النص المفهرس

صفحات 421-440

غزالٌ بجفنيه من السُّقم كِسرةٌ(١) على أخذ أرواح البريَّة يُنصبُ
أغنُّ رخيم الدَّلِّ ألعسُ أشنبُ
غريرٌ كحيلُ الطّرفِ أسمرُ أحورٌ
إذا ما بدا أو مَاسَ أو صَالَ أو رَنَا
خُذُوا حِذْركم إن صَال کاسرُ جفنِه
هو الشّمسُ بُعداً في المكان وبهجةً
تعشَّقتُه حُلْوَ الشَّمائل أغيداً
وأسكنتُه عيني التي الدَّمعُ مِلْؤها
عجِبتُ لماء الحُسْنِ فاضَ بخدّه
وأعجبُ مِنْ ذا أنَّ نبت عِذَارِه
لئن كان منه الوجهُ أصبح روضةٌ
وإن كنتَ يا قلبي سعيداً بحبه
وإن طاب في وصف الغزال تَغَزَّلِي
هو المشتري بالجود بيتاً مِنَ العُلا
شهابٌ رَقا العليا بِصِدْقٍ عزائم
وحاز سهامَ الفضل مِنْ حيثُ قد غدا
أبو الفضل لا ينفكُّ بالفضل مُغرماً
بنو حَجَرٍ بيتٌ عليٍّ وأحمدٌ
لأَعْجَبُ ممَّا يحمَدُ النَّاسُ فعلَه
فبدرٌ وخطيٍّ وليثُ ورَبْرَبُ
فكم صادَ قلبي منه بالهُذْبِ مِخلَبُ
ولكنَّه عن ناظريّ(٢) محجّبُ
يكاد بألحاظِ المحبِّينِ يُشربُ
وهيهات يُرضيه خِباها المُطَنَّبُ
على أنَّ فيه جَمْرةً تتلهبُ
بأحمرَ ذاك الجمرِ أخضرُ مخضبُ(٣)
ففيه رأيتُ الحُسْنَ وهو مهذَّبُ
فإنَّ عَذُولِي في هواهُ المسَيبَّ
فإنَّ ثَنَا قاضي القضاة لأطيبُ
بِبَيْتِ السُّها ساهٍ له يتعجبُ
فلا مطلبٌ عنه مِنَ الفخر يُحجبُ
قديماً إلى أعلى كِئَانَةً يُنسبُ
ولا عجبٌ أن يفتتِن بابْنِه الأبُ
له كعبةٌ حجُّوا لها وتقرَّبُوا
ولكن وفاق الإسم والفعلُ أعجبُ
(١) في (أ): ((سكرة"، تحريف.
(٢) في (ب): «ناظريه))، وكذا في المختصر للسفيري، وفي نظم العقيان للسيوطي ص
٦٠، حيث أورد هذه القصيدة.
(٣) في (ب، ط): ((مخصب)).
٤٢١

تحلَّت به الأيامُ فانظر تر الضُحى
له راحة لو جارت الغَيثَ في النَّدى
ألم تر أنَّ السُّخْبَ أمست من الحيا
يُجَلْي دياجيرَ الْخُطُوبِ يراعُهُ
ويُشْرِق ما بين الأنام كأنَّه
يدير طِلا الإنشاء صِرْفاً فننتشي
تجاسر عودُ اللَّهْوِ يحكي صريفَه
له الله مِنْ عالي السَّخِيَّة عذبها
تجانس مَربَاهُ البديعُ ولَفِظُه
طباعٌ مِنَ الصَّهْبا أرقُ ومنطِقٌ
روى عَنْ سجاياه السَّخِيَّات سهلُها
لِيَهْنَ الإمامُ الشافعيُّ بِأحمدٍ
إمامٌ لِأَشْتَاتِ البلاغةِ جامعٌ
فقيةٌ إذا رام الكفايةَ طالبٌ
وقد حفِظَ الله الحديثَ بحفظه
وما زال يَمْلاَ الطُّرْسَ مِنْ بحر صدره
وأظهر في (شرح الصحيح)) غرائباً
وبارتُه بالفتح منه أمدَّه.
وكم فيه مِنْ بابِ يدلُّك أنَّه
ولم أنسَ إذ بالتّاج والقرطُ تجتلي
وأجمعَ مَنْ فوقَ البسيطةِ أنه
أسيدنا قاضي القضاة ومن به
ويا واحداً قد زان علياه أربع
يُفَضْض منها والأصيل يذهِّبُ
تقطّر في آثارها وهو متعّبُ
إذا ما بدا منه النّدی یتسجّبُ
فلله منه في دُجى الخطب كوكبُ
سنا بارقٍ مِنْ خلفه الغیثُ يُسکبُ
ويُسمِعُنا شَدْوَ الصَّریفِ فنطرَبُ
فمِنْ أجلِ هذا أصبح العودُ يُضْرَب
كما انهلَّ مِنْ صَوْبِ الغمائمِ ضَيِّبُ
فيا حبِّذا في الحالتين التأدبُ
إلى الصَّبِّ مِنْ ريقِ الحبائب أعذِبُ
وعن سطواتِ البأس حدَّثَ مصعَبُ
فَتَّى مَا لَهُ إلا الفضائل مذهبُ
يقاس بقُسٌ حين يَرْقى ويخطُّبُ
يفيضُ عليهِ مِنْ عطاياه مطلبٌ
فلا ضائعٌ إلا شذّى مِنْهُ طَيِّبُ
لآلىء إذا يُملي علینا ونگتُبُ
يُشَرُقُ طوراً ذكرُها ويُغَرِّبُ
ونال بحسن الختم ما كان يطلبُ
لسُبْل الھدی بابٌ صحيحٌ مجرَّبُ
عرائسُهُ والحُسْنُ لا يتحجَّبُ :
إمامٌ وجهلُ الحاسدين مركّبُ
· تُهِثَّى ولاياتٌ ويُغبط منصِبُ
· تُقی وعلومٌ واحتشامٌ ومَنْسِبُ
٤٢٢

