سيد النَّاس)) عليه. فقال: على من سمعها؟ فقلت: مِنْ لفظ أبيه،
وأبوه - كما في شريف علمكم - مِنْ لفظ المؤلّف. فقال لي: سماعٌ عظيمٌ.
وإنما قصد بذِكْرٍ ذلك - مع كونه هو الواقع - الترغيب في سماعها منه.
(١) في (أ): (ابیده»، خطأ .
(٢) في (أ): ((ونحوهم)).
(٣) (مرة) ساقطة من (ب).
١٠٢١
وكنت أقرأ عليه يوماً بعض الأجزاء التي شاركه نقيبه القاضي شهاب
الدين بن يعقوب في سماعها، وهو واقف بخدمته على عادته، فقال له:
اجلس، فإنَّ لك في هذا الجزء مشاركة، والتفت إليَّ، فنبّهني لذلك.
وسمعنا عليه بمشاركة أمّ أولاده وقريبه الزَّين شعبان، بل بموقعه ناصر
الدين ابن المهندس، بل بتلميذه ابن سالم، إلى غير ذلك، ممَّا كان الأولى
· بنا خلافه، لكن شَرَه الطّلب أدَّى إلى ذلك، لا سيما مع العلم بأنَّه لا
يخدش في جلالته، بل ولا يحصُلُ له بذلك أدنى تأثير.
وأخبرني مستمليه الشّيخ أبو النعيم رضوان رحمه الله - وهو ممَّن
سمعنا عليه أيضاً بمشاركته - أنَّه لم يَلْقَ في ذلك أكثر نُصحاً، ولا أحسنَ
بِشْرَاً، ولا أجملَ طريقةً منه. وقال: إنَّه مكث مدَّةً يراجع بعض الحُفَّاظ مِنْ
شيوخه في جزء انفرد به بعضُ المسندين، فما تيسّر له إعطاؤه إياه، إلى أن :
علم صاحبُ الترجمة، فبادر إلى إعطائه له.
وكم مِنْ مُسْنِدٍ استدعى به إلى مجلسه لإسماع الطلبة عليه؛ كالواسطي
والدَّنديلي والشمس البَيْجُوري. بل قرأ بنفسه على بعضهم.
وعندي أنه ما قرأ خصوص ((صحيح مسلم)» على ابن الكويك إلا
لتنتشر روايته فيه، وإلا فهو كان قد أخذه قديماً عن البالسي بمثل سماع ابن
الكويك سواء. وكذا تخريجه ((المشيخة الباسمة للقبابي(١) وفاطمة)) ما أراد
بها إلا إعلام طلبته بذلك، ونحوه تخريجه ((مشيخة البرهان الحلبي))، إلى
غير ذلك ممَّا لا أستطيع حصرَه.
· وسأله صاحبُنا الجمال بن السَّابق الحموي - جمّل الله بوجوده - في
سنة سبع وثلاثين - كما حكاه لي - أن يرشِدَه لأعلى الموجودین إسناداً،
فذكر له البدر حسين البوصيري، والزَّين عبد الرحمن الزركشي، وعائشة ابنة
القاضي علاء الدين الكناني أم قاضي المذهب وعالمه العز الحنبلي، وقريبتها
فاطمة. وقال له: إذا سمعت من هؤلاء، تكون مساوياً لي في كثيرٍ مِنَ
المرويات.
(١) في (أ): ((القباني))، تحريف.
١٠٢٢
وكلُّ هذا يسيرٌ بالنّسبة لما أودعه الله عز وجل في قلبه " نَ النُّصحِ
والرَّغبة في نشر العلم. ولذلك نشر إليه ذكره في الآفاق، ورفعه إلى المحل
الأعلى، بل وراء هذا كلّه أنه لم يحدِّث ((بصحيح مسلم)) - فيما علمتُه - إلاّ
بعد وفاة الشّيخ زين الدين الزركشي، خاتمة أصحاب البياني فيه بالسماع،
لكونه كان أعلى سنداً منه.
[استجلاب الخواطر]
وأما استجلاب الخواطر، فكلُّ ما ذكرناه مُقتضٍ لذلك مِنَ الحلم والبَذْلِ
والشَّفقة والسَّتر، وكفى بها دلالة على حُسْنِ العِشْرةُ. وطال ما كان ينهرُ أتباعه
بسبب مقته بعض الطَّلبة، لظنّه أنَّ ذلك يرضيه، وربَّما قال له: اخرج أنت ودعه.
إلى غير ذلك مما يكتفي بدونه مِنْ مثله في علوِّ مقداره، وطال ما كان يخُصُّ مَنْ
يفهم عنه بعضَ جفاء بمزيد الإقبال، بحيث لا يفارقه إلا وهو في غاية الحمد
والاغتباط، فمنهم مَنْ يستمرُّ على المودّة، ومنهم مَنْ يغلِبُ عليه الحسَدُ.
وبلغني عَنْ بعض الفُضلاء ممَّن كان هواه عند غيره أنه كان يقول: من
العجيب أنَّني بمجرَّدٍ لُقِيِّ الذي أهواه أمقُتُه، فإنه يبادرني بمدُ يده، وصاحبُ
الترجمة لا ينقضي مجلسي معه إلا وقد ملكني بلذيذٍ خطابه، وكثرة آدابه،
وبديع محاضرته، ولطيف محاورته.
[تواضعه:]
وأما التواضع: فإلى غاية يكون في ذلك النهاية. ولقد كنتُ جالساً معه
مرَّة، فخدرت رجلُه، فأراد أن يقوم فأشار إليَّ أن آخُذَ بيده، ففعلتُ وحرَّك
رجله قليلاً، فوقع في خاطري تقبيلها، فتأثَّر مِنْ ذلك إلى الغاية، وهكذا
كان دأبُه، لم يكن يُمكِّنْ أحداً مِنْ تقبيل يده إلا بجهدٍ، مع أنَّه ــ فيما بلَّغنيه
بعضُ مَنْ شاهده - قبَّل يدَ شخصٍ مِنْ قُدماء مَنْ أخذ عنه ممَّن أكثر مِنْ
قراءة الحديث والعناية به (١) لتوسُم الخير فيه.
وكان عند إرادة دخول بيته عَقِبَ الدَّرس أو غيره، يقفُ مع مَنْ يقصدُ
(١) (به)) ساقطة من (ب).
١٠٢٣
الاجتماع به - ولو لم يكن بذاك - نحو ساعة أو أكثر، بحيث(١) يمل أتباعه
وهو واقف، لا يُفارقه حتى يكون هو المفارق له.
ولقد كنت والله العظيم أجيءُ إليه، وأنا حينئذٍ في المكتب، فأعارضه
وهو يريدُ الدُّخول إلى منزله، فيقف معي(٢) ما شاء الله حتى أسأله عَنْ ما
أرومُ المسألة عنه مِنْ أحاديث وغيرها، بل ربَّما سألتُه إذ ذاك في كتابة
أشياء، فيكتبها لي بخطّه ممَّا هي عندي الآن.
