النص المفهرس
صفحات 941-960
[الشيخ عبد القادر الكيلاني]
ومنها أنه سئل عما قاله الحافظ ابن رجب في ((طبقات الحنابلة)» أنه قد
جمع أبو الحسن المُقرىء الشّطنوفي المصري في أخبار الشّيخ - [يعني عبد
القادر الكيلاني] (١) - ومناقبه ثلاث مجلدات، [وهي المسماة بالبهجة] (٢)،
وقد رأيتُ بعضَ هذا الكتاب، ولا يطيبُ على قلبي أن أعتمِدَ على شيء
ممَّا فيه، فأنقلَ منه، إلا ما كان مشهوراً معروفاً مِنْ غيره، وذلك لكثرة ما
فيه مِنَ الرُّواية عن المجهول، وفيه مِنَ الشُّطح والطّامَّات والدَّعاوى والكلام
الباطلِ ما لا يُحصى، ولا يجوزُ نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر.
قال: ثمّ وجدتُ الكمالَ جعفر الأدفوي ذكر أنَّ الشطنوفي نفسه كان
متهماً فیما یحکیه في هذا الكتاب بعينه. انتهى.
وعن معنى قول الشيخ: قدمي هذه على رقبة كل وليٍّ لله.
فأجاب بما نصّه: أما ما يتعلَّق بالبهجة، فقد طالعتُ أكثرها، فما
رأيتُ الأمرَ كما ذكره الحافظُ ابن رجبٍ على إطلاقه، بل هي مشتملة على
أقسام:
القسم الأول: ما لا منابذةَ لقاعدةِ الشَّريعة فيه بحسب الظَّاهر، بل
جائزٌ شرعاً وعقلاً، وهذا معظم الكتاب، فإنَّ ظُهورَ الخوارق على البشر
واقعةٌ في الوجود، ولا ينكِرُها إلا معانِدٌ.
القسم الثاني: منابِذٌ لقوانينِ الشّريعة في الظّاهر، فإنْ أمكن حملُه
بالتّأويلِ على أمرٍ شائع فذاك، وإلاّ فينبغي في اجتنابه وتحسين الظَّنِّ بقائله
يحتاجُ إلى أن يدّعي أنَّ ذلك صَدَرَ في حال غَيْبَةٍ له مِنْ غير اختيار.
والقسم الثالث: ما تردّد بين الأمرين، فهذا ينبغي الجَزْمُ بحمله على
المحمَلِ الصَّحيح ولو بالتأويل، بخلاف الذي قبله، فإنَّه يجوزُ أن يكون غير
ثابت .
(١)(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
. ٩٤١
ولا شكَّ أنه مَنْ ليست له بصيرةٌ بنقد الرواة (١) ثمَّ قصد الإكثار، فإنَّه
يصير حاطِبَ ليلٍ يجمع الغثَّ والسَّمينَ وهو لا يدري، وهذا حال جامع
«البهجة)) .
وقد ذكر أئمتنا لما يظهر مِنَ الخوارق ضابطاً يتميز به المقبولُ مِنَ
المردود، فقالوا: إن كان الواقعُ ذلك له أو منه على المنهاج المستقيم، فهي
كرامةٌ، كالشَّيخ عبد القادر، فقد قال شيخ الإسلام عز الدين بنُ عبد
السلام: ما وصلت إلينا كرامةُ أحدٍ بطريق التَّواتُرِ مثلما وصلت إلينا كراماتٌ
الشيخ عبد القادر. روينا هذا الكلام عنه بمعناه بسندٍ صحيح عن الحافظ
شرف الدين علي بن محمد اليونيني أنَّه سمع ابنَ عبد السلام يقوله. وفي
رواية للذهبي عنه، قيل له: مع ما عُرِفَ مِنَ اعتقاده - يعني من المسائل
التي تُخالِفُ فيها الحنابلةُ، والشيخُ منهم - الأشاعرةَ، وابنُ عبد السلام
منهم، فقال: نعم، إذ لازمُ المذهب ليس بلازم، وإن كانت الواقعة منه أوَّلَه
على الوجه المباين للشّريعة المطهّرة، فليست فيها دلالة على الولاية ولا
كرامة، فهذا هو الحدِّ الفارقُ بين الكرامة الدالّة على الولاية والخارق الذي
لا يدلُّ عليها، بل ربما دلَّ على ضدِها كما يظهرُ في كثيرٍ مِنْ أحوال
المبتدعة المتمسكين بما يُباين الأمور الشرعية، فإنها أحوالٌ شيطانيَّةٍ لا يغتر
بها إلاَّ الجَهَلَةُ، وربَّما ظهرتٍ مِنْ أَناس فِي حال غَيْبَتِهِم وذهولِهم، وهو
على قسمين :
مَنْ كان قبلَ ذلك على المَنْهَجِ القويم، فتلك كرامةٌ، ولكن لا يُقتدى
بأقوال من هذا سبيلُه ولا بأفعاله، بل يعذر على ما يصدُر منه، لكونه في
حال غَيْبَةِ عقله الذي هو مناطُ التَّكليف. والأوْلَى منعُ جَهَلَةِ العامَّة مِنْ
ملازمة مثل هذا، لئلا يظنُّوا أنَّ الذي يصدر منه في حال غيبته هو الحق
فيقتدوا به، ومِنْ هُنا ضلَّ كثيرٌ منهم، وبالله التوفيق.
وإذا عرف ذلك، فالشيخُ عبد القادر لم يكن مِنْ هؤلاء، بل كان
(١) في (أ): ((الرواية).
٩٤٢
حاضِرَ الحِسٌّ، يتمسَّكُ بقوانين الشّرع ويدعو إليها، وينفر من مخالفتها،
ويشغل الناسَ فيها مع تمسُّكه بالعبادة والمجاهدة، ومزج ذلك بمخالطة
الشاغل غالباً عنها، كالأزواج والأولاد. ومَنْ كان هذا سبيلُه، كان أكملَ مِنْ
غيره، لأنّها صفةُ صاحبِ الشَّريعة. ومن هنا قال تلك الكلمة المشهورة،
لأَنَّه لا يعرف في عصره مَنْ كان يساويه في الجمع بين هذه الكمالات.
وإذا تقرَّر هذا، فلا يضرُّ ما وقع في هذه ((البهجة)) ممَّا نُسِبَ إليه،
لأَنَّه إن كان على قانون الشريعة، فنسبتُه إليه جائزة، وما عدا ذلك، إن كان
ثابتاً عنه، حمل على أنه صدر عنه في حال غَيْبَةٍ ما، وإن كانت أحواله
الغالبة، لم يكن له فيها غيبة. وإن لم يكن ثابتاً، فالعُهْدَة على ناقله،
والغرضُ تعظيمُ شأنه، وهو بلا شك يستحقُّ التعظيم. والله يهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم.