تولَّيتَها بالعلم لا الجاهِ رتبةٌ
وفي رجَبٍ وافت إليك فآذنّت
ومُذ كنتَ أكْفى النَّاس قاطبةً لها
وقد صَدقَتْ رأي الإمام فأقبلت
لعمري ولو يحيا ابنُ إدريسَ بُرْهَةً
فأنت بما وُلِّيت أولى وأنت بالمعا
وكلُّ غمام غيرُ فضلك مُقْلِعْ
نعم وعلى نُعماك نعقد خِنْصَراً
ونبغي بمغناك الغِنَى فلأجل ذا
فخذ مِنْ ثنائي كالكؤوس محبّباً
بجودك سِعرُ الشّعرِ فِي النَّاس قد غَلا
وليس يساوي قدرَكَ العالي الثَّنَا
وإنَّا لنرجوا العفوّ منك لهفوِنا
بقيتَ شهاباً في سما الفضلِ طالعاً
وعشت لمجدٍ يستجدُّ بناؤه
عدت بك تزھی مِنْ فَخَارٍ وتَعجَبُ
بأنّك فردّ في البرايا مُرَجَّبُ
أتت بابَك العالي لمجدِكَ تخطُبُ
تضمُّك عنه نحوَه وتُرَحِّبُ
بدت رؤيةُ الرُّؤيا التي لا تُكذَّبُ
رفِ والمعروفِ أدرى وأدرَبُ
وكلُّ وميضٍ غيرُ برقِكَ خُلَّبُ
ونبسُطُ في القصد المساعي ونرغَبُ
ترانا بموصولِ النَّسِيبِ نُشَبُبُ
وكأسُ الثَّنا عندَ الكرامِ مُحبَّبُ
إلى أن غدت أوزانُه تتسبَّبُ
وإن أوجزَ المذَّاحِ فيه وأطئَبُوا
فما زلت تعفُو حين نهفُوا ونُذِبُ
وبدرُكَ وضَّاحُ السَّنَا ليس يَغْرُبُ
وحسن ثناءٍ عَنْ معاليك يُعْرِبُ
ورأيت بخطه فيما أرسله لصاحب الترجمة، وأنشدنيه متكلّفاً:
مولاي قاضي القضاة انظر لعبدك مِنْ
رمِدتُ فاسْتَهْلَكَ الكُحَّالُ ما بيدي
ضُرِّ تضاعف حتى صار ضُرَّينٍ
لقد أُصِبْتُ على الحالين في عَيْنِي
وقوله أيضا:
إلى جودكم يشكو تجدُّد حَیْنِهِ
أقاضي قضاة الفضل عطفاً فعبدُكم
وعاوده ذاك المصابُ بعَيْنِهِ
فقد مسَّه الضَّرُّ الذي كان مسَّه
٤٢٣

[ابن عربشاه]
ومنهم العلامة أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن عرب شاه
الدمشقي الحنفي، فأنشدني لنفسه (١).
أبداً فبي منك المقيم المقعدُ.
الشوق يُنهض والجلالة تُريد
ولربَّما غلب الغرامُ فأسجدُ
أُذْنِيك في وهمي فأركَعُ(٢) هيبةً
فتمدُّ نحوَ ترابٍ موطِئها اليدُ
وأرومُ لثمَ خيالٍ أقدامٍ سعت
وإخالني في مِخْلَبٍ أرقى إذا
ولقد قَنَعْتُ بضيفِ طيفِك في الكرى
و کتمتُ حبَّك في الحشا فوشى به
هذا يبدُدُ ما جرى للصّبُ مِنْ
لولا قيامةُ عاشقٍ قامت لما
عجباً لها مجروحة قُذِفَت زِنَى
وألذ ما يلقى المتَيَّمُ في الهوى
تحكي الربيعَ بزهرٍ ثغرٍ باسم
فتراه في حاليه مَعْ أحبابه
إن أعرضوا عنه يمُتْ في حبهم.
وأشدُّ ما يُنكي المحبَّ تحزُّنْ
وأمرَّ منه أحْبِةٌ لم يَفْرِقُوا
جاوزت أني عن جنابك(٣) مبعَدُ
صَوْناً لقدرِك لو جُفونِي تَرَقُدُ
دمعْ يَصُوبُ وزفرةٌ تَتَصَعَّدُ
ألم الجَوی ودخانُ تلك يُسوِّدُ
كانت جوارحه عليه تشهدُ
وقبولها مِنْ قذفِها يتأكدُ
جفنْ يَفِيضُ ومهجةٌ تتوقّدُ
مِنْ مُزن جفنٍ واللسان يغَرِّدُ
في السُّكر إن أدنوه أو إن أبعدُوا
أو يَنْظُرُوهِ يَعِشْ حياةٌ تُسْعِدُ
مِنْ شامتٍ أو حاسدٍ يتودّدُ
بين الصَّديق وبين حِبٍّ يحسُدُ
(١) أشار المصنف إلى هذه القصيدة، وقال: إنها البديعة أتى فيها بألغاز وتعام وأهاج
وجناسات، وتلعَّب فيها بضروب الأدب، أودعتها في ((الجواهر والدرره، سمعتها
منه). وأورد شيئاً من لطيف أبياتها.
(٢) في (أ): ((فأرفع)).
(٣) في (أ): «خيالك».
٤٢٤

أحبابَ لا بَاباً أرى مِنْ مدمعي
رفقاً بصبُّ(١) لو توهُم سلوةٌ
إذ لو سَهَا عن ذكر سالبٍ قلبِه
واحرَّ خَدِّ سَوفُ شوقٍ خِلْته
آها على زمنِ المحبّ وحبه
لا يَبْتَغِي مَرمَى لسهم لحاظه
الدهرُ يُسعفُ والحبيبُ مواصلٌ
فَتَنَبَّهَتْ عينُ الرَّقيب فكذَّرت
فجفا الأحبة صبُّهم فكأنهم
يشكو فلم يُسْعِدْهُ غيرُ كَثِيبةٍ
يُرمى بقارعة الطَّريق فما له
قاضي قضاة المسلمين وشيخُهم
العالمُ العَلَمُ الإمامُ كذا العلا
علَمُ الهُدى غيثُ الندى غيظ (٣) العدا
يُنْهي حديثَ المصطفى إملاؤُه
فكأننا عند السماع صحابةٌ
أو وارِدُوا حوضٍ عِطاشاً قد سقى
أو طالِبُوا الدِّينِ الحنيفِ ولفظُه
فإذا تصدى مُملياً نادى الهدى
هذا أمينُ الأمةِ الحَبْرُ الذي
نحوَ الوصالٍ ولا معي متجَلْدُ
لأحسَّ ضربَ السَّيفِ وهو مقيّدُ
لطمَتْه أيدي الوَجْدِ أنَّى يقصِدُ
طيراً إلى جو السَّما يَتَصَغَّدُ
كلِّ بكلُ في الهوى متفرِّدُ
إلا فؤاداً غيره لا يُقْصَدُ
والعمرُ غَضَّ والحواسدُ رُقَّدُ
صفوَ المُحِبُّ فعيشُه متنكدُ
أدب ..... (٢) أو أديب ينضدُ
ورقاءُ في غَصنِ الرياض تغرّدُ
مِنْ ملجأ إلا الإمامُ الأمجدُ
ذو المسْنَدِ العالي الكبير المسنِدُ
العاملُ الحَكَمُ الهُمامُ الأوحدُ
غمرُ الرِّدا بدرٌ بَدَا لا يُجْحَدُ
عن ظهر قلبٍ بالذَّكَا يَتَوَقِّدُ
يُلقي شريعتّهم إليهم أحمدُ
أكبادَهم خيرُ الأنام محمَّدُ
يبدي معالمَه وفيها يُرْشِدُ
يا أُمَّةَ الهادي هلمُّوا تهتَدُوا
مِنْ بحره نهر الشريعة يُورَدُ
(١) في (ط): ((بقلب)).
(٢) كذا ورد هذا البيت ناقصاً مختل الوزن.
(٣) في (أ): «غيث».
٤٢٥

