النص المفهرس
صفحات 1001-1020
ولياً، فقد بارزني بالمحاربة ... )) الحديث. والعلماءُ همُ الأولياء، لا سيّما وقد أسلفتُ(١) التَّصريحَ عَنْ بعض أهلِ الأحوالِ بولايته وقُطبيّته وغير ذلك، بل وسيأتي قريباً ذكرُ شيءٍ مِنْ كراماته . ومنها: أنَّه بلغني ممَّا لم أسمعه منه، أنَّه قال في حقُ القاضي بدر الدين السَّعدي الحنبلي: صِغَارُ قومٍ كبارُ قوم آخرين، وظهر تصديقُ مقاله فيه بعد أزيدَ مِنْ خمسةٍ وعشرين سنة. قلت: ولقد رأيناه - رحمه الله تعالى - إذا بالغَ في الغضب على أحدٍ مِنْ خَدَمِه أو أتباعه، يقول: إنا لله. وهذا قريبٌ ممَّا حكاه العجلي في ترجمة عبد الله بن عَوْنِ البصري أنَّه كان إذا غَضِبَ على أهله، قال: بارك الله فيك، وأنَّه قال لابنٍ له يوماً: بارك الله فيك، فقال له الابن: باركَ الله فيَّ؟ قال: نعم. قال له بعضُ مَنْ حضره: ما قال لك إلا خيراً. قال: ما قالَ لي هذا حتَّى أجهَدَه. انتهى. ولم يكونوا رضي الله عنهم ممَّن يعوِّد لسانه الفُخْشَ. قال السيد عيسى عليه وعلى نبيّنا أفضلُ الصَّلاةُ والسَّلام لخنزيرِ لقيه: اذهب بسلام. فقيل له في ذلك، فقال: أكرَهُ أن أعوِّدَ لساني النُّطْقَ بسوءٍ. قلت: ومع وُفور حلمه، وعدم سرعة غضبه، فكان سريعَ الغضبِ في الله ورسوله، ويصرح - كما سلف في أول أجوبته في الفصل الخامس مِنَ الباب السادس - باقتداء النّاس في هذه الأزمان بأولي الجهل، وعدم معرفة الحقُّ، وسيادةِ الوَضيع، وتغيَّر الأحوال، حتَّى عاد الدِّينُ غريباً، إلى غير ذلك ممَّا يشهدُ لصدعه بالحقِّ، وعدم المبالاة في الله تعالى، واتَّفق - كما سمعتُه منه مراراً - أنَّه جرى بينه وبين بعض المحبّين لابن عربي منازعة كثيرة في أمرِ ابن عربي، أدَّت إلى أن نال شيخُنا مِنَ ابنِ عربي لسُوء مقالته، فلم يسهل بِالرَّجُلِ المنازع له في أمره، وهذَّده بأن يُغْرِيَ به الشّيخ صفاء الذي كان الظَّاهرُ بَرقوق يعتقدُه، ليذكرَ للسُّلطان أنَّ جماعة بمصر منهم فلان (١) ص ٩٨٨. ١٠٠١ يذكرون الصَّالحين بالسوء، ونحو ذلك، فقال له شيخنا: ما للسُّلطان في هذا مدخَلٌ، لكن تعالَ نتباهل، فقلَّما تباهَلَ اثنان، فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، فأجاب لذلك: وعلَّمه شيخُنا أن يقول: اللَّهمَّ إنْ كان ابنُ عربي على ضلال، فالعَنْي بلَعْنَتِكَ، فقال ذلك: وقال شيخنا: اللَّهُمَّ إنْ كان ابنُ عربيٍّ على هُدى، فالعني بلعنتك، وافترقا. قال: وكان المعانِدُ يسكُنُ الرَّوضةَ، فاستضافه شخصٌ مِنْ أبناء الجُند جميلُ الصُورة، ثمَّ بدا له أن يترُكَهُم، وخرج في أوَّل اللَّيلِ مصمّماً على عدم المبيت، فخرجُوا يشيّعُونه إلى الشّختُور، فلمَّا رجعَ أَحسَّ بُشيءٍ مرَّ علىَ رجله، فقال لأصحابه: مرَّ على رجلي شيءٌ ناعم، فانظروا، فنظروا : فلم يَرَوا شيئاً، وما رجع إلى منزله إلاَّ وقد عَمِيَ، وما أصبح إلا ميتاً. وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وتسعين، وكانتِ المباهلةُ في رمضان منها، وكان شيخُنا عند وقوع المباهلة عرَّف مَنْ حضر أنَّ مَنْ كان مُبطلاً في المباهلة لا تمضي عليه سنة. قلت: وقد أشار صاحبُ الترجمة أيضاً إلى القصّة في ((شرح البخاري)). أواخرَ المغازي عَقِبَ حديثِ حُذيفة رضي الله عنه، قال: جاء العاقِبُ والسَّيِّدُ صاحِبًا نجران إلى رسول الله وَ* يريدان يلاعناه أي يباهلاه، قال: فقال أحدُهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لَئِنْ كان نبيّاً فلاعنَّاه، لا نُفْلِحْ نحنُ ولا عقِبُنا مِنْ بعدنا(١). قالا: إنَّا نُعطِيكَ ما سألتنا، وذكرَ الحديث، ما نصُّه فيه مشروعيَّةُ مباهلة المخالف إذا أصرَّ بعدَ ظهورِ الحُجَّةِ، وقد دعا ابنُ عِيَّاسٍ رضي الله عنهما إلى ذلك، ثمَّ الأوزاعي، ووقع لجماعةٍ مِنَ العُلماء. ومما عُرِفَ بِالتَّجربة أنَّ مَنْ باهل وكان مُبطلاً لا تمضي عليهِ سَنَةٌ مِنْ يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخصٍ كان يتعصَّب لبعض الملاحِدَةِ، فلم يُقِمَّ بعدها غيرَ شهرين. وقد حاكى صاحب التَّرجمة في ذلك بعضٌ مِنّ الحُظوظ الدُّنيوية غالبة (١) في (أ): ((من بعدها). ١٠٠٢ عليه، ويروم عليها اعتماد صنيعه، لا سيَّما في شخصٍ يتجاذّبُ أطرافه جماعة فيهم مِنْ كائنته معه متراخية عَنْ كائنة المُشار إليه، فلا سمع ولا كرامة، بل نحمَدُ الله عز وجل على العافية، ونسألُه إلهامَ رُشدِنا، ونستعيذُ به مِنْ شُرور أنفسنا. وأدى عدمُ إخلاصه إلى المبادرة لمخالفته والتَّصريح بانتقاصه، حتَّى قال فيه بعضهم عقب بيت ما أحببتُ إيراده هنا: لو قالَ إنَّ الشَّمسَ تظهَرُ في السَّما وقَفَتْ ذَوُو الألبابِ عَنْ تصديقه وحضر إلى صاحب الترجمة شخصٌ من ضواحي حلب، فاستأذنه للقراءة عليه عَقِبَ مجلسِ الإملاء فأذن له، فبادر بإحضارٍ كُرسيٍّ، ووضعه وسط المكان، ثمَّ صعد عليه، وشرع في القراءة، فتبيَّن أنَّ في المقرُوء أشياءَ موضوعة، ونحو ذلك، فانزعج صاحبُ التَّرجمة، وسارع للقيام بعدَ أنْ نهرَ القارِىءَ، قائلاً له: أردت أن تقولَ: قرأتُ هذا على فلان، أو كما قال. وكأنَّه فَهِمَ مِنْ قرائن الحالِ جُرأةَ الرَّجل وإقدامَه، وخَشِيَ الاغترارَ به، فبادر للإنكار عليه، وعَدَدْتُ ذلك مِنْ كشفه، فإنَّ المشارَ إليه صار يقصّ على النَّاس، ويُكثر مِنْ إيراد الأكاذيب والمُهمَلات، فلا حولَ ولا قوَّة إلا بالله . وكذا اتَّفق له مَغ شخصٍ رام قراءة ((شرح النخبة)) عليه، فما أجابه، وتبيَّن تلبُّسَه بما لا يليق اعتقاداً وعملاً. وأحضر إليه شخص مصنّفاً له في الحدود والضوابط، رام تقريظه له، فبادر ودفع له ديناراً، واعتذر عن عدم كتابته. واتَّفق أنَّ صاحبَ التَّرجمة رحمه الله كان شديدَ الإنكار على المنجُّمين ممَّن يَخُطُّ بالزَّمل ونحوه، فسمع ذلك منه بعضُ من كان يحضُر مجلسه، فأخذَ في الإنكار على شيخ كان يتعيَّشُ مِنْ ذلك، مع كونه طعن في السِّنْ، وكان مِنْ جملة قوله له: اعتقادُ هذا كفر مِنْ أجلِ ادعاء علم ما يكونُ قبلَ كَوْنِه، فبادر المشارُ إليه، وشكا الطَّالب لصاحب التَّرجمة، فاشْتَدَّ إنكارُه على ١٠٠٣ المنجّم، وقال له بصوتٍ مرتفع: صدق(١)، هذا كفر. وجاء مرَّةً مجلس الإملاء، فوجد شخصاً مِنَ الجماعة قد آذى بعضَ الفضلاء، لكونه جلس فوقه، بحيثُ حكى لي مَنْ أثِقُ به أنَّه برك عليه والخنجرُ في كمِّه، وكان بينهما ما لا يليقُ ذكرُه، فانزعج لذلك، حتى إنَّه لم يؤدِّ مجلسَ الإملاء كعادته(٢)، وقال: خرجَ النَّبِيُّ وَّ ليخبرَ بليلة القدر، فتلاحى رجُلان، فرُفِعت. الحديث. والحكايةُ منتشرةٌ بين أصحابنا مَعْ أشياءَ مِنْ هذا النَّمط وقعت لهذا : المُهْمَلِ، أظرَفُها أنَّه خرجَ ليلةً مِنْ مجلس صاحبِ التَّرجمةِ بعدَ العشاء هو وصاحبُّنا الشّيخ السُّنباطي والشَّيخ تقي الدين القلقشندي، فمشى السُّنباطي بجانبه، وكان المشارُ إليه بالجانب الآخر، بحيثُ صار الثّقي في الوسط، فتغيَّظ على السُّنباطي، وقال: لِمَ لَمْ تمشٍ بجانبي حتى أكون في الوسط، إلى غير ذلك ممَّا له غيرُ هذا المحل، نسأل الله التوفيق. وأما حسن سياسته ومداراته، فلا يُلْحَقُ في ذلك. وأما صبرُه على مَنْ تعرَّض له مِنَ الحوادث البدنيّة والماليّة، وعدم إعلامه بذلك كبيرَ أحدٍ، فغير خفيٍّ. وسمعتُ بعضَ خُدَّامه يحكي - والله أعلمُ بصحّته - أنه بينما هو راكبٌ في بعض توجّهاته، إذ أحس بشيءٍ مِنْ داخل خُفْه، بحيثُ صار يتضوَّرُ، لكن وهو صابرٌ لا يتكلّمُ، إلى أن رجَعَ، فوجدوا ذلك عقرباً، وكانتٍ السَّلامة على غيرِ القياس. قلت: وقد حكى صاحبُ ((الشِّفا)) عن عبد الله بن المبارك: قال: كنتُ عند مالكٍ رحمه الله وهو يحدِّثُنا، فلدَغَتْه عقربٌ ستَّ عشرة مرة، وهو يتغيَّر لونُه ويصفرُّ، ولا يقطَّعُ حديثَ رسول الله وََّ، فلمَّا فرغ مِنَ المجلس، (١) ساقطة من (ب). (٢) في (ب): ((على عادته" ١٠٠٤ وتفرَّق عنه النَّاسُ، قلت له: يا أبا عبد الله، لقد رأيتُ اليومَ مِنْكَ عجباً! قال: نعم، إنَّما صبرتُ إجلالاً لحديث رسول الله وَظاهر. انتهى. ومن صبره أيضاً: أنَّه وضع يده على قُربوص السَّرج عند إرادته الرُّكوب، فلدغَتْه عقربٌ، فرجع إلى منزله مِنْ فوره، وأخذ موسى، فشرط أصبعه . وطُعِن مرّةً في طاعون سنة ثمان وأربعين، فبالله ما علِمْتُ بذلك. وكذا توعَّك في سنة اثنتين وثلاثين، فما عَلِمَ به كثيرُ أحدٍ، وعُوفي عَنْ قرب، فاستعرض أهلَ السُّجونِ، وصُولح مَنْ له دَيْنٌ مِنْ مال شيخنا، وحصل لجمع كثيرٍ مِنَ النَّاس فرج كثير. أمَّا صاحبُ الدَّين، فلِيَأْسِه مِنْ حصول شيءٍ مِنَ المسجون، وأمَّا المسجون، فلِمَا كان يقاسيه مِنْ شدة الحرِّ وغيره. [وفي ذلك يقول: كلُّ الورى تقديه بالأحداقِ مولاي يا قاضي القُضاة ومَنْ غَدَتْ وسَمَوْتَ للعلياء باستحقاقٍ هُنْيتَ عاماً مقبلاً يا سيدي وأسَرْتهم بمكارم الأخلاقِ أهلُ الحُبوسِ بأسْرِهم أطلقتَهُمْ فلأنْتَ ممدُوحٌ على الإطلاقِ](١) كم مِنْ لسانٍ بالثّنا أطلقتْه بل حكى لي العزُّ السُّنباطي عَنِ الزَّين عبد الغني القِمَني أنَّه عرض له في عينه عارضٌ، بحيث لم يكُنْ يُبصِرُ بها كبير شيء، وأنَّه أخفى ذلك عَنْ كلٌّ أحد. ونحو هذا ممَّا يدلُّ على وُفُورٍ عقله وثباته وعدم طَيْشِه، أنَّه بينما هو وأصحابُه بعدَ العشاء على العادة، سقط مِنْ سَقْفِ المدرسة ثُعبانٌ بحذائه، فقام مَنْ عنده فزعاً، وثبت هُو مكانه، فلم يتحرّك. قلت: وكذا يُحكى عَنِ ابنِ المبارك أنَّه قال: ما رأيتُ أوقْرَ مِنْ مجلس (١) ما بين حاصرتين من (ط)، ولم يرد في (أ، ب، ح). ١٠٠٥ أبي حنيفة رحمه الله، كان يوماً في المسجد الجامع، فوقعت حيَّةٌ في حجره، فهرب النَّاسُ غيرهُ، وما زاد على أن نَفَضَ الحيَّةَ وهو جالسٌ مكانه. وكذا رواها شقيقٌ بنُّ إبراهيم البلخي عن أبي حنيفة، وفيها: أنَّه نفضها وما زال عَنْ مجلسه، ولا تغيَّر لونُه. قال: فعرَفْتُ أنَّه صاحب يقين. وبالضُدٌ مِنْ ذلك: ما شاهدتُه مِنْ بعضِ مَنْ أخذتُ عنه وأنا معه في جماعة، وقع مطرٌ غزيرٌ وفيه بَرَدّ كبار، فسقط عليه بعضُه، فقام فزِعاً، وعذرته والله في ذلك، فإنَّه كان أمراً مَهُولاً. رحمهم الله أجمعين. ومن وُفورِ صبره: أنه لمَّا امتُحِنَ في أَيَّام القاياتي بإخراج البيبرسيَّة، ثم في أيام السَّفطي بغيرِ ذلك واشتدَّ الأمرُ، كما أسلفناه، كان يُبالِغُ في الحمد ويقول: لو أمرَ السُّلطانُ بإخراجي [من هذا البلد](١) مَنْ كان يمنعُه مِنْ ذلك؟ فما هذا إلا من لُطف الله عز وجل بي، وإن كنتُ أعلمُ أنَّني أكونُ في غير هذا البلد أشدِّ تعظيماً وأكثرَ احتراماً، إلا أنَّ حبَّ المرء وطنه مِمَّا جرتِ العادةُ به، لا سيما وفيه شماتة الأعداء وغير ذلك. وقد أنشد بعضُهم : وسافِر ففي الأسفارِ خَمْسُ فَوائدٍ تغرَّبْ على اسمِ الله والتَمِسِ الغِنَى وعِلمٌ وآدابٌ ورِفْعَةٌ مَاجِدِ تُفَرُّجُ نفس والتِمَاسُ معيشةٍ وتشتيتُ شملٍ وارتكابُ شَدَائِدِ فإن قيل في الأسفارِ ذِلَّ وغُزْبَةٌ فلَلْمَوْتُ خيرٌ للفتى مِنْ مقامه بدارِ هَوانٍ بين واشٍ وحاسِدٍ وأما بذله وسخاؤه فكان عجباً يعسر (٢) استقصاؤه: ومنه ما حكاه لي بعضُ أحبابه ممِّن أثق به أنَّه شكا إليه في وقتٍ مِنَ (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٢) في (ط): ((يقصر))، تحريف. ١٠٠٦ الأوقات التي كان فيها ضيِّقَ الصَّدر بسببٍ مَنْ أفحشَ في معارضته ديناً يكونُ قدرَ ستة عشر ديناراً، فدفع له ذلك جُملةً. وكان في كلّ قليلِ يُعطي أجلِّ جماعته - وهو شيخنا العلامة ابن خضر ــ مالاً جزيلاً يفرّقُه عَلَى الطَّلبة ونحوهم، ويدفَعُ هو لجماعةٍ آخرین، ويجتمع الغوغاءُ مِنَ الفُقراء في يوم مِنَ السَّنة، فيتولَّى التَّفرِقَةَ عليهم غالباً بنفسه أو بحضرته، ويتفقّدُ أناساً مِنَّ المعتبَرِينَ في العلم وغيرهم بالإرسال إلى محالُهم، ومنهم القاياتي وابنُ الدَّيري وابنُ الهمام والعزُّ بنُ عبد السَّلام البغدادي والكمالُ الشَّمُنِّي والبدرُ البغدادي الحنبلي، حتى في أوائل ولايته قضاءَ الحنابلة، وأضرابهم. وحكى العزُّ عبدُ السَّلام المذكورُ، قال: امتدحته بسبعة أبيات، فأثابني عليها سبعة دنانير. بل كان في كلُ قليلٍ يتفقَّدُ المحابيس، ويصالحُ عنهم مِنْ ماله، ويُخْسِنُ للفقراء مِنْ جيرانه، كالفقيه شمس الدين السعودي الضرير وغيره. وفي عشر الأضحى يدفَعُ لبعض خواصِّه مائة دينارٍ ليشتريّ بها ضحايا برَسْم الطّلبة ونحوهم، كما بلغني، أو يفرُقِ ذلك دراهم، وكذا يدفَعُ إلى جماعةٍ كثيرين في رمضان عسلاً وبعضهم سُكْراً، وبعضهم دراهم، توسعةً في نفقة الشّهر المذكور، إلى غير ذلك مما لا أطيل بإيراده، لا سيما وهو قد كان يُخفي ذلك جهدَه، حتى إنَّه أخرج مِنْ جيبه دراهم، ودفعها إليَّ أَقَسْمُها بين ثلاثةٍ جلسوا تُجاهه، توسَّمَ فيهمُ الحاجة، فما رأيتُ القسمة تَصِحُ، فقلت له: القسمةُ متعذرةٌ، من أجل أنَّ العدد كذا، فتغيَّظ عليَّ، لكوني أعلمتُه بالكمِّيَّة، وفهِمْتُ حينئذٍ منه أنَّه يرى حُصولَ صدقة السِّرِّ بذلك للجهل بالقدر. وقد قال هو في ((فتح الباري)) ما حاصله: إنَّ المقصودَ مِنْ الحديث: المبالغةُ في إخفاء الصَّدقة، بحيثُ إنَّ شمالَه، مع قُربها مِنْ يمينه وتلازُمهما، لو تُصُوِّرَ أنها تعلم، لم تعلم ما فعلتِ اليمينُ، لشدَّة إخفائه. قال: ويحتمل أن يكونَ مِنْ مجاز الحذف، والتَّقديرُ: حتَّى لا يعلم مَلَكُ شماله، أو حتى ١٠٠٧ لا يعلم مَنْ على شماله مِنَ النَّاس، وأبعدَ مَنْ زَعَمَ أنَّ المراد بشماله نفسه، وأنّه مِنْ تسمية الكلّ باسم الجزء، فإنَّه ينحلُ إلى أنَّ نفسه لا تعلمُ ما تُنفق نفسه. وقيل: إنَّ معناه التَّصَدُّقَ على الضَّعِيف والمكتسِب في صُورةِ الشِّراء، لترويج سلعته، أو رفع قيمتها، وهذه إن أريد أنها مِنْ صوَر الصَّدقة الخفية، فمسَلَّم. أما كونها مراد الحديث خاصَّةً فلا. انتهى. ومما اتفق في هذا النوع مما يدل لكرامته: أنَّ بعضَ الفُقراء مِنْ طلبة العلم المُتردِّدين للاستفادة(١) منه حضر إليَّ، وذكر حاجةً، واستشارني في بيع بعضٍ كُتبه، ظانّاً حُصولَ شيءٍ مِنِّي، فما تيسّر، وحضرَ على العادة آخرَ النّهارِ، فلمَّا تمَّ الدَّرسُ وقام شيخُنا ليدخُلَ، وقف على بابٍ خَلْوَتِهِ وناداه، فدفع له ديناراً. وحكى لي الشيخُ إبراهيم بنُ سابق الغمري إمامُ المنكوتمرية، قال: كنتُ عنده في وقتِ عشائه، فأمرني فجلستُ بجانبه، وكنت آكُلُ يسيراً حيث حدَّثَتْنِي نفسي بشيءٍ مِنْ جهة كونه قاضياً. قال: فما تمَّ ذلك حتَّى قال لي: كُلْ يا إبراهيمُ وأنت طيِّبُ الخاطر. وطالما كان بعضُ الطلبة ونحوهم يقترضُ منه المبلغ الكثير، ويكتبُ له وثيقةً مِنْ تلقاءِ نفسِه بذلك، فإذا تيسّر له ذلك، ودفعه إليه، أعطاه منه قدراً كبيراً، فيقع موقعاً عظيماً عند المدين. واتّفق أنَّ شيخنا ابنَ خضر توفي ولصاحب التّرجمةِ عليه مبلغٌ سبعين ديناراً، اقترضها منه مِنْ مدَّةٍ طويلةٍ، فرام شراءَ نسخته بفتح الباري مِنْ تركته، ليوقفها على الطلبة لأجل اعتمادها وإتقانها، فالتمس منه الجمالي ناظر الخاص (٢) أن يترُكّها له، ففعل. ولما أحضرَ المبلغَ الذي له، لم يلتَفِتْ لذلك، بل أشارَ بقطع خمسةَ عشر ديناراً منه للأولاد، لكونه كان سكَنَ بالحلبيَّة في بيتهم بجامع صاروجا شهراً، والأجرةُ لا تساوي ذلك، (١) في (أ): ((للاستفتاء)). (٢) في (ط): ((الخواص)). ١٠٠٨. وبثمانية دنانير برَّاً لهم، وبنحوِ عشرةٍ دنانير عَنِ النواجي ثمن ((مشتبه النسبة))، فإنه كان اشتراه مِنَ الشّركة، فذهب نحوُ نصفِ المبلغ احتساباً، مع أنَّه قال: إنَّ القدر المتأخّرَ هو لهم، يشير إلى أنه يبرُهُم به بعد ذلك شيئاً فشيئاً، واعتذر عَنْ عدم تركه بيد المتكلّم. وبلغه عَنْ شخصٍ مِنْ أصحابه أنَّه اقترض مِنْ بعضهم مبلغ خمسين ديناراً بستّين، وارتهن عنده كتباً، فتألْم لذلك، ثمَّ أمر شخصاً مِنْ جماعته بالتوجّه للنَّقيب شهاب الدين بن يعقُوب، يأمرُه بدفع الخمسين لمن عنده الكتب، واسترجاعها منه، ففعل. وأحواله - رحمه الله - في ذلك كله أشهرُ مِنْ أن تذكرَ. وكان يأتيه في كل خميس شخصٌ، أظنُّه مِنْ أصحاب الأحوال، فيقفُ وهو راكب حماراً خلف الشَُّّاك المقابل لمحلٌ جلوسه بالمَنْكُوتمرية، ويقول بصوت شجيٍّ: يا فتاحُ يا رزَّاقُ يا كريم، أنت الله، لا تجعل يا مسكين في قلبك إلا الله، فيبادر بإخراجِ دراهمَ مِنْ جيبه، ويرسِلُها له. وأغربُ ما بلغني في كرمه مما صحَّ عندي: ما أخبرنيه العلاَّمةُ الشّهابُ أبو الطَّيِّبِ الحجازي غير مرة، قال: بينما أنا في آخر يوم مِنْ رمضان بالقراسقرية، إذ مرَّ بي صاحبي الشيخ محب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عُثمان الطَّوخي، وكان له أربع سنين منفرداً عَنِ النَّاس، فسلّم عليَّ، وسألني: هل أتوجه في غد للسَّلام على صاحب الثّرجمة، فعرَّفتُه أنَّه لم تجرِ لي عادةً بالتَّهنئة في الأعياد والشُّهور، فقال: أُحِبُّ أن تفعلَ ذلك مِنْ أجلي، وتقول له: فلانٌ بأمارة ما لَهُ عندَك مائةٌ ألفٍ يسلِّمُ عليك. قال الشِّهاب: فاستثقلتُ هذا، وقلت له: لا أحبُّ هذه الرسالة، فقال لي: افعل ذلك، فهو لا يكرَّهُهُ، وشرع يحكي لي سببها، فقال: جئتُه يوماً، فسلَمْتُ عليه، وشكوتُ له إفلاساً، فقال لي: احتكِمْ عليَّ، فقلت له: مائة درهم. قال: فأنَّفني، وقال: ما ظنَنْتُ همَّتك تُؤدِّي إلى هذا وأنت رفيقي في الاشتغال وصاحبي، ومِنْ أهلِ الفضل، وقد أضمرتُ في خاطري أنَّكَ - والله - لو طلبتَ مائة ألف، أعطيتكها، ولكن ١٠٠٩ هي لك دَيْنٌ عليَّ، ثم دفع إليَّ عشرين ديناراً. قال الشهاب: فلما كان الغد، حيثُ شيخُنا صاحبُ الترجمة، كما طلب المحبُّ منّي، فلاطفني على العادة، وأجلسني بحذائه على السِّماط، فقلتُ له: معي رسالةٌ إليكم مِنْ فلانٍ، فقال: أهو موجودٌ، فلي مدَّةٌ ما رأيتُه؟ فقلت: إنَّ له الآن أربعَ سنين مُخْتَلياً، وقد جاءني بالأمس، وذكر لي شيئاً لا أحبُّ ذكره، فقال: قل، فقلتُ له: إنَّه قال لي: إنَّ له معكم مائةَ ألفِ، مع أنّي سألته أن يرفَعَ عِنِّي كُلْفَةَ تبليغ ذلك إليكم، فقال: لا تفعل، فإنه يُحِبُّ ذلك، فلما ذكرتُ ذلك، قال شيخَنا لي: فهل ذكر لك السَّببَ في ذلك؟ فقلت: نعم، وسكتُّ، فشرع يحكيه كما حكاه لي المحبُّ سواء، ثم قال عَقِبَ الحكاية: أرْسِلْهُ لي. انتهى. وهذه الحكاية ما سمعتُ في كرمه أبلغَ منها، فرحمه الله. وحضرت إليه مرَّةً جاريةٌ مِنْ معتَقاتِ وصيّه ابن الخُروبي ممَّن لها عليه نَوْعُ تربيةٍ وخدمةٍ، فشكت إليه حالها، فأعطاها عشرةَ آلاف درهم، وألزمها بإعلامها إيَّاه إذا فرَغَتْ، ليُزْدِفَها بغيرها، وبالغ في إكرامها، وأعلم الجماعة بما لها عليه مِنْ حقِّ التَّربية ونحو ذلك .. هذا بعد أن قالت له: يا ابني يا أحمد، قد صِرْتَ إلى أمرٍ عظيم، أو نحو ذلك. والتمس شخصٌ مِنَ الشّيخ مدين والشّيخ عُبادة الإرسال إليه بسبب وفاء دَيْنٍ كان عليه، وهو أربعُونَ ديناراً، فلم يفعل ذلك، لعدم عِلْمِهما بصحّة دعواه، فذهب هو بنفسه إليه، وأظهر انتساباً لكلٍّ مِنَ الشَّيخين، ولوَّح بمعرفتهما بدَيْنِهِ، فلم يُكذِّبْ خبرَه، بل بادرَ ودفَع له عشرين ديناراً، وقال له: سل الشيخين (١) في إعلامي بحقيقةٍ ذلك، وأنا أُكمل الباقي، فتوجَّه إليهما أيضاً، وحكى لهما ما انَّفق، فزبرَه الشَّيخ عُبادة، وقال: إن لم تكفَّ عنَّا وإلا أرسلتُ إليه أنَّا لا نعلم صحَّة ذلك، أو كمال قال. وكان لمزيد رغبته في البِرِّ وصلة الرَّحِم، يميل لمن يبلغُه عنه ذلك، فحكى لي