النص المفهرس

صفحات 621-640

وصرَّح بأنه جنى على نفسه بتقليدٍ أمرهم كما سيأتي كلامه(١) في
قصيدته التي أجاب بها البدر ابن سلامة مِنَ المطارحات(٢)، والتي أجاب بها
الصلاح الأسيوطي مِنَ الألغاز(٣)، بل وقع في أكثرٍ ما علل به منعه قبول
قضاء الشام ممَّا سيأتي قريباً.
وسمعته يقول: إنَّ مِنْ آفات التَّلبُس بالقضاء أنَّ بعضهم ارتحلَ إلى
لقائي، وأنَّه بلغه في أثناء توجّهه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع. انتهى.
وبلغني أنَّ السَّيِّد العارف بالله صفي الدين الإيجي عمّ أحد طلبة صاحب
الترجمة صاحبنا السيد علاء الدين ممَّن اتَّفق له ذلك، [فإنه ارتحل مِنْ بلاده
إلى لقاء شيخنا، فلمَّا وصل بيتَ المقدسِ بلغه ذلك](٤)، فرجع، والله أعلم.
وكذا أخبرت عن الشيخ محمد البياتي المغربي أنه كان ممَّن يتردّد
إليه، ويأخذُ عنه، فلمَّا ولي القضاء، انجمع عنه، والله تعالى يتجاوز عنه،
فما كان مقصدُه إلا جميلاً.
ولهم في فعلهم سَلَفْ، فقد روينا عن العيشي، قال: حدَّثنا
الحمَّادان، أنَّ ابن المبارك كان يتَّجِرُ ويقولُ: لولا خمسةٌ ما انَّجرت:
السُّفيانان وفُضيلٌ وابنُ السَّمَّاكِ وابنُ عُلَيَّةِ، فَيَصِلُهم. فقدم سنةً، فقيل له:
إنَّ ابنَ عُلية قد ولي القضاء، فلم يأتِهِ ولم يَصلُه، فركب ابنُ عُليَّة إليه، فلم
يرفع به رأساً فانصرف، فلما كان مِنَ الغدٍ، كتب إليه رُقعةً يقول: قد كنتُ
منتظراً لبِرُك، وجئتُكَ فلم تكلُّمْني، فما رأيتَ مني؟ فقال ابنُ المبارك: يأبى
هذا الرَّجلُ إلاَّ أن نقشْر له العصا، ثم كتب إليه:
يصطاد أموال المساكين
يا جاعِلَ العلم له بازيًا
بحيلة (٥) تذهب بالدِّينِ
احتَلْتَ للدُّنيا ولذَّاتِها
(١) في (أ): «كلام)).
(٢) ٧٩٦/٢.
(٣) ٨٣٣/٢.
(٤) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٥) في (ط): ((بحيطة)).
٦٢١

فصرت(١) مجنوناً بها بعدما كنتَ دواءٌ للمجانينِ
عن ابنِ عونٍ وابنِ سيرينِ
أين رِواياتُك فيما مضى
في تركِ أبواب السَّلاَطِيْنِ
أين رواياتُك في سردِها
زلَّ حمارُ العلمِ في الطينِ
إن قلتَ أُكْرِهْتُ فِذَا يَاطِلٌ
فلمَّا وقف ابن عُلَيَّة عليها، قام مِنْ مجلس القضاء، فوطى بساطَ
الرَّشيدِ، وقال: اللّهَ اللّهَ، ارحم شيبتي، فإنّي لا أُصبِرُ على القضاء، فقال:
لعلَّ هذا المجنون أغراك؟: ثم أعفاه، فوجَّه إليه ابنُ المبارك حينئذٍ بالصُّرَّة.
ويُقال: إن ابن المبارك إنما كتبَ إليه هذه الأبيات لمَّا وليَ صدقات
البصرة. وهو الصحيح] (٢).
وعُزِل شيخنا بعدُ بيسيرِ قبل استكمالِ سنة في الثامن أو السابع من ذي
القعدة، وأَعيد الشَّيخُ شمسُ الدِّين الهروي، فباشر كعادته، ثم انفصل وأعيد
صاحبُ التَّرجمة في ثاني رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان - فيما
قاله القاضي محبُّ الدين البغدادي كما سلف - يوماً مشهوداً، وحصل للنَّاس
سروران عظيمان: أحدهما بولايته، لأن محبَّته مغروسةٌ في قلوب الناس،
والثاني بعزل الهروي، فإنَّ القلوب كانت اتَّفقت على بُغضه، لإساءته في
ولايته، وارتكابه الأمور الذَّميمة.
ثم في الثامن مِنْ رجب توجّه إلى مصر في موكب عظيم ومعه القُضاة
ونوَّابُهم والفقهاءُ مَنْ لا يكاد يحصر، وكان أيضاً يوماً مشهوداً.
وإذا لم يكن مِنَ الصَّرف بدُّ فليكُنْ بالكبارِ لا بالصِّغار
شرف محروسة فليسَ بعارِ
وإذا كانت المحاسن بعد الصـ
وقد كان عَقِبَ صرفه تكلَّم معه داودار السُّلطان يومئذٍ، واسمه جاني
(١) في (ط): ((فصيرته)).
(٢) من قوله) ((ولهم في فعلهم سلف)) في الصفحة السابقة إلى هنا لم يرد في (ب).
والخير في تاريخ بغداد ٢٣٥/٦ - ٢٣٧.
٦٢٢

بك، في وزن مالٍ ليعود، فأنشد صاحبُ التَّرجمة حينئذٍ قوله:
الدَّويدارُ قال لي أنا أقضي مآربَكْ
لا حَفِظَ الله جانِبَكْ
قم زِنِ المالَ قلت:
على [أنَّ شيخنا لم يكن يتوقّف عَنِ البذلِ، بحيث أنَّه كان ما يكلِّفه
في أيَّام الظاهر فقط ثلاثة عشر ألف دينار، الذي من خالص مالِهِ مِنْ ذلك
ستة، وباقيه كان يدفعُه مِنْ فائض الأوقاف، ويشهدُ عليه بوصوله إليه، وأنَّه
يصرفه في مصارفه، وكان يتأوَّل في ذلك كله، بحيث](١) أني قرأت بخطه ـ
رحمه الله - ما نصّه: مَنْ يبذلُ في القضاء المالَ لأجل عزل زيدٍ، فينبغي أن
يؤجّر، لا أن يُؤزر، والأعمال بالنيات.
قلت: وبهذا اعتذر شيخ الإسلام السّراجُ البلقيني لحكم عَنْ ولده
قاضي القضاة جلال الدين كما عُلم في محله.
ونازع القاضي نجمُ الدين ابن حجي شيخنا في هذه الولاية، إذ سعى
عليه جهده، لكنه لم يتمَّ له أمرٌ، واستمرَّ صاحبُ الترجمة في وظيفته إلى
أن صُرف بعد أربع سنين ودون ثمانية أشهر في يوم الخميس سادس عشري
صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وفي هذه الولاية زِيدَ في تقليده: ((والبلاد
الشامية»، حيث يقال: قاضي القضاة بالديار (٢) المصرية، واستمر ذلك له
ولكلٍّ من وَلِيَ من تاريخه.
ولما صُرف مِنْ هذه الولاية، واستقرَّ القاضي علم الدين بشرط أن لا يزيد
على عشرة نواب، وصادف في ولايته وقوعُ الطَّاعون المشهور، فلله الأمر.
ثم أُعيدَ صاحبُ التّرجمة في سادس عشري جمادى الأولى سنة أربع
وثلاثين، وفوَّضَ شيخُنا في هذه الولاية تبعاً لمرسوم السلطان للقاضي علم
الدين نظرَ جامع طولون والناصرية، فلما كان بعد استكمالٍ ستُّ سنين وأزْيَدَ
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) في (ب، ط): ((بالبلاد)).
٦٢٣