خُض بحرَ لفظِ حديثه تَغْشَ العُلا
كم زيَّن الأسماع شِئْفُ كَلامِهِ
وجرى لشائم(١) برق أنْدِیہ ندى
غیثٌ شفَى شَجني بفیضِ تفیُّضٍ
خذ مِنْ مُضاف أبي حنيفةَ مفرداً
أولا فأسْنِذْ فعلَ بسطِ ماضياً
وبدا كلامٌ فيه فائدة فإن
أورى مديحاً جلَّ في ترتيبه
يا مَنْ بطيب حديثه ملك الورى
حلَّيتَ أسماعاً وذوقَ أولي النُّهى
وعقودُ أحكامِ الكتاب بسنةٍ
وكسوتَ أخبارَ النبيِّ جلالةٌ
ولكل شيءٍ مَعْدِنْ فالمسك من
والبحر فيه لؤلؤٌ والطود في
والروض والأزهار(٢) أنواع وفي
لكن فؤادك معدنُ الصِّدقِ الذي
المسكُ مِنْ أخلاقهِ متطيبٌ
والدُّرُ مِن ألفاظه متناثرٌ
وتُرابُ نعلِك عِندَ أربابِ النُّهى
إن قيل سادات الورى مَنْ هُمْ؟ أقُل :
واجزِمُ بصدقِك ناطقاً إذ تُسِنِدُ.
بِجَنِيِّ دُرِّ في الملاحة يُنضَدُ:
مِنْ كفّه جرياً يعجِّ ويَرْفِدُ
طرد الأوامَ وهل سواه مورِدُ
صحِّف مِنّ احَرُفه ومذَّ لهِ يدُ
تلقاه قد حاجاك ذاك المنفردُ
صحَّفتْه تلقاه نِعْمَ المسبِدُ
إذ قد غدا كالطّودِ بل هو أسمَدُ
فالكلُّ عِندَ سماعِه لِكَ أَعْبُدُ
مِنْ ذُرِ شهدٍ دُرُّهُ مِتْنِضْدُ
إجماعُ أهلِ الدِّينِ منْهَا يُعقَّدُ :
قلها العلا ولك السَّنا والسّؤْدَدُ
تُرْكِ الخطا ومِنَ الهنود مهنّد
أحشائه فيروزَجٌ وَزَّبَرْجَدُ
عرق الثرى تِبْرُ النُّضار وعسجدُ :
أبداً على مر الدُّنا متجدٌدُ
والسّيفُ من أحكامِهِ متجرِّدُ
والزَّهرُ مِنْ أكمامه متبدّدُ
أعلى وأغلى مِنْ نُضَارٍ يُنَقَدُ
أهلُ الحديث وأنتَ فيهم سيِّدُ
(١) في (ب): ((لسائر)).
(٢) في (ب): ((والزهر)).
٤٢٦

يا سالكاً سُنَنَ الهداية رافعاً علماً جميعُ العالمين به هُدُوا
إذ منك كلُّ فضيلةٍ تتولَّدُ
خذها بديهاً وهي منك ولا مِرَا
ما قصدُه إلا ثناءٌ يخلُدُ
واقبَلْ - فديتُك - عُذرَ عبدٍ قاصرٍ
منّي الأيادي والجوارحُ تَشهدُ
دُمْ حامداً ما أمَّ آدَمَ أحمدُ
يا مَنْ لذكرك في الفؤاد ولم يزل
نم آمناً من ثَمَّ أنما آمن
[ابن كُحيل]
ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن كُحيل المغربي.
أنشدني مِنْ نظمه، وخاطب بذلك صاحب الترجمة:
رَهنَ السِّباق بنشر ((فتح الباري)»
قد فزتُمُ بين الأنامِ وحُزتُمُ
ويَحُوطِكُم مِنْ أعينِ الأغيارِ
فالله يكلؤُكُم ويُبقي مجدَكُمْ
و قوله :
منه المعاني إذ الأعلامُ تفتخرُ
تالله إنَّك ركنُ العلم مستلَمْ
ما يرحم القطر حتى يُكْرَمَ الحجرُ
وأنت في كلٌ قَطْرِ كعبةٌ شهرت
نُسْكَ العبادِ فما حجّوا وما اعتمرُوا
نجم المعارف فالحسنى لك البِشَرُ
ودُمْ فكلُّ المعاني منك تُبتكرُ
مَنْ رام يا بدرُ مَحْوَ الخال منك مَحَا
بالشرقٍ والغرب لا يُنشي وفودِيَ في
فقم بمصر عزيزاً زينةً الرُّسخا
[ابن القُرْدَاح]
ومنهم: العلامة واعظ العصر الشهاب أحمد بن محمد بن عبد
الرحمن بن القُزْدَاح، مدحه كثيراً بما ليس الآن عندي منه شيءٌ، وطارحه
بأبياتٍ على قافية التاء المثنَّة، معتذراً عن قضية اتَّفقت له، أبرزها في قالب
الاستفتاء، ولعلِّي أن أظفر بها أو بشيء غيرها، فأثبته.
٤٢٧