ومنها: هل ورد عن الشيخ عبد القادر أنَّه حضر السَّماعَ الذي اتّخذه
الفُقراء بالدُّفوف والمواصيل وغيرها من الآلات، أو أمر بحضوره أو قال فيه
شيئاً بإباحةٍ أو تحريم؟
فأجاب: أمَّا الشَّيخ عبدُ القادر، فالذي وصل إلينا مِنْ أخباره الصَّحيحة
أنه كان فقيهاً زاهداً عابداً، يتكلّم على الناس ويرغْبُهم في الزهد والتوبة،
ويحذرهم من العقوبة على المعصية، فكان يتوب على يديه مِنَ الخلق مَنْ لا
يُحصى كثرةً، وله كرامات مستفيضةٌ لم تُنْقَلْ لنا عَنْ أحدٍ مِنْ أهل عصره،
ولا مِنْ بعدِه أكثر ممَّا نُقِلَ عنه، ولا أعرف عنه في مسألة السماع بهذه
الآلات شيئاً.
[حديث ازهد في الدنيا يحبك الله]
ومنها أنه سئل عن حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه:
جاء رجلٌ إلى النّبِي وَ ل*، فقال: يا رسول الله، دُلْني على عمل إذا عملته
أحبَّني الله تعالى وأحبني الناس. قال ◌َلير: ((ازهد في الدنيا ... )) الحديث.
هل هو حسنٌ كما قاله النووي، بل قال: أسانيده حسنة، أو ضعيفٌ كما
٩٤٣
قاله ابنُ رجب(١)، محتجًّاً بأنَّ فيه خالد بن عمرو القرشي؟
فأجاب: أمَّا قولُ الشَّيخ: إنه حديث حسنٌ، فلعلُّه اعتضدَ عنده بطُرقه
الموصولة والمُنقطعة، لأنَّ مخارجها مختلفة، ولأنه أيضاً مِنْ فضائلٍ
الأعمال، ولكثرة شواهد الركن الأول في الكتاب والسنة وأقوال السلف،
وكذا الركن الثاني، ويزداد بشاهدِ الحسن والتجربة.
وأما قولُه: بأسانيدَ حسنةٍ، ففيه نظر، لأن ظاهره أنَّ كلَّ إسنادٍ منها
على انفراده حَسَنٌ، وليس كذلك، لأنَّه ما مِنْ إسناد منها إلا وفيه رواةٌ لا.
يُوصَفُ حَديثُ كلِّ منهمْ بالحسن مع الانفراد، فيُحمَل قوله: على أن كلَّ
واحد منها يُوصَفُ بالحسن لا لدلالته (٢)، بل باعتبار الصُّورة المجموعة [التي
حملت كلامهُ أولاً عليها، وهذه عناية به، وإلا فإنه هو لم يلتزم هذه
الطريقة] (٣)، في حديث «مَنْ حَفِظَ على أُمَّتي أربعين حديثاً».
وقد أجاد ابنُ رجب في جَمْع طُرقه، وفاته أنَّ الحاكم أخرج الحديث
من طريق خالد بن عمرو الذي أخرجه ابن ماجه من طريقه، وقال: صحيحٌ
الإسناد، وتعقّبه الذهبي في ((تلخيص المستدرك))، فقال: خالدُ بن عمرو:
وضّاع.
ومما تعقب به كلام ابن رجب: ما نقله عن ابن عدي وأقرّه أن
زافر بن سليمان رواه عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن ابن عمر
رضي الله عنهما، فإنَّ فيه تساهلاً، لأن الحديث الذي رواه [من طريق](٤).
زافر غير الحديث المسؤول عنه، وقد بيَّن ذلك الحاكمُ، فأخرج في
((المستدرك)» أيضاً من طريق زافر، عن محمد، عن أبي حازم، وقال مرَّة:
عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال مرَّةً: عن سهل بن سعد رضي الله
عنه، قال: ((جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبي وَّر، فقال: يا محمد، عِشْ
(١) في جامع العلوم والحكم ١٧٤/٢، بتحقيقي.
(٢) في (ح): ((لذاته)).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
(٤) ساقط من (ب).
٩٤٤
ما شئتَ فإِنَّك ميِّتْ، وأحبب من شئت (١) فإنَّك مفارِقُه، واعمل ما شئت
فإنك مَجْزِيٍّ به. ثم قال: يا محمد، شَرَفُ المؤمن قيامُ الليل، وعِزُّه
استغناؤُه عَنِ النَّاس)). وقال: صحيح الإسناد. كذا قال: ولم يتعقّبه الذهبي،
فغفّل عنه، فإنَّ سنده ضعيف، والله أعلم.
ومنها أنه سئل عن كيفية الخطوة الواحدة وهيئتها التي ذكر الفقهاءُ أنَّها
إذا توالت ثلاثاً أبطلتِ الصَّلاة، هل هي مجرَّدٌ نقلِ القدم الواحد مِنْ محلٌ
لمحلِّ آخر، إما أمامه أو خلفه أو عن يمينه أو شماله، أو هي نقل كلا
القدمين واحدةً بعد أخرى، وتُعَدُّ هذه خطوةً واحدةً؟
وعن قوله تعالى ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، هل
الولد مِنْ سَعْي أبويه، ويدخل في الآية الشريفة، أو هو مختَصُّ بالأب
دون الأم، أم كيف الحال؟ وإذا كان الأمرُ كما ذكر ولا ينفع الإنسان إلا
ما كان من سعيه، فما قولُكم في صدقة الأجنبيِّ ودعائه وفعلِه الخيرَ عَنِ
الميت.
[هيئة الخطوة المفسدة للصلاة]
فأجاب: أما الخطوة الواحدة، فحقيقتُها نقلُ القدم من مكانها إلى
مكانٍ آخر، ثم نقل القدم الأخرى إلى محاذاة أختها، ولا تُشْتَرَطُ المحاذاةُ،
بل لو انتقلت إلى دون الأخرى أو فوقها لم تخرُج عَنْ كونِها خطوةً، إلا إذا
أراد النَّقلَ إلى ما يسمَّى خطوة، فإنها تصير خطوتين.