وكان رحمه الله لا يتكثّر بعلومه، ولا يتبجَّح بها، ولا يفتخر، ولا
يباهي بمعارفه، بل كان يستحيي مِنْ مدحه ويُطرِقُ، ولقد قال له بعضُ طلبته
مرة: يا سيدي، إنَّ لك بفتح الباري المنَّةَ على البخاري، فقال له، قصمت
ظهري، أو كما قال.
ومن تواضعه - كما أسلفته في أواخر الفصل السادس من الباب
السادس(٣) - أنَّ بعضَ الفُضلاء التمس منه قراءة كتاب في أصول الفقه، وأظنُّه
(شرح جمع الجوامع)) له، وكرّر الطّلب لذلك، فصار شيخُنا يُبدي له أعذاراً،
كان مِنْ جملتها: جهدي أتفرَّغُ لإلقاء العلم الذي يُقال إنَّني أعرفه. ونحوه كما
تقدم أيضاً قوله في فن القراءات: بضاعتي في هذا الفن مزجاة. هذا مع كونه
أستاذاً في كل فنٌّ بحُسْنِ ذكائه. وأما في الحديث فهُناك تخضعُ له الرِّقاب،
لكنه أراد مزيدَ التواضع. وفي الواقع أن أوقاته كانت تضيق عَنْ ذلك.
ونحو ذلك أنَّه لمَّا أملى بالكاملية، ثم انتقل منها إلى البيبرسيّة - كما
أسلفتُه - لقيه ناصر الدين محمد بن عمر الشّيخي نزيل الكاملية وصهر
ناظرها، فقال له: يا سيدي، أوحشت الكامليَّة، فأجابه بقوله: الكاملية
مشتقَّةٌ مِنَ الكمال، يعني: ولستُ كاملاً.
ومن تواضعه أيضاً: أنَّه لم يكن يذكر أحداً مِنْ طلبته ولو صَغُرّ إلا
بصاحبنا فلان. وما كنت أظنُّه يقصِدُ مع التواضُع بذلك إلا التَّنويه بذكرهم.
ولعمري لقد انتفع جماعةٌ من طلبته وغيرها بتربيتهم والثناء عليهم، ومنهم
(١) (بحيث)) ساقطة من (أ).
(٢) ((معي)" ساقطة من (ب).
: (٣) ص ٩٥٥.
١٠٢٤
الشيخ برهان الدين السُّوبيني، فإن الظاهر أرسل يسألُه في تعيين أحدٍ مِنْ
جماعته لقضاء مكّة فعيّنه، ورفع مِنْ مقداره إلى الغاية حتَّى ولاه، وتنقّل
لغيرها مِنَ البلاد كالشّام وحلب، ولمَّا عيّنه لذلك، راسل القاضي أبا اليُمن
بالوصية به، مفتتحاً الرّسالة بقوله: إنَّه مستمرٌّ على المحبَّة والثّناء والدُّعاء.
قال: وقد توجَّه إلى مكّة الشّيخ برهان الدين السُّوبيني، وهو مِنْ أهل الخير
والعلم، فيكون نظركم عليه، فإنه غريب، وليست له نيَّةٌ في الإقامة سوى
مجاورة هذه المدَّة التي في بقية هذه السَّنّةِ.
وكتب له أيضاً ما نصّه: إنَّه مستمرٌّ على الدُّعاء والمحبّة، وقد وصل
مشرفكم، وفيه ذكر القاضي الجديد، والذي يعلم به أن الحامل على تعيين هذا
أنَّ العبد وجد صاحبَ الأمر في غاية التَّصميم على منع تولية أحدٍ مِنْ أهل مكة
هذا المنصب، وسببه اختلاف أغراض السَّاعين لمن يحصل منهم السَّعيُ له،
فكلٌّ يطري صاحبه بما ليس فيه، ويُبالغ في الغَضِّ مِنْ غيره، فتعارضت
الأحوال وتساقطت، واحتيج للإصلاح بين الجميع بتولية أجنبي، وهذه عادة
قديمة لا تنتج غالباً إلاَّ جرَّ الخير لمن يستحقُّ الوظيفة مِنْ أهل تلك البلدة،
فيعود الأمرُ إليه، ويندفع الاعتراضُ. وقد وصل كتاب الشيخ برهان الدين -
يعني السوبيني - ولسانُه رطبّ بالثّناء عليكم والدُّعاء لكم، حتى إن فيه أنه لم
يجبر خاطره أحدٌ مِنْ أهل البلد غيرُكم، وهذا غايةُ الثَّناء. والمسؤول مِنْ
فضلكم إبلاغُ السَّلام على الولد العزيز - يعني الشيخ نور الدين أحد طلبة
صاحب الترجمة - وتعريفه أنَّه يتفضَّلُ بإعلام العبد بسيرة القاضي برهان الدين
هذه المدَّة، وهل ظاهرُه فيها كباطنه، وسرُّه كعلانيته، إلى آخر كتابه.
قلت: وقد أثنى صاحبُ الترجمة على السُّوبيني بقوله في حرف السِّين
المهملة مِنْ ((تحرير المشتبه)) (١) له: وبمهملة، وبعد الواو موحدة مكسورة،
(١) لم أجد هذا النص في ((تبصير المنتبه بتحرير المشتبه)) وقد نقل بعضه المصنف في ترجمة
السوبيني من الضوء اللامع ١٠١/١ ولم يعزه لكتاب. ثم تبين لي أن هذه الترجمة سقطت
من المطبوع من الكتاب، وكان ينبغي أن تكون في (٧٥٩/٢) منه. وقد وجدتها في نسخة
مخطوطة محفوظة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، رقمها ٢٨٥، والنص في
الصفحة ١١٧ منها، ويعمل الأخ الفاضل محمد زهرا على تحقيق هذا الكتاب من جديد.
١٠٢٥
وتحتانية ساكنة، ثم نون: صاحبنا الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر بن
إبراهيم الحموي، ثم الشُّوبيني ثم الطرابلسي، نسبة إلى سُوبين، من قرى
حماة، شافعي المذهب، كثير المعارف في عدة علوم، رأس في الفرائض،
وهو اليوم عالم طرابلس، يشغل في فقه الشافعية والحنفية، وحجّ فقدِمَ علينا
سنة أربع وأربعين وهو في الخمسين، دام النفع به. وذكر لي أن جدَّه لأمّه
الشيخ عمر السوبيني كان صالحاً، له كرامات، ثم ولي هو قضاء مكة، ثمَّ
حلب، ثم رجع إلى طرابلس.
وكذا نوه بالعلاَّمة نور الدين بن سالم حتى ولي قضاء صفد، واستمر.
بها حتّى مات.
وبالقاضي قطب الدين الخيضَري حتى يتنّبه المرجوع لهم في الولايات
والعزل إليه، وصار إلى ما صار، ولم يكن هذا قصده بالتَّنويه، والأعمال بالنيات.
