النص المفهرس
صفحات 581-600
الباب الرابع في عقده مجلس الإملاء، ووظائفه السَّنِيَّة مِنْ تدريس، وإفتاءٍ، ومشيخةٍ، ونظرٍ، وخُطبة، وخزن كتب، وقضاء، وغير ذلك، وكذا ما عُرض عليه من المناصب والوظائف التي (١) أعرض عنها، ونبذة من وقائعه في الولاية، والإشارة لمحنته، وغير ذلك. [الإملاء] أما الإملاء، فأوَّل ما شَرَعَ فيه في سنة ثمانٍ وثمانمائة إملاء كتاب ((الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السَّماع من حديثه عن(٢) شيوخه)) في ستة عشر مجلساً بالشّيخونية، وبعضها بمنزله بمصر على شاطىء النيل، وذلك باستملاء المحدّث الأوحد شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري الشافعي. ثم أملى بعدها ((عشاريات الصحابة المسماة بالإصابة)). ابتدأها - كما قرأته بخطه - في شُهور سنة تسع وثمانمائة بالشّيخونية أيضاً، فأملى منها مجالس استملاها عليه شيخنا العلامة العز عبد السلام البغدادي الحنفي، وكذا أملى منها بالمدرسة الجمالية المستجدَّة برحبة العيد أوَّل ما فُتحت باستملاء العلامة كمال الدين محمد الشُّمُنِّي المالكي. وكان ابتداء (١) في (ط): ((الذي)). (٢) في (أ): ((من)). ٥٨١ إملائه(١) بالجمالية في ثاني عشر رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وبالمدرسة المنكوتمرية المجاورة لمنزل سكنه، وكان ابتداءُ إملائه بها في يوم الجمعة بعد صلاتهاَ مُستهلَّ جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة باستملاء البوصيري أيضاً، وبعض ذلك بالخانقاه البيبرسية باستملاء الفخر ابن دِزباس، حتَّى استكمل بالأمكنة المذكورة من («العشاريات)) المشار إليها - فيما ظنَّه شيخُنا - زيادةً على مائة مجلس. قال: لأنّي وجدت عندي من المجالس سبعة وسبعين مجلساً، وضاع باقي ذلك، فما أمكن تجدیده . فلما استقرَّ في القضاء بالدِّيار المصرية، عقد المجلس الحافل للإملاء بالخانقاه البيبرسية في يوم الثلاثاء ثامن صفر سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فأملى بها المجالس المطلقة التي لم يتقيَّد فيها بكتاب، بل في الغالب. يحرِصُ على المناسبات في الأزمان والوقائع، حتى أكمل مائة وخمسين مجلساً في مجلد، كان فراغُها في يوم الثلاثاء خامس عشري شوال سنة . ثلاثين وثمانمائة، باستملاء شيخنا المحدث الحافظ الزين أبي النَّعيم رضوان : العقبي، وربَّما استملى في غيبته شيخنا العلامة المفنَّن المحقق أبو إسحاق إبراهيم بن خضر العثماني. ثمَّ شرع في إملاء تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في ((مختصر ابن الحاجب الأصلي»، حتى أكمله في يوم الثلاثاء سابع عشر رجب سنة ست وثلاثين وثمانمائة، وجاءت عدَّةُ مجالسه مائتين وثلاثين(٢) مجلساً في مجلد. ثم سافر عقبه صحبة الأشرف إلى آمد كما تقدم، فأملى بدمشق عند. المرور بها مجلساً حافلاً بجامع بني أمية في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان من السَّنة، باستملاء برهان الدين العجلوني كما تقدم. وأملى بحلب أيضاً سبعة(٣) مجالس باستملاء العلاَّمة القاضي نور الدين (١) في (ط): ((الإملاء)). (٢) في (أ، ب): ((مائتان وثلاثون))، والمثبت من (ط، ح). (٣) في (ب): ((ستة)) .. ٥٨٢ علي بن سالم المارديني، ابتدأ فيها يوم الثلاثاء خامس عشر رمضان مِنَ السَّنة، وختمها في يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة منها، وأنشد فيها من نظم القاضي بدر الدين ابن جماعة: أراد منكَ المُقَامَ أو رَحلكْ ارْضَ مِنَّ الله ما يُقَدْره فاسكُن، فخيرُ البلاد ما حملكْ وحيث ما كنت ذا رفاهيةٍ ومن قوله مذيّلاً على هذين البيتين: وحسِّن الخُلق واستقِمْ، ومتى أسأت أحسِنْ ولا تُطِلْ أَمَلَكْ ومَنْ عصاه ولا يتوبُ هَلَكْ من يثَّق الله يؤته فَرَجاً ثم رجع إلى وطنه وقد انقطع الإملاء بالقاهرة نصف سنةٍ، فشرع في إملاء تخريج أحاديث ((الأذكار)» لولي الله تعالى أبي زكريا النَّووي بالبيبرسية على عادته قبل سفره. وكان الابتداءُ في يوم الثلاثاء سابع صفر سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، واستمر فيه حتَّى بلغت مجالسه ـ إلى يوم الثلاثاء خامس عشري ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ستمائة وستين مجلساً، وكان قد ابتدأ به الوَعْكُ قبلُ بيسير، فانقطع لأجله، واستمر حتَّى مات. وكان المستملي لها الشيخ رضوان المذكور، ربما يغيبُ(١) أحياناً، فيستملي عِوَضَه العلاَّمة ابن خضر، إلاَّ أنَّ [المجلس الذي كان إملاؤه في خامس شعبان سنة خمس وأربعين قرأت بخط الشهاب ابن تمريّة أنَّه كان باستملاء إبراهيم البقاعي، والله أعلم، والأصحُ] (٢) المجالس الأخيرة - وهي اثنا عشر مجلساً - كانت باستملاء الإمام المحدّث شمس الدين ابن قمر، لكون كلٌّ واحدٍ مِنَ المذكورين أولاً كان قد توفّي، وسعى غيره في ذلك، فما أُجيب. (١) في (ح): ((وربما تغيَّب)). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). ٥٨٣ وكذا كان جميعُها بالبيبرسية، إلا بعضها - وهو مائة وأربعة عشر: مجلساً - ابتداؤها يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين: وثمانمائة، وانتهاؤها يوم الثلاثاء ثاني ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين، فبدارٍ الحديث الكاملية . فجملة ما أملى - رحمه الله - ألف مجلس ومائة وخمسون مجلساً، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً على ما تقدم، وقد بلغت عدَّة مجلدات ((الأمالي)) كلّها في بعض النُّسخ عشر مجلدات يُمليها رضي الله عنه مِنْ حفظه مهذّبة محرَّرة مُتقنة كثيرة الفوائد الحديثية، ويتحرَّى فيها العُلُوَّ، مستفتحاً مجلسه بقراءة سورة . الأعلى، والصلاة على رسول الله وَلّه، والدُّعاء له وللحاضرين والأئمة الماضين. قلت: وقد سُئل عن الحكمة (١) في خصوص سورة الأعلى دُون غيرها،: فقال: قد تبعتُ في ذلك شيخنا العراقي، وفيها من المناسبة قوله: ﴿سَتُقْرِتُكَ فَلَ تَنْسَ﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾، وقوله: ﴿صُحُفٍ إَِهِيمَ وَمُوسَى﴾ . وكان في الأمالي(٢) يُنشد كثيراً مِنْ نظمه. فممَّا أنشده قوله: يا ربِّ ذكّرني فقد قدَّرتني من يوم مبدأ إنشائي نسَّاءَ كرماً فأنت خلقتني خطَّاءَ وإذا خطوتُ إلى الخَطا فاغفرهُ لي ومِنْ ذلك قوله: كل أمرٍ أمكَنَتْ فِرصته إنَّما الأعمالُ بالَنْيَّات في : لم تُطِقْهُ أجزأت نيَّتُه فانوٍ خِيراً أو اعملِ الخيرَ فإن وأنشد في أواخر شعبان سنة تسع وأربعين وثمانمائة عند قطعه الإملاء لأجل دُخول رمضانَ على عادته: يقول راجي إلّه الخلق أحمد من أملى حديث نبيِّ الحقِّ منَّصلا (١) في (أ): ((الحكم)). (٢) في (ط): ((الإملاء)» وفي (ح): ((الأمالي المطلقة)). ٥٨٤ تدنُو مِنَ الألف إن عُدَّت مجالسُه يتلوه تخريجُ أصل الفقه يتبعُها دنا برحمته للخلق يرزُقُهم في مدة نحو ((كِجْ)) رحتُ أحسبها ستاً وسبعين عاماً قد مضت هملاً إذا رأيتُ الخَطايا أوبَقَتْ عملي توحيدُ ربي يقيناً والرَّجاءُ له محمَّد في صباحي والمساءِ وفي فأقرَبُ الناس منه في قيامته يا ربِّ حقْق رجائي والأولى سمعُوا فالسُّذْسُ منها بلا قيدٍ لها حَصَلا تخريجُ أذكارِ ربِّ قد دنا وعلا كما علا عن سماتِ الحادثات عُلا(١) ولي من العُمر في ذا اليوم قد كُملا مِنْ سُرعة السَّير كالساعات يا خجلا في موقِفِ الحشر لولا أنَّ لي أملا وخدمتي ولإكثاري الصَّلاة على خطّي ونُطقي عساها تمحَقُ الزَّللا مَنْ بالصَّلاةِ عليه كان مُشتغلا منّي جميعاً بعفوٍ منك قد شملا وقد رؤي النبي 18 في مجلس الإملاء مراراً كما ذكره لي بعض مَنْ يُوثق بدينه وفضله(٢)، ويكون المجلس غاصَّاً بالأئمة والعلماء والفُضلاء مِنَ الطلبة، وهم في الغالب زيادة على مائة وخمسين نفساً. وممَّن كتب عنه الإملاء - كما رأيته - الكمال المجذوب [أحد المعتقدين](٣)، وافتتح كتابة المجلس بقوله - كما قرأته بخطه -: قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الحديث، سيدنا وقدوتُنا المحدّث عن (١) قول ابن حجر رحمه الله: ((دنا برحمته)) وقوله: ((علا عن سمات الحادثات)) تأويل لصفات الله سبحانه وتعالى، وهذا خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة من السلف الصالح، إذ صفات الله تعالى تُمَرَّ كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثیل . (٢) من يوثق بدينه وفضله هذا، إما أن يكون واهماً أو قد لُبِس عليه، فلم يؤثر عن أهل الدين والفضل أنهم رأوا رسول الله وَ الر بعد وفاته، ولو أثر عن أحد منهم، لكان أولى الناس برؤيته وأحقهم صحابته رضوان الله عليهم، والعجب من المصنف كيف يورد هذا ويعتقده. أم أن غلوَّه في حبّ شيخه دفعه إلى ذلك؟ !. (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وزيد في هامش (ح) بخط المصنف. ٥٨٥ رسول الله ◌َيقة، الشيخ شهاب الدين ابن حجر، نفعنا الله ببركته وبركة علومه في الدُّنيا والآخرة. انتهى. وكان في آخر عمره - حين كثر في مجلسه حضور مَنْ لا يُحسِن ولا يَضْبطُ - شديد الحرص على أن يجعل في كل جهة بعض نُبَهاء جماعته ليختبر كتابتهم(١)، ويلاحظهم فيما يقع لهم مِنْ تحريف ونحوه، فما تيسّر له ذلك، ويقع فيه مِنَ الأبحاث والفوائد المهمّة، والنكت النّفيسة ما يفوقُ الوصفَ، وعليه مِنَ الوقار والهيبة والخَفَر والجلالة ما لا أراه في غيره من مجالس العُلماء. والذي أعتقده: أن به كان يدفعُ الله عَنْ هذه الأمة كثيراً مِنَ البلاء : والآفات، فيا سعدَ مَنْ كان مِنْ ملازميه، ويا ندامةٍ مَنْ هو قاليه. ولعمري، إِنَّ انقطاعه كان افتتاحاً للأنكاد، ومنعاً من المسرَّات لخيار العباد، ومقدمة الوباء، وارتفاع أسعارِ الأقوات، وتذكّراً لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُؤَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ اْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ اٌلْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، لأنَ(٢) فُشُوَّ الموت بالطاعون قد أعقبه، وكذا غلوُّ الأسعار الذي كان توقَّفُ الثيل في سنة أربع وخمسين وثمانمائة قد أوجبه، حتَّى صار الغنيُّ فقيراً، والفقير لِمَا حَلَّ به كسيراً، وخرج الناس إلى الصَّحراء أفواجاً، وأكثروا (٣) التجاءً لخالقهم وارتجاجاً، إلى أن عمَّ فضلُ الله الخلائقَ عندما التجؤوا إلیه، وقطعوا دونه العلائق، فالله يحسن عزاء المسلمين في هذه النَّازلة، ويَمُنُّ على صاحب الترجمة بالرَّحمة المتواصلة، بمنه وكرمه. قلت: ولمَّا انقطع الإملاء بالدِّيار المصرية، يسّر الله - ولله الحمد - بإملاء تسعة وخمسين مجلساً، تقيّدت(٤) فيها بالأزمنة والوقائع، ووقع السّفر إلى مكة المشرفة، فأمليتُ بها في الكلام على ((حديث تنزُّل الرحمات على (١) في (أ): ((كفايتهم))، وفي (ط): ((كاتبهم)). (٢) ((لأن)) ساقطة من (أ). (٣) في (أ): ((وأكثر)). (٤) في (أ): ((تعددت)) تحريف. ٥٨٦ مكة))، إجابة لملتمس ذلك أربعة مجالس، ووصلتُ إلى القاهرة، فحصل الشروع في إكمال تخريج ((الأذكار)) [وزادت عدَّة مجالس ما أمليتُه منه إلى حين كتابتي هذه الأحرف في أثناء سنة سبع وسبعين على المائتين، ثم انتهت إلى أزيدَ مِنْ ثلاثمائة في أواخر سنة تسع وسبعين](١) يسَّر الله إکمالها . [وكان المشير عليَّ بذلك شيخُنا العلاَّمة المفنَّن الثَّقيُّ الشُّمُنِّي، واعتذرت له بفقد المُقبلين على هذا الشأن، فلم يعذُرني، بل صرَّح بقوله: كنّا نحضر عند صاحب الترجمة مع الوالد في عددٍ يسير جداً، دون عشرة أنفُس، وربما لم نَزِدْ على ثلاثة، ثم فتح الله بما فتح كما تقدَّم](٢). ومن رام التفضيل بين مجالسه ومجالس شيخه(٣)، فلينظرهما، فالذي عندي - مع اعتقادي جلالة شيخه علماً وعملاً وإتقاناً - أنها أمتن وأتقن، وكان يتّفق له فيها نظيرُ ما حكاه الشيخ ولي الدين عن والده: أنه ربما لا يشتغل بتخريجها إلا ليلة الثلاثاء، ولا تكمُل إلا صبيحة يوم الثلاثاء، فيكون زمن اشتغاله بحفظها(٤) لحظة لطيفة مِنْ أول النّهار قبل الإملاء، وما هذا إلا إعانةٌ مِنَ الله عز وجل، وتأييدٌ لهما. قلت: ولم يكن حفظُه كما أسلفتُه مِنَ ابتداءِ أمره إلى انتهائه في الأمالي والخطب وغيرهما كالأشعار، إلا تأمُّلاً، فرحمه الله وإيانا. ولقد سألته قُبيل وفاته بيسير: أبَلَغَتْ عدَّةُ مجالس الإملاء للمتقدمين هذا العدد؟ فقال: وأكثر مِنْ ذلك، لكن لم أتحقّق هل كان ذلك حفظاً أو من كتاب. وقد قال الشيخ ولي الدين في ترجمة والده: وما تيسّر لأحدٍ هذا العدد من الإملاء - وهو أربعمائة مجلس وستة عشر مجلساً - بعد الحافظ (١) (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وأضافها المصنف بخطه في هامش (ح). (٣) في (ط): ((مشايخه)). (٤) «بحفظها)) ساقطة من (أ). ٥٨٧ ابن عساكر سوى والدي. و((أماليه)» أكثر فائدة من ((أمالي ابن عساكر»، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه. قال: ولقد عجبت من الحافظ السّلفي في قلَّة أماليه، وكذلك مَنْ بعده : إلى زمن الوالد، وهذا أمرٌ ذُخرّ له. قلت: وكل هذا نافع في ترجمة صاحب الترجمة، لا سيما وقد زادت مجالسه على الألف، مع كونها (١) أتقن وأمتن، ذلك فضل الله يُؤتيه مَنْ يشاء . واتّفقت نكتةٌ لطيفة، لكنني ما حضرتُها، وهي أن القاضي علم الدين صالح البلقيني سعى مجتهداً في عزل صاحب الترجمة واستقراره، فما أجيب، بل ألبسوا صاحبَ الترجمة خُلعة الاستمرار، فوقع أنه وقع في إملائه تلك الجمعة حديثٌ مِنْ طريق صالح مولى التوأمة، فقال بصوتٍ مرتفع: وصالح ضعيف !. [وظائفه] وأما الوظائف، ولم يتفق له رحمه الله أنه تنزَّل طالباً ولا صوفيّاً في مدرسة ولا غيرها، حتَّى الخشابية، فإنَّه - وإن نزل فيها بعد موت والده - فلم يقبض مِنْ معلومها شيئاً، كما قرأته بخطّ بعض أصحابه. وبلغني مما يؤيد ذلك أنَّ القاضي علم الدين قال للمباشر: ارفع من الاستثمار اسم رجلين: أحدهما لا يحضر ولا يُطالب، والآخر لا يحضر ويطالب. وحكى ذلك لصاحب الترجمة، فقال: أما الأول فهو أنا، فمن الثاني؟ فقيل: السفطي. [وظيفة التفسير: ] لكنه ولي عدَّة تداريس في علوم، أولاها بالتّقديم: التفسير. كان قد (١) في (ب): ((وظناً أنها». ٥٨٨ استقرَّ في تدريس التفسير بالمدرسة الحسنيّة بالرملة في مستهل سنة تسع وعشرين وثمانمائة، مِنْ أجل أنَّه اطّلع على كتاب وقْفِها، فوجد فيه مدرساً للتفسير وآخر للحديث، ولم يجد بهما أحداً، بل كانا شاغِرَيْن مِنْ عهد الواقف. فعندما عَلِمَ ذلك، التمس مِنَ النَّاظرين عليهما تَقريرَه في التَّفسير، وتقرير ولده في الحديث، وأن يأذنا لولده في الاستنابة، ففَوَّضا إليهما ذلك، وأظهرا الندم على شغور الدَّرسين مِنْ حين الواقف وإلى زمنهما. وباشر شيخنا كلا الوظيفتين: الأولى بطريق الأصالة، والأخرى نيابة عن ولده، إلى أن رغب عَنِ التَّفسير لأحد جماعته العلامة زين الدين السَّندبيسي، ثمَّ رغب عنه في حياة شيخنا للشهاب ابن صالح ومات، فأخذه عِوَضَهُ الشّيخ عضد الدين الصيرامي الحنفي، ثم رغب عنه لبعض فُضلاء المالكية . وولي أيضاً تدريس التفسير بالقبَّة المنصورية. رغب له عنه الشيخ شمس الدين البرماوي بمالٍ عوضه له النجم ابن حجّ تبرُّعاً عَنْ صاحب الترجمة، وهو مائة دينار، وذلك في سفر البرماوي لدمشق صُحبة النَّجم المذكور في .... (١)، واستمرَّ بيد شيخنا حتَّى مات، وصار بعد إلى أبي الفضل البجائي المغربي، ثمَّ رغب عنه حين أراد مفارقة مصر - ولله الحمد - العلامة المحقق سيف الدين الحنفي نفع الله به. [وبعده استقرَّ فيه النجم ابن حجِّي حفيد المشار إليه أولاً، فما هاب صنيع جدّه رحمهما الله](٢). والعلم - لا سيما تفسير كتاب الله، والخوض في مناسبات آية - دينٌ، فانظر عَن مَنْ تأخذ دينك، وأسألُ الله التوفيق والسَّلامة. [وظيفة الوعظ : ] ويلتحق بالتفسير: وظيفة الوعظ بجامع الظّاهر بالحسينية، تلقَّاها عن (١) بياض في الأصول. (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب، ط). ٥٨٩ الشيخ نور الدين الرَّشيدي بحكم وفاته، وهو تلقَّاها عَنِ الكمال الدَّميري. وهذه الوظيفة كان شيخُنا العلامة النَّحوي شهاب الدين الحناوي يحكي أنَّها كانت باسم الشيخ بدر الدين الطّنْبِدائي، وكان يُباشرُها بنفسه، حتَّى صار عوامُ تلك الناحية من تُركِ وغيرهم يعرفون كثيراً مِنَ العربية ونحوها. انتهى. [ولعلَّه كان يُباشرها نيابةً عَنْ غيره، فإنَّها كانت مع الشيخ تقي الدِّين الشُّبكي، ثم ابنه أبي حامد أحمد، ثم أخذها بعد موته الكمالُ الدَّميري](!) وأمَّا شيخُنا صاحب الترجمة، فإنَّه استخلف فيها الشيخ شهاب الدين الطنتدائي، وكان القارىء للميعاد بين يديه أبو العباس بن الضياء الحنبلي، فلمَّا مات الشّهاب الطنتدائي، صار أبو العباس المذكور يسُدُّ الوظيفة - فيما بلغني - بالقراءة، ثمَّ بأخَرَةَ برهان الدين البقاعي، ومات شيخنا بعد ذلك، فاستقرَّ في الوظيفة القاضي وليُّ الدِّين الأسيوطي، واستناب فيها الشيخ زكريا، فباشرها مدَّةً، ثم اغتصبها البقاعيُّ مِنْ صاحبها، وزعم أنَّها وظيفتُه، واستعان في ذلك بمخدومه بردبك أيَّام أستاذه الأشرف إينال، فسكت الوليُّ، واستمرَّ البقاعي يُباشرُ ذلك حتَّى الآن، وأخذ حينئذٍ في عمل المناسبات، [التي شرحت شأنها في غير هذا المحلُ](٢)، ولله عاقبة الأمور. [ثمَّ رام بعد مدَّة في سنة سبع وسبعين الاستيلاء على حانوت مضاف لجهة (٣) العاشورية، يشهد بذلك أشياء، مِنْ جملتها: وضع اليد وأجايز قديمة مِنْ زمن الشَّمس بن الديري، وهلمَّ جرًّا. وزعم أنَّها مِنَ الموقوف على هذا الميعاد، ولم يُبْدِ مستنداً معتمداً في دفع ما يشهد العاشورية، وصمّم في ذلك على جاري عوائده، فكفّه قاضي الحنفيّة الآن [شمس الدين الأمشاطي](٤)، وامتنع مِنَ الإذعان لذلك، والانجرار معه فيه، جوزي خيراً، (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) ((لجهة)) ساقطة من (أ). (٤) هذه العبارة ساقطة من (ط). ٥٩٠ ۔۔ وآل أمره إلى أن توسَّل(١) عند قاضي الشافعية حتَّى زاد له المعلوم، وصار في كلّ شهر ستمائة، مع كونه لا نظرَ له في هذا الميعاد بخصوصه، وكون الحساب القديم - بل وغيره - إنما يشهد بمائة خاصَّة. ونازعه شاهدُ الوقف - وهو كمال الدين بن الضّياء - ولم يُذْعِنْ له في ذلك، مع توسُّل البقاعي عنده بالقاضي الحنبلي، ولم يُفِذ، فنزل عن الوظيفة المذكورة لنجم الدِّين بن عرب، وعيَّن أن معلومها ستمائة، فلا قوَّة إلاّ بالله. هذا كلُّه وهو يزعم أنَّه لم يُزاحم أحداً في وظيفة. نسأل الله تعالى أن يُعيذنا مِنْ شرور أنفسنا](٢) . [وظيفة الحديث: ] ويليها الحديث، وكان قد وليَ تدريس الحديث بالشيخونية في شوال سنة ثمان وثمانمائة عِوَضاً عن شمس الدين محمد بن علي بن معبد المدني المالكي بحكم نزوله له عنها، وأملى بها نحواً مِنْ مائة مجلس كما تقدَّم، وهي أول مکان وَلِيَ فیه تدريس الحديث. ثم ولي تدريس الحديث بقبة الخانقاه البيبرسية بعد نور الدين علي بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الربعي الرشيدي - [المشار إليه قريباً] (٣) بحكم وفاته في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بعد ولايته مشيخة الصوفية ونظرها بيسير، وكان الرشيدي أيضاً تلقّاه عن الشيخ كمال الدين الدَّميري، فأقام فيه خمس سنين وثلاثة أشهر ومات، فتلقَّاه شيخُنا، وناب عنه فيه البرهان بن خضر، ثم بعد موته الشمس بن حسَّان، وصار له بحكم وفاته، فلمّا مات ابن حسَّان، استقرَّ فيه الشيخ قاسم الحنفي، ثم رغب عنه بمائة دينار لسِبْطِ صاحب الترجمة. ثم ولي تدريس الحديث بالمدرسة الجمالية المستجدَّة أوَّل ما فُتحت، (١) في (ط): ((يسأل)). (٢) من قوله: ((ثم رام بعد مدة)) إلى هنا لم يرد في (ب) وقد ورد في هامش (ح) بخط المصنف. (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). ٥٩١ : ولاَّه ذلك واقفها في رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وعمل فيها مجلساً بحضرة الواقف والأكابر، تكلّم فيه على حديث ((مَنْ بنى لله مسجداً))، وقال: عندي من طرقه (١)، وعيَّن عدداً، فقال له القِمَني - وكان حاضراً -: قل ما شئت، فلا ينازعُك فيه أحد، يشير إلى انفراد صاحب الترجمة بذلك، مع أنه لمَّا استشعر إرادة شيءٍ بمقالته، قال له: أحضِر مخبرةً، واكتب كل ما أقول، يظهر لك صحَّتْه بعد ذلك، وما أظن القِمَني أراد إلا الأول. وبلغني أن القِمَني عارضه في أثناء الكلام، فقال له شيخُنا: صه، فقال له القمني: مه! وامتدح شيخُنا واقْفَ المدرسة شكراً له على توليته ذلك بقصيدة أولها : يا سيّدَ الأَمراء ينا كنزَ الورى وعزيزَ مصر ومَنْ به فخرتِ حلب وقعت له مِنْ جودكم وفق الطَّلبْ العبد قد وافى ليشكُر أنعماً شهرٌ ودهرّ كلُّه بكم رجبْ ومهنئاً بالشَّهر بل يهنأ بكم ديماً فلا يختصُّ شهرٌ بالأصبْ صُبَّت على النَّاسِ المكارمُ منكم وكان من جملة الطلبة عنده فيه العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن حسن الشُّمُنّي، فلمَّا ولي صاحب الترجمة درس الفقه بالشَّيخونية، وتشاغل به عن درس الجمالية، وكان أمثل جماعته بالجمالية الكمال المذكور، وليس بيده تدريسٌ، عرض عليه صاحبُ الترجمة مع بعض أصحابه أن يرغب له عنه بخمسين ناصريَّاً، يدفع له ما يكونُ معه مِنْ ذَلك إن كان، ويستنسخُه بالباقي. هذا بعد أن قيل: إنه أُعطيَ فيها مائةً ناصريٍّ، فأجاب ودفع له نحو عشرين ناصرياً، وأشهد بالباقي، وذلك في سنة تسع عشرة وثمانمائة، فاتفق أنَّ الكمال مات عن قُربٍ، وخرجت الوظيفةُ عَنْ ولده، - وهو شيخنا المحقّقُ تقيُّ الدين أحمد الشُّمُنِّي، وكان إذ ذاك (١) في (ط): ((طريقه)). ٥٩٢ صغيراً - العلاَّمة المفؤه عز الدين القدسي، فقام شيخُنا صاحبُ الترجمة حتى استعاد الوظيفة للولد المعيَّن، وباشرها عنه، ثم آل الأمرُ فيها إلى أن أخذ للشيخ تقي الدين مِنَ العزّ القدر الذي كان دفعه والدُه إليه، وآثره هو بما كان تأخّر، ورجعت الوظيفة للعزّ. هذا ما حكاه لي شيخُنا التقي المذكور، وكتبتُه دفعاً لمن يتكلّم بالهوى، وإظهاراً لمقاصد شيخنا الجميلة. واستقرَّ فيها بعد القُدسيِّ القاضي نور الدين بن سالم، ثم الشيخ شمس الدين النّواجي، وحضرت معه إجلاسه فيها، ومات فحُفظت لولده، واستنيب عنه فيها. [ثم صارت بعد وفاته للشمس بن قاسم، ثمَّ رغب عنها لداود الأزهري المالكي] (١). ثم ولي تدريس الحديث بالجامع الطُّولوني عِوَضاً عن التقيّ علي حفيده ابن (٢) العراقي بحكم وفاته سنة ثلاث وثلاثين، وكان كتب له تفويضاً به بعد وفاة جدِّه في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمانمائة، واستمرَّ بيده حتى مات، فاستقر فيه العلاءُ القلقشنديُّ، ورغب في مرض موته عنه لولده وأخيه، فلمَّا مات أخوه، استقلَّ الابن بذلك. ودرَّس للمحدثين نيابةً عن ولده - كما تقدَّم ـ بمدرسة حسن في سنة تسع وعشرين، ثمَّ استنزل ولده عنها لتلميذه العلامة نور الدين بن سالم، ثم رغِبَ عنها ابنُ سالم في حياة شيخنا للنّواجي، ثم بعد وفاته حُفِظَت لولده، [فلما مات أخذها عبد البر بن الشحنة](٣). وولي أيضاً تدريس الحديث بالقبة المنصورية عن [صدر الدين أحمد بن جمال الدين محمود بن العجمي](٤)، ثم رغب عنها للعلامة الفقيه (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) ((ابن)) ساقطة من (ب). (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٤) ما بين حاصرتين بياض في (ب). ٥٩٣ البدر بن الأمانة، وذلك حين رغب عن درس الفقه بالشَّيخونية كما سيأتي، وقال النَّاسُ: لو أُعطي ابنُ الأمانة الفقه، والآخرُ الحديث، لكان أولى، فقال: إنَّما أردت أعرِّف مقام الرَّجلين فيما لا يُظَنُّ بهما معرفته، ليشتهر أمرُهما بذلك كما اشتهر بغيره. فلما مات البدر، استقر فيه أولادُه، ثم رغبُوا عنه بعد دهرٍ لسبط صاحب الترجمة . [وقد قال صاحبٍ التَّرجمة في جمادى الأخرى من سنة إحدى وثمانین(١): عُقِدَ مجلس بسبب عزّ الدين الرازي حین وَلِي تدریس الحدیث بالمنصورية، فقام في ذلك البرهانُ الأبناسي والزِّينُ العراقي وغيرهما، وقالوا إنَّ هذا لا يعرف شيئاً مِنَ الحديث، وأعطوه جزءاً مِنْ ((صحيح البخاري)) ليقرأ فيه بالحاضر، فافتُضِحَ حين قرأ، لكونه صحَّف الواضحات، وآل الأمرُ إلى أن أخذ التدريس جمال الدين محمود بن العجمي المحتسبُ لنفسه، وصار يستحضرُ بعض المحدِّثين إلى منزله، ويقرأ عليه الحديث، بل وجماعة من المنتفعين، كالآمدي والدُّجري، واستمرَّ بيده حتى مات، فاستقرَّ فيه ولدُه صدر الدين أحمد بعده، إلى أن صار إلى شيخنا صاحب الترجمة](٢). ثم ولي مشيخةً الحديث بالمدرسة التي استجدَّها الزّيني الاستادار، بعد الفراغ مِنْ عمارتها بمدَّةً، بالتماس الواقف وغيره مِنْ حاشيته لذلك مِنْ شيخنا، قصداً لحصول التجمُّل به، وسألوه تعيين جماعةٍ مِنْ طلبته، فعيَّن سبطه والبقاعي وكاتبه (٣) وغيرهم، وكنّا نحضر معه ويقرأ عليه الشيخُ شهاب الدِّين بن أسد شيخ القراء، وربما جلس الواقفُ قريباً للسماع. وكان رحمه الله يؤثر بمعلومه فيها(٤)، ولم يقرر صاحبها فيه(٥) بعد موته أحداً، (١) في (أ): ((إحدى وثمانين وثمانمائة))، خطأ. والخبر في حوادث سنة إحدى وثمانين وسبعمائة من "إنباء الغمر» ٣٠٦/١ - ٣٠٧. (٢) من قوله: ((وقد قال صاحب الترجمة)» إلى هنا لم يرد في (ب). (٣) أي السخاوي صاحب هذا الكتاب. (٤) في (ب): ((يؤثر بمعلومها)). (٥) في (أ): ((فيها)). ٥٩٤ وقال: إنما فعلت ذلك لأتشرَّفَ به، وكان التفويضُ له بذلك في رجب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة قبل موته بيسير. وولي مشيخةَ إسماع الحديث بالمدرسة المحمودية، ويقال: إنه استقرَّ فيها بعد وفاة البدر أحمد بن عمر(١) بن محمد الطَّنبذي، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة تسع وثمانمائة، وكذا كان مفوضاً لشيخنا قراءة الحديث بها، فكان يستخلف فيها من اختار مِنْ طلبته. ولمّا مات استقرَّ فيها الشهابُ بن العطّار الآتي ذكره في أسماء الطلبة. ثم وُجِد في كتاب الوقف ما يدلُّ على أنَّ الواقف شرط كونهما الرجلين، فاستمرَّ الشهاب في الإسماع، واستقرَّ البدر محمد بن الجمال يوسف الدَّميري في القراءة، وحصل بينهما نزاعٌ، فلمَّا مات الشِّهاب، استقرَّ في الإسماع أمير حاج الملقّب صلاح الدين ربيب قاضي القضاة علم الدين البلقيني [الذي ولي القضاء بعد أشهر، ثم رغب عنها لعبد القادر بن النقيب](٢)، فلله الأمر. وولي أيضاً مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق بعد شُغورها مِنْ بعد موت الجمال بن الشرائحي مدَّةً طويلة، فلما دخل الشام في سنة ست وثلاثين، أعطاها للحافظ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد القيسي، الشهير بابن ناصر الدين، وحضر فيها معه، واستمرت مع ابن ناصر الدين حتى مات، فاستقرَّ فيها العلامة علاء الدين علي(٣) بن عثمان بن عمر بن الصَّيرفي، ومات في سنة أربع وأربعين، فاجتمع صاحب الترجمة بالبهاء بن حجي حين قدومه القاهرة، وأعلمه بأنَّ الوظيفة له، وإنَّما كان استناب فيها ابن ناصر الدين، وأنه الآن يُعرِضُ عنها للشيخ قطب الدين الخيضري، لكونه أمثلَ أهل الفنِّ هناك، فأجاب واستقرَّ (١) في (أ): ((محمد))، وكذا في إنباء الغمر ٢١/٥، وفي الضوء اللامع ٥٦/٢، ((عمر)) كما هنا. وقال المصنف فيه، والصواب أحمد بن محمد بن عمر. (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) في (أ): ((علاء الدين