ثم ظفرت بخطه بأبيات هي(١):
نفوسُنا حين زال الهم وانصرفًا
الحمد لله طاب العيش وانبسطت
حر الخِضَمِّ ومَنْ للرُّسْلِ قد خَلَفَا
ببُزْءٍ قاضي القضاة العالم العلم البـ
للخلق شاع جهاراً ليس فيه خفا
قد أظهر الله في توعيكه عجباً
بحرُ القياسِ وولَّى يطلُبُ التَّلِفَا
لما شكا جسمُه نقصاً فشابهه
أمواجُه ثم نلنا فرحةٌ ووفًا
وحين عُوفي زاد البحرُ وانحدرت
[الشِّهاب الحجازي]
ومنهم الشيخ أبو الطيب أحمد بن محمد بن علي بن حسن
الحجازي، وله فيه شيء کثیر. فممَّا رأیتُه عندي بخطّه: ما کتبه إلیه وقد
عُوفِي مِنْ رمدٍ عَرَض له:
مِنْ حاسدٍ وَارْضَ له بالبَيْنِ
لا تختشي مِنْ رَمَدٍ ولا تخف
نَعَمْ وقد كفَاكَ شرَّ العِينِ
فالله عافاكَ على رُغْم العِدَا
ومنه ممَّا كتب في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة:
كلُّ الورى تَفديه بالأخذاقِ
مولاي يا قاضي القضاة ومَنْ غَدَثْ
وسَمَوْت للعلیاء باستحقاق
هُنِّيتِ عاماً مقبلاً يا سيدي
وأسرتَهم بمكارم الأخلاقِ
أهل الحُبُوس بأسرهم أطلقتَهم
فلأنتَ ممدوحٌ على الإطلاقِ
كم مِنْ لسانٍ بالثَّنَا أطلقتّه
ومنه قوله :
شكراً لرب السماء على جزيل العطاء
(١) كتب المصنف هذه الأبيات بخطه في (ح)، وقد أوردها في الضوء اللامع: ١٤٣/٢،
وشيخه صاحب الترجمة في المجمع المؤسس ٧٧/٣ - ٧٨.
٤٢٨

فقد سُرِزتُ بيوم
والمنصبُ الآن أضحى
بشيخ الاسلام حقًّا
شهابِ دين إله الــ
رأسِ السيادةِ فينا
كنزِ العُلوم بحقِّ
كم طالب قد أتاه
والوجهُ عن بِشْرِ يَروي
حديثُه طاب نَثْراً
يا بحرَ عِلْم ولكن
أُوتِيتَ بَسْطَّةَ علم
وأنت مِنْ خيرٍ قَوْمٍ
وبعد كسرِ أتتنا
وللأنام ابتهالٌ
لربهم بدعاءِ
وليس فيهم مُرَاءِ
هذا لعَمْرِيّ بيتٌ
وحقٌ إذ عم فضلاً
أعِنْهُ يا خيرَ عونٍ
ومنه مما قرأته بخطه قوله:
إِنْ فَرَّقَ اللحظ فيَّ الفتك أم والى
فالقتل أيسرُ ما يلقى المحبُّ لِذَا
قد نلتُ فيه مُـنَـائـي
ذا بهجةٍ وسناءِ
والحَبْرِ في العُلمَاءِ
عِبادِ رب العَلاءِ
وسيْدِ الرُّؤساءِ
ومطلبِ الفُقَراءِ
أولاهُ خيـرَ وَلاَءِ
وكفُّه عَنْ عطاءِ
وفيه طيء لـدائي
لم يضطّرِب بالهواءِ
بمصرَ في الفُقَهـاءِ
تخلَّقُوا بالوفاءِ
بشـائــ بالهناءِ
في صُبحِهِمْ والمساءِ
لكم بطُول البقاءِ
حقّاً بغيرِ مِرَاءِ
عليه قَصْرُ ثنائـي
يَخُصُّه بالدعاءِ
والطُفْ به في القضاءِ
لا تتركّنْ بعدَ أخذِ الرُّوحِ أموالا
عَذابُه عنده عذبٌ ولو طالا
٤٢٩

:
فمن تفُنٍ عشقي في هوى قمري
وإن وَفَى الحِبُّ وافاني الرَّقيبُ فَمِنْ
لله خفةُ رُوحٍ منه واعجباً
وسيفُ ناظرِهِ حَدَّاه كمْ قَطَعت
ولا عجيب إذا ما كان في فمه
أو مال قدَّ له سكراً فلا عجبٌ
وليلةٍ جمعتني والحبيب غدت
والقُضْبُ في الرَّوضِ قدمالت له وغَدتْ
والتَّرجِسُ الغَضُّ في الأَذواحِ قام على
والدَّوْحُ لما اكتسى مِنْ زهره حُللاً
والرَّوضُ يضحك مِنْ فعل السَّحابِ وقد
والأرضُ تشكرُ إنعامَ السَّماء كما
قاضي القُضاةِ شهاب الدين أحمدَ مَنْ
وشيخ الاسلام كهف الناس مَنْ جُعلت
ما زاغ يوماً عَنِ السُّؤَالِ في طلبٍ
وطالبُ العلمِ والجدوى إذا قصدا
كم حلَّ مِنْ مُشكلٍ عند المباحث لا
صفاته علّمتني كيف أمدحُه
لا حِلتُ يا عاذلي عَنْ مدحه أبداً
أحبُّ مِنْ أجل ذكرٍ الحبِّ عُذَّالا
فرطِ المَسَرَّةِ أهوى مِنِهُ إقبالا
وكم حملتُ بها في الحُبِّ أثقالا:
إن لم يَضْل قبل قطع منه أوصالا:
حلاوةٌ مذ أرانا القَدَّ عَبَّبَالا
إذا تضمَّن منه الثّغرُ چِربالا
في وجنةٍ لزمانٍ مَرَّ لِي خَالا
لما تَثَنَّى تَبُوسُ الأرض إجْلالا
ساقٍ وقبَّل أيضاً منه أذيالا
من غَيْضِه قد تردَّى الغصنُ أسمالا
بكى وأسْبَل دمعاً فيه هطَّالا
شكري لأَنْعُم خيرِ الناس(١) ما زالا
لا زِلْتُ أحمدُه ليلاً وآَصالا
سِماتُه مِنْ(٢) عُلاَ علياه إذْ لاَلاَ
ولم يدع عَرَضاً عنهم ولا مالا
جنابَه وجَدًا فضلاً وإشغالا
تُحصى وأبدى مِنَ الأبحاث أشكالا
وأظهرت لي مِنَ(٣) الأفعال أقوالا
--
وهو الذي عَنْ مزيدِ البِرِ ما حالا
(١) في (ب): «الورى))، خطأ ...
(٢) ((من)) ساقطة من (ب).
(٣) في ((المختصر)): ((من له)).
٤٣٠