مِنْ أربعة أشهر في يوم الخميس خامس شوال سنة أربعين صُرف شيخُنا،
واستقرَّ القاضي عَلَمُ الدين.
[وصار الزَّيني عبد الباسط يبلغ صاحبَ الترجمة في مدة بطالته يلفت.
السُلطان إلى السلام عليه ومحادثته، ويقول له: إنَّ البلقيني(١) يطلع إلينا في
أيام البطالة، فلم يقطع عنا قبوله وإقباله، فلم يسعه إلا الامتثال على طريق
الاعتدال، فلمَّا اجتمعا، أخذ السُّلطانُ في التشوّق إليه بعد مزيد الإقبال
عليه، فأنشده صاحبُ الترجمة لغيره:
محبُّكم اختار عنكم بعادَه وما كان منكم مُؤثِراً بنْصِيبهِ
فآثر ما تَرْضَوْنَه ورَضِي بِهِ
ولکن رضیتم بعده عن جنابكم.
فأطرق السُّلطان رأسه وخجل، فبادر عند ذلك شيخُنا، فقرأ الفاتحة،
ودعا وانصرف. فلمَّا ولَّى، أرسل السُّلطان للزيني يُعلمه بأمر صاحب
الترجمة بالطُّلوع في غدٍ لِيعيده إلى وظيفته، فامتثل أمر السلطان](٢).
وأعيد شيخُنا في سادس شوال سنة إحدى وأربعين.
فلما كان التاسع من شهر ربيع الآخر (٣) مِنَ السنة التي تليها عند قراءة
تقليد الظاهر جُقمق بالقصر، جرى كلامٌ يتعلَّق بالقُضاة، فقال شيخنا: عزلتُ
نفسي، فقال له السُّلطان: أعدتُكَ، فقبل وخَلَعَ عليه وعلى رفقته.
ورسم حينئذٍ بإعادة الأوقاف التي كانت خرجت قبل، وهي وقف
قراقوش في ولاية العراقي، ووقف بيبغا التُّركماني في ولاية ابن البلقيني،
ووقف الأسدي في ولايته، ووقف الطَّيبرسيَّة المجاورة للجامع الأزهر،
فأُعيد ذلك كلّه بتوقيع جديدٍ، ووقع الإشهادُ على السّلطان بذلك في أول
جمادى الثاني حين التَّهنئة بالشهر بحضور القُضاة، وأكد عليه في أن لا يقبل
(١) في (ط): ((ابن البلقيني)»
(٢). من قوله: ((وصار الزيني عبد الباسط)» إلى هنا لم يرد في (ب) وورد في هامش (ح).
(٣) في (ب): ((جمادى الأولى)).
٦٢٤

رسالة متجوِّه، ولا يؤجّرَ وقفاً لذي جاهٍ، لسؤاله لهم في التّأكيد عليه بذلك،
لينتفع به في الوصول إلى غرض الحق، فما أحسنَ ذلك لو تمَّ.
فلمَّا كان المحرم من سنة أربع وأربعين، عيّن السُّلطان للقضاء الشيخ
شمس الدين الونائي(١)، بعد أن أرسل لشيخنا أن لا يخطُبَ به يوم الجمعة،
فخطب به أوَّل صفر القاضي برهان الدين بن المَيْلَق، لكنه ما تمَّ للونائي
أمرٌ، وأُعيدَ صاحبُ الترجمة إلى وظيفته بسفارة تلميذه النّاصري محمد ابن
السلطان جُقمق في يوم الإثنين سادس عشر الشهر المذكور، وكان يوماً
مشهوداً.
ووقعت قضيةٌ، وأظنها في هذه الولاية، وهي أنَّ السُّلطان قرَّر بعض
الأمراء في شيءٍ مِنَ الأنظار التي كان استرجعها صاحبُ الترجمة، وجاءه
الرسول عَنِ السُّلطان بأنَّه إن لم يُجِبْ لذلك [وإلاَّ ... وسكت الرسولُ،
فبادر بعزل نفسه](٢)، وقال: عثر الحمار كان بشهوة المكاري، ثم صرف
في يوم الإثنين خامس عشر ذي القعدة سنة ست وأربعين، وروسِلَ
بالاجتماع بالسُّلطان، فاجتمع به(٣) بعد يومين يوم الخميس، فبيَّن له عذرَه
فيما كان نُسِبَ إليه، فعذَرَه وأعاده إلى الوظيفة بعد أن كان الشيخ قد صمّم
على عدم القَبُول مِنْ أول يوم، لكن أشار عليه المالكيُّ - وهو من تلامذته -
بخلاف ذلك، حفظاً - زعم - لمالِهِ وولدِه وعِرضِه، فقَبِل حينئذٍ.
فلما كان في يوم الإثنين رابع ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، لبس
خُلعَةَ الرِّضا، لكون السُّلطان كان قد عزله في اليوم الماضي، فلما كان في
ليلة الجمعة الثامن مِنَ المحرم سنة تسع وأربعين، سقطت المنارةُ التي
للفخريَّة القديمة في سويقة الصَّاحب، وهي مدرسةٌ قديمة جداً مِنْ إنشاء
الفخر عثمان بعد السِّتمائة.
(١) في (أ): ((النواوي))، تحريف. وهو شمس الدين محمد بن محمد بن عثمان الونائي،
المتوفى سنة ٨٩٠هـ. انظر الضوء اللامع ١٣٩/٩ - ١٤٠.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٣) (به)) ساقطة من (أ).
٦٢٥