ولما فُتحت المدرسة الأشرفية برسباي، وحضر واقفها فيها، كان
صاحبُ التَّرجمة ممَّن حضر، واستحضر معه مستمليه الزَّين رضوان العقبي،
فقال الشَّيخ للسلطان مشيراً للمدرسة: هذه جنَّةً ويحسُنُ كون رضوان
خادمها، فقرَّره في خدامتها الكبرى لحسن هذا التوسل](١).
وممّا نقلتُه مِنْ خطّه في تاريخ ((إنباء الغمر))(٢) ما نصه في سنة ثلاث
وأربعين: ورحل إلى القاهرة طالبُ حديثٍ الفاضلُ البارعُ قَطْبُ الدِّينِ
محمد بن محمد بن عبد الله بن خَيضر بن سليمان بن داود بن فلاح (٣) بن
ضُمَيْدَة البلقاوي، ثم الدمشقي، ويعرف الآن بالخيضري، نسبةً لجدٌ أبيه،
فسمع الكثير، وكتب كتباً كثيرة وأجزاءً، وجدَّ وحصَّل في مدة لطيفة شيئاً.
كثيراً، وتوجَّه صُحبة الحاجُ المصري لقضاء الفرض، وكتب عنّي في مدة
يسيرة المجلد الأول من ((الإصابة في تمييز الصحابة)) وقرأه، وعارض به
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب، ط).
(٢) ١٠٩/٩.
(٣) في (ب، ط): ((صلاح))، تحريف.
١٠٢٦
معي وأتقنه، ونسخ أيضاً ((تعجيل المنفعة في رجال الأربعة))، وقرأه كلَّه
وأتقنه، وسمع عدَّة أجزاء، وكتب عدَّة مجالس من ((الأمالي))، وخطُّه مليح،
وفهمُه جيد، ومحاضراتُه تدلُّ على كثرة استحضاره. انتهى.
وسأله القطب في أشياء، منها: الإذن له بالإفتاء والتدريس فما أجابه،
[بل وعده بالإجابة](١) في وقت عيَّنه له حسبما كتبه صاحب الترجمة بخطه.
وكذا التمس منه الكتابة على ((طبقات الشافعية)» من جمعه، فأجابه بما
حاصله أنه كان اللائق به نسبة ما جرَّده مِنْ حواشي نسخته ((بالطبقات
الوسطى)» للتاج السبكي إليه، في كلام فيه طولٌ، يدلُّ على مزيد تأثّرٍ منه
يتضمن عتباً زائداً، لا سيما حين رآه ينقل عن المقريزي أشياء إنَّما عُمْدَةُ
المقريزي فيها على شيخنا. قال:
ولم تزل قلَّة الإنصاف قاطعةٌ
بين الرجال ولو كانوا ذوي رَحِم
ونوَّه أيضاً بكلِّ مِنَ البدر زين ابن التنسي المالكي، والبغدادي الحنبلي
حتى ولي قضاء مذهبه استقلالاً.
وكذا نوَّه بالقاضي عز الدين الحنبلي، بحيث راج ذكره بسبب ذلك،
كما أسلفته في الباب الثاني.
وكان رحمه الله - ولي كما أسلفت في الباب الرابع - ربما نزل لبعض
طلبته أو أصحابه عمَّا يكونُ باسمِه مِنَ الوظائف السَّنِيَّة، قصداً لاشتهار
أمرهم، لا سيما فيما لا يكون لهم به شُهرة ممَّا يعلم هو تحقّقَهم به، كما
وقع له مع العلامة البدر بن الأمانة والشهاب بن المحمّرة، حيث نزل للأوَّل ـ
كما مضى - عن درس الحديث، والثاني عن درس الفقه، وقيل: لو عكس،
لكان أمسَّ، فقال: إنَّما أردتُ اشتهارهما بما لا شُهْرَة لهما به مما يعلمانه.
وكتب ورقة للظاهر يُثني فيها على بعض طلبته، ويعرفه بفاقتهِ، رجاء
إحسانه إليه وعطفه عليه.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
١٠٢٧
ومرَّةً أخرى للشيخ علي الخراساني المحتسب، ليكون واسطة بينه وبين
الظاهر، وافتتحها بقوله: القضائي الشّيخي النُّوري العبد أحمد يقبّل الأرض،
مبتهلاً بالدُّعاء الصالح لمولانا، ومذكِّراً له بما كان كلَّمه قديماً بسبب الماثل
بها، ثُمَّ أثنى عليه. قال: والمقصود الأعظم تحصيلُ ما يكُفُّ به وجهه عن
السؤال، بحيث يكون راتباً جارياً لكفايته، وسبباً مثَّصلاً بتحصيل عِفَّتِهِ،
وأجراً وافياً يضيءُ نورُه لمن ساعده في صحيفته.
ومرة أخرى إلى الزَّيني الاستادار. وتكرَّرت كتابته له مرَّة، بسبب الشهاب.
ابن أسد حتى استقرَّ به في إمامة مدرسته، ومرَّة بسبب غيره حتى استقر به في
قراءة الحديث بجامع بولاق، وطالما كان يرسل مشرفاته بسبب من يقصِدُهُ مِنَ
الطلبة ونحوهم في الحوائج إلی من یحصّل له غرضه، ولو کان المكتوبُ إلیه.
منحطَّ الرَّتبة، وربما أرسل قاصدَه وتلميذه أو غير ذلك، ولا يبخل بالثّناء على
المرسل بسببه، بل يصفُه بالأوصاف الحَسَنةِ التي يرتقي بها الطالبُ بأحسنِ عبارة
وأمتن إشارة، بحیث تکونُ عندَ صاحبَ الحاجة ۔ غالباً ۔ أشھی مِنْ قضائها،
وربما أدَّاهُ سروره بتلك الألفاظ لحفظها أو كتابة صورتها. وممن أعرف الآن
منهم مِنْ أصحابنا: الشيخ شمس الدين الجوجري والشّيخ عبد الرحيم الأبناسي
وأبو(١) حامد القدسي، وهو الذي أبهمتُه قريباً(٢)، وابن خليل.
وفي إيراد بعض ذلك - فضلاً عن جميعه الذي لا تمكن الإحاطة به - طول.
وممِّن كتب له لكلُ واقفٍ عليه في سَفْرَةٍ سافرها الشّيخ شمس الدين
النّواجي، ولجماعة مخصوصين صاحبُنا الشيخ نجم الدين بن فهد كما سيأتي.
عند اسمه مِنَ الباب الذي يلي هذا(٣).
وكذا كتب من أجلي مرَّةً قُصَّةً كاملةً بخطه لأبي الخير النَّحَّاس، فكان
مِنْ جملتها: وأنَّه مِنَ الملازمين بالاشتغال بالسُّنَّة النبوية ليلاً ونهاراً.
ورسالة للزَّيني الاستادار مرَّةً بعد أخرى في أحدهما: أنه من المهرة في
(١) في (أ): ((وأب))، خطأ.
(٢) ص ١٠١٢ من هذا الجزء.
(٣) ص ١١٢١.
١٠٢٨
العلم والمقبلين على الحديث النبوي بخصوصه إقبالاً كلْيَّاً. كلّ ذلك قصداً
للتَّنويه بالمكتوب بسببه، ورجاءً لبلوغ قصده وأربه. وكذا نؤَّه بذكر أصغر
خدامه مصنف ((الجواهر)) [بغير ما أوردته أيضاً مما](١) لا أتشاغل بيئُّه هُنا.
ويا لهفي على فراقه إلى أن ألقاه. فماذا فقدتُ مِنْ علم وحلم
وتواضع وإنصاف وبذل وبشاشة وأوصاف لا أُدرِكُ الإحاطة بها. وإذا تأمَّلتْ
آخر قصيدة في الفصل الخامس مِنَ الباب الذي قبله (٢)، علمتَ شدَّة تواضُعه
وهضْمَ نفسِه إلى الغاية رحمةُ الله عليه.
[انبساطه:]
وأما انبساطه، لا سيما في محالّ النُّزه، فمعلوم. وربما لعب الشّطرنج،
لكن في النادر جداً، بحيثُ لم يضبط عنه غير المرّة والمرتين، مع كونه عاليةً
فيه، يلعبُه استدباراً. فممَّا ضبط عنه لعبُه به مع الشهاب الرِّيشي أحد جماعته
بالمناوات بعد أن خطمه رخاً(٣). وزعم العالية محمد الحلواني الملقب
البُخْش، وهو من مدة تزيد على ثلاثين سنة عالية، أنه لعبه معه مرة سبع
دسوت، فضله صاحبُ الترجمة بثلاثة منها، وتساوياً في باقيها، والله أعلم.
وكان يلعبُه مع صهره الشّهاب بن مكنون في أوقات راحته. وحكى لي
سبطُه أنَّه لعبه بعد سنة آمد مع بعض المعتبرين. قال: وأظنه البدر بن الأمانة .
ورأيت بخطّ بعض الأعيان من الحلبيين - كما أسلفته في الباب
الثَّاني (٤) - ما نصّه:
وأما لطائفه وملاطفته للطلبة والإحسان إليهم، فلا تكاد تُوصف، وقد
كنتُ أسمع به وبأوصافه، فلما شاهدته رأيتُه فوق ذلك.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب)، وأضافه المصنف بخطه في هامش (ح).
(٢) ص ٨٨٦، ومطلعها.
بني علي قد تفاقم وزره
فليس على من خاض في عرضه وزر
(٣) الرخ: من أدوات الشطرنج. قاله في ((القاموس).
(٤) ٣٢٢/١.
١٠٢٩
عن أحمد بن عليٍّ أحسنَ الخبرِ
كانت مُسائلة الرُّكبان تخبرني
أُذني بأحسَنَ ممَّا قد رأى بصِرِي
لمّا التقينا فلا والله ما سَمِعَتْ
قلت: ومن حكاياته اللطيفة التي سمعتُها مِنْ لفظه: ما حكاه لنا عن
الشّريف البدر النّسَّابة عم الذي أخذنا عنه، وكان مِنْ جماعته، أنَّه كان شيخ
البيبرسية وناظرها، فرافع فيه الصُّوفية إلى السُّلطان، فبرز أمرُهُ بالتوجُّه لقاضي
الشرع، فحضر إليه القاصدُ، فاعتذر ابنُ أخيه بضعفه، فلم يقبل منه ذلك،
وألزموه بإخراجه ومجيئه لمجلس الشّرع، فحملوه، فلما جاء (١) وقع مغشيًّاً
عليه، فرش عليه ماء الورد، فما (٢) أفاق، فقال القاضي للصُّوفية: أنْتُم تدَّعُون
أنَّه لا يُنفق عليكم، فهو يعتذرِ عَنْ ذلك بماذا؟ فقالوا: يدَّعي العمارة، فقال
لهم: أليس هو شيخ المكان؟ قالوا نعم، فقال لهم: أليس شرطُ الواقف أن
يكون الشّيخُ ناظراً؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إنَّ الناظر يتصرَّف كيف شاء، ولا
حُكْمَ لكم عليه، فقام الشّريف حينئذٍ سريعاً، وقال: بالله يا مولانا قاضي
القُضاة [قل لهم] (٣)، فكانت مِنَ اللَّطائف، وسمع الدَّعوى عليه.
ونحو ذلك ما حكاه أيضاً عن مَنِ ادْعِيَ عليه بمسطور، فجحد أن
يكون هذا هو المكتب عليه المسطور، فتغافل القاضي عَنِ المدَّعى عليه
معظمَ النَّهار، ثم نادى: يا فلان، للاسم المكتوب في المسطور الذي أنكره
المدَّعى عليه، فبادر إلى الجواب غفلةً منه، فقال للمدَّعي: قم فادَّع عليه .
قلت: وقد بلغنا عن القاضي بكّار أنَّه دخل عليه بعضُ أُمنائه(٤) وهو
مخرَّقُ الثياب، فقال له: بعثتني لأحفظ تركة فلان، فصنع بي جارُه هذا،
فأمر بإحضاره، فأحضر، فقال له: أنت صنعت هذا بأميني؟ قال: نعم،
فقال للأعوان: خُذوه، فأخذوه فسقط ميتاً، فدهِشَ القاضي، فقال له أمناؤه،
لا تخف، فقد مات اليوم هكذا مرّتين! فاستوى الرَّجُلُ جالساً، وقال: كذبوا
(١) ((جاء)) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ): ((فلما)).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (أ)، وفي (ب): ((قل له)).
(٤) في (ب): ((أبنائه)).
١٠٣٠
والله ما مِتُّ إلاَّ السَّاعة، وعاد فرقد! فجعل بكَّارُ يرشُّ عليه الماءَ وَرْدٍ
ويُشمُّه الكافُورَ، ويرْفُقُ به ويعِدُه، إلى أن قام، فصرفه وأقبل إلى(١) أعوانه،
فقال: هدَّدتموه وجرَّرْتُموه، فلو وافق أجله؟
ومنها ما أثبته، قال: دخل أبو محمد بن حمدون النّديم مع المعتضد
الزَّلاَّقة، فأمر بلقاط الرَّطَبِ، فلما قُدْمَ إليه، قال للقَيِّم: ما اسم هذا اللون
مِنَ الرُّطب؟ قال بَرْشُوما يا أمير المؤمنين، فأمر به فضُرِبَ ستمائة سوط،
وطرح في جانب البستان، فلما قُدِّم الطّعام، كان فيما قُدِّمَ المغمومة، فقال:
يا ابن حمدون، ما اسم هذا اللَّون مِنَ الطَّبيخ؟ قال: المسرورة يا أمير
المؤمنين: فقال: مَنْ علَّمك هذا؟ قال: المطروح في جانب البستان.