أنْ حقَّقَ الله لي مِنْ ذاك آمالا
لم أشكُ بعدُ مع الإكثار إقلالا
حويتَ إذ كنت أسمى النَّاس أفعالا
مُذْ جئتُ نحوك بالشّرح الذي طالا
إذا غدا مَن سِوَى مولاي إهمالا
باليُمن يقدُم إسعاداً وإفضالا
وأصلِخ به في كلا الحالين أحوالا
قد كنت آمل(١) أن أُغْزَى إليه إلى
مع كُثْرٍ وُلْدِيَ مُذ(٢) أوليتني نعماً
أنتَ الخُلاصةُ ذو الأمرِ المُطاعِ وقد
وزدتُ عطفاً وتوكيداً ومعرفةً
فبَسْطُ عذري عَنِ التَّقصير في مدحي
فالله يجعلُ هذا الحولَ مُقترناً
واحفَظُهُ في نفسه مع نجله أبداً
وله قصيدة أنشدها عند عود صاحبٍ الترجمة مِنْ تجريدة آمد، أولها:
صبُّ قضى حيث لم يقض الذي وجَبا مِنْ وصل محبوبه والقلبُ قد وَجبَا
وأخرى أنشدها عند ختم (فتح الباري)»، أوَّلُها:
إذا(٣) نوَّه الحادي بذكرك أو حدًا تيقَّنتُ أنَّي صرتُ في الحبِّ أَوْحَدا
إلى غير ذلك ممَّا أودعه في ((ديوانه))(٤).
[الشهاب المنصوري]
ومنهم: الشهاب أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد
المنصوري .
فمن نظمه: ما أنشده لصاحب الترجمة بحضور الطّلبة وغيرهم
بالخانقاه البيبرسية، وكتبها عنه شيخُنا العلامة ابن خضر، وسمعتها مِنْ لفظٍ
(١) في (ب): ((أمن))، تحريف.
(٢) في (أ): ((قد).
(٣) في (ط): ((إن)).
(٤) من قوله: ((وله قصيدة) إلى هنا لم يرد في (ب).
٤٣١

ناظمها(١).
يا رَشَأَ لنوم عيني شَرّدًا
يا صادراً عن مَنْهل الدَّمع لقد
طرفٌ عن التكحيل مُستغنٍ فمَنْ
شَئَنْتَ بالهُجرِ عليَّ غارةً
قد کان صبري في الهوى يخذُلني
عجبتُ مِنْ فعل الهوى بأهله
مُذ لاح للعذَّال حسنُ وجهِه
أصبح سكراناً بخمرٍ ريقه
في خدِّه الأحمر آسٌ أخضرٌ
جفاك يا قلبُ وخانَ عهدَه
مَنْ لمْ يَعُدَّ للجَفَا لِيَالِياً
ضلَّ الكرى عَنْ مقلتي لمَّا رأى
فحُقَّ لي مذ زار جفني نومُه
سيدَنا قاضي القضاة المرتضى
سَمَيْدَعْ قد طابَ أصلاً وزكا
فمِنْ قديم هو أزكى عنصراً
أضحت به الأيامُ مستبشرةً .
قد كان عيشي بكَ عيشاً رَغَدَا
شاهدتُ من طرفك خَتْفاً وردا
رأى غنيّاً في الورى مجرَّدًا
ولم تَخَفْ في قتلِ صِبِّ قَوَدَا
لولاً وجدتُ مِنْ دموعي مُدَدًا
كيف يصيدُ الظبيُّ فيه الأسدًا
كادوا يكونون عليه لِبَدًا
أما تراه في الحَشَا مُعَزْبِدًا
يخرسُه مِنْ شَعرِهِ بِأسودَا
فاضبِرْ وإلا مُتْ عليه كمَّدَا
بكى دماً مِنْ دمعه وعَدَّدًا
طرائقَ الدمع بِخَدِّي قِددًا
أن أشكرَ الرَّحمنَ ثم أحمَدَا
للدِّينِ والدُّنيا إماماً مُقتدى
فرعاً ونال رِفْعَةً وسُؤْدَدَا
وفي حديثٍ هو أعلى سَندًا
وأصبح الشّرع به مؤيّد!
(١) أشار المصنف إلى هذه القصيدة في الضوء اللامع ٢/ ١٥٠، حيث قال في ترجمة
ناظمها: وامتدح غير واحد من الأعيان، ومنهم شيخنا، كما أثبت قصيدة له فيه
((بالجواهر))، أنشدها بحضرته قديماً، وكتبها عنه الأكابر، كشيخنا ابن خضر، وسمعتها
من لفظه مع أشياء.
٤٣٢
٠

وهزَّت العلياءُ تيهاً عِطْفَها
حديقةُ الفضل به قد أينعت
لا بَلَغَتْ حُسَّادُه مناهُمُ
همُ شياطينٌ فمَنَ تمرَّدا
قد خبُثُوا ذاتاً ومعنى والذي
يا مَنْ غدا يَقيسُه بغيره
هل تجعل النَّاقةَ كالبُراق أو
دع فاعلاً قد كان مفعولاً به
وإن يُضارِغه امرؤ في فضله
لا ترجُ إلا مَن تسامى قدرُه
رفيعُ قدرٍ لا يزال قَدْرهُ
مَنْ زاره يخلُدُ في إنعامه
نوالُه قبلَ السّؤال واصلٌ
فسله مهما شِئت مِنْ جودٍ ومِنْ
لم يخلُ عقدُ مجلسٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ
أشجعُ مَنْ في حربٍ بحثٍ ينتضي
مهذَّبٌ بِدُرّ عِقْدٍ نظمُه
لو قيس بيتٌ مِنْ بديع شعره
يُطْرِبُ ألبابَ الجُفاةِ لفظُهُ
ما للمعاني عَنْ عُلاهُ مصدرٌ
لما ترقّى مِنْ ذُراها مَفْعَدا
وانتعشَتْ مِنْ راحتَيْه بالنّدى
وكلُّ كبشٍ منهمُ له فِدَا
منهم يَجدْ له شهاباً (١) رَصَدَا
يَخْبُثُ(٢) لا يخرج إلا نَكِدًا
ويُحك لا تغثُ في الأرض مُفسدًا
هل صالحاً في المجد مثلُ أحمدًا
وأفعل الشَّفضيل صله أبدًا
له المضارع اجعلَنَّ مسندًا
أو لازمَ الصَّذْرَ كمن لي مُنجِدا
على الذي في رفعِه قد عُهِدَا
فزُره خالداً وقبله اليدَا
فلن ترى لسائليه مَوعِداً
علم ترى بحراً خِضَمّاً مُزْبِدَا
يوماً بشهدٍ لفظِه مُنْعَقِدًا
للخصم مِنْ لسانِه مهنّدًا
جِيدُ الزَّمان قد غَدَا مقلِّدًا
بكلُ ديوانٍ لكان مفْردًا
كأنَّما تسمّعُ منه مَعْبَدًا
يوماً ولا اختارت سواه موردًا
(١) في (ب): ((سهاماً)).
(٢) في (ط) والمختصر: (خبت)).
٤٣٣