[تفسير قوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى]
وأما تفسير الآية، فاختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أن الحكم المذكورَ منسوخٌ، والنَّاسخ قوله تعالى في الذين
آمنوا ﴿أَحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
(١) في (ب): ((أحببت)).
٩٤٥
ثانيها: أنَّ هذا إنما كان لقول إبراهيم وموسى، وأمّا هذه الأمَّةُ، فلهم
سعيهم سعي غيرهم، بدليل حديث التي سألت عن حجّ الصبي، فقال:
((ولك أجرّ))، وللحديث الآخر: إنَّ أمِّي ماتت، فهل لها أجرٌ إن تصدَّقْتُ
عنها؟ قال: ((نعم، ولكِ أجرٌ)»، والحديثان صحيحان.
ثالثها: المراد بالإنسان: الكافر، فإنه يُئابُ بما عمل مِنْ خيرِ فَي الدُّنيا
ولا يلحقه من ثوابُ غيره شيءٍ.
رابعها: نزلت في خاصٍ مِنَ النَّاس، وهو عبد الله بن أَبَيِّ في إعطاء
النبي * (ولده)(١) قميصه ليكفنه فيه، فكان ذلك في مقابلة أنَّه كسا العبَّاسَ
عمَّ النبيِّ ◌ِّ قميصاً.
خامسها: ليس للآدمي إلاَّ ما سعى مِنْ طريق العَدْلِ، وأمَّا مِنْ طريق
الفَضْلِ، فيعطيه الله تعالى مِنْ ذلك ما شاء الله .
سادسها: أن اللام بمعنى على، فلا يؤاخَذُ بجريرةٍ غيرِهِ، ويلحقُه
ثوابُ سَعْي غيره بشرطه.
سابعها: الآية على ظاهرها، لكن السَّعيَ تارةً بنفسه وتارةً بغيره، فهو
السَّببُ في ذلك، كأن يسعى في إقامة أمر الدِّين، فيحبُّه أهلُ الدِّين، فيدعون
له، فيحصُلُ له سببُ المحبَّة، وهو ما سعى فيها بالإحياء له، وإنَّما حِصْل
له بواسطة .
ثامنها: معنى (سعى): (نوى).
وأرجحُها فيما يظهر لي خامسها، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[توثيق الإمام أبي حنيفة]
ومنها ما سئل عمَّا ذكره النّسائي في ((الضُّعفاء والمتروكين)) عن أبي
حنيفة رضي الله عنه مِنْ أَنَّه ليس يقوى في الحديث، وهو كثيرُ الغلط
(١) ساقطة من (ب).
٩٤٦
والخطأ على قِلَّة روايته، هل هو صحيحٌ، وهل وافقه على هذا أحدٌ مِنْ
أئمة المحدِّثين أم لا؟
فأجاب بما قرأتُه مِنْ خطّه: النّسائي مِنْ أئمة الحديث، والذي قاله إنَّما
هو بحسب ما ظهرَ له وأدَّاه إليه اجتهادُه، وليس كلُّ أحدٍ يُؤْخَذُ بجميع
قوله. وقد وافقَ النَّسائيَّ على مطلق القول في الإمام جماعةٌ مِنَ المحدِّثين،
واستوعبَ الخطيبُ في ترجمته مِنْ (تاريخه)) أقاويلَهم، وفيها ما يُقْبَلُ وما
یُرَدُ .
وقد اعتُذِرَ عَنِ الإمام بأنَّه كان يرى أنَّه لا يحدث إلا بما حفظه منذٌ
سمعه إلى أنْ أدّاه، فلهذا قلَّتِ الرّواية عنه، وصارت روايته قليلةً بالنسبة
لذلك، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية.
وفي الجملة، تَرْكُ الخَوْضِ في مثل هذا أولى، فإنَّ الإمامَ وأمثالَه مِمَّن
قفزوا القَنْطَرَة، فما صار يُؤْثِّرُ في أحدٍ منهم قولُ أحدٍ، بل هم في الدرجة
التي رفعهم الله تعالى إليها من كونهم متبوعين مقتدى بهم، فليُعتَمَذ هذا،
والله ولي التوفيق.
ومنها ما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران:
١٢٥].
وهل كان له وَلَ عَذَبَةٌ؟ فإنه نُقِلَ عَنِ المجد الشّيرازي في كتابه ((منح
الباري في شرح البخاري)) أَنَّه كان للنبيِّ وَّهِ عَذَبَةٌ طويلٌ نازلةٌ بين كتفيه،
وتارةً على كتفه، وأنَّه ما فارق العَذَبَة قط. ونُقِلَ أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((خالفُوا
اليهود، ولا تُصَمِّمُوا، فإنَّ تصميم العمائم مِنْ زيَّ أهل الكتاب»، ونقل أيضاً
أنه قال: ((أعوذ بالله مِنْ عمامةٍ صمَّاء)»، فهل هذا صحيح أم لا؟
[معنى قوله تعالى ﴿مُسَوِّمِينَ ﴾]
فأجاب: أما معنى قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فمعلَّمين على الأرجح.
قال الماوردي: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو بكسر الواو، أي أنهم
سَوَّمُوا خيلَهم بعلامةٍ، وقرأ الباقون بفتحها، أي أنها سائمة.
٩٤٧
وعلى الأول، فاختُلِفَ في التَّسويم على قولين:
أحدهما: أنها كانت بالصُّوف في نواصي الخيل وأذنابها. قاله ابن
عباس وجماعة.
والثاني: أنَّها عمائمُ صُفْرٌ، ونقل القرطبي أنَّها كانت مرخاةً بين
أكتافهم.
وروى الطَّبري من حديث أبي أُسَيْد السّاعدي رضي الله عنه، وكان
بدرياً، قال: خرجت الملائكةُ يومَ بدرٍ في عمائمَ صُفْرٍ طرحوها بين
أكتافهم. وإسناده حسن ثم قال: فالعلامة هي العمائم الصُّفْرُ المرخاة بين.
الكتفين، فثبتت مشروعية العذبة بذلك.
وأما ما نقله الشيخ مجد الدين فقوله: طويلة وبين كتفيه ونازلة على
كتفه، لم أره، لكن في ((الطبراني))، وهو في ((المختارة)) للضياء القدسي من
طريقه، عن عبد الله بن بُشْرٍ رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله: وَلقوله علياً
رضي الله عنه إلى خيبر، فعمَّمَه بعمامةٍ سوداء، ثم أرسلها مِنْ ورائه، أو
قال: علی کتفه. إسناده حسن.
وأما قوله: ما فارق العذبةَ قط، يرده ما قال صاحبُ ((الهدي)) أنَّه كان
تارةً يعتّمُّ بعذبةٍ وتارةً بغيرِ عذَبَةٍ.