وسمعته يحكي عَنْ بعضهم، قال إذا تزوج الشّيخ شابَّة، فرح صبيان الخِطّة.
وعن بعض الولاة المغفّلين أنه أُتي بمخنَّث، فقال: ما هذا؟ فقالوا:
مخنَّث يُنْكَّحْ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فقال: هو يبذلُ نفسَه وأحظُرُها أنا عليه؟!
اذهب يا ابن أخي فارتَذْ لاستك !.
وعن بعض المصحّفين ممَّن قرأ كتاب بعض الولاة لنائبٍ له في جهةٍ
من جهاته، وفيه أمرُه بأن يُحصي مَنْ قِبَلَه مِنَ المُخَنَّثين، قالها بالخاء، فكادوا
أن يهلكوا، لكن فرَّجَ الله عنهم بالاطلاع على تصحيف اللَّفظة. قلت: ويُقال:
إنَّه لم يطَّلع على تصحيفها إلاّ بعد الفعل، ولذلك قال بعضُ الشُّعراء:
بحسام برأت ألف فَلَمْ
ما رأينا ضربةً مِنْ بطلٍ
في سِجِلُ نكَّسَتْ ألفَ عَلَمْ
بل رأينا نُقْطَّةً مِنْ قَلَمٍ
وكان رحمه الله إذا سمع من يصخب في البحث يحكي حكايةً فيها أنَّ
الصَّوابَ مع الأسَدُ لا مع الأشَدُ.
ومن لطيف حكاياته ممَّا سمعتُه منه، قال: بينما جماعة بمصر - وأظنُّ
أنَّه حكى لنا أنَّه كان فيهم - إذ جاء إليهم شخص، ولعله نشأ ببادية بعيدة
وهو مذعور، وقد رأى البُلقيني وهو يدْرسُ في حلقته بالبرقوقية، فقال:
(١) في (ب، ط): ((على)).
١٠٣١
رأيتُ اليوم عجباً، وما سلَّمني من القتل إلا الله تعالى! كنتُ بالقاهرة،
فطلعتُ الجامع الذي بناه السلطان - يعني البرقوقية - فأجدُ خلقاً قد ملؤوا
إيوانها (١) الكبير، وشخصٌ في صدر المكان يصيحُ عليهم، وهم يضاربونه.
بأجمعهم، إلى أن تعبوا مِنَ الكلام، ثم قام كلّ واحدٍ منهم إلى نعلٍ،
فأخذه، وجئتُ قبل تمام الوقعة !.
ثم يحكي عقبها سواء حكاية أظن أنها قديمة تُشبهها، وهي أنَّ آخرَ
مثلُ الأول قال: دخلتُ جامعاً، فأجِدُ شخصاً على مكانٍ مرتفع وبيده سيفٌ
وهو يشتمُ مَنْ بينَ يديه ويحتدُّ عليهم، وهم سكوتٌ، وربما بكى بعضُهم
مِنْ شدَّة الخوفِ، إلى أن تعِبَ، فنزل إليهم والسِّيف في يده، فقاموا إليه
بأجمعهم ليقاتلوه، وفارقتهم قبل تمام الوقعة !.
وحكى لنا أيضاً أنَّ شخصاً سمع الخطيب يقول: حديث ((لا يدخل
الجنّة فتات))، فشرع يبكي وينتحبُ، فسأله مَنْ بجانبه: لماذا؟ فقال: أنا
حِرْفَتي بيعُ القتِّ، وقد قال الخطيب ما سمعتَ! فقال: إنَّما معناه النَّمام ..
قلت: وهذه الحكاية رأيتُها في ترجمة الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن
سعيد بن عبد الله بن الجبَّال، قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعته يقول:
كنّا يوماً نقرأ على شيخ جزءاً، فقرأنا قوله {وَل﴾: ((لا يدخُلُ الجنَّة قتَّات)).
وكان في الجماعة رجلٌَ يبيعُ القتّ، وهو علفُ الدَّوابٌ، فقام وبكى، وقال:
أتوب إلى الله مِنْ بيع القتِّ، فقيل له: ليس هو الذي يبيع القَتَّ، ولكنَّه
النَّمَّام الذي ينقُلُ الحديثَ مِنْ قومٍ إلى قومٍ، فسكن بكاؤه، وطابت نفسُهُ.
وحكى لنا أيضاً أنَّ بعضهم جلس ليبُول، فوقف بالقرب منه شخصٌ، فقال
له: منعتني نفع بولتي بوقوفك، فإنَّ الحياء منك يمنعني(٢) من إخراج الريح.
قلت: وهذا مرويٍّ عن حُميد بن هلال، فروى الحسن بن قتيبة
المدائني عن الحسن بن دینار ۔ أحد الضعفاء - قال: حدثنا حميد بن هلال،
(١) في (ط): «أبوابها»، تحريف.
(٢) في (ب، ط): ((منعني)).
١٠٣٢
قال: ذهب رجلٌ يبول، فتبعه رجلٌ، فقال له: حرمتني بركة بولي. قال(١):
وما بركةُ البَوْلِ؟ قال: الفَسْوَةُ والضَّرطَةُ !.
وقد روى سعيد بن منصور في («سننه» من طريق سوادّةً بن هانىء،
قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا خرج رجلان جميعاً لإهراقة
الماء، فليتنحّ أحدُهما عَنْ صاحبه، فإنَّ الرَّجُلَ يتنفّسُ.
وحكى لنا أيضاً أنَّ بعض أهل البوادي رُؤي في الصَّيف وهو يغتسِلُ،
فصار كلَّما غطَسَ ورفع رأسه، حلَّ عُقْدَةً مِنْ خيطٍ كان معه، وأنه كرَّر ذلك
مراراً، فَسُئِلَ عَنْ سبب ذلك، فقال: كنتُ في الشّتاء كلَّما وجبَ عليَّ
غُسلٌ، عقدتُ عُقْدَةً، فأنا في هذا الوقت أَوفي بجميع ما عليَّ مِنْ ذلك!
وحكى لنا غيرَ مرَّةٍ عن ناصر الدين بن صُغَيْرِ الطبيب(٢) أنَّ الصَّفدي
قال له: لو جلست على دُكَّان عطَّار، لارتفقت بذلك. فقال له: يا مولانا،
هؤلاء النّساء، إن لكم يكنِ الطَّيبُ يهودياً شيخاً مائل الرَّقبة، سائل اللُّعاب،
لم يكن لهُنَّ عليه إقبالٌ.