-
قلت: لها ذكرّ عند المنذري في (التكملة))(١) له في سنة سبع
وثلاثين وستمائة، حيث أرّخ وفاة الفقيه إسماعيل بن إبراهيم بن غازي بن
علي النُّميري الحنفي، عُرف بابن فلوس، فإنَّه قال في ترجمته أيضاً ما
نصُّه: ودَرَّس بمدرسة الأمير فخر الدين عثمان بالقاهرة مدَّةً. انتهى. فهي
هذه .
وقد بناها بعد هذه الكائنة نظامُ المملكة الجمالي ناظرُ الخواصِّ يوسف
ابن كاتب جکم، تقبّل الله منه.
وكانت المئذنةُ مالت قليلاً، فحُذِّرَ السكانُ بالرّبع المجاور لها، وهو
مِنْ جملة أوقافها، فتهاونوا في ذلك، إلى أن سقطت بالعرض على واجهة
المدرسة ووجه الربع، فنزل بعضٌ على بعضٍ، وهلك تحت الرَّدم جماعةٌ،
فاجتمع الوالي والحاجبُ، واستخرجوا كثيراً مِنَ الأموات والأحياء، كل
منهم مصاب بيد أو رجل أو ظهر، فبلغ ذلك السلطان، فتغيَّظ منه، وطلب :
النَّاظرَ على المدرسة، وهو نور الدين القليوبي أمين الحكم، وأحد النواب،
فتغيَّظ عليه، وظنَّ أنه ينوبُ في ذلك عَنْ صاحبِ الترجمة إلى أن انكشف
الغطاء بأنه ليس له في ذلك ولايةٌ ولا نيابةٌ ولا عُرف بشيءٍ مِنْ ذلك منذ
وَلِيَ وإلى تاريخه، لكن انتهز الأعداءُ الفرصةَ، وأوصلوا إلى السُّلطانِ أنَّ
صاحب الترجمة يتبجَّح بأنه كان أصلاً عظيماً في استقراره(٢) في السّلطنة،
وأنَّه ينسُب السلطان إلى الظلم ونحو ذلك، بل ألِقَوْا في أذنه أنَّه التمس مِنْ
رفيقه القاضي الحنفي أن ينفّذ ما يصدرُ منه [من الحكم] (٣) بخلعه، وكان
ذلك ممَّا أسرَّه شيخنا لقاضي القضاة سعد الدين بن الديري وتُوقاً به، كما
أخبرني به ابن الدَّيري المذكور بعدُ، فنمَّ عليه بصفاءِ خاطره، لا قصداً
للأذيَّة، فازداد غضبُه، وراسله(٤) بالعزل في يوم الإثنين حادي عشر الشهر
(١) ٥٢٥/٣.
(٢) في (أ): «استمراره)).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
(٤) في (أ): ((وأرسل)).
٦٢٦

المذكور [بعد استكمال سبع سنين وأزيد من ثلاثة أشهر](١)، وأن يغرَّمَ دِيَةً
الموتى، وأخذ في مقاهرته حتَّى أخرَجَ عنه نظرَ البيبرسية ومشيختها، ولولا
بركةُ النبيِّ وََّ، لكان الأمر أشدَّ مِنْ ذلك.
ومن تكن برسول الله نصرتُه إنْ تَلْقَهُ الأسْدُ في آجامها تجمٍ
ولهذا راسله شيخنا مع العلاء بن أقبرس يقولُ له: القاضي جلال
الدين البلقيني قتيل طَطَر، والقاضي وليَّ الدين بن العراقي قتيلُ الأشرف
برسباي، وأنا قتيلُك، وأرجو أن الله تعالى يقتصُ للمظلوم مِنَ الظَّالم، أو
معنى هذا، ولكن قيل: إنَّ العلاء استشار الخليفة(٢) في تبليغ هذه الرسالة،
فمنعه مِنْ ذلك خشيةً على صاحب التَّرجمة، فالله أعلم.
ولما كان يوم الخميس رابع عشرة، طُلب الشيخ شمس الدين القاياتي
إلى القلعة، لتقليد القضاء بعدَ أن كان القاضي كمال الدين بن البارزي حسَّن
له الولاية، وأظهر هو له كراهتها وعدم الرَّغبة فيها، ثم اجتمع بالعلاَّمة
مفخر الوقت الأمين الأقصرائي، وأظهر له ذلك أيضاً، فوافقه على هذا،
وأنه هو الخيرُ في الدُّنيا والآخرة. قال: ويتم لك ذلك إن شاء الله بعدم
الموافقة على الاجتماع بالسلطان، والتَّصميم على عدم القبول، وتفارقا على
ذلك، فما تمَّ هذا الأمر.
وصعد في اليوم المذكور صحبة الكمال، فاجتمع بالسلطان، وأمره
بذلك، فأجاب باشتراط أمورٍ أجابه إليها، والتمس منه أن يلبّسَ الخُلعة
والتّشريفَ على العادة، فامتنع وتقلّد ورجع وهو راكب بغلة لكاتب السُّر ابن
البارزي بثيابه البيض وطيلسانه، فدخل الصَّالحيةَ وصُحبته جماعة المباشرين
والدوادار الكبير والثاني على العادة، [ولم يسمع الدعوى التي جرت العادة](٣)
بها، ثم توجّه إلى منزله، فاستدعى بمباشري المودع والأوقاف، وهرع النَّاسُ
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) في (أ): ((الحنفية)»، وهو تحريف.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
٦٢٧

للسلام عليه وعلى صاحب التَّرجمة، بل سلَّم كلُّ واحدٍ منهما على الآخر
بمنزله، وأنشد شيخُنا إذ ذاك ما رآه فيما يغلبُ على ظنّي في («مرآة الزمان)»
لسبط بن الجوزي، حيث قال: عُزِلَ أبو عمر بن عبد الواحد عن قضاء
البصرة، وقُلِّدَ أبو الحسن بن أبي الشَّوارب، يعني محمد بن الحسن بن
عبد الله، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فقال العصفريُّ الشاعر:
بمثله يتغنى
عندي حديث ظريف
هذا وهذا يُهَنَا
مِن قاضيين يُعزَّى
وذا يقول: استرحنا
فذا يقول: اكرَهُونَا
بِمَنْ يصدّقُ مِنّا
ويكذبان ونهذي
وكان كافّةُ الناس - إلاَّ مَنْ شذّ ـ توهَّم أنَّهما من إنشائه، مع أنَّهما في
كتاب متداول بأيدي جَمْعَ مِنَ الفُضلاء، وهو ((معيد النعم ومبيد النقم».
(١)
للتاج السبكي، لكن شطر ثانيهما (٢) عنده:
ويكذباني جميعاً ومَنْ يصدّق منّا
وبلغ ذلك القاياتي، فتأثّر وضمَّ ذلك لما كان عنده قبل، حيث وقع
بينه وبينَ العلامة العلاء القلقشندي، وهما بمجلس شيخهما صاحب
الترجمة، مباحثة سطا فيها العلاءُ عليه، فلم ينتصر شيخهما، بل سكت بناءً
علی أنه لا يُنسب لساکت قول.
[وصار(٣) القاياتي يقول عَقِبَ ذلك: قد كنتُ أردتُ القيامَ حين ابتداء
العلاء، فمنعني الشيخُ مِنْ ذلك، فكأنه كان يحبُّ ما وقع، ومعاذَ الله أن
(١) ص ٧٣.
· (٢) قال السفيري في ((المختصر)) معقباً على ذكر السخاوي لهذه الأبيات بلفظ التثنية. وكأن
الشيخ شمس الدين السخاوي لم يقرأ في فن العروض ورأى هذه الأبيات مكتوبة في
شطرين، فتوهم أنها بيتان.
(٣) من هنا إلى قوله: ((رحمهم الله أجمعين)) لم يرد في (ب).
٦٢٨