وأمَّا حديثُ ((لا تصمموا)) و((عمامة صماء))، فلم أقف لهما على
أصل.
واعلم أن مَنْ فعلَ العذبةَ اقتداءً بالنَّبِيِّ وَّ كان مأجوراً، ومَنْ فعلها
تكبِّراً ومشيخةً فهو حرامٌ، والله أعلم.
[السيدة نفيسة بنت الحسن والإمام الشافعي]
ومنها أنَّه سُئِلَ عَنْ صِحَّة ما يُحكى من أنَّ السيدة المشهورة نفيسة ابنة
٩٤٨
الحسن رضي الله عنها صنعت وليمةً دعت الإمام الشافعي إليها فحضرها،
وأنَّها دخلت مصرَ قبل دُخول الشَّافعي إليها، وأنّها في هذا القبر من حين
وفاتها سنة ثمان ومائتين إلى هلمَّ جرا.
فأجاب ما نصه: حضُور الإمام الوليمة عندها لا أعرفه، بل ورد أنَّ
الشافعي لما مات مروا بجنازته عليها، فصلَّت عليه، ولم يثبت هذا أيضاً.
وأما كونها قُبِرَت إلى آخره، فهو المشهورُ، لكن ذَكَرَ بعضُ أهلِ
المعرفة أن خُصوصَ هذا القبر الذي يُزارُ ليس هو قبرها، لكنها دُفِنَتْ في
تلك البقعة بالاتفاق، وما زال قبرُها مقصوداً بالزيارة والتبرك به، حتى اشتهر
عَنْ نقل بعض العلماء أنَّ المصريين كانوا يُسَمُّونَ الدُّعاء عندها الترياقَ
المجرَّبَ! وقد غلا في ذلك بعضُ العوامِّ، بل كلّهم، حتى إنَّ بعضهم يقعُ
في الكفر وهو لا يشعُرُ، والله المستعان.
[ترجمة السيدة نفيسة]
وقد قرأت بخط صاحب الترجمة ترجمتها، ونص ذلك:
نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. كان
لأبيها الحسن من الولد: القاسم ومحمد وعبد الله ويحيى وأم كلثوم ونفيسة.
أمُّهم زينب أم سلمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي. وعلي وإبراهيم وزيد
أمهم أم ولد، وإسماعيل وإسحاق أمُّهما أمُّ ولدٍ أخرى.
وتزوجت نفيسةُ قريبها إسحاق بن جعفرِ الصَّادق بن محمد بن علي بن
الحُسين بن علي، فولدت منه القاسم وأم كلثوم، وقَدِمَ بها مصر، فنزلت
بالممصوصة التي تُعرف الآن بالمصاصة، وبجانبها قومٌ مِنْ أهل الذمة لهم بنت
مُقْعَدةٌ، فدخلوا إلى السيدة نفيسة، ثم ذهبوا لحاجة لهم وتركوا البنت عندها،
فتوضأت نفيسةُ وصبّت مِنْ فضل وضوئها على البنت، فقامت في الحال تسعى
على قدمَيْها، ولم تكن مشت قطُّ، فلمَّا جاء أهلُها ورأوا ابنتَهم على تلك
الحالة سألوها، فأخبرتهم ما صنعت الستُّ نفيسةُ، فأسلموا أجمعون على
يدها، وشاع هذا الخبرُ بمصرَ، فقصدوها للتبرك والزيارة، واشتهر أمرُها.
٩٤٩
ويقال: إنَّ النيل توقّف، فأرسلت بقناعها وأمرتهم أن يلقُوه في النيل
ويحضروه إليها، فزاد في الحال إلى أن وفّى الغرض وزيادة.
ولما قدم الشافعي مصر، وُصِفَتْ له، فتوجه هو وعبد الله بن ..
عبد الحكم لزيارتها، وسألاها الدعاء، فلما مات أمرتهم أن يحضروا بجنازته
إليها، فصلَّت عليه.
وكراماتُها كثيرةٌ جداً، وقد اشتهر أمرُها في الآفاق، حتى إن أهلَ
الحجاز يغبِطُون أهلَ مصر بوجودها عندهم.
وماتت في رمضان سنة ثمان ومائتين. ويقال: إنَّها حفرت قبرَها،
وقرأت فيه سنَّة آلاف ختمة، وآخر ما قرأت فيه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وخرجت روحُها فيه. انتهى.
[قبر الحسين]
ومنها أنه سئل عن المكان المنسوب لدفن الحسين رضي الله عنه
بالقاهرة، أهو كذلك؟
فقال: الحسينُ عليه السلام ليس مدفوناً في هذا المكان الذي بالقاهرة
بالاتفاق، وإنما رأسُه فيما ذكر بعضُ المصريين، ونفاه بعضهم.
[بدع القرّاء]
ومنها أنه سئل عن مَنْ قرأ شيئاً مِنَ القرآن، وقال في دعائه: اللهمَّ:
اجعل ثواب ما قرأته، أو مثل ثواب ما قرأته زيادة في شرف سيدنا
رسول الله ◌َر، فما معنى الزيادة مع كماله؟
فأجاب: هذا مخترع من متأخري القراء، لا أعرف لهم سلفاً فيه،
ولكن ليس هو بمحال كما تخيَّله السَّائل، فقد ورد في رؤية الكعبة: ((اللهم.
زد هذا البيتَ تشريفاً وتعظيماً ... )) إلى آخره. فلعلَّ المخترع المذكور قاسه
على ذلك، وكأنّه لحظ أنَّ معنى طلب الزيادة أن يتقبّل قراءته فيثيبه عليها.
وإذا أُثَيبَ أحدٌ مِنَ الأمَّة على فِعْلِ طاعةٍ مِنَ الطاعات، كان للذي عِلَّمَه نظيرُ
٩٥٠
۔۔
أجره، وللمعلّم الأول - وهو الشّارع ◌َ﴿ - نظيرُ جميع ذلك. فهذا معنى
الزيادة في شرفه، وإن كان شرفه مستقراً حاصلاً.
وإذا عرف هذا، عرف أنَّ معنى قول الداعي: اجعل مثلَ ثوابِ تقبُلٍ
هذه القراءة، ليحصُل مثلُ ذلك للنبي وَله.