ومما سمعته يحكيه - مما في ظني أنه عزاه لبعض التَّواريخ، وأهابُ
تسميته قبل الوقوف عليها - أنَّ ثلاثةٌ مِنَ الحُدبان كانوا إخوةً في الشكل
والُّول(٣) والهيئة واللُّبس، أحبَّ بعضُ النَّاس مبيتهم عنده بداره للتَّفْرُّج على
هيئتهم وسماع ألفاظهم، ففعل ذلك، وعند تمام الأرب منهم أدخلهم في
شونةٍ (٤) عنده ممتلئة تبناً ليبيتوا بها، فانهار عليهم التّبْنُ، فأصبحوا لا حياة
بهم، فخيف مِنْ غائلة ذلك، فأعمَلَتْ جاريةٌ مِنْ جوار المنزل الحيلة في
إخراجهم بأن أرغَبَتْ بعض السَّقَّائين، وقالت له: عندنا شخصٌ أحدبُ توفي
(١) في (أ): ((قلت))، والمثبت من (ب)، حيث كتبت الحكاية بهامشها بخط المصنف.
(٢) هو ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن صغير، ولد سنة ٦٩١هـ، وتوفي سنة
٧٤٩هـ، مترجم في الدرر الكامنة ٤/ ١٩٠ - ١٩١ نقلاً عن أعيان العصر للصفدي،
وفيهما الحكاية. وترجمه الصفدي أيضاً في الوافي بالوفيات ٢٥٨/١ باختصار.
(٣) ((والطول)) ساقطة من (ب).
(٤) قال في القاموس: الشّوْنَة: مخزن الغلّة.
١٠٣٣
بسقوط التّبْنِ عليه، ولا نحبُّ العلمَ به خوفاً مِنْ غائلته. فهل لك أن تُعمل
الفكر في إلقائه في البحر ولك دينارٌ؟ فقال: نعم، فأخذه ولفّه في عباءته،
وألقاه على ظهر الجمل إلى أن وصل به إلى البحر في السَّلامة، فألقاه فيه
ورجع، فبادرت قبل مجيئه لإخراج الثَّاني، وقالت له عندما رام أخذَ جُعْلِه:
هذا هو قد سَبَقَكَ! فما شكَّ في صِدْقها، لكونه - كما قدَّمنا - شبيهاً له،
وأخذه ففعل به ما فعل بالثّاني. وهكذا فعلت بالثالث، وقاسى غلبة في:
ذلك ! .
هذا معنى ما سمعتُه، وهي هزليَّةٌ، وتمامها، وهو غاية في الظَّرْفِ،
لكن الغالبُ الظَّنِّ أنَّها مُفْتَعَلَةٌ: أنَّ السَّقاء عند فراغه مِنَ الثَّالث وطلوعه من
البحر، وجد بعضَ الحُذْبَانِ وهو ماشٍ بين يديه ومعه إبريقٌ كأنه كان
يتوضَّأ، فأدركه بعزم قويّ(١) واقتلعه مِنَّ الأرض قائلاً له: إلى متى تتبعُني:
في هذا اليوم، قد مسكتُك، ولم يزل به حتّى ألقاه في البحر وهو يصيح،
فلا قوة إلا بالله، وأستغفر الله تعالى مِنْ حكاية مثل هذا ..
وكذا سمعته غير مرَّة يحكي أنَّ بعضهم حكى أنَّ بعض البُلدان يتشجَّر
النّعنع حتَّى يُعْمَل مِنْ خَشبه السَّلالم، فقال له بعضُهم: أغربُ من هذا زوجُ
حمام راعِبِيِّ، يبيضُ في كلٌ نيفٍ وعشرين يوماً بيضتين، فأنتزعهما مِنْ تحته
وأضع مكانهما صنجة مائة وصنجة خمسين، فإذا انتهت مدَّةُ الحضان،
تفقَّسَت الصنجتان عن طَشْتٍ وإبريقٍ أو سطلٍ وكرنيب. قال: وإنَّما أراد
الثاني المبالغة، مشيراً إلى كذِبِ الأول.
قلت: وهاتان الجكايتان رأيتُهما في ترجمة صاحب ((الأغاني)) أبي
الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم الأصبهاني ..
وقريبُ الشَّبَهِ مِنْ هذا: أنَّ بعض الجماعة مِمَّن يُعْرَفُ بالمجازفة مِن
الحلبيين [حكى أنَّ عندهم بحلب](٢) من اجتمع مِنْ أولاده الذُّكور تسعة
(١) ((قوي)) ساقطة من (أ) ..
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ط).
١٠٣٤
وثلاثون وتكملة الأربعين(١) أنثى، فقال بعضُ الحاضرين: وأغربُ مِنْ
هذا ... وشرع يحكي شيئاً، وكان ذلك بين يدي صاحب التّرجمة، فضحك
وقام إلى الصلاة، قصداً لقطع ذلك.
ومما أثبته قال: رفع رجلٌ قُصَّةً إلى القاضي الفاضل بخطّ ضعيف،
رافعها اسمه شعيب، فكتب عليها ﴿يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ ﴾ ويا
خطه: ﴿وَإِنَّا لَتَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١]. فانظر لنا مَنْ يقرأ ما
تكتب، أو يكتُبُ ما نقرأ، والسلام.
وممَّا سمعته أنَّ خطيباً [ببعض القرى](٢) استضافَ شخصاً، فأقام عنده
أياماً، ثم قال له الخطيبُ: لي مُدَّةٌ أصلي بأهل هذه القرية، وقد أشكل
عليَّ مِنَ القرآنِ مواضع، فأحبُّ أن أسألك عنها، فقال: سل، فقال: في
الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ﴾. فما الكلمة التي بعدها. هل هي سبعين أو
تسعين؟ أشكل عليَّ أمرُها، فأنا أقولُها (تسعين) عملاً بالاحتياط ! .
[قلت(٣): وهذه الحكاية أسندها ابن الجوزي، فقال: حدثنا أبو
البركات محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الرُّومي، أنَّ رجلاً مِنَ النَّاس
مضى إلى قرية، فلقيه خطيبُها فضافه، فأقام عنده أياماً، فقال له الخطيب:
لي مدَّة أَصلِّ بهؤلاء، وقد أشكل عليَّ فى القرآن مواضع. قال: سل عنها.
قال: في ((الحمد)) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ﴾، أي شيء: ((تسعين)) أو
(سبعين))، أشكلت عليَّ، فأنا أقولُها ((تسعين)) عملاً بالاحتياط! حكاها ابنُ
النَّجار في ترجمة ابن الرومي].
وأنشد رحمه الله مرَّةً يخاطبُ بعضَ الطَّلبة عن شيخه العلاء ابن أبي المجد
قراءةٌ عن العلاء بن المظفّر الوداعي، وكان خاتمة أصحابه بالإجازة قوله :
متى أراه خلفه عاتٍ من الأقوام عادي
(١) في (أ): ((الأربعون)) خطأ.
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ط)، وورد في هامش (ب، ح) بخط المصنف.
١٠٣٥
ونداؤه: هذا جزاء
فأقول قد صدق المنـادي
وبقي يخاطبه بقوله: ((هذا جزاء»، والطالب لا يفهم، بل صار يعيدُها
تبعاً لشيخنا دون فهم المقصود، فإنه لو فهمه ما ذكره.