يظنِّ بشيخنا ذلك، لا سيما وقد صرّح بما يُقبل مِنْ مثله ويُعذَرُ به،
والأعمالُ بالنيات. هذا مع كون القاياتي - رحمه الله - كان كثيرَ التحمُّل
وعدم إظهارٍ ما يتّفق ممَّا يشبه هذا.
ولقد حكى لي بعضُ مَنْ أثِقُ به أنَّه عُقِد مجلسٌ بالمؤيدية بين يدي
شيخنا وبقيَّة القضاة، وحضر كاتبُ السِّرِّ البدري بن مزهر والدوادار أزبك
وجماعة، لإخراج مَنِ استقرَّ فيها بنزولٍ، لكونه خلافَ شرط الواقف.
وحضر مِنْ أعيان الجماعة بها القاياتي والأبناسي والشهاب بن هشام،
فجلسوا بين يدي شيخنا، وشرع شيخُنا في الكلام، فبادره الثلاثة، فاغتاظ
عليهم، وقال: من أدبكم لم لا تسمعون كلامي إلى آخره؟ فإن وجدتموه
وافياً بالغرضِ فذاك، وإلاَّ فتمِّمُوه، فسكتوا عن آخرهم.
قال الحاكي: واتفق أنني اجتمعت بابن هشام، فرأيته متألماً بسبب
مخاطبة شيخنا لهم بذلك، وذكر ما لا أحبُّ إثباته. قال: ثم لقيتُ
الأبناسي، فأبلغته المقالة المشار إليها فأنكرها، وقال: لستُ أقطع ما بيني
وبينه، وأمتنع عن مصالحَ وشفاعاتٍ تُلتَمَسُ منِّي عنده لأجل كلمة. مع أن
الأدب فيما رسم به، بل هو أستاذُنا وشيخُنا.
قال: ولقيتُ القاياتي، فذكرتُ له مقالة كلّ منهما، فلم يُبْدِ كلمةً، ولا
خاض في شيءٍ مِنَ الطريقين، رحمهم الله أجمعين].
ولم يلبث القاياتي إلا يسيراً، وفَجَأَهُ الموت، فأصابته (١) يوم السبت
تاسع عشر (٢) المحرم سنة خمسين حمَّى صفراوية، ولم يكن قبل ذلك
يتداوى، فحمله أولاده في هذه المرضة على التداوي والحُقنة، فخبطوا في
أمره، فحطّت قوَّتُه، ولم يزل مرضه يتزايد حتى مات بُكرة يوم الإثنين ثامن
عشر (٣) المحرم المذكور، فأعيد صاحب الترجمة بعد سبعة أيام في يوم
(١) ((فأصابته)) ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): شهر.
(٣) في (ب): ((خامس عشر)) وفي (أ): ((ثامن عشر)). وما هنا موافق لما في إنباء الغمر
٢٤٧/٩، وذيل رفع الإصر ص ٢٨٧.
٦٢٩

الإثنين خامس صفر سنة (١) خمسين، وهذه الكرَّة الخامسة، وفرح الناس
بذلك كثيراً، واستمرّ إلى أن انفصل في أواخر ذي الحجة من السنة، [وفي
أثناء هذه الولاية أُلبِسَ خُلعة الرِّضا] (٢) وقُرِّرَ ابن البلقيني في أول يوم مِنَ
المحرم سنة إحدى وخمسين، ثم أعيد في يوم الإثنين ثامن ربيع الثاني سنة
اثنتين وخمسين وثمانمائة بعد انفصال القاضي ولي الدين السَّفطي، فإنه كان
استقرَّ عقب ابن البلقيني في العاشر مِنْ شهر ربيع الآخر من سنة إحدى
وخمسين، فأقام شيخُنا يسيراً، ثم انفصل في خامس عشري جمادى الثاني
من السَّنة بعد سبعة وسبعين(٣) يوماً، وأعيد ابن البلقيني في يوم الثلاثاء
عشرينه، وكانوا راموا انفصال صاحب الترجمة قبلُ بالشّرف المناوي بعد أن
أعطوا (٤) الشَّرفَ تدريس الشافعي، فما وافق استحياءً مِنْ صاحب الترجمة.
ولما ولي ابنُ البلقيني، توجّه شيخُنا للسَّلام عليه، فباسطه وعرّفه أنه
لم يَصِرْ له رغبة في القضاء لتطمين فكره، ثم أمر نقيبه بالتوجّه إليه، ويأمره
أن يحلف له أيماناً مغلَّظة - ولو بالطَّلاق - أنَّ شيخنا صاحبَ التَّرجمة ما
بقيت فيه شعرة تقبلُ اسم القضاء، ويلتمس منه أن تكون أمورُ ابنه عنده
مرعيةً، لأنه هو المحرّكِ لوالده في ذلك، بل كثيراً هو الذي كان يسعى
ويتكلَّف مِنْ غير علم والده إلى أن يُجابَ، ففعلِ الثّقيبُ - وهو القاضي
شهاب الدين بن يعقوب - ذلك، فازداد القاضي علمُ الدين بذلك طمأنينة،
وأخذ كلُّ واحدٍ منهما في التوذُّد لصاحبه، حتى إنَّه ختم ((البخاري)) المقروء
لجهته في أواخر شعبان، فحضر القاضي، وماتت الشَّريفة ابنة أخت جهة (٥)
صاحب الترجمة، فحضر أيضاً للصلاة عليها، وردّد الناسُ فكرهم في أيِّهما
يصلي إماماً وفي محل الصلاة، لأن محلَّ دفنها بالقُرب مِنْ جامع المارداني،
(١) في (ب، ط) ((خامس عشري))، وفي (ح) ((ثامن عشري)).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٣) في (ب): ((بعد سبعين)).
(٤) في (ب): ((حين أعطوا)).
: (٥) ((جهة)) ساقطة من (ب).
٦٣٠