وأما قولُه: اجعل ثواب ذلك، بغير لفظ ((مثل))، فله أصلّ، وهو
الحديث المرويُّ عن أَبَيِّ بن كعب، ففيه: أجْعَلُ لك صلاتي كلُّها؟ قال
وَله: ((إذاً تُكفى همّك)). وقد قيل: إنَّ المراد بالصلاة هُنا الدُّعاء، وقيل:
الصلاةُ حقيقةً، والمرادُ: نفسُ ثوابِها، أو: مثلُ ثوابها. والله أعلم.
[حكم الغلط في النسخ]
ومنها أنه سُئِلَ عن ناسخ متحفظٍ مِنَ الغلط له مخالطةٌ بالفقهاء، غير
أنَّه لم يقرأ العربية، فهل يحرُمَ عليه التلفظ بالحديث أو نسخه أم لا؟
فأجاب: لا يحرُم عليه ذلك، ولا يُشتَرَطُ على النَّاسخ أن يعرِفَ
النّحو، بل إذا كان ينقُلُ ما يجده مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصان، جاز له ذلك،
ولو قدر أنَّه غلط في بعض الأحيان، لم يُؤاخَذْ بذلك، لأنَّ النسيان جائزٌ
على كلِّ إنسان، والله المستعان.
وقد صرح العلماء بمشروعية المقابلة بعد النسخ والتحريض عليها،
لجواز وقُوع السَّهو، ولو كان النَّاسخ يعرف العربية، فليس بمعصومٍ مِنَ
الخطأ، وإن كان العارفُ أولى مِنْ غيرِ العارف، والله أعلم.
[الاعتراض على القاضي عياض]
ومنها أنه سئل عن مَنِ اعترضَ على القاضي عياضٍ، حيث قال في
«الشفا)): (وأما تواضُعه ◌َ﴿ على عُلوّ منصبه، فكان أشَدَّ النَّاس تواضعاً
وأقلَّهم كِبْراً). فإنَّه وَلَهُ مُنْتَفِ عنه الكِبْرُ أصلاً ورأساً. وصار هذا المعترِضُ
يتبَّعُ نُسَخَ ((الشفا)) فيمحو ذلك منها. أهو مصيب؟
فأجاب: الاعتراضُ باطلٌ، لأنَّ العُلماء قد تكلَّموا على الحديث الذي
٩٥١
رواه النسائي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: كانَ
رسولُ اللهِ وَ ﴿ يكثر الذِّكْرَ ويقلُّ اللَّغْوَ. الحديث. فقالوا: قول الراوي: يُقِلَّ
اللَّغْوَ، أي: لا يلغُو أصلاً.
قال ابن الأثير في «النهاية» مادة (قلل): ومنه الحديث أنه كان يقلُّ
اللَّغْوَ، أي لا يلغو أصلاً، وهذه اللفظة قد تُستَعْمَلُ في نفي الشَّيء، كقوله
تعالى: ﴿قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١].
فالمعنى في كلام القاضي حينئذٍ: أَنَّه كان قليلَ الكِبْرِ، أي لا يقعُ منه
أصلاً، كما قيل ذلك في الحديث، وليس في ذكره ذلك بأفعلَ التّفضيل ما
يقتضي مشاركة الناس في الكبر، لأن أفعلَ التّفضيل قد تخرُج عَنِ المشاركة
كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾
[الفرقان: ٢٤]، [ولا خيريَّة في مستقرِّ النار ولا حُسْنَ في مقيلها](١).
وقد وقع مثل ذلك في الحديث المتَّفق عليه مِنْ حديث سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه: استأذن عمرُ رضي الله عنه على رسول الله وَ* وعنده
نِسْوَةٌ ... الحديث. وفيه: ((أنتِ أقطُّ وأغلظُ)). فقال النَّووي في ((شرح
مسلم)): قال العلماء: ليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى: قط
غليظ. ثم نقل عَنِ القاضي عياض، قال: قد صحَّ حملُها على المفاضلة،
وأنَّ القدر الذي منها في النّبِيِّ ◌َ و هو ما كان في إغلاظه على الكافرين
والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ
عَلَهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣ والتحريم: ٩]، وكما كان يُغْلِظُ عليهم ويغضَبُ عند
انتهاك حرمات الله. انتھی.
فحينئذٍ قولُ القاضي: (وأقلّهم كبراً)، بمعنى انتفى الكِبْرِ عنه البَنَّةَ،
كما تقدَّم، وقد يُؤوَّلُ على شدَّته على الكُفَّارِ والمنافقين كما في الذي قبله،
لأنَّ تواضُعَه ورأفتَه ورحمَّتَه كانت بالمؤمنين، كما في قوله تعالى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ
[التوبة: ١٢٨].
رَءُوفٌ رَّحِبـ
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
٩٥٢
وقوله في ((الصحيح)): ((إنَّه في الثَّوراة ليس بفظُ ولا غليظ»، معناه:
على المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى اَلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ ﴾ [الفتح:
٢٩]، فمعنى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: عاطفين عليه.
﴿أَعِزَّةِ عَلَى الْكَفِرِنَ﴾ أي متكبرين عليه، يغازونهم ويعادونهم.
ولا يجوز إتلاف نسخ «الشفا»، والله أعلم.
قلت: وقد استدرك القاضي عز الدين الحنبلي على هذا الجواب في
موضعين :
أحدهما: عند قوله: ولا خيريَّة في مستقرٌ النار ولا حُسْنَ في مقيلها،
فقال: إذا كانت الأعرافُ منزلةً لا عِقابَ فيها، فأفعلُ في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ
[الفرقان: ٢٤] على بابها.
ـيقِيلًا
ثانيهما: عند قوله: وقد يُؤوَّلُ على شدَّته على الكفار والمنافقين.
فقال: تأويلُه الغلظة بكونها على الكفار فيه شيء، وذلك أنَّ غلظة النبي وَه
على الكفّار كانت أشدَّ مِنْ عمرَ بلا شكّ ولا ريب. انتهى.
وكذا كانت تَرِدُ عليه الأسئلةُ مِنْ بلاد المغرب. وممَّن كان يكاتبُه في
ذلك محدِّثُ تونس أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن القمَّاح، كما
استفدتُ ذلك من ترجمته من ((الإنباء)» في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، حيثُ
قال صاحب الترجمة: وكاتبني مراراً بمكاتبات تدلّ على شدَّةٍ عنايته بذلك،
يعني بالحديث، ولكن بقدر طاقته في البلاد.
وكذا وَرَدَتْ عليه أسئلةٌ كثيرة مِنْ ثَغْرِ الإسكندرية نظماً ونثراً مِنْ شيخ
القرَّاءِ الشهاب أحمدَ بنِ محمَّد بن عمر بن هاشم الصَّنهاجي، وذكر لي ولدُه
أنَّ عنده مِنْ ذلك جملةً.