بن علي))، خطأ، وانظر الضوء اللامع ٢٥٩/٥. ٥٩٥ المشار إليه فيها، وبقيت معه(١) أيّده الله حتى الآن. [وقرأت بخطُ بعضُ فُضلاء الشاميِّين أن المستقرَّ فيها بعد العلاء بن الصَّيرفي ولده سراج الدين، فانتزعها القطبُ منه، ويشبه أن یکون ذلك بعناية مخدومه البهاء بن حجِّي، ثم التمس مِنْ صاحب الترجمة أن يفعل ما تقدَّم، فتقوى حُجَّةِ البهاء على الشَّامِيِّين، وإلاّ فهُم كانوا يستصغرونه عن ذلك](٢) . . [وظيفة الفقه : ] ويليها الفقه. وكان قد ولي تدريس الفقه بالشّيخونية في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، رغب له عنه الإمام نور الدين علي بن سيف(٣) الأبياري، بعد أن استقرَّ فيها، ودرس بها يوماً واحداً، ورغب عنها لصاحب الترجمة، .. (٤)؛ رغب عنه للقاضي شهاب الدين الأموي، عرف بابن المحمّرة. فدرس فيها إلى. [ثم وليه الونائي، ثم القاياتي، ثم العلاء القلقشندي، ثم السُراج الوروري، ثم التقي القلقشندي، ثم البدر بن القطّان، ثم الشهاب الأبشيهي. أولُ مَنْ وليه البهاءُ أبو حامد بن تقي الدين السُّبكي، ثم بعد موته استقرَّ فيه الشيخ ضياء الدين](٢). وولي تدريس الفقه بالشّريفية الفخرية التي بحارة الجَوْدَرِيَّة، وهي الآن مع الشيخ شمس الدين اليامي، سنة ثمان وثمانمائة، كما ذكره هو في ترجمة أحمد بن يوسف مِنْ («معجمه))، عوضاً عَنِ الشّيخ زين الدين حرمي عم البهاء بن حرمي وأخيه البدر، ثم رغب عنها للشيخ نور الدين علي القِمَني، ثم أخذها عنه الشهاب اليامي والد المذكور. (١) في (ب): ((مع قطب الدين الخيضري)). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) في (ب): (يوسف))، تحريف. وانظر الضوء اللامع ٢٣٠/٥. (٤) بياض في الأصول. ٥٩٦ وكذا ولي تدريس الفقه بالكهاريَّة، ورغب عنه للبدر بن الأمانة أيضاً. [وأظن شيخنا تلقّاه عن النُّور الرشيدي، وهو عن الكمال الدَّميري، فإن الكمال تلقّاه بعد موت شيخه البهاء أبي حامد أحمد بن السُّبكي، وهو عن أبيه الثَّقي](١). وولي تدريس الفقه بالمؤيدية أول ما فُتحت في ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، فلمَّا استقرَّ في القضاء، أنهى الشيخ شمس الدين البرماوي إلى السُّلطان أنَّ شرط المؤيد أن لا يكون المدرس بمدرسته قاضياً، وأعانه قوم آخرون، فانتزع التدريس المذكور مِنْ صاحب الترجمة، ودرس فيه يسيراً، حتى أظهر كتاب الوقف، وليس فيه ذكر للشرط المذكور، فأُعيدَ لوظيفته، وعُوَّضَ البرماوي بأن ينوبَ عن عليٍّ حفيد العراقي في جهاته بثلث المعلوم، فباشر ذلك. ولما أُعيد التدريسُ لشيخنا، أنشد الشمس محمد بن علي الهيثمي (٢) قوله التالي لبيت ما أحببتُ ذكره من أجل البرماوي لجلالته وعلمه: وأعاد أشرف عالم سلطانُنا فادعوا بنا للأشرفِ السُّلطان واستمرَّ بيده حتَّى مات، فقرَّر فيه أحد جماعته العلامة جلال الدين المحلي، وصار للشيخ شمس الدين بن المرخّم. واستقر في تدريس الفقه بالخرُّوبية البدرية بمصر، رغب له عنه المحب محمد بن علي بن أحمد البكري، عُرف بابن أبي الحسن، في ثامن عشر رمضان سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بعد نحو شهرين(٣) مِنَ استقراره فيه، فإنَّ المحبَّ استقرَّ فيه برغبة الشيخ عبد السلام بن داود القدسي في خامس عشر رجب من السنة. (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) في (ب، ط): ((وأنشد بعضهم)). (٣) (شهرين)) ساقطة من (أ). ٥٩٧ [ثم أعاده شيخُنا للمحبّ، واستمرَّ معه حتى مات، فاستقرَّ فيه شيخنا البرهان بن خضر، ثم البهاء بن القطّان، ثم زين العابدين بن الشرف المناوي، وهو الآن مع البدري بن القطان، ثم انتقل لغيره](١). ثم تدريس الفقه بالصَّالحية، عِوَضاً عَنْ حفيد الشيخ ولي الدين العراقي في سنة ثلاث وثلاثين. ثم صار بعد ذلك مضافاً لوظيفة القضاء، لكنه لمَّا انفصل عن القضاء آخر مرَّة، انتزع له تدريسها تطييباً لخاطره، ولبس خُلعةً لذلك، على ما حكاه لي صاحبنا الشيخ جلال الدين بن الأمانة. قال: وكنت في الصّالحیة حین مجيئه، فقمت ومشيت في خدمته، وجلست مع الجماعة، فقرؤوا شيئاً مِنَ القرآن، ودعا : الشهاب بن يعقوب، وعندما وصل إلى الدعاء له، أشار له إشارة يتعجب مَنْ فَهِمَ المقصود منها؛ لكن دل آخر الأمرِ عليها، وأنه أمره بالدُّعاء للسُّلطان أولاً. وبلغ قاضي الحنابلة البدر البغدادي مجيءُ شيخنا، فبادر لتهنئته، واستصحب معه حلوى في مجامع، فجلس بحافة الإيوان(٢)، وأمر بالحلوى، فوُضعت بين يدي شيخنا، ففرَّقها على الحاضرين، وانتهى المجلس، فقام فسلم عليه