وبيتها بالقُرب مِنْ منزل شيخنا، فما شعروا إلاَّ وقد أمر صاحبُ التَّرجمة،
بإدخال الجنازة جامع الأقمر، وقدَّم الشّريفَ النَّسَّابة للصَّلاةِ، قائلاً له: تقدَّم
يا سيّد، فإنَّها ابنةُ عمّك وأنت أحقُّ بها، فكانت مِنْ النكت اللطيفة.
ونحوه ما اتّفق قبل ذلك أنَّهما اجتمعا في وليمةٍ عند القاضي أبي
العدل البلقيني في مدرستهم، وكان بينهما إذ ذاك شيءٌ، وشيخُنا هو القاضي
حينئذٍ، فحضرت الصَّلاةُ، فقدم الشيخ نور الدين بن الركاب المقرىء للصلاة
إماماً.
وأين هذا مما اتَّفق، وهو أنه في رجب سنة ثمان وثلاثين توفي
الشهابُ أحمد بن ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن رسلان البلقيني، قريب
قاضي القضاة علم الدين، فحضر شيخُنا صاحبُ التَّرجمة - وهو إذ ذاك
صاحبُ المنصب - جنازته مع قريبه، فلمَّا انتهيا إلى قُرب محلُ الصَّلاة، أمر
القريب بوضع النَّعش، وتقدَّم للصَّلاة عليه إماماً، فركب صاحبُ التّرجمة
بغلته وانصرف.
ولفعل القاضي علم الدين هذا لمَّا توفي القاضي تقي الدين البلقيني،
[وذلك في شوال من السنة](١)، وكان شيخنا إذ ذاك أيضاً قاضياً، حضر إلى
بيته فعزّى ولدَه وانصرف، واعتذر عن عدم الحضُور بقوله: القريبُ أولى.
ولما حضر البلقيني في ختم ((البخاري)) المشار إليه. سأل بعض
الفضلاء عن الحكمة في انفراد طلحة بالقيام لكعب في قصَّة توبته رضي الله
عنهما، فبادر القاضي بقوله: لقرابة بينهما، فعارضه حفيدُ أخيه القاضي علاء
الدين في ذلك بقوله: مِنْ أين القرابةُ؟ وأيَّده شيخُنا بقوله: أحسنت بارك الله
فيك، لم تكن بينهما قرابةٌ أصلاً. نعم، لو قال القاضي لمؤاخاةِ النَّبِيِّ بَّر
بينهما، لكان أحسن(٢)، فتغيَّر خاطِرُه من ذلك، وبادر حين فراغ المجلس،.
واستجازه القارىء - وهو سبطُ شيخنا على العادة - إلى الإجازة، فتبسَّم
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) في (ب): ((حسناً».
٦٣١

: صاحبُ التَّرجمة قائلاً له: مولانا قاضي القضاة أحبَّ إتحاف الجماعة
بإجازته، لعلمه بحصولها لهم في كل وقت منّا.
واستمر شيخنا منفصلاً عَنِ القضاء، مخلصاً في عدم الرغبة إلى العَوْدِ
إليه حتى مات، وما ذاك إلاَّ لإرادة الخير به، وإلاَّ فقد سمعتُه مراراً عِقِبَ
عزله بالقاياتي يحكي عن بعض الأكابر قوله: ما سُررنا بالولاية، لكن ساءنا
العزلُ. وقال في ((شرح البخاري)) عند حديث («تجدون خير الناس في هذا
الشأن - أي الولاية والإمرة - أشدّهم له كراهية)»: معناه أنَّ الدُّخول في عهدة
الإمرة مكروه مِنْ جهة تحمّل المشقّة فيه، وإنَّما تشتدُّ الكراهةُ له مِمَّن
يتَّصفُ بالعقل والدِّين، لما فيه مِنْ صعوبة العمل بالعدل وحمل النَّاس على
رفع الظلم، ولما يترتب عليه مِنْ مطالبة الله تعالى للقائم به مِنْ حقوقه
وحقوق عباده، ولا تخفى خيريَّةُ مَنْ خاف مقامَ ربِّه.
وأمَّا قوله: ((وتجدون مِن خير النَّاس أشدَّ النَّاس كراهيةً لهذا الشأن
حتى يقع فيه))، فإنه قيَّدَ الإطلاقَ في الرّواية الأولى، وعرف أنَّ ((مِنْ)) فيه
مُزادةٌ، وأن مَنِ اتُّصِفَ بذلك، لا يكون خيرَ النَّاس على الإطلاق.
وأمَّا قوله: ((حتى يقع فيه))، فاختُلفَ في معناه، فقيل: معناه: أن مَنْ
لم يكن حريصاً على الإمرة، غير راغب فيها، إذا حصلت له بغير سؤالٍ
تزولُ عنه الكراهة فيه، لما يرى مِنْ إعانة الله تعالى له عليها، فيأمن على
دينه مَنْ كان يخاف عليه منها قبل أن يقع فيها، ومِنْ ثمَّ أحب بعضُ مَنْ
دخل فيها مِنَ السَّلفِ الصَّالح استمرارها حتى قاتل عليها، وصرَّحَ بعضُ مَنْ
عُزِلَ منهم، بأنَّه لم تسرّه الولاية، بل ساءه العزل. وقيل: المراد بقوله:
(حتى يقع فيه))، أي: فإذا وقع فيه، لا يجوزُ له أن يكرهه. وقيل: معناه أنَّ
العادة جرت بذلك، وأنَّ مَنْ حَرَّصَ على الشَّيءِ ورغِب في طلبه، قلَّ أن
يحصُلَ له، ومَن أعرض عَنِ الشّيء، وقلّت رغبتُه فيه، يحصل له غالباً.
قلت: وقد قال بعضهم:
وكان عليَّ أثقلَ مِنْ ثبيرِ
حُمِلْتُ على القضاء فلم أُرِذه
٦٣٢