وأمَّا ما قصدته مِنْ إيراد شرذمَةٍ مِنْ كلامه في العلوم بتنويعها، ونُبذَةٍ
مِنَ اختياراته التي ترجّحَ عنده الدَّليل فيها (١)، فلم يتيسر لي الآن كثيرُ أمر
(١) من قوله: ((في النظم المسؤول عنه)) ص ٨٨٠ من هذا الجزء إلى هنا سقط من
مخطوطة (ط)، حيث ضاعت أوراقها، والله المستعان.
٩٥٣
أثبته فيه، لغيبة كتبي واشتغالي بما يضيقُ الوقتُ عن الانتقال لغيره ممّا لو
شرحتُ الأمرَ فيه لطال، لكنِّي أقول:
أمّا كلامُه في العلوم، فقد أسلفتُ التَّنبيه على متانَةِ كلامِه في التَّفسير،
ومزيدٍ حُسْنِ نظره فيه، وأنَّ بعضَ طلبته كتبَ عنه شيئاً مِنْ ذلك، ويُؤْخُذُ
ممَّا سلف كلامه في فنْ القراءات، مع أنه كتب بخطّه في وقتٍ على سبيل
التواضُع ما نصُّه: ويضاعتي في هذا الفنِّ مُزْجَاة. وقرَّرتُ أنَّ الإجماع قد
انعقد على تقدُّمه في فُنونِ الأثر، وانفراده بذلك جملة وتفصيلاً.
[شروط العمل بالحديث الضعيف]
ومِنْ فوائده التي كتبها لي بخطّه بعد تقرير ذلك بلفظه: إنَّ شرائط
العمل بالضعيف ثلاثة :
الأول: متَّفَقٌ عليه أن يكون الضَّعف(١) غيرَ شديدٍ، فيخرج مَنِ انفرد
مِنَ الكذَّابين والمثَّهمين بالكذب ومن فحش غلطه.
الثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصلٍ عام، فيخرج ما يخترع، بحيث
لا یکون له أصلٌ أصلاً.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثُبوته، لئلاً يُنسَبَ إلى النَّبِيِّ وَ ما
لم يقُلْهُ.
والأخيران عنِ ابنِ عبد السَّلام وعن صاحبه ابن دقيق العيد، والأول
نقلَ العلائيُّ الاتفاق عليه.
وأما الفقه :
فقد بيِّنَّا أنه كان فقيه النَّفس، وكتبنا جملةً مِنْ كلامه فيه اغتناءٌ عن
إيرادٍ شيء هنا.
وقد قرىء عليه مرَّةً في ((شرح الحاوي)» لشيخه ابن الملقن تقسيماً،
(١) في (ب، ط): ((الضعيف)).
٩٥٤
فكان فيه أمراً عجباً، وكذا قرأ عليه الشيخُ شهابُ الدِين بن أسد في
((العجالة)) ((شرح المنهاج)) لشيخه ابن الملقّن أيضاً.
ومن قبل ذلك قسم ((المنهاج)) بالمدرسة المنكوتمرية، وكان أحدَ القُرّاء
فيه الشريف النقيب جلال الدين الجرواني.
[ورأيت القاضي برهان الدين بن ظهيرة المكي يرجّحُ دروسه الفقهية
التي أخذها عنه سنة خمسين على دروس غيره ممَّن أخذ عنه، خصوصاً إذا
طالع. وهذا لا يتوقّفُ فيه إلا مَنْ لم يُكْثِرْ مِنْ مخالطته، أو غلب عليه
الهوى، ((فحبُّك الشّيءَ يُعمي ويُصِمُّ))](١).
وأما أصول الفقه:
ففيما كتبه على ((جمع الجوامع)) مَقْنَعٌ عن إثبات شيء منه هُنا، ولوفور
جلالته فيه، التمس منه صاحبُنا الشيخُ شهاب الدين البيجوري قراءة شيءٍ مِنْ
كتبه عليه، فقال له على سبيل التواضع أيضاً: قُصارى أمري أن أتفرغ للقيام
بما يُقال إنّني أعرفُه، وهو الحديث.
ثم إنَّه كان يحكي عَنْ بعضهم أنَّه كان يقرأ على العلاَّمة عز الدين ابن
جماعة في فُنون الحديث، وعلى العلاَّمة الحافظ وليِّ الدين ابن العراقي في
أُصول الفقه، وكان يقال(٢): لو عكس لكان أولى.
قلت: ونحوه قراءة الشيخ سيف الدين الحنفي لشرح ((ألفية))(٣) العراقي
على القاضي محب الدين البغدادي الحنبلي، وتركُه أخذه له عَنْ صاحب
الترجمة، بل وعن فقيه مذهبه السراج قارىء الهداية، فإنَّه كان يُقرئه أيضاً.
هذا مع كون المحبِّ لم يأخُذْه عَنْ مؤلفه. وكذا التمس منه الشهاب
المذكور قراءة شرحه للأبيات العروضية، وما علمتُ هل قرأ أم لا؟
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) في (ط): ((يقول)).
(٣) في (أ): ((الفقه)»، خطأ.
٩٥٥
وأما أصول الدين:
فتعلم كلامه فيه مِنْ كتاب الإيمان والتوحيد من ((فتح الباري)) له،
وتقريره لمذهب السُّنة أحسنَ تقريرٍ، والرد على مخالفيها، وفي أواخر
الأجوبة(١) المنظومة من الفصل الخامس، وكذا في مسألة الظَّالم عدلُ الله
مِنَ الأجوبة القاهرية من الفصل السابع شيء منه.
وكذا يعلم مِنْ ((فتح الباري)) كلامه في اللُّغة والنَّحو وسائر ما تقدّم،
مع أنَّ في آخرِ مسألةٍ مِنَ الأجوبة القاهرية التعرُّضُ لشيء مِنَ العربية.
وقرأت بخطه: قال أبو حامد بن السبكي: حديث ((من أكل البصل
والثٌّومِ والكُرَّاثَ، فلا يقربِنَّ مسجدنا))، فيه استعمالُ الواو بمعنى ((أو))، وهو
عزيزُ المثال، فقال شيخنا: وجدت له مثالاً، وهو الحديث الذي أخرجه أبو
يعلى وابن السُّنِّي مِنْ طريق عبد الملك بن زرارة، عَنْ أنس، رفعه: (ما
أنعم الله على عبد نِعْمَةً في أهلِ ومالٍ وولدٍ، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا
بالله .... )) الحديث. انتهى.