القاضي علاءُ الدين البلقيني حفيدُ شيخ الإسلام الجلال البلقيني، ! (١) في (ط): ((الشخصین». ١٠١٠ قال: كان زوجُ والدتي الشّهابُ أحمد بن قطب يجلِسُ بحانوتِ العُدول بميدان القمح، فرمت الجُلوسَ معه، فتأثَّرَ لذلك، وشكاني للوالدة، فألزّمَتْني بترك ذلك، فامتثَلْتُ أمرها، واتَّفق أنَّها ماتت بعدُ، فاستصْحَبْتُ عدم الجلوس معه إرعاءً لخاطرها بعد وفاتها قال: فكان صاحبُ التّرجمة رحمه الله يقولُ لي: قد شكرتُ صنيعَك في مراعاة خاطرٍ والدتك بعدَ مماتها، وازددتُ فيك محبَّةً لذلك، وعتِبْتُ على الشَّيخ وليّ الدين محمد بن عبد الله البُلقيني - يعني جدَّ البهاء أبي البقاء ابن القاضي علم الدِّين البُلقيني - مع محبَّتي له، كيف يسعى على قريبه الشّهاب العجميِّ في قضاء المحلَّةِ. وكان رحمه الله يبالغُ في الاحتياطِ في إخراج زكاتِه وفِطْرَته، حتَّى إنه كان يأمر من يشتري له ليلة العيد مِنْ كلِّ مِنَ القمح والزَّبيب والثّمر ما يكونُ مجزئاً عنه وعن مَنْ تلزَمُه نفتَتُه. وأما شفقتُه على خلق الله تعالى لا سيَّما طلبة العلم منهم: فأمرٌ يطولُ شرحُه. ومن ذلك حكايةُ المقترض لخمسين ديناراً بستين، كما سلفت قريباً(١). ومنه أن الشيخ غرس الدين(٢) خليل الحسيني كان قد استكتبه القاضي تاجُ الدِّين البُلقيني في كتابٍ استعاره مِنْ والده، وقُدْرَ ضياعُه مِنْ تحتِ يدِ النَّاسخ، فخشِيَ مِنَ القاضي جلال الدين، وحكى ذلك لصاحب التَّرجمة، فقام معه في الفحص عنه مِنَ الكُتُبِيِّين ونحوهم، رجاء الظّفرِ به، ليزول ما عند الغرس مِنَ الكَرْبِ بسببٍ فَقْده، وحرَصَ على ذلك أشدَّ الحِرصِ، إلى أن غلب على ظنِّهِ اليأَسُ منه، فحينئذٍ حصَّلَ له منه نسخةٌ، وعاونه بَوَرَقٍ أو ثمنه، حتَّى جدَّد منه نسخةً، فكان الشَّيخُ خليل رحمه الله يذكرها في كلٌ قليل في عدّ حسناته وشفقته على أهل موداته. (١) ص ١٠٠٩ من هذا الجزء. (٢) في (أ): «عز الدين))، خطأ، وهي على الصواب مع الحكاية في هامش (ح) بخط المصنف. ١٠١١ وقريب الشِّبَهِ مِنْ هذا: ضياعُ مجلّدٍ مِنْ ((تاريخ الإسلام)) للذهبي مِنْ نسخة الزَّيني عبد الباسط، وهي بخطّ البدر البِشْتَكي، وبلغه عِلْمُ ذلك ممَّن ضاع المجلَّدُ منه، رجاء تفريج الكرب منه بسببه، فبادر وأخذ ذلك المحلّ مِنْ نُسخة الأصل مِنَ المحمودية، وتوجّه به مع ورقه وأجرته للبِشْتَكي، فشرع في تكميله. واتّفق أنَّه قبلَ انقضاءِ الكتابة، وجدَ المجلَّدَ، فامتنع شيخُنا مِنَ التَّمكين مِنْ إعلام البدر بذلك، لظنّه أنَّ شهامةَ البدر تقتضي إرسالَ الورق والأجرة، ويتعطّل عليه ما كتبه، بل استمرَّ إلى أن فرّغ، ولم يُعْلِمِ بوجدان المجلَّد. ونحوه استكتابه لجماعةٍ ممَّن ليس خطُّهم بالطّائل، فإنَّه كان فيما يغلِبُ على الظَّنِ لا يقضِدُ إلاَّ البِرَّ لهم بذلك. ومِنْ هذه الطّائفة الشّريف شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر السيوطي، البارع في الفرائض والحساب، والمعروفُ بالخِفّة والانجماع الزائد، وهو أخو السَّيد صلاح الدين محمد، أحد الآخذين عنه، رحمهم الله وإيانا. ومن محبته لوصول الخير إلى العلماء ونحوهم أنَّ النجم ابن حجّي استنزل البرماوي عن درس التَّفسير بمائة دينار لصاحب الترجمة كما تقدَّم، وعن مشيخة الفخرية للبرهان البيجوري بخمسين ديناراً، وورد التّزول بذلك على شيخنا، فأخفى عن البرهان العلم به حتَّى استكتب الناظر، وأخذ خطوط(١) المباشرين، وتوجَّه إليه بذلك فسُرَّ غاية السُّرور. [إحسانه للغرباء] وأخصُّ منه إحسانه للغرباء من الطلبة الوافدين إليه، وقد كانوا عنده على مراتب؛ منهم مَنْ يتفقَّده كلَّ قليل، ومنهم من يقررُ له شيئاً ينفقُه كل يوم، ومنهم من يتفقّدُه عند قدُومه وعند سفره، ومنهم مَنْ يعلمُ عدمَ حَاجْتِهِ، لكنه يحبُّ إكرامه، فيهدي إليه إما شيئاً مِنْ تصانيفه أو ثياباً مِنْ ملبوسه، وهذا يكونُ عند المهديِّ إليه أعظمَ مِنْ مفروحِ به، إلى غير ذلك مِنَ الأقسام. : (١) ((خطوط)) ساقطة من (أ) ١٠١٢ وكان مِنَّ الغرباء الواصل إليهم برُّه ناصر(١) بن أحمد بن يوسف بن منصور البسكري، فإنه ممن لازم صاحب التَّرجمة مدَّةً طويلة، بل قال شيخنا في ((معجمه)): استفدتُ منه. ولهذا قال المشارُ إليه ما نصّه: واتَّصلتُ بخدمة سيّدنا ومولانا، يعني صاحب التَّرجمة، فآنسَ الغُربة، وأنسَى الكُربة، وأحسن المعونة، وكفى المؤونة، وعمِّني خيرُه وبرُّه، ووسِعَني حِلْمُه وصبره. وممَّن قدم عليه شخصٌ من الفُضلاء اسمه أسدُ الله(٢)، فكان يتفقَّدُه كلَّ قليلٍ بألفِ درهم، فلما أراد الرُّجوعَ إلى بلاده، تكلّم له شيخُنا ابنُ خضر مع صاحب الترجمة في إمداده بشيء، فكتب له وصولاً بثلاثمائة درهم، فحصل له ولمن توسَّل به تأثّرٌ مِنْ ذلك، ولكنهما لم يجدا بُدَّاً مِنْ قبضه وسافر، فحين وصوله إلى بيت المقدس تُوفّي قبل نفاذ القدر المذكور فعُدَّ ذلك مِنْ كرامات صاحب الترجمة. [برُّه لأهل مكة والمدينة:] وأما أهلُ مكّةَ والمدينة، فإنّه لما حجَّ آخرَ حجَّاته، اقترض مِنْ بعض التجار هناك خمسمائة دينار أو أكثر، فتصدق بها عليهم، بل هو الذي قرَّر لهم المستجدَّ، وهو قدرٌ زائدٌ على ما كان لهم قديماً، بل أحدث لهم أيضاً القدوم، وهو أنَّه عند ورود الواحد منهم إلى الديار المصرية، يُصرف له ما يناسبه على قدر مرتبته مما يحصل له به غاية الارتفاق، فجزاه الله خيراً ورحمه. وبلغني ممَّن أثِقُ به أنه دفع للشّيخ العارف العلامة شمس الدين البوصيري، سرّاً فيما بينهما عند توجهه للحج في بعض المرات، وذلك قريباً من سنة عشرين وثمانمائة، مالاً جزيلاً ليفرّقه على فُقراء مكة، وأسرَّ له أنَّ ذلك مِنْ وصيه ابن الكمَاخي. قال: فاشترى الشّيخُ به دقيقاً، وفرَّقه على أهل مكة. (١) في (ط): ((ناصر الدين))، خطأ. وانظر الضوء اللامع ١٩٥/١٠ - ١٩٦. (٢) هو أسد الله بن لطف الله بن روح الله بن سلامة الكازووني ثم الشيرازي، مترجم في الضوء اللامع ٢٧٩/٢. ١٠١٣ واتفق أنَّ بعض الأعداء تكلّم في جانب صاحب التَّرجمة بسبب التَّرِكَة المذكورة، وما دفع عَنْ نفسهِ بذلك، والله يعلمُ المفسدَ مِنَ المصلح. ومع إحسانه للغُرباء، كان يُنكر على أهل مصر مزيد إفراطهم في تعظيم مَنْ يرِدُ عليهم مِنَ الغُرباء، مع إهمالهم لمَنْ هُو في بلدهم ممَّن هو أرفعُ بكثيرٍ، حتَّى رأيتُه كتب بخطه في ترجمة ابن الفناري الذي قدِمَ مِنْ بلاد الرُّومَ ما نصُه: وأهل مصر كما قال فيهم أبو عبيد بن حربويه: (إنَّ البغَاثَ بأرضكم يسْتَنْسِرُ). انتهى. والبُغَاث: قال في ((الصحاح))(١) عن ابن السّكيت: طائر أبْغَث إلى الغُبْرَةِ دُوَين الرَّخَمة، بطيءُ الطيران. والمعنى: من جاورکم عزَّ بکم. قلت: وصاحبُ التَّرجمة معذورٌ، فإنه بمجرَّد تحول الفلاح ونحوه مِنْ ذوي الكثافة وغلظ الطبع في إكرامهم ومزيد إنعامهم، بحيث يَنسى ما كان فيه مِنَ الذُّلِ والخمول والأحوال التي شرح تفاصيلها يطولُ، يأخذ في عداوتهم، والفحص عمَّا لعلَّه يتّفق مِنْ عثراتهم واحداً بعد واحدٍ، ويلصق بأهل مصر كل ما يتخيّلُه مِنَ المفاسد، وهذا ممَّا يشهد له قولُ إمامِنا الشَّافعي رحمه الله: ما أكرمتُ أحداً فوقَ مقدارِهِ، إلاَّ اتَّضع مِنْ قدري عنده بمقدارٍ ما أكرمتُه به. ونحوه القول بأن ثلاثةً إن أكرمتهم أهانوك، منهم الفلاح. [برُّه بشيوخه:] وأما بره بشيوخه، قُوراء العقل، حتى إنه همَّ بتتبع شيخه الحافظ نور الدين أبي الحسن الهيثمي في كتابه («مجمع الزوائد»، فبلغه أنَّ الشيخ تأثّر مِنْ ذلك، فرجع مراعاةً لخاطره. وكذا برُّه لأبناء شيوخه وذوي البيوت، بل طلبة العلم، فغير مُنكَرٍ، حتى ولو كان ابنُ الشَّيخ يُؤذيه. وبالله لقد همَّ الظاهر جقمق أن يفعل بكلُ (١) في (ب، ط): ((الصحيح))، تحريف. ١٠١٤ مِنْ قاضي القضاة علم الدين وابن أخيه القاضي تاج الدين في وقتين مختلفين أمراً مهولاً، فطلع مِنْ فوره إلى السُّلطان، وتوسل إليه في كل منهما بكلُ طريق في إبطال ذلك، مع مشقّة إبطاله على السُّلطان في أحدِهما، حتَّى تمَّ. وكلْمه مرَّةً أخرى في أوائل ولايته مِنْ سنة اثنتين وأربعين في كائنةٍ مُفْتَعَلةٍ في حق آخر من أقرباء قاضي القُضاة علم الدين فما خالفه، بل قال له: والله لولا أنت، لكنتُ حرقتُه بالنَّارِ لما صنع، والله يأخذ الحقَّ ممن افترى على المشار إليه. وقرر عند السلطان ما كان سبباً لبلوغه إلى هذا الحدِّ، هذا وقريبُه لم ينفعُه في هذه الكائنة بشيء. واتَّفق مرَّةً أنَّ السُّلطان أيضاً حلف ليضربنَّ شخصاً معيَّناً مِنْ أبناء العُلماء ألف عصا، فراجعه في إعفائه والصَّفح عنه، وأنَّه يُكَفِّرُ عَنْ يمينه، فامتنع، فلا زال يتلطّفُ به حتى أمر بجمع عيدان، فضرب بها دفعةً واحداً بعد أن قرأ قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَتْ﴾ [ص: ٤٤]. ومن إكرامه لذوي البيوت ــ لا سيَّما العلماء وأهل الولايات منهم - ما صنعه مع السيد علاء الدين محمد ابن السيد عفيف الدين محمد الإيجي، حيث قدم عليه قصداً للأخذ عنه مِنَ البلاد النائية، فإنه تفرَّغ له حتَّى قرأت له(١) عليه في ثلاثة أيام عليه شيئاً كثيراً، بل وحدَّثه مِنْ لفظه ببعض ذلك، وناوله كثيراً مِنْ مروياته ومصنَّفاته، وتأدَّب معه إلى الغاية، وأهدى إليه بعضَ الكتب، وقال له: المناولة في هذا أقربُ إلى الصِّحَّة، يعني لكونه لم يسترده. [والتمس منه السيد زين الدين(٢) عبد اللطيف بن أبي السُّرور(٣) (١) في (أ): ((قرأت عليه))، وفي (ب، ط، ح): ((قرأت له))، والصواب ما أثبت فيما أظن، فإن المصنف قال في ترجمة الإيجي من الضوء اللامع ٢٣٢/٩: إنه قصد ابن حجر بالرحلة ((وسمع منه وعليه بقراءتي أشياء ... )). (٢) كذا في (ب، ط)، وهو في (ب) يخط المصنف، وفي (أ، ح) والضوء اللامع ٣٣٣/٤: سراج الدين. (٣) في (أ): ((عبد اللطيف أبو السرور))، خطأ. وأبو السرور لقب أبيه الذي ترجمه المصنف في الضوء اللامع ٤١/٨، وكذا هو في إتحاف الورى بأخبار أم القرى للنجم ابن فهد ٤ / ٤١٣. ١٠١٥ محمد ابن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الحسني الفاسي المكي قريب صاحبه الثَّقي الفاسي حين قدِمَ عليه الإخبار بنسَبِهِ، فكتب في محضر (١) عمل مِنْ أجله مستنداً في ذلك إلى الاستفاضة ما نصّه: الأمرُ على ما نصَّ وشرح فيه مِنْ نسبه مُنهيه للسَّيِّد أمير المؤمنين: أبي محمد الحسن بن علي رضي الله عنهما، وكتب أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن حجر عفا الله تعالى عنه آمين. وثبت بأخباره مع غيره عند بعض النُّوَّاب، وكان ذلك قبل استقراره في القضاء الأكبر بأشهر .. وقد سبقه لمثل ذلك الإمام أبو محمد بن أبي زيد المالكي صاحب ((الرسالة)). وكذا شهد غيرُ واحد في محضر (٢) متضمن لنفي طائفة مخصوصة عَنِ الشَّرف؛ منهم: أبو حامد الإسفرايني الشافعي، وأبو الحسين القُدوري الحنفي - وناهيك بهما - في جماعة مِنَ العُلماء والسَّادة(٣) .. وقدم عليه عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار الظُّفاري، الذي كان جد أبيه انتزع ظفار من يد صاحبها وحيداً فقيراً، فشكا إليه حاله، فيرَّه وأحسَن إليه (٤). وكذا قدم عليه العلامة محمد بن أحمد بن أبي عبد الله بن مرزوق حفيد العالم، فأتحفه ((بشرح الشفا» لجده العلامة المفنّن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن مرزوق بخطّه، وسُرَّ به سروراً كثيراً. قلت: وهذا ((الشّرح)) ما رأيتُه. وقد كتب عليه بعضُ المغاربة أيضاً - وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم الثَّجاني شرحاً حافلاً، لكنه لم يُكمله، والموجود منه في أوقاف المؤيّدية مِنْ أوله إلى بعد قوله: ((فصل في (١) في (أ): ((مختصر))، والمثبت من (ب) من خط المصنف. (٢) في (أ): ((مختصر))، والمثبت من (ب) من خط المصنف. (٣) من قوله: ((والتمس منه السيد .. )) إلى هنا، ورد ملحقاً في هامش (ب) بخط المصنف. (٤) انظر إنباء الغمر ٧/ ٤٤٠، والضوء اللامع ٥٩/٥ - ٦٠. ١٠١٦ حُسْنِ خُلقهِ وَّ)) في نحو خمسة عشرَ كرّاساً. وللتّاج أبي محمد عبد الباقي بن عبد المجيد بن هبة الله بن متّى القرشي اليماني نزيل طيبة (١) تعليق على ((الشفا)) في نحو ثلاث كراريس سماه ((الاكتفا في شرح ألفاظ الشفا)). ونحوه في الحجم مصنّف للشيخ شهاب الدين بن رسلان الرَّملي. وأوسع منهما وأفيد كتابُ حافظ حلب البرهان سبط ابن العجمي في مجلد، سئل صاحب الترجمة كما تقدم في سدُ ما فيه مِنَ التراجم المبيض لها، وقد اختصر منه مع زيادات شيخُنا العلامة التقي الشُّمُني كتاباً لطيفاً يكون في نحو نصف حجمه، انتفع الفضلاء به. وعمل القاضي علاء الدين بن أقبَرس على ((الشفا» شرحاً في مجلدين يقال: إنه تعبَ فيه. وللشّمس محمد الحجازي مختصِر («الرَّوضة)) عليه مؤلّفُ في أكثر مِنْ ستة كراريس. وكذا لابن العُمُك(٢) - وأظنُّه يماني - مؤلّفٌ على ((الشفا)) في أربعة كراريس. وكل هذا استطراد لكن لا بأس به. [ستره:] وأما ستره فحكي لي أنَّه بينما هو في حلقته وعلى طرف بساطه صُرَّة فيها مبلغ كبير، إذ تقدَّم إليه شخصٌ ممَّن له وَجَاهَةٌ، فتحدَّث معه واختلس في غُضون جلوسه معه تلك الصُّرَّة، ظانًّا أنَّ صاحبَ التَّرجمة في غفلة عَنْ ذلك، وقام. فهمَّ بعضُ مَنْ رآه ممَّن كان واقفاً في خدمة شيخنا بالتكلَّم، فأشار إليه يمنعُه مِنْ ذلك، وقال: لولا بلوغُ أمرٍ شديد بهذا الرَّجل ما أقدم على مثل هذا. (١) في (ب): ((المدينة)). (٢) كذا ضبط بضم العين والميم، وضبطه الزبيدي في ((تاج العروس)) ١٦٤/٧ بفتحهما، فقال: بنو العَمَك: قبيلة من الرماة من بني غافق باليمن، وبلدهم موضع يقال له: البسيط، غربي اللامية من ضواحي سهام، وقد خرب. ومنهم: الفاضل يحيى بن إبراهيم العَمَكي، أحد المؤلفين في فنون العلوم. ذكره الناشري النسابة. ١٠١٧ [صبره على الطلبة] وأما صبره على الطلبة، فشيءٌ لا يُدْرَكُ وصفُه، حتى إنَّه مكث في مرض موته مدَّةً وهو لا يُعْلِمُ بعضَ مَنْ يقرأ عليه ليلاً بذلك، مراعاة لخاطره، وهو يتحمل المشقة إلى أن أعيى، فأعلمه بلطف. [عاريته للكتب] وأما عاريته للكتب، فأمرٌ انفرد به عَنْ سائر أهل مصره، حتى لا أعلم نظيره في ذلك، بل كان يعيرها لمن يُسافر بها، وربما افتدى كتب المحمودية التي تحت نظره بها. حتى كان رحمه الله يقول لي: لا تأخُذ مِنْ كتب الخزانة إلا ما ليس في كُتبي، بل أُقسِمُ بالله أنَّه نهاني [في وقت](١) عن الاستعارة من غيره. ورأيت معه في رمضان من السَّنة التي توفي فيها مجلداً كنتُ أحبُّ الوقوف عليه، فالتمستُ منه عاريته بعد فراغ أربه من مطالعته، فقال: نعم. ومضى بقيَّةُ الشّهر وشوال وذو القعدة، واتفق