فلمّا أن عُزِلْتُ جعلتُ أشدو لقد أنقذت مِنْ شرٌ كبير
ومدَّة ولاياته في المِرار كلّها تزيد على إحدى وعشرين سنة بأشهر.
[بعض أعماله في القضاء:]
وكان - رحمه الله - ذا دُرْبَةً(١) بالأحكام، وخبرةٍ بالمصطلح، له
قوماتٌ في الله تعالى، لا سيّما في ولايته القضاء. فمِنْ ذلك أنَّه في السَّنة
الأولى من ولايته، عقد مجلس بسبب أخذِ الزكاة مِنَ النُّجار، فقام مع
التُّجار قصداً لعدم تطرُّق الظلم إليهم(٢)، وأيّدهم بقوله: أما التُّجَّار، فإنهم
يؤدُّون إلى السَّلطنة مِنَ المكوس أضعافَ مقدار الزكاة، وهم مأمونون على
ما تحت أيديهم مِنَ الزكاة، وأمَّا زكاةُ الماشية، فليس في الديار المصرية -
غالباً - سائمة، وأمَّا زكاة النَّبات، فغالبُ مَنْ يزرع مِنْ فلأَّحي السلطان أو
الأمراء. وتبِعَهُ المالكي والحنبلي، وانفرجت عَنِ النُّجار وغيرهم. فرحمه الله
تعالى ورضي عنه.
ومنه كائنة الشّيخ شمس الدين محمد(٣) بن عمر الميموني، حكم
التَّفَهْني بزندقته وسفْكِ دمه، وكان فيها شائبة نفسية، والتمس التَّفَهْني مِنَ
الحنبلي التّنفيذَ، فامتنع إلاَّ بعد الشَّافعيِّ، وهو صاحب التّرجمة، فسُئِلَ
فامتنع حتى قال له السلطان، فقال: قد وقَعَتْ عندي ريبةٌ تمنع مِنَ التَّنفيذ،
ثم أبداها، وكانت قضية (٤) طويلة، تعصب أكثر الجند(٥) وغيرهم فيها على
الميموني تبعاً للتَّفَهْني، وآل أمره إلى أن انفك مِنَ القتل على يد صاحب
الترجمة قصداً للحق.
ونحوُ هذه الواقعة في زمن التقي بن دقيق العيد كائنة فتح الدين
(١) في (أ): ((رتبة))، تحريف.
(٢) في (أ): ((عليهم)).
(٣) في (ط): ((شمس الدين بن محمد»، خطأ. وانظر الضوء اللامع ٨/ ٢٧٠.
(٤) في (ط): ((قصة)).
(٥) في (أ) و(ب): ((الحنفية)).
٦٣٣

أحمد بن محمد البَققي المصري، إلاَّ أن الميموني لم يُقتل، وهذا قُتِلَ
باجتهاد علي بن مخلوف النُّويري المالكي القاضي، وقيامه في ذلك، وكان
الفتحُ يكثرُ الوقيعة فيه.
واتَّفق لصاحب الترجمة أنه عُقد مجلس بسبب شخص وقع في بعض
الأئمة، وراموا تكفيره فعاكسهم، وقرر مسألة سابُ الصَّحابي، فكان ذلك
سبباً للكفّ عن قتله، وقد قال في ((فتح الباري)) ما نصّه: اختلف في سابٌ
الصَّحابيِّ، فقال عياض: ذهب الجمهورُ إلى أنَّه يُعزَّر، وعن بعض المالكية:
يُقتل، وخصَّ بعضُ الشّافعية ذلك بالشيخين والحسن والحسين، فحكى
القاضي حسين في ذلك وجهين، وقوَّاه السُّبكي الكبير في حقٌ مَنْ كفّر
الشَّيخين، وكذا مَنْ كفّر مَنْ صِرَّح النبيُّ ◌َّ بإيمانه، أو تبشيره بالجنة، إذا
تواتر الخبرُ بذلك عنه، لما تضمّن مِنْ تكذيب رسول الله وَله. نسأل الله
السلامة .
ومنه أنَّه تكلَّم مع السُّلطان في أن لا تُطفأ القناديلُ في رمضان إلاَّ قُبيل
طلوع الفجر، لما يحصُلِ مِنَ الإجحاف بالنَّاس ممَّن ينامُ ثمَّ يستيقظ وهو
عطشان، حيث يمتنع عَنِ الشُّرب ظنّاً منه أنَّ ذلك حَرُمَ، فوافق السُّلطان على
ذلك ثم عُقد مجلس بسببه، فاتَّفق مَنْ حضر على أنَّه يترتَّبُ على ذلك أنْ
يغلطَ مَنْ كان يعرفُ العادةِ المستمرَّة، فيبطُل صومُه، فتوقّف الأمرُ، واستمرت
العادة، وكان ممَّن قام في الشِّقِّ الثاني: العلامة شهاب الدين بن المجدي.
وكان مقصِدُ شيخنا جميلاً، لا سيما وقد صحَّ: ((لا يزال النَّاسُ بخير
: ما عجّلوا الفطر وأخَّروا السَّحور)). وقد قال رحمه الله في ((فتح الباري)): مِنَ
البدع المنكرة ما أحدث الناسُ في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل
الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان وإطفاء المصابيح التي جعلت علامةٌ
لتحريم الأكل والشّرب على مَنْ يريدِ الصِّيامَ، زعماً ممَّن أحدثه أنه للاحتياط
في العبادة(١)، ولا يعلم بذلك إلاَّ آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن
(١) في (أ): ((العادة))، تحريف.
٦٣٤

صاروا لا يؤذنون إلا بعد المغرب بدرجة، لتمكين (١) الوقت - زعموا -،
فأخّروا الفِطْرَ وعجَّلوا السَّحور، فخالفوا السُّنَّة، فلذلك قلَّ عنهمُ الخيرُ،
وكثُر فيهمُ الشَّرُّ، والله المستعان.
ومنه أنه قدِمَ العلامة علاء الدين البخاري، والتمس مِنَ السلطان إبطالَ
إدارة المحمل، حسماً لمادة الفساد التي جرت العادة بوقوعه عند إدارته ليلاً
ونهاراً، فأمر السُّلطانُ القضاة وكاتب السِّرِّ بالتوجّه إلى الشيخ، والتكلم معه
في المسألة ففعلوا، فكان مِنْ كلام صاحب الترجمة - وهو الشَّافعي -: ينبغي
النظرُ في السبب في هذه الإدارة، فيعمل بما فيه المصلحة منها، ويُزال ما
فيه المفسدة، وذلك أنَّ الأصل فيه إعلام أهل الآفاق أن الطريق مِنْ مصر
إلى الحجاز آمنة، وأن من شاء أن يَحُجَّ، فلا يتأخر خشية خوف الطَّريق،
وذلك لما كان حدث قبل ذلك مِنَ انقطاع الطَّريق إلى مكة مِنْ جهة مصر،
كما هي الآن منقطعة غالباً مِنْ العراق. فالإدارةُ لعلَّها لا بأس بها لهذا
المعنى، وما يترَّبُ عليها مِنَ المفاسد يمكن إزالتُه بأن يبطل الأمر بزينة
الحوانيت، فإنَّها السَّببُ في جلوس الناس فيها، وكثرة ما يوقَدُ مِنَ الشموع
والقناديل، ويجتمع فيها مِنْ أهل الفساد، فإذا تُرِكَ هذا، وأمر السلطان مَنْ
تعاطى إدارة المحمل مِنْ غير تقدُّم إعلام النَّاسِ بذلك، حصل الجمعُ بين
المصلحتين، وانفصل المجلسُ علىَ ذلك.
ومنه لمَّا نودي على الفلوس أن يُباع الرطل المنَقِّى منها بثمانية عشر
درهماً، وفرح من كان عنده منها حاصلٌ، وحزِنَ مَنْ عليه منها دَيْنٌ، لما
يقاسونه مِنْ نُوَّاب الحكم في إلزامهم إعطاء ذلك بالوزن الأول. قال صاحب
الترجمة: وفيه بحثٌ كثير، وبيَّنتُ أنَّ ذلك لا يلزم على الإطلاق، بل لا بدَّ
فيه مِنْ شروط، واقتضى الحال كتابة مراسيم للشُهود أن لا يكتبوا وثيقةً في
معاملةٍ ولا صداقاً ولا غيره إلاَّ بأحد النّقدين الذهب أو الفضة، بسبب شدة
اختلال أحوال النَّاس واختلاف أحوال الفلوس التي صارت هي النَّقد عندهم
في عُزْفهم، مع عزَّة الفلوس وعدمها كانوا يكتبون ذلك بالفلوس، مع
(١) في (أ): ((لتمكن)).
٦٣٥