فلفظُه العسجدُ في علُوْهِ
يا سيداً بفضلِه وبَذْلِه
العبدُ قد أهدى إليك مِدحةً
تصْغُرُ عَنْ قَدرِك إلا أنَّها
أَبَتْ جِلاَ - إلا عليك - بِكْرِهَا
لا زلتَ تِرقى رُتَّبَ المجدِ الذي
ولا بَرِختَ للأنامِ ملجأ
لو أن لفظاً يستحيلُ عِسجدًا
صَيَّر أحْرارَ البَرايا أعبدًا
وربما يُهْدَى إلى البحرِ النَّدى
رضاً لأحباب وغيظٍ لِعِدًا
إذ لم تجد غيرَك كُفواً أحدًا
إذا تدانى كاد(١) يعلُو الفرقّدا
ومَنْجَى وللعُفاةِ مَقصِدَا
[الشهاب ابن والي]
ومنهم: الشهاب أحمد بن محمد، عرف بابن والي. فأنشدني من
لفظه لنفسه :
ركنُ المذاهب بيتُ الفضلِ والنّظَرِ
قاضي القضاة شهاب الدين سيِّدُنا
شيخُ العلومِ فخارُ الرُّكْنِ والحجرِ
نال المُنى بمقامِ زَادَه شِرفاً
[الشهاب السَّيرجي]
ومنهم: القاضي شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن أحمد
السّيرجي الشافعي. فكتب إليه، وقد أسدى صاحبُ الترجمة إليه معروفاً ؛ ..
قاضي القضاة المفَدَّى عالم الفِرَقِ
بالله قُلْ لإمامِ العصر سيِّدِنا
ويا خطيباً إلى المجد المنيف رَقِي
يا نُخبة الذَّهر حتى لا تظيرَ له
عليك طُرًّا وهذا العطفُ من نِسَقٍ
جمعت مفترقات الحُسنّ فانعطفت
فإنَّه الحجرُ الموضوعُ في الحَدِّق
إن كنت في الناس معزُوّاً إلى حجرٍ
للاستلام تجِدُّ السَّيرَ في عَنقٍ
بل المكرَّم بل جاءتٍ مدائِحُنا
(١) في (ب، ط): ((كان)).
٤٣٤

فضلِ العميم(١) فصِرْنَا وهي في نسقِ
قلَّدتنا منك أطواق الحَمام مِنَ الـ
ونحن نمدح بالأسحار في ورقٍ
فالوُرقُ تصدحُ بالأشْجار في ودقٍ
مِنْ فضله غَدَقاً عَنْ فضلك الغَدقِ
فأسألُ الله يُجري سُخبَ أنعُمِه
خير البريّة في خَلْق وفي خُلُقِ
ثمَّ الصَّلاةُ على المختار مِنْ مُضَرٍ
[الزُّعيفريني]
ومنهم الشهاب أحمد بن يوسف بن محمد الزعيفريني.
فكتب تُجاه تقريظه الثاني لابن ناهض:
هذا هو السّخرُ لا النفَّاثُ في عُقَدٍ هذا هو الخمرُ لا المعصورُ مِنْ عنبٍ
[المجد الزَّمزمي]
ومنهم(٢) المجد إسماعيل بن علي بن محمد الكازروني الزَّمزمي
المكي، والد أبي الفتح ونابت(٣)، مدحه بقصيدة منها(٤):
هُجرانِكم لَيلي البهيمُ مِنَ السَّهز
إنْ لم تجودُوا بالوصال وطالَ في
مِنْ جَدِّه كيدُ العِدَى عَنِّي حَجْز
فَدُجَاهُ يجلوہُ شھابٌ ثاقبٌ
[ابن حجّة الحموي]
ومنهم العلامة تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي.
فقال في تقليده الذي كتبه له حين ولي قضاء الشافعية بالديار
(١) (العميم)) ساقطة من (ب)، وهي في (ط): ((الجسيم)).
(٢) في هامش (ح) بخط المصنف: ثم بلغ الشيخ عز الدين بن فهد نفع الله به قراءة علي
والجماعة سماعاً.
(٣) تحرف في المطبوع من الضوء اللامع إلى ((نائب أبي إسماعيل))، وقد ترجمه المصنف
في الكتاب نفسه ١٩٤/١٠ - ١٩٥.
(٤) أنشدهما المصنف في الضوء اللامع ٣٠٣/٢، وصاحب الترجمة في معجمه ٨٨/٣.
٤٣٥