دخولي مع الجماعة لعيادته في ذي الحجة، فأشار إليَّ فأخذته مِنْ بين كتبه. هذا وهو ضعيف، وقد مضى من سؤالي له نحو ثلاثة أشهر ولم ينسَ ذلك. وبالله قد رأيتُ بعض أصحابنا تأثر مِنْ ذلك، فإنا لله. وأرسلت إليه مرة أطلبُ منه نسخةٌ مِنْ بعض الأجزاء الحديثية مُفْرَدَةً، فكأنه ما تيسّرت له إذ ذاك، فقطع نسخةً بخطه من مجموع مِنْ مجاميعه، وأرسل بها إليَّ في الحال. وكأنه - والله أعلم - فهم توجُّهي بها لبعض الأماكن البعيدة، وقصدت خِقّة الحمل. ولم يكن غالباً يمضي يوم مِنَ الأيام إلا وأستعيرُ منه شيئاً مِنَ الكتب، وهو يُسْعِفُ بكل ما ألتمِشَّهُ منه مِنْ ذلك، ولا يُظْهِرُ مُللاً، بل والله لو لم أفهم منه محبّة ذلك. ما أكثرتُ منه. (١) ساقطة من (ب) .. ١٠١٨ واستعرت منه مرة (معجم شيوخه))، وذلك بعد أن حصل عليه(١) بسببه مِنْ بعض الأعداد ما أسلفتُ الإشارة إليه، وصار هو لا يسمح به لكلُ أحدٍ، حتى إنَّ شيخنا العلاَّمة ابن خضر كان كتب منه قديماً قطعةٌ، فما تيسر له إكمالها، فأقام عندي مدَّةً، ثم طلبه منِّي قبلَ أن أكتبَه أو شيئاً منه، ودعت ضرورةٌ إليه ثانيةً عن قُرْبٍ، لكنني استحييتُ منه، فكتبت له في قائمة الأسماءِ التي اضطررت للكشف عنها منه أطلب الوقوف عليها، وفي ظنّي أنَّه يكتُبها لي بخطه جرياً على عادته معي في كثيرٍ مِنَ الأحاديث والتَّراجم والأسانيد التي كنتُ ألتمسُها منه، فيكتبها لي بخطه. فبمجرَّد أن دخل القاصدُ إليه، عاد و ((المعجم)) معه، فسُررت به كثيراً، ورجعت مِنْ فوري، ففككته مِنَ الجلد، وتجردت فكتبت منه التراجم دون الأسانيد، اكتفاءً بالفهرست، مع تنبيهي في كلٌ ترجمة على أسماء ما ذكر فيها مِنّ المرويات. وتمَّ في أيام يسيرةٍ أظنُّها أربعة، وجئته به، فقضى العجب مِنْ ذلك، وسألته في فهرست الكتاب بخطه ففعل. ولو شرحتُ ما اتفق لي معه مِنْ ذلك، لقضي العجب، فكيف بغيري مِنْ جماعته، بل كان شديدَ الإنكار على من يبخل بعارية الكتب، بحيث سمعته مرة يقول: أرسل إليَّ القاضي بدر الدين بن التّنسي المالكي يطلب «السُّنن)) لأبي داود ليحدث به، فأعلمته بأنَّ النُّسخة التي عندي بخطي، وتعسُرُ القراءة منه غالباً على من لم يكن مِنْ أهل الحديث(٢)، لكنه كان عنه الأمير تغري برُمش الفقيه نسخةٌ موقوفةٌ بخط المحدث أبي العباس أحمد، الملقب بالملك المحسن ابن السُّلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو وإن كان الآن في بيت المقدس فهي عند فلان، وسمَّى له بعض أصحابنا المحدثين، وقال له: إنه يطلبها منه، فأرسل إليه فأنكر وجودها، وقال: إنَّها عند الأمير، (١) ((عليه)) ساقطة من (ب). (٢) في هذا إقرار من الحافظ ابن حجر رحمه الله برداءة خطه، لا كما ادعاه تلميذه المصنف مراراً في كتابه هذا من جودة خط شيخه، وأنه كتب الخط المنسوب كسلاسل الذهب! ومن رأى خط الحافظ، رحمه الله يتبين له ذلك. ١٠١٩ مع كون سِبْطي(١) استكتب منها في هذه الأيام نسخة، وفرغت أمس، وأعادها إليه، وصار يقضي العجب مِنْ ذلك، ويقول: هذا وهي وقفٌ، فلو كانت ملكاً، ماذا كان يفعل؟ قلت: يحلفُ بالطلاق، إنَّه ما اشتراها لنفسه، وإنّما وكلَّهُ بعضُ مَنْ حلَّفه أن لا يسمِيه. قال شيخنا: وحينئذٍ أرسلتُ إليه بنسختي، مع شدة احتياجي إليها حتى لا يتوهم فيَّ أمراً. قلت: وكذا اتَّفق أنَّ القاضي بهاء الدِّين ابن العلاَّمة شمس الدين ابن القطان رام أن يحدِّث بكتاب ((السنن)) لابن ماجه، فبلغه أن عند هذا المبهم (٢) نسخة الوقف بالخانقاه البيبرسية، وهي أصلّ معتمد، فتوجَّه إليه مرة بعد أخرى، فما سمح له بها، فجاء صاحبُ التَّرجمة، وحکی ذلك له، فدفع له نسخته مع احتياجه للمراجعة منها. رحمهما الله وإيانا . وقد ضاع له بسبب ذلك شيءٌ كثير جدًّاً، بحيث أخبرني في سنة إحدى وخمسين أنه فقد مِنْ كتبه ما ينيفُ على مائة وخمسين مجلدة، وربما بيعت في السُّوق ويشتريها، ورأينا بعد نحو عشرين سنة مِنْ وفاته شيئاً مِنْ نفائس كتبه التي كنتُ أتلهَّفُ على الوقوف عليها عند بعض مَنِ استعارها، فاستمرت عنده حتى بيعت في تركته(٣)، ومشى أمرها. واتفق أنه سُرِقَ لبعض طلبته مِنْ خزانته بالمدرسة المنكوتمرية أوراقٌ مع مجلد لصاحب التّرجمة مِنْ ((شرح البخاري))، ووُجِدَ ذلك مع شخص، فأحضروه بين يديه، وأخذ بعضُ الحاضرين يلتمس منه الاعتراف بالسَّرقة، وصار شيخُنا يشيرُ لنقيبه يأمرُه بعدم الاعتراف. رحمه الله وإيانا. ومن شدَّة رغبته في العاريَّة: أنَّ القاضي ناظرَ الجيش الزين عبد الباسط رهن عنده كتباً في بعض نكباته، فاستأذنه شيخُنا - لوفور ديانته - في إعارتها لمن لعلَّه يلتمس شيئاً منها، فأذن له، وكنت أعرفُ منها نسخةً (١) يعني يوسف بن شاهين الكركي، المتوفى سنة ٨٩٩هـ. (٢) هو أبو حامد القدسي كما صرح باسمه المصنف ص ١٠٢٠ من هذا الجزء. (٣) في (ب، ط): ((من تركته). ١٠٢٠