تحقّقهم أنّه لا وجود لها، وأن لا حقيقةً لذلك الإقرار، ثمَّ إذا نودي عليها
بأن يُزادَ سعرُها، يصير مَنْ كُتِبَ له يطالب بذلك الوزن، فأجحف ذلك
بالنَّاس، فَحُسِمت هذه المادّة على يد صاحب الترجمة، وتمادى الاختلاف
بسبب ما كان كتب أوّلاً، ولم يزل في اضمحلالٍ بحمد الله وعونه.
[واختلف مع جماعة المفتين مِنْ أهل عصره في فَهُم كلام واقفٍ،
فكان هو وجماعةٌ في جانبٍ، وخالفهم آخرون، فامتنع مِنْ بَثْ الحكم بما
فهمه، (وصرّح لطالب الحكم](١) منه بقوله: يا أخي، لم أوافق على
فهمي، بل نوزِعْتُ فيه، وأشار بالصُّلح.
ولذا كان تلميذُه الجلال المحلّي - وهو المنفرد مِنَ الشَّافعية بمخالفته -
يقول: إنه مُنْصِفْ، فأين هذا مِنْ قاضٍ يُحاقِقُ ویخانِقُ ويزاحم ويضايق،
ويتعرَّض لمخالفيه بالتّنقيص والتَّقبيح، والإهانة والتجريح؟ ولكن حب الدنيا
رأس كل خطيئة. نسأل الله العافية من كلّ بليَّة](٢).
ومن وُفورٍ صلابته قبل استقراره في القضاء الأكبر: ما حكاه لي
الشريف نقيبُ شيخنا شيخ الإسلام سعد الدين بن الذِّيري، أنَّه امتنع مِنْ
قَبول شهادة ابن النُّسخةِ (٣) في القِيمةِ أيام عِزّه وضخامته، إذ كان جمال
الدين الاستادار حياً، وراودوه على ذلك، وتوسّلُوا إليه، فامتنع وقال: أقبل
عاميين من المهندسين دوته. رحمه الله وإیانا.
[وكذا كان يقول فيما يقع التَّصادُقُ عليه غالباً: هو بتسميته بالتكاذب
أصدق] (٤).
واتَّفق في بعض ولاياته تجديد الحوانيت التي فيها السُّيوفيون .
والصيارف بظاهر الصَّاغة وعلوها، وكان قد أخذ فيها الخرابُ، فاستُبدل :
(١) هذه العبارة ساقطة من (ط).
(٢) من قوله: ((واختلف مع جماعة المفتين)) إلى هنا لم يرد في (ب)، وورد في (ط)
بخط مغاير عن المتن، وورد في هامش (ح) بخط المصنف.
(٣) هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد، المتوفى سنة ٨٤٩هـ. انظر الضوء اللامع
٢/ ٩٣ - ٩٤.
(٤) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٦٣٦

النّصفُ والرُّبعُ بمالٍ جزيل يعمر به في الربع الباقي لجهة وقفه على
الصالحية، فعمر عمارة جديدة، وصارت أجرةُ الرُّبع أزيدَ مِنْ أجرة الكل
بالنسبة لما كان يفضل بعد الصَّرف في ترميمه.
وبلغه أنَّ بعض الأعيان حسَّن للأشرف برسباي أخذَ الحوانيت
المجاورة للكاملية، وهي تحت نظره في جملة أوقاف البيبرسية، وكانت
مُحكمة البناء، غير أنَّها شَعِئَةٌ، ففي الحال لمَّ شعثَها بالبياض، وصارت
تُضيءُ، فَكفِّوا عن ذلك، وقد استولى عليها الأشرف إينال بعد زمنٍ طويل.
وكان يمتنع من تنفيذ شيء من الاستبدالات بالمال، حتى امتنع من
فعل ذلك للقاضي عبد الباسط وفيروز السَّاقي ونحوهما، إلا إن وُضع المال
عند مَنْ يُوثَقُ به إلى أن يُشترى به البدل.
وكذا كان يمتنع مِنْ سماعِ الدَّعوى مِنْ كثيرٍ مِنَ المتمرّدين على
أخصامهم بأنهم لا يطالبونهم إلاَ مِنَ الشّرع الشّريف، ويقول: أنا لا أمنع
مَنْ يتوصَّلُ إلى خلاص حقُّه ممِّن يكونُ متمرداً بالشرطة.
[وبذلك أفتى شيخُنا العزُّ عبد السلام البغدادي الحنفي، فإنّني قرأتُ
بخطّه على فُتيا ما نصّه: وحَمْلُ طالبٍ الحقِّ غريمه المدافع المتمرِّد عن
إعطاء ما وجب عليه إلى الولاة الحُماة - لا سيَّما في زماننا - جائز، ولا لَوْمَ
عليه](١) .
وكان في أول الأمر شديد الحرص على البقية في كل وقف لفائض
ولو قلَّ، ليصرف في العمارة إن احتيجَ إليها، ويتحرِّى في التَّقرير على
الأوقاف، حتى كان - فيما بلغني عنه - يقول: إذا رتبت لشخصٍ خمسينَ
درهماً، أنظر في وقفٍ له يكون بخمسين ديناراً، أو نحو ذلك.
ومِنَ الاتفاقيات الدَّالَّة على شدَّة غضبه لله ولرسوله: أنهم وجدوا في
زمن الأشرف برسباي شخصاً مِنْ أتباع الشيخ نسيم الدين التبريزي نزيل
حلب، وشيخ الخروفية المقتول على الزَّندقة سنة عشرين وثمانمائة ومعه
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٦٣٧