المصرية، حسبما هو في ((قهوة الإنشاء))(١)
الحمد لله الذي أطلع للمسلمين شهاباً مطالعُ الأنوار ومشارقُها بكماله.
تشهد، وأيَّد الشرعَ الشريفَ بمن إذا حمِدُوا إماماً، قلنا لهم: هذا الإمام
أحمد. وقد أسندوا إليه صحيح الحديث النّبويّ و((مسند أحمد)) لا يُجْحَد.
وهو الشّهابُ الذي إذا نَاظَرَهُ البدرُ رمِدَ لحمرة الشَّفق مِنْ طول تسهيده،
والحاكمُ الذي أعز الله أحكامَه، وكيف لا، والبخاري مِنْ بعض شُهودِه، .
وقد فتحَ الله له بابَ شرحِهِ، فَكلَّ عالم إلى الدخول مِنْ هذا الباب جاري،
وما شكَّ مسلمٌ أنَّ هذا الفتح المبارك ((فتح الباري)). نحمَدُه على الإلهام إلى
وضع الأشياء(٢) في محلها، ونشكره على العمل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ اُلْأَمَتَتِ إِلَىْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨].
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةٌ تتميّزُ مؤدِّيها عندَ
الحَكَم العَدْل بالعدالة. ويرى علامة القَبُول وتتناول بخط الكرام الكاتبين
أسجاله .
ونشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله الذي من أتقن علوم حدیثه، كان
أحمدَ هذه الأمة، وشهابها الذي يُزيلُ عنها مِنْ دُجَا الإشكال كلَّ ظُلْمة.
صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً ما برح الحُكْم بموجب بركاتها
مُسَجَّلاً، وفضل حديثها(٣) القديم مَعَ الرُّواةِ مُسلْسَلاً، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فمنصِبُ الشرع قد فهمنا مِنْ لسان حاله ما يُغني عَنْ بیانِ
النطق وبلاغته، وعلمنا أنَّه مُفْتَقِرٌ إلى شافعيِّ تتكملُ صحَّةُ العِقُود بثبوت
كفاءته، ومُلتَفِتْ إلى إمام تُصلِّي أئمةُ العلم خلف إمامته، وتعزُّ الأصحاب
في أيامه بأحمد [وصحابته.
(١) وقال المصنف في ترجمته من الضوء اللامع ٥٥/١١: وأوردت من تقاليده التي أنشأها
لشيخنا في ((الجواهر والذرر)).
(٢). في (أ): ((الأسماء)).
(٣) في. (ب): «خدمتها))، تجريف.
٤٣٦

ولقد أكثر هذا المنصب سؤاله على أن يتأيّدَ بهذا الإمام في الأيام
المؤيدية (١)، وكرر ذلك](٢) على أن يستضيء بنُوره الظّاهر في الأيام
الظاهرية، وأبى الله أن يظهر شرف هذا الشهاب في غير أيامنا [الأشرفية،
وإن تأخر فتأخّرُهُ في الوقت، لا في الدَّرجة العالية. فإنَّ المناصبَ تارةً
يسمو بها صاحبها](٣)، وتارة تكونُ بمثل هذا الشهاب الزاهر زاهية(٤). فإنَّه
ممَّن يجِلُ أن يُقال في ولاية مثله: ليتَ ولولا. وإن تقدَّمته ولايةٌ، فلسان
الحال يتلو(٥): ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَرٌّ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٣].
لأنَّه عَلَمْ بالفضل منشُورُ
وقد طوينا به أخبارَ مَنْ سلَفُوا
كأنَّ أفكارَهُ مِنْ حولِه سُورُ
أحاط بالعلم حتى صار(٦) يحصُرُه
ومِنْ فوائده يُعطي بلا قدرٍ
فما لإعرابه في الفَضْلِ تقديرُ
فصارَ للناسِ تهليلٌ وتكبيرُ(٧)
بدا الهلالُ وقد هُنِّي بطلعته
وأسودُ اللَّيلِ قال العبدُ مسرورُ
وأبيضُ الصُبح قد وافاه مُبتسماً
إنْ خطَّ خطاً أطاعته المقاديرُ
له يراعْ سعيدٌ في تقلُّبه
محَبّرٌ وبتحرير العلوم إذا
كذا محابُره سودُ العيون فإنْ
جرى يُرى منه تحريرٌ وتحبيرُ
دانت أياديه فهي الأعينُ الحُورُ
ولقد مدَّ الهلال شَفَّةً فتحت لتقبيل هذا التقليد، وأشعلَ كفُّ الثُّريًّا
شمعة المرِّيخ، فوقف بها مسرور الليل مِنْ جملة العبيد، وتقمَّع كفُّ
الخضيب بسوادٍ الليل، وترك عين الشّفق عليه حمراء. وبالأمس نزل
(١) في (أ): ((المؤيدة)).
(٢) من قوله: ((صحابته)) إلى هنا سقط من (ب).
(٣) من قوله: ((الأشرفية)) إلى هنا سقط من (ب).
(٤) في (أ): ((زاهرة)) وفي (ب، ط): ((سامية)).
(٥) ((يتلو)) ساقطة من (ب).
(٦) ((صار)) ساقطة من (أ).
(٧) في (ب): ((تكريم)»، خطأ.
٤٣٧

فارسُ الغيث عن تفْرق البرق، وقبَّل مواطىء الأرض على هذه البُشرى،
وسال نهرُ المجرّة ذلك، فردَّ سائله نهراً. وكشف الجو شعريّة الغيم عَنْ
وجوه أقماره، وحيًّا مِنْ نجومه وشموسه بنرجسه وبهاره. وابتسم ثغرُ
البرق عَنْ لَعَس الغيمِ، فلم يقُته مِنْ دُرّ النجوم شَنَب، وما خفي أنَّ
السُّحبَ أدارت كؤوس الهَنَا مبرَّدة، وكان جمان البَرَدِ لها مِنْ بديع
الحَبَب، وهام حوتُ السَّماء إلى العَوْم في بحر علومه الذي زاد على
[النِّيل بكثرة الثَّيْل. ووذَّ زورقُ الهلال أن يوسق مِنْ عنبر سطوره، لا من:
حمولة عنبر الليل. فإنه](١) الشّهابُ الذي إذا غامرَ في أمر مَرُومٍ، لم
يقنع بما دون النجوم.
وقد انتهت الغايةُ بولايته إلى أنْ صار شرطَ كلِّ واقفٍ ماشياً، وقضت
نُوَّابُه بالحقِّ، فصار كلٌّ منهم يقتُل الباطل قاضياً. وأنعمنا على هذا المنصب
بولايته، فاعترف بجزيل الصَّنيع، وارتفع المحرَّمُ في صفر، فتنزه المسلمون
في ربيع ..
ولما كان الجنابُ الكريم الشهابي هو الذي حصل الإجماعُ مِنْ أئمة
الفِرَقِ على تقديمه، ورسُم اختيارنا الشّريفُ برسم تقليده. فما خالفَ مسلمٌ
في تَوْزِيَّةِ مرسومه. وقال المتعبِّدُون بالعلم: هذا إمامنا بالجامع الكبير. وقال
«لسان الميزان)): هذا بشهادة الله صاحب التحرير. وهذا صدرُ العلماء الذي
اطمأن به قلبُ الزَّمان، واشتدَّ ظهرُه. وإن قلنا: إنَّه ساد على كثيرٍ مِنَ
المتقدمين، أنشد لسان الحال وقد رسخ في المسامع شعرُه:
يقضي الحسودُ له قضاءَ ضرورةٍ بفضيلةِ الطَّاري على المتقدِمِ.
اقتضت آراؤنا الشَّريفة أن نظهر في أفق ملكِنا الشّريفِ نور شهابه،
ونثبت أوتاد الدِّين القيِّم مِنْ غيرِ فاصلةٍ بأسبابه. فلذلك رسمَ بالأمرِ الشَّرِيفِ
العالي المولوي السلطانَي الملكي الأشرفي - لا زالت شُهُبُ العلم في مطالع
شرفه زاهرة، وحدائقُ مصنَّفاتِ العُلماء في روضات أيامه زاهرة - أن يُفَوِّضَ
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
٤٣٨