الحنبلي، فلم يُقبِل عليه شيخنا بكلِّيَّته، ولا تحدَّث معه، بل استمرَّ الحنبليُّ ماشياً بين يديه بعيداً منه وهو في غاية ما يكون مِنَ التأثير لذلك، حتى قال الحاكي: إنه رأى وجهه وقد زاد تغيّره فلمَّا وصلا لمحل ركوب شيخنا سلّم عليه الحنبليُّ ليفارقه، فقال له شيخُنا: بل نتوجه معكم إلى المنزل، ودخل معه إلى المدرسة الأخرى محل سكنه، ففي الحال تهلَّل وجهه سروراً، رحمهما الله. ثم تدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعي ونظرها تلقاهما عن العلامة العلاء أبي الفتوح القلقشندي بحكم انفصاله عنها، وذلك في يوم الإثنين ثاني عشري(٣) رجب سنة ست وأربعين وثمانمائة، وكان (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) في (ط): ((الأبواب))، تحريف. (٣) في (أ): ((عشر). ٥٩٨ العلاءُ تلقَّاها بمساعدة الأمير تغري بردي الدوادار عن(١) الشيخ نور الدين التّلواني بحكم وفاته، فباشرها شيخنا، وتألَّم العلاءُ لذلك. وحضرنا السَّماعَ هناك في مجمع حافل - منهم الناصري ابن الظاهر جقمق ـ لقراءة ((مناقب الشافعي)) رضي الله عنه تصنيف صاحب الترجمة بالقبَّة المجاورة للمدرسة المذكورة عند رأس قبر الإمام المطّلبي رضي الله عنه في يوم واحد ثامن جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وثمانمائة، بقراءة أخي المعزول، صاحبنا الشيخ تقي الدين القلقشندي، وكان يوماً مشهوداً. وممَّن حضر معه الدَّرس أول يوم محقق العصر القاياتي، والكمال بن البارزي وخلق، تكلّم فيه على أوَّل خطبة ((الرسالة))، وساق نسبَ الإمام الشافعي، وذكر مَنْ في أجداده، وكذا مَنْ يلتقي بهم مِنَ الصَّحابة، ممّا لا يشاركه في معرفته غيره مِنَ الموجودين، كما بيَّنه في المناقب. ثم إنَّ العلامة الونائي لما رجع من الشّام منفصلاً عن قضائها، سعى في تدريسها، لكونها كانت وظيفة صهره التّلواني. قال شيخنا: فتركتُه له اختياراً، وذلك في صفر(٢) سنة ثمان وأربعين، فباشرها سنة ونيِّفاً ثم ضعُف، فامتد (٣) ضعفُه نحو الشهرين، ومات في صفر سنة تسع وأربعين وثمانمائة، واستقر بعده القاياتي إلى أن مات، فاستقر بعده الشيخُ ولي الدين السفطي، ثم استقرَّ بعده فقيهُ الشَّافعية المناوي، ثم الحمصي، ثم المناوي إلى الآن، بورك في حياته. فدروسه ممتعة محقّقة، كثيرة الفوائد والفروع المنقّحة والقواعد المحرَّرة، تقرُّ العيونُ بمشاهدتها، وتثلج الصدورُ بفهم واضحاتها ومشكلاتها، لا كمن جلس نائياً في بعض الدُّروس المعيَّنة للفقه، فتكلَّم فيها بما قال كثيرٌ مِنَ الأئمة: إنه لا يليق بمثله الخوضُ فيه. وقال بعض (١) في (ب): ((عوضاً عن)). (٢) في (ب): ((المحرم)). (٣) في (أ): ((واستمر)) وفي (ح): ((وامتد). ٥٩٩ المعتبرين: ليس هذا موضوع هذا الدرس، فأخذ في المجلس الآخر يتكلّم في مادة لُغوية، فقيل: هذا كلُّه هروبٌ مِنَّ المقصود، هذا مع سؤاله أن يُلقَّب شيخ الإسلام، ودعواه أنه قيّم العصريين بكلام الملك العلام. نسأل الله السَّلامة والتوفيق. [ثم استقرَّ بعد المناوي فيه ولده، ثم الكمال إمام الكاملية، ثم التقي الحصني ثم الزين زكريا] (١). وهذه المدرسة - أعني الصَّلاحية - قد ذكر الشمس محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزري في حوادث سنةً إحدى وثمانين وستمائة ما ملخّصه: استقر القاضي برهان الدِّين الخضر (٢) السّخاوي في تدريس الشافعي، والنظر عليه بالقرافة الصُّغرى، وقف صلاح الدين بما يشهد به كتاب الوقف، وهو في كل شهر أربعون ديناراً مقابلة على التدريس، وعشرة : دنانير على النظر، وفي كل يوم ستون رطلاً مِنَ الخبز، ومن الماء الحلو راويتان. وكانت هذه المدرسة منذ ثلاثين سنة وأكثر خالية مِنْ مدرّس، مع ملازمة الفقهاء والمعيدين للاشتغال بها. انتهى [وظيفة الإفتاء: ] ومما يلتحق بذلك: الإفتاء، وكان قد ولِيَ إفتاء دار العدل في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واتفق في بعض الأيام التي كان يحضر فيها لمباشرة وظيفته ـ وهو يوم الإثنين مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة - المبايعة لشيخ، فلُقُّب المؤيد، واختلفوا بم يُكنى؟ فقال صاحب الترجمة: الذي يوافق التَّيِيدَ هو النَّصرُ، فاتفقوا على تكنيته أبا النصر، وافترق المجلسُ على ذلك، واستمرت هذه الوظيفة معه حتى مات، فاستقرَّ فيها تلميذُه وصهرُه العلامة البدر بن القطان، بل العلامة محيي الدين الطُّوخي، على ما تحرّر الأمر فیه. (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) ((الخضر)) ساقطة من (ب). ٦٠٠