وقد قال محمد بن إسحاق صاحبُ ((المغازي)) فيما رويناه في ((النوادر
والثّف)) لأبي الشيخ ابن حيّان الحافظ: يُعجبني مِنَ القُّراء كلُّ ضِجَّاكِ بَسَّامِ،
طلْقُ الوَجْهِ، ليس الذي تلقاه ببشاشةٍ ويلقاك بوجه عبُوسٍ، يمثَنُّ عليك
بعلمه، لا أكثر الله في القُرَّاء مثل ذلك.
وممَّا رأيته مما هو دالٌّ على لُطفِ ذاته وجميل عِشْرَتِهِ: أنّني بينما أنا
أقرأ عليه بعضَ عواليه في بعض اللّيالي على العادة، إذ حضر بعضُ أصحابه:
وهو العلاَّمة نور الدين بن سالم، وكنتُ أنا وإياه وسط النّهار بين يدي
شيخنا، سمع معي(١) شيئاً ممَّا (٢) قرأته، فعندما رآه شيخُنا مقبلاً أشار إليَّ أن
إذا أمرتك بالإعادة، لا تفعل، ووصل فجلس، فقال له شيخ الإسلام: ما هذا
الحال، تغيب عن السَّماع في هذا المرويّ العالي؟ فالتفت إليَّ، وقال: لِمْ لَمْ
تُعلمني بذلك حيث كنت أنا وإياك السَّاعة؟ فلم أُجِبْه وصِرْتُ أقرأ وشيخُنا
يبالغُ في وصفه بالتَّقصير عن تفويت مثل ذلك، وهو - أعني ابن سالم - بحثُ
عليَّ في الإعادة، ولا أجيبه بكلمة إلى أن تعبّ، فقال لشيخنا: قل له يفعل،
ففعل لكنِّي امتثلتُ إشارته السَّابقة، وصِرْتُ في خجل. كلُّ هذا بأدنى إشارة،
مع سكون وإطراقٍ وعدم مزيد حركة، ممَّا لا أستطيعُ التَّعبير عنه.
وكان رحمه الله يخصّ ابن سالم مِنْ ذلك بما لم أره يُكثر فعله مع
غيره. رأيته عند سفر ابن سالم إلى صفد - وما التقيا بعدها في غالب الظّنّ
- وشيخُنا يقولُ له: يا شيخ فلان، شيخُكِ ابنُ الكُوَيْك يروي ((الشفا» غايةً
في العُلُوِّ، فما كان بأسْرَعَ مِنْ إخراجه الدَّواة والقلم، وشرع يستملي منه
ذلك، فأخذ يتلاهى عنه، تارةً بالبحث والتَّقرير، وتارة بالكتابة على
(١) (معي) ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): ((ما)).
١٠٣٦
الفتاوى، وتارة بغير ذلك، وهو يحترقُ ويلِحُ في الطَّلب، فما احتملتُ أنا
ذلك، وكنت بجانبه سواء، فأمليتُه مِنْ حفظي السَّنَدَ المشارَ إليه سرًّاً، وما
خطر لي أن يُعلمه بذلك، فبمجرّد تمامه قال: قُضيَ الأمر وبطّلت الحاجة!
فقال له: كيف؟ فأشار إليَّ، فأظهر سُروراً بذلك.
وبينهما مِنَ الْمُلاطفات غيرُ ذلك. ومع هذا كلّه، فقد قال له (١) مرَّةً
في حالة مرافقته له في السَّفر إلى آمد، عندما تكرَّر منه كَثْرَةُ صبِ الماءِ
والتَّمادي في الوضوء لوسواسٍ كان عنده، وكذا في تكرار النّيّة عند الإحرام
بالصَّلاة حتَّى يكاد يخرُجُ وقت الصَّلاة، واحتدَّ عليه: متى عدتُ أراك تفعلُ
هكذا، ضربتُ عُنُقَك! وإنَّما قاله رحمه الله مبالغةً، فأجابه بقوله: عجيبٌ،
كيف يصير ابنُ سالم عاطباً! فتبسم شيخنا.
وكان لابن سالم مُمَاجناتٌ كثيرة، مع فهم جيّدٍ وعلم، وقد قرأ على
شيخنا في ((النّسائي الكبير))، مع كونه رفيقاً له في سماعه فيه على ابن
الكُويك، لكن لجلالته عنده واحتياجه(٢) لضَبْطِ المتون السَّند، والتفقُّه في
الحديث، ولغير ذلك، رحمه الله وإیانا.
وكذا كان كثير المماجَنَةِ مع الشِّهاب الرِّيشي، أحدٍ جماعته، سمعتُ
الرِّيشي يحكي مرَّةً عن شيءٍ أدركه ممَّا اتَّفق قديماً، فقال شيخنا رحمه الله
تعالى: ((حاسبُوهم بالتَّاريخ))، ثم أسرَّ قوله: ((تجدوهم كذّابين)).
وكثيراً ما سمعتُه يقول: لا يزال العاميُّ يدَّعي الصِّبا، ويغضبُ ممَّن
يصفُه بغيره حتَّى يزاحم الخمسين، فإذا بلغ ذلك أخذ(٣) يتمشيخ ويبالغ
ويقول لمن دُونَه في السُّنِّ ما الذي رأيت؟ أنا رأيتُ السُّلطان الفلاني، واتَّفق
كذا، وأكلت كَيْتَ وكَيْت بكذا، وما أشبه ذلك، وربما يدَّعي بعضُهم
مجاوزة المائة، وإذا حقق الأمرَ فيه، لا يزيد على السَّبعين، ولهذا كان يمنع
(١) في (أ): ((لي))، خطأ.
(٢) في (ط): ((واحتياطه)).
(٣) ((أخذ)) ساقطة من (أ).
١٠٣٧
من الأخذِ عمَّن يدَّعي السِّنَّ، أو يدَّعي له مِنَ العوام ونحوهم ممِّن لو
صحّت الدَّعوى منه (١)، لدخل في عُموم إجازة القُدماء، وهو متعيِّنٌ.
وذكرت هذه الحكاية استطرداً لقوله: ((حاسبوهم بالتاريخ)) (٢).
وقال للشّهاب الرِّيشي مرَّةً وهو جالسٌ في محراب المنكوتمرية،
والشهاب بحذاء المحراب أيضاً يا شهابَ الدِّين، هل تعرفُ في القرآن
(الرَّحيم الرحمن)»؟ فبادر إلى إنكار ذلك، مع كونه ماهراً في حفظ القرآن،
بل ومِنَ القُرَّاء واستمر يبالغُ في الإنكار وشيخنا ساكتٌ وهو (٣) يكثر التَّسُّمَ،
وأطال في ذلك، فقال له: يا شهاب، ارفع رأسَكَ وانظر تُجاهَكَ، فرفع
رأسه، فرأى بصدر الإيوان المقابل له مكتوباً: بسم الله الرحمن الرحيم
﴾، فكانت مِنَ الفوائد الجليلة، واستحسنها
عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
﴿الرَّحْمَانُ
الجماعة .