للجناب الكريم، المشار إليه وظيفة قضاء قضاة(١) الشافعية بالديار المصرية
والممالك الإسلامية المحروسة. فإنَّه الشّهابُ الذي نجومُ تصانيفه مُشرقةٌ في
ظلمة كل إشكال. ولمَّا خشينا مِنَ الجهل برجال الحديث، بادَرَ إلى
الاحتفال بأسماء الرجال. وهو بحمد الله نتيجةُ هذا العصر، وصاحبُ
المقدمة(٢). وبه حصل التغليق، وفزنا بالتوفيق. وهمنا إليه بالتَّشويق، فأكرِم
بها مكرمة .
ولقد تميز عندنا بتقريب الغريب، وقلنا: لا ينكر ذلك لِمَن جُبِلَ على
تهذيب التهذيب. وتالله إنَّ ثقاة الرّجال تشهدُ له بالتَّمييز والإعجاب، فإنَّه
المقرُرُ للإصابة، وعنده شفاء العِلَل وخاص اللباب. ما جاءه مستفيدٌ إلا
وجدَ عنده الإيناس وترتيب الفوائد، ولمَّ تفريقَ ذهْنِه بالمجْمَع، وفرجه بعد
نقصه بالزوائد. فإنَّه الشّهابُ الذي له الأجوبة المشرقة، وصاحبُ الاستدراك
الذي التفَّ منه وجهُ كلُ مصنّفٍ مِنْ الحيا. وكم لمَّ أطراف الأحاديث
المختارة، فأغنى بنُورِ شهابِه عَنِ الضياء، وهو صاحب النُّكت والتَّخريج
والتغليق والترتيب. وكم جاءنا بالمنتخب والتعريف بالنبأ، ونبّه الأفهام
بالتَّقريب. وإن ذكرت المقاصد الحميدة، فهو صاحبُ المقصدِ الأحمد، وقد
استدَّ به هذا الباب، لأنَّه صاحب القصدِ المسدد. وهذا الشهابُ بحمد الله
صاحبُ الأنوار، والآيات المنيرة على شمس النهار. وقد أقرَّ له أهلُ العلم
بالاعتراف، لما نبّه ناسيهم بالتذكرة، وعنده لهم نزهة النَّواظر وتبصير المنتبه
وتربية الطَّالب على الخصال التي هي مِنَ الذَّنوب مكفُرة. ولقد أرانا مفتاحَ
كلّ تلخيص، وأعرب عَنِ المعجم الكبير وحرَّره.
ولمَّا أحكم تصحيح الرَّوضة، أظهر فُروع أفنانها مُزهرة، وشرح
مناسك المنهاج، فحجَّ بالمسلمين وهو قاعد، وكلّ ما علَّق الشافعيُّ القول
(١) ((قضاة)) ساقطة من (أ).
(٢) يعني ((مقدمة فتح الباري)) المسماة ((هدي الساري))، وابن حجة يورد هنا أسماء كثير
من مصنفات الحافظ ابن حجر مثل تغليق التعليق، وتهذيب التهذيب، والإصابة،
وتبصير المنتبه، وغيرها، بأسلوب أدبي بليغ.
٤٣٩

به على الصِّحَّة، كانت المنحة عنده على تلك الفوائد.
هذا، ومصنَّفات الغيرِ في بقية العلوم، فقد تكرَّر وقوفُها له بالأوراق،
حتى رَفَع عنها مظالم الإشكال، وطوّق أجيادَ طُروسِها مِنْ سطورٍ تنكيته
بأطواق .
فلينظر فيما فوَضْنَا إليه، فإنه - بحمد الله - أهلُ النّظر والبصيرة. وقد
رجَوْنَا أن تكونَ ولَايَتُنا له عند الله نعمَ الذَّخيرة. والوصايا كثيرةٍ، ولكن.
مثل رشيد رأيه لا يدلُّ على صوابٍ. فإِنَّهِ الحاكمُ الذي إذا حكم في
ذَلِكَ اَلْكِنَبُ﴾ [البقرة؛ ١، ٢] وما
كتابه، عُوِّذ المسلمون بـ﴿المّ
أحقه بقول الفاضل: ((وَقَرَّت به العُيونُ، وأقرَّت الألسنة». وسارت فضائل
هذا الشهاب مسيرَ الشَّمس، فملأت النّواظر والأمكنة. وتعالى المادح في
صِفاته، فكانت أكثرَ مِنْ دعواه البيّنة. ولقد قال العدو فيه ما قاله الوليّ،
وأشبهت به صدورُ الكتب صدورَ الغانيات بما فيها مِنَ الحُلِيِّ(١). وقد أعادَ
على الإسلام زمانَ السَّلْفِ الصالح، وأشرقَ سعدُ سُعودٍ شهابه، فاستعمل:
للأعداء سعدَ الذَّابح. وتحصَّنت سماءُ الدِّين به فوقَ سماء الدُّنيا، فما
استطاعها ذمّ النَّبح.
والله تعالى يُديمه شهاباً يحرِقُ به المرَدَةً مِنْ أعداء هذا الدِّين، ويبقيه
خاتمة لِمَنْ سلفَ مِنَ الأئمة. وختامُ هذا الدعاء يحسُن بآمين.
[أبو بكر الزبيدي]
ومنهم: الرضي أبو بكر بن أبي المعالي الزَّبيدي، ستأتي في الألغاز
(٢)
أبياتٌ قدَّمه فيها على الفاضل وابن الأثير.
(١) في (أ): ((الحلة))، تحريف.
(٢) ٨٠٦/٢.
٤٤٠