[ولما أُنْشدتْ بين يديه أبياتَ القُطْبِ بن عبد القوي المكيِّ التي
امتدحه بها، وفيها: (تمنّي عنان الأعوجي)، سأل مَنْ عنده عن الأعوجي:
ما هو فسكتوا بأجمعهم، بل صرَّحُوا بعدم معرفته، فقال: هو اسم فرس.
انتھی ..
وهو كذلك. قال في ((الصحاح)»: وأعوج: اسم فرس كان لبني
هلال، يُنسب إليه الأعوجيات بنات أعوج. قال أبو عبيدة: كان أعوج
لكندة، فأخذته بنو سُليم في بعض أيامهم، فصار إلى بني هلال، وليس في
العرب فحلٌ أشهرَ ولا أكثرَ نسلاً منه. وقال الأصمعي في كتاب ((الفرس)):
أعوجُ كان لبني آكل المُرار، ثم صار لبني هلال بن عامر](٢).
بل جلَّ العلوم المتعارفة يُؤخذ من ((فتح الباري)) كلامه فيها، وتعرف
(١) في (ط): ((الأسئلة)).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وأضافه المصنف بخطه في هامش (ح)
٩٥٦
جلالته في سائرها، وكذا يعرفُ ذلك مَنْ نظر في ((تذكرته)) التي غاب عنّي
الآن ما التقطتُّه منها.
[تعقبه على النووي في الأذكار]
وقد رأيتُ فيما رأيتُه بمكّةً مِنْ أجزاء ((تذكرته الأدبية)) المؤرخة بعدَ
التّسعين وسبعمائة مواضع استشكلها من كلام شيخ الإسلام النَّووي، ولا
أدري أهي مبتكرةٌ له، أو اتّبع فيها والده، أحببتُ إيرادها، وإن كان في
(فتح الباري)) قد بيَّن أكثرها، فقال:
قال النَّوويُّ رحمه الله في ((الأذكار)): باب جواز دُعاء الإنسان على مَنْ
ظلم المسلمين أو ظلمه وحده، وذكر أحاديث صحية كدُعائه، مَ على
قُريش وعلى مُضَرَ وغيرهم. وحكى في باب اللعن عَنِ الغزالي أنَّه قال:
وفي الدُّعاء على الإنسان بالشَّرِّ حتى على الظَّالم، مثل: لا أصحَّ الله
جسمه، ولا سلمه الله، وكلُّ ذلك مذمومٌ.
قال شيخنا: ولم يتعقب النووي رحمه الله هذا، مع أنَّ ظاهره التَّناقُضُ
مع ما قدمه.
فإن قيل: تلك الأحاديث في حقّ الكافرين، ولعلَّ الغزالي أراد الظالم
المسلم.
قلت: قد صحّ الحديث الذي فيه: ((لا استطعت))، وأنَّه صحابي اسمُه
بشر. كذا ذكره النووي، وقال: ففيه دليلٌ على جواز الدُّعاء على مَنْ خالف
الحكْمَ الشّرعيَّ.
قال شيخنا: فكيف يجمع بين كلامه؟
وقال في ((شرح صحيح مسلم)) في خُروج النبي ◌َّ إلى البقيع ليلاً،
إلى أن قالت عائشة رضي الله عنها: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال
وَله: ((قولي: السلامُ على أهلِ الدِّيار مِنَ المؤمنين والمسلمين))، فقال: قال
الخطّابي وغيره: فيه أنَّ السَّلامَ على الأموات والأحياءِ سواءٌ في تقديم
السَّلام على قوله: ((عليكم))، بخلاف ما كانت الجاهليَّةُ عليه مِنْ قولهم:
(عليك سلام الله قيسَ بنَ عاصم). انتهى.
٩٥٧
قال شيخنا: وقد قال في باب السلام: لو قال المبتدىء: عليكم
السلام، هل يكره؟ نعم، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((لا تقُلْ: عليكَ
السَّلامُ، فإنَّ عليك السَّلامُ تحيةُ الموتى)). فهذا يقتضي: أن لا يستوي
الأحياء والأموات، أو يجاب عن الحديث المذكور.
وقال أيضاً - يعني النووي -: قال الواحديُّ: وأمَّا المشتغلُ بقراءة
القرآن، فالأولى أن لا يُسَلَّمَ عليه، فإن سُلْمَ، كفاه الرَّدُّ بالإشارة. قال:
والظَّاهر أنه يُسَلِّمُ، ويجبُ الرَّدُّ نطقاً. ثم قال: وإذا كان مشتغلاً بالدُّعاء،
مستغرقاً فيه، مُجْتَمِعَ القَلبِ، فالأظهرُ عندي أنه يُكرَهُ السَّلام عليه؛ لأنَّه
يتنكَّدُ به، ويشقُّ عليه أكثر مِنْ مشقّة الأكل.
قال شيخنا: فإذا كان القارىءُ بهذه الصِّفَةِ، كان حكمُه حكمه، وإلاَّ
فما الفرقُ، وهلاّ حَمَلَ كلام الواحديِّ على مَنْ هو بهذه الصّفة التي ذكرها
في الدَّاعي؟ بل كلام الواحدي أقرب، فإنه قال: الأولى أنْ يَرُدَّ، وقال هو:
يكره. فما العُذْرُ عنه؟
وقال أيضاً في قول عائشة رضي الله عنها: لو علم النبيُّ نَّ ما
أحدثَ النِّساءُ لمنعهُنَّ. قال: يعني مِنَ الزِّينةِ والطَّيبِ والثيابِ الحَسَنَة
ونحوها(١).
قال شيخنا: المنع من المذكورات كان مُقَرَّراً في السُّنَّةِ قبلَ قولها هذا،
والأحاديثُ الصَّحيحةُ في ذلك معلومةٌ ظاهرة، وقد ورد في بعض طرقهِ:
((كما مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيل))، فالظَّاهر أنَّها أرادت المنعَ مِنْ إِثْيان :
: المساجد. وقد قال أصحابنا: لا يُسَنُّ لها حضورُ الجماعة إلا أنْ تكونَ :
عجوزاً لا تشتهى، وكذا قولهم في الجمعة، ولم يُعلّلُوا ذلك بطِيبٍ ولا
غيره، ويستدلُّونَ في الشُّروحات بحديثٍ عائشةَ هذا.