كتابٌ فيه اعتقادات منكرةٌ فأحضروه، فأحرق صاحبُ الترجمة الكتاب الذي
معه، وأراد تأديبه، فحلف أنَّه لا يعرف ما فيه، وأنَّه وجده مع شخص،
فظنَّ أنَّ فيه شيئاً مِنَ الرَّقائق، فأُطلق بعد أن تبرّأُ مِمَّا في الكتاب المذكور،
وتشهَّد والتزم أحكام الإسلام.
وكانت المجالسُ المعقودة في الوقائع ونحوها بوجوده ممتعة، بل مَنْ
كان يحضر بقصد الازدراء يرجع خائباً. فمِنْ ذلك أنَّه في سنة سبع وثلاثين
حضر أعجميٍّ يقال له: شمس الدين: محمد الهروي، ويقال له: ابن
: الحلاَّج، كهلّ من أبناء الأربعين، وادغَّى أنه يعرف مائة وعشرين علماً،
وأظهر بأواً عظيماً، وشرع يسأل أسئلةً مشكلةً، وظهرت منه أمورٌ تدل على :
إعجاب زائدٍ، فآل أمرُه إلى أن وقعت منه أمور أَنكِرَت مِنْ جهة المعتقَّدِ، :
فزُجر، فخذل بعد ذلك، وصار كآحاد الطَّلبة، واعتذر بعدَ ذلك بأن بعض
. الحاسدين لصاحب الترجمة أغراه بذلك، ظناً منه أنَّ ذلك ينقُصُ مِنْ قدره،
فأبى الله ذلك، وحاق المكرِ السَّيُِّ بأهله، ولله الحمد.
قال شيخنا: وفي الجملة، فالرَّجلُ فيه ذكاءً، وعلى ذهنه فوائد كثيرةٌ،
وعنده استعدادٌ، ويعرف الطب(١)، لكن عُدَّت عليه سقطات.
فلمّا كان في السنة التي تليها، أمر السلطان صاحب الترجمة إذا حضر
لسماع الحديث أن يحضر صُحبتَه فلقةٌ وعصاً، ومن تعدّى في كلامه أو أساء
الأدب اُدّبَ، وأگد ذلك فما فعل.
ثم في سنة أربعين ألزموا السُّكوتَ حتى لم يتكلم سوى صاحب
الترجمة، رد على القارىء مواضع مِنَ الأسانيد أسماء تبدَّلها أو تحرَّفها من
سبق اللسان، لكنه ما استمرَّ.
ووقع من العلاء الرومي حطّ على الشيخ باكير، وآل أمره معه في
· مباحثة إلى أن كفَّره، فردَّ الشافعي - وهو شيخُنا - على العلاء، ووافقه .
الجماعة وكذا السلطان، فسكت الرومي على مضَضٍٍ، لكنه شرع في كتابة
(١) في (أ): ((الطلب)).
٦٣٨

أسئلة ودسَّها إلى السلطان ليجيب عنها الشافعي، فأحضرها بعض الدويدارية،
فسلّمها للشافعي، فقرأها وقال له: يطلب الجواب، فذهب ولم يَعُدْ، فذكر
الشافعي للحاضرين أن أول الورق مقسماً بأيمان عظيمة أن أعلم أهل
المجلس لا يعلم معنى قال رسول الله، وكلاماً آخر فيه عجرفة ولحن،
فأجمع مَنْ سمع ذلك على ذمّه.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيّه فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
وقرأتُ بخطٌ صاحب الترجمة ما نصُّه: قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةٍ
رَيِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: ١١]. حضرت مجلس الحديث بالقلعة، واتَّفق أنه
وقع لغط كثير، فلما انتهى المجلس بأذان العصر، أجبت المؤذن، ثمَّ
استغفرتُ سرَّاً عدداً معيّناً خطر لي، فعند انتهاء ما أردت من العدد، قرأ
القارىء على العادة العُشر ثم القصيدة، فاتَّفق أنه قرأ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]،
فانشرحت بذلك، وتفاءلت منه بخير، ولله الحمد، ثم لله الحمد.
ومِنْ ذلك أنهم استعملوا الشيخ جلال الدين عبد الرحمن الوجيزي، مع
أنه كان هو وأبوه من جماعة صاحب الترجمة، لكنه كان معروفَ الحال.
بلغني عن صاحب الترجمة - ولم أسمعه منه - أنه كان يقول: هما اثنان، عاقل
يتمجنن، ومجنون يتمعقل، يشير بالأول إلى البدر بن الشريدار، وبالثاني إلى
هذا، بأن قال عند شروع السُّويفي في قراءة الحديث بين يديه في القلعة
بحضور رفقته القضاة والسلطان على العادة، وقوله: ويسندكم ما نصُّه، أيها
القارىء حسبُك، إن أردت تخصيص الشافعي يعني صاحب الترجمة هذا(١)،
فلا معنى للتخصيص، في المجلس مَنْ هو مثله في السَّند، وإن أردت التعميم
فأفصِح لنا عن مرادك، فلم يلتفت شيخُنا لذلك، بل قطع كلامه بقوله
للقارىء: اقرأ، مع قدرته حينئذٍ على إقامته مِنَ المجلس، وانتقامه منه، لكنه
راعى قِدَمَ ملازمته له مع ما استُفيض من جنونه، غفر الله لنا وله.
(١) في (ط): ((بهذا).
٦٣٩

۔۔۔۔
ذكر الإشارة إلى محنته التي شارك فيها
غيره من السادات بسبب ولده
وأصلها أن شمس الدين محمد بن الشهاب أحمد بن صالح الشَّطنوفي
المباشر بجامع طولون وغيره، والمتوفى والده سنة إحدى وأربعين، رفع إليه
قُصَّة يطلبُ فيها معلومَ المباشرة بالجامع المذكور عن مدة، فکتب له:
يُصرف له عن المدة التي باشرها، فاغتاظ بسبب ذلك، وجاء إليه، فاجتمع
به وهو بالمحمودية، وعرَّفه أن علمه بذلك مِنْ أکبر مقاصده، فقال له:
جزاك الله خيراً، اطلب من البدر بن عبد العزيز حساب المدَّةُ وانظر فيه،
فشرع في ذلك، فإذا البلاء - كما قال - كلُّه من ابن عبد العزيز، آذى نفسه
ورفقته وولد شيخ الإسلام، وله في ذلك شائبة كبيرة مما لا شعور لأبيه
بشيءٍ منه. قال: وشيخ الإسلام ليس في جهته شيءٌ من مالِ الوقف
المذكور. غايته أنه وُكلِ الأمرِ في ذلك لمن لم ينصحه، واشتغل هو بما
كان بصدده من العلم والإقراء ونحو ذلك.
قال: ولمَّا نظرت الحساب، وجدت فيه بواقي صيَّرها ابنُ عبد العزيز .
باسم نفسه، كان إذا تأخّر على المستأجرين من الخراج شيءٌ، كتبه عليهم
بمساطير، ويستخرج ذلك في السنة المستقبلة، ثم صار يستأجر طيناً
ويزرعه، ويخصم في الحساب بخسارة زرعه، إلى غير ذلك مما لا تلبس
عليه الثياب.
واتفق أن الشطنوفي المذكور - كما حكى لي - دخل الجامع الأزهر
٦٤٠