وعندي مِنْ خفَّةِ خاطره، وحلاوة نادرته، ولطافة طبعه، الذي إذا
وقعت لها الكلمةُ الزَّائدةُ المستحسنة لا يسكت عنها، أمراً عجباً، وتجد كلَّ
واحدٍ مِنْ جماعته يحفظُ مِنْ ذلك ما لا يحفظُه الآخرُ، فرحمه الله وإيانا.
آمین.
ومِنْ ذلك: أنَّ سائلاً رفع له قُصَّةً يلتمسُ شیئاً مِنْ مبرّاته، فکتب له.
عليها بقدرٍ، ثم جاءه(٤) بعد قليل بقُصَّةٍ أيضاً، ظانّاً أنَّه يَخْفَى عليه قُرْبُ
مجيئه، فکتب له بهامشها :
إذا ما جَنَيْتَ جنى نَخْلَةٍ فَلا تَقْرَبَنْهَا إلى قابِلِ
ونحو هذا: أنه عزل أحدَ نوَّابه شمس الدين بن خيرة، فتوسَّل عنده
(١) ((منه)) ساقطة من (ط).
(٢) ((بالتاريخ)) ساقطة من (ب).
(٣) ((وهو)) ساقطة من (ب، ط).
(٤) في (أ): ((جاؤوا)).
١٠٣٨
في عَوده بحارة الأمير يشبك فأجابه، لكن عيَّن له الجلوس بمجلس الهلالية
بالدَّجاجين، ليكون مبعداً عن أميره المشار إليه، فلم يقنع بذلك، وتوسَّل
ثانياً بالأمير المذكور، فكتب له:
إذا أنت لم تقنَّعْ ورُمْتَ زيادَةً ندِمْتَ ولم تأمَنْ زوالَ الذي حَصَلْ
وقريب من ذلك: أنَّ أحد النُّوَّاب، الشِّهاب أحمد بن محمد بن الدقاق
المصري، حضر إليه حين عودِهِ للقضاء في بعض المرَّات، يلتمسُ استنابتَه
على العادة، فوجد جَمْعَاً مِنَ الثُّواب قد سبقوه إليه، فقضى أربهم، ودخل إلى
منزله، فسيَّر إليه (١) قصَّته مع بعض الخُذَّام، فعاد بها بدون الغَرَضِ، فجهَّزها
له ثانياً بعد أن كتب فيها ما معناه: إنَّه إن لم تقض حاجته شكا إلى الفقراء،
فأجابه بما نصّه: أمَّا ابن الدقَّاق، ففاتته الدقة، فإنه غاب، ومَنْ غاب خاب،
وأكل نصيبه الأصحاب، وما مَثَلي ومثَلُه إلا كمثل رجلٍ جاء إلى الطّحان
بزَنبيله، فقال: قدِّمني على غيري، وإلاَّ أدعو عليك يَنكَسِرْ حَجَرُكَ وتموتُ
دوابُّك، فقال: إن كنتَ مستجابَ الدَّعوة، فادعو لقمحك يبقى دقيقاً.
ومنه فيما بلغني: أنَّ شخصاً به حَوَلٌ مِمَّن كان يعارض (٢) المجاورين
بالأزهر، فصاروا يكتبون له بحائط محلٌ جلوسه: لا حول ولا قوة إلا بالله،
فاستفتى صاحب التَّرجمة عن ذلك، ورام أن يجيبه بتعزير فاعِلِه، فكتب له
ما نصّه: لا حول ولا قوَّة إلا بالله كنزٌ مِنْ كنوزُ الجنّة.
ومنه: أن بعضَ الطَّلبة قرأ: ((وله حُصَاص))(٣)، أعجم أوَّله، فردّ عليه
بقوله: ((حاء)»، فكانت مِنَ اللَّطائف.
وكان مرَّةٌ يفرِّقُ على الفقراء دراهمَ، لكلِّ شخصٍ درهماً، فجاءتهُ امرأةٌ
مِنَ الفُقراء مِنْ شُبَّاك المدرسة وهو جالس بها، فقالت له وهي رافعة
(١) (له)) ساقطة من (ب، ط).
(٢) في (أ): ((يعارضه)).
(٣) يشير إلى قوله : ((إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص».
والحصاص: الضُراط. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ٩٠.
١٠٣٩
سبَّابتها: يا سيّدي وُحَيِّد، فقال مِنْ غيْرِ أن يُسْمِعَها: توجَّهي لبعلِك.
واجْتَازت امرأةٌ أخرى ولها رائحةُ عطِرَةٌ، فقال له شخصً بجانبه
كالمُنكِرِ عليها: انظرُ إلى هذه الرَّائحة، فقال له: رايحة جَايَة.
وكثًّا معه في الدَّرس بالمقعد، فقام الهواءُ، بحيثُ طارت أوراقُ بعضٍ
الحاضرين مِنْ بين يديه، وكان في المجلس الشَّيخ حسين الشيرازي العجمي
- عرف بالفتحي(١) - فقال مخاطباً لصاحب الأوراق: يا شيخ ثقِّل، فقال له
صاحبُ التَّرجمة: بعد العصر.
وحضر إجلاساً لناصر الدين بن السَّفَّاح، فقال لعمه - وهو كاتب السُّرِّ
إذ ذاك - بعد فراغه مِنَ المجلس: والله يَسْرُد مليح.
وجلس مع رفقته مِنْ قُضاة المذاهب(٢) وغيرهم وهم راجعون مِنَ
السّفر إلى آمد، فذكر كلّ واحدٍ منهم ما يحتاجُ لشرائه مِنَ القماش ونحوه:
هديَّةً لأهله وغيرهم، فقال واحدٌ منهم: أمَّا أنا، فأشتري لهم حِمْلَ جوز
ولوز وزبيب وتين (٣)، فقال له صاحبُ التَّرجمة بديهةً: هذه هدية عزَّة،
فاستحسنها الحاضرون، لأنَّ تصحيفها ((عُرَّة)).
ووقف إليه شخصٌ مِنَ الشُّطَّار، فقال له بلفظه المألوف: الله يسعدك . .
فالتفت إليه مباسطاً له، قائلاً: أيش أنت، فقال خثعم، فقال له: إنهم
وسَّطوه، فقال الشَّاطر: إنَّه نَبَتَ.
وسمعته يحكي قضية(٤) العِرْسِ وتغطيته، ومجيء أمِّه ودورانها حول
ابنها ترجو إطلاقه، وأنَّه طال ذلك عليها، فبادرت وأحضرت في فمها
ديناراً، ثم آخر، ثمَّ آخرِ حتَّى استوفت عدداً، وأنَّها جاءت بالخِرْقَةِ بعد
ذلك، إشارةً إلى فراغ ما عندها، فأطلق بعدَ ذلك. لكن ما علمتُ هل
(١) في (ط): ((الشهير بالفتحي)).
(٢) في (أ): ((المذهب)).
(٣) ((وتين)) ساقطة من (أ).
(٤) في (أ): ((قصة)) ...
١٠٤٠