وقال أيضاً في قوله: ((كان يُسْمِعُنا الآيةِ أحياناً) فعلَه لبيانِ جوازِ الجَهْرِ
(١) جاء في هامش (ح) ما نصه: يظهر من أول هذا الكلام أنه فهم إلى قوله: يعني من الزينة إلخ،
متعلق بقوله لمنعهن. وليس كذلك، بل هو متعلق بقوله: ما أحدث النساء. وقوله: لمنعهن،
أي: من المساجد، كما هو في آخر الكلام. فافهم. والضمير حينئذ في ((هن)) للنساء.
٩٥٨
في الصَّلاة السّرِّيَّة، وأن الإسرارَ ليسَ بواجبٍ وللبيان، أو لعله سبق لسانه
للاستغراق في الثّدبُّر.
قال شيخنا: إنَّه خلافُ الظَّاهر، فإن كان يفعل، يقتضي تجدُّدَ الفعل
والمفعول لبيان الجواز يكتفي فيه بمرَّةٍ أو مرَّاتٍ، وهذا فحواه المواظَّبَةُ.
وقال في قوله وَله: ((يدخُلُ الجنَّة مِنْ أمَّتي سبعون ألفاً بغير حساب)»،
وفسَّره بأنهم ((الذين لا يرقُون ولا يَسْتَرْقُون ولا يَكْتُوون وعلى ربهم
يتوكلون))، وحكى فيه أقوالَ السَّلَفِ، ثم قال: وأما تداويه، فلتبيين الجواز.
فقال شيخنا: هو كالذي قبله.
وقال أيضاً في باب تكنية الكافر: إنَّه إذ لم يخَفْ فتنة، لا يكنيه،
وذكر قصَّة هرقل، وأنه ◌ََّ كتب إليه، ولم يُكَنِّه، ولا لقَّبه بملك الروم،
ولأنّا مأمورون بالإغلاظ لهم، فلا نُلِينُ لهم عبارة، ولا نُرَقْقُ لهم قولاً.
وقال: فرع: إذا كتبت إلى مشرك كتاباً؛ وكتبت فيه سلاماً ونحوه،
فينبغي أن يكتُبَ ما رويناه، فذكر القصة، وقال: عظيم الروم.
قال شيخنا: فهذا ظاهره التناقض؛ فالحديث واحدٌ، والاستدلالُ
مختلفٌ، فما وجهُ الجَمْعِ بين كلاميه؟!
وقال أيضاً في قوله {وَ له: «إنَّ الملائكة لا يدخُلون بيتاً فيه كلبٌ ولا
صورة)) بعد أن حكى الخلاف في المُمْتَهَنِ وغيره، وما له ظلُّ وغيره، وأنَّها
تمتَنِعُ عقوبةً لفاعلٍ ذلك، فإنَّهم ملائكةٌ ينزِلُونَ بالرَّحمة والاستغفار، أو لكثرة
أكلِ الكلب النَّجاساتِ، أو لأنَّ منها ما هو شيطان.
ثم قال: وهل يمنعون مِنَّ المُحرَّم فقط، أو منه ومِنْ غيره؟ قال
الخطابي: مِنَ المحرَّم فقط. فإذا كانتِ الصُّورةُ ممتهنةً، أو الكلبُ لصيدٍ أو
زرعٍ أو ماشيةٍ، فلا.
قال: وذكر القاضي عياضٌ نحو ما قاله الخطّابيُّ، والأظهرُ أنَّه عامٌ في
كلِّ كلبٍ وكلٌ صورة، وأنهم يمتنعون مِنَ الجميع، لإطلاق الأحاديث، لأنَّ
الجَرْوَ الذي كان في بيت النبي ◌ِّرِ تحتَ السَّريرِ كان فيه عُذْرٌ ظاهر، فإنَّه
٩٥٩
لم يَعْلَمْ به، ومع هذا مُنِعَ جبريل عليه السلام من دُخول البيت، وعلَّل:
بالجرو. فلو كان العذرُ مِنْ وُجود الصُّورة والكلب لا يمنعهم، لم يمتنع
جبريل .
قال شيخنا: لا ينطبق هذا الاستدلالُ على كلامهما، أمَّا الصُّورة، فلم
يتعرَّض لها، وأمَّا الجزؤُ، فإنهما استُثْنيا ما يجوز اقتناؤُه، والجَروُ المذكور:
لم يثبت أنَّه بالصّفَةِ المذكورة، فَعَدَمُ العلم لم يُزِلِ الامتناعَ.
وقال أيضاً في الكلام على حديث ((جُعِلَ في قبرِ النّبِيِّ وَلَّ قطيفة
حمراء)» :
نص الشافعيُّ وجميعُ أصحابنا وغيرُهم مِنَ العلماء على كراهةٍ وَضْعٍ
قطيفة أو مُضَرِيَّة أو مخدَّة ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشِذَّ عِنْهمَ
البغويُّ مِنْ أصحابنا، فقال في كتاب ((التهذيب)) بذلك لهذا الحديث:
والصَّواب كراهتُه، كما قال الجمهور، وأجابوا عن الحديثِ بأنَّ شُقران انفردَ
بذلك، ولم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شُفْران
كراهة أن يلبَسَها أحدٌ بعدَ النبيِ نَّه، لأنه كان يلبَسُها ويفترِشُها، فلم تَطِبْ
نفسُ شُقرانَ أن يتبذّلها أحدٌ بعده، وخالفه غيرُه، فروى البيهقيُّ عَنِ ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه كره أن يُجْعَلَ تحتَ الميت ثوبٌ في قبره.
قال شيخنا: قولهم في الجواب: إنَّ شُقران انفرد بذلك، ولم تعلم به:
الصَّحابة خلافُ الظَّاهر، وكيف يستقيمُ ذلك مع ما عُلِمَ مِنْ توفُّرٍ دواعيهم:
على حُضور دفنه، فيبعدُ أن لا يعلَمَ أحدٌ منهم بإحضارِ شُقران القطيفة، .
وجعلها تحتَه في قبره. وهذا أمر حِسِّيٍّ، وكيف يُظَنُّ أنَّ النبيَّ بَّهِ يُقِرَّ على
أمر مكروه في الشرع، مع نُورٍ بصائرِ الصَّحابة وائتلاف كلمتهم على
المواراة، فإنهم أخّرُوا دفنه حتى انتظمت الكلمةُ وصحَّتِ الإمامة، فترجَّح ما
قالَهُ صاحبُ («التَّهذيب)).
وقال أيضاً في باب الوفاء بالوعد بعد أن ذكر أدلَّته من الكتاب والسنة
كقول الله تعالى: ﴿كَبُّرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ﴾ الآية [الصف: ٣]، وقوله عليه
٩٦٠