النص المفهرس

صفحات 301-320

عرف بأبي شَعَرةٍ (١).
فبلغني عنه أنه كان يُكثرُ التأسُّفَ عن عدم أخذه الفنَّ عَنِ الحافظين
العراقي وولده، لكن يقول: نحمد الله على وجود الشيخ شهاب الدين ابن
حجر. وأمرَ بالتقاطِ زوائد ((تهذيب التهذيب)) له على أصله، فأُفرِدَتْ
بالتَّصنيف. وكان ذلك قديماً في سنة أربعين، وهو إذ ذاك مجاوٍرٌ بمكة مِنْ
نسخة قديمة كانت للشيخ نجم الدين المَرجاني، وتولى إفراد ذلك بإشارة
الشيخ قاضي المالكية بمكة الآن، العلامة محيي الدين عبد القادر بن أبي
القاسم بن أبي العباس الأنصاري، أمتع الله بحياته، وذكر لي أن المذكور
حضه على الرحلة لصاحب الترجمة، واغتنام الأخذ عنه، وقرر وجوب
ذلك. رحمها الله.
[شمس الدين البساطي]
ومنهم: العلامة المحقق شمس الدين البساطي.
فسمعت غير واحد يحكي لنا عنه أنه كان يقول: ما رأينا أشد ذكاءً
منه، ولا أسرع إدراكاً، يتسلَّط بذلك على التكلُّم في كلٌ ما يروم، ولو كان
عارفاً بمصطلحات أرباب العلوم في مسمِّياتهم، ما كان كبيرُ أحدٍ يقاومه.
ولقد كنت أشرَعُ في استشكال شيء أو إيراده، فقبل أن يتمَّ كلامي، يتلقاه
فيقرّرُه على أحسن وجه، ثم يُعقِبُه بالجواب المُزِيل للَّبس. وما كنت سائلاً
قط إلا وصيّرني مسؤولاً، بل حكى عنه ولدُه أنَّه كان يقول ما حاصلُه: إنَّه
لا احتياج لحضورنا مع صاحب الترجمة في مجلس الحديث بالقلعة، إشارةً
إلى كفالته بذلك، وأنه هو المعوَّلُ عليه فيه.
قلت: وسمعت مَنْ يحكي عنه أنه سأل حافظ الوقت الزَّين العراقي
عَنْ حديث، فما استحضر إذ ذاك مَنْ أخرجه، وأنَّ الشيخ برهان الدين
الكركي أشار على البساطي أن يسأل صاحبَ التّرجمةِ عنه ففعل، فأجابه في
(١) كذا في الأصول، والمعروف أنه ((أبو شعر)) بدون تاء التأنيث. وانظر ما تقدم ص ١٨٢.
٣٠١

الحال بتخريجه وصحابيِّه وحُكمه، وأنَّ البساطيَّ عرض ذلك على العراقي،
قال: فكشف المظانِّ التي عزاه إليها، فوجده كما قال. رحمهم الله وإياناً.
ثم حكاها لي صاحبُنا الشيخ نور الدين ابن أبي اليُمن المكي، نفع الله
به، عن البساطي نفسه، فقال: سألتُ شيخنا الزَّين العراقي عن حديث
((المكاتب قنّ ما بَقِيَ عليه درهم))، من صحَّحه؟ فقال: لا أدري. فلقيتُ ابن
حَجَر يومئذٍ وهو إذ ذاك ليس في لحيته شعرة بيضاء، فسألته عنه، فقال في
الحال: صحَّحه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو. وهما في
كتب شيخنا، وعيّن له مكان الحديث.
[ابن خطيب الناصرية]
ومنهم: العلامة قاضي الشافعية بحلب علاء الدين ابن خطيب الناصريَّة
رحمه الله.
فقرأت بخطه في ((تاريخ حلب)) الذي ذيَّل به على ((تاريخها)) لابن
العديم، حيث ذكر صاحب الترجمة بعد سياق نسبه ومولده وجُمْلةٍ من
شيوخه ما نصه:
ورحل إلى اليمن وحجَّ، وأقبل على التَّصنيف والاشتغال والإشغال،
فصنَّف كتباً كثيرة، منها ما كَمُلَ. ومنها ما لم يَكمُلُ، فمما كَمُلَ قديماً،
كتابه («تغليق التعليق»، وصل فيه تعليقات البخاري، وهو كتاب جليل نفيس،
قرأت عليه بعضه بالقاهرة في رحلتي إليها. ومما لم يكمل ((شرح
البخاري))، وضنَّف ((مقدمة)) له فيها فوائدُ غزيرةٌ جليلةٌ. وهو حافظُ الإسلامِ،
علاَّمةٌ في معرفة الرجال واستحضارهم، والعالي والنازل، مع معرفةٍ قويَّةٍ
بعللِ الأحاديث، وبراعةٍ حسنةٍ في الفقة وغيره، وأخلاقٍ رضيَّةٍ، ومحاضرةٍ
حسنة، مع الدِّين والمداراة، ومحبة أهل العلم، والإنصاف في البحث. وهو
أحد مشايخي الذين قرأتُ عليهم بالقاهرة. ثم إنَّه قدم حلب صُحبَةَ الملك
الأشرف برسباي، وكان قدُومه في يوم السبت خامس شهر رمضان سنة ست
وثلاثين وثمانمائة، فسمع بها على شيخنا الشيخ الحافظ برهان الدين أبي
٣٠٢

إسحاق الحلبي. وعقد مجلس الإملاءِ بجامع حلب الأعظم، وأملى به عدَّة
مجالس. وحضر عنده فيها أبو إسحاق المذكور وغيره، وحدَّث بحلب،
سمعت عليه بها غيرَ ((مجالس الإملاء)» أيضاً.
ثم خرَّج عنه ((الحديث المسلسل بالأولية))، وساق أشياء مِنْ نظمه كثيرة.
ثم قال: وأنشدني غير ذلك مِنْ قصائده ومقاطيعه، وقرأت عليه بحلب الجزء
المعروف ((بجزء بيبي الهرئَميَّة)» بمنزلي. وسمع ذلك عليه أولادي وجماعتي، وعاد
إلى القاهرة ثاني يوم قراءة الجزء المذكور، صُحْبَةَ السلطان المشار إليه، وذلك في
سابع ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وهو الآن قاضي القضاة بالديار المصرية .
وكانت أول ولايته قضاء القضاة بالديار المصرية(١) في سابع عشري
المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وهو مشكورٌ في ولايته، مع الديانة
والتَّحرِّي في الأحكام الشرعية. رحمهما الله وإيانا.
[ووصفه في ترجمة التَّنوخي مِنْ ((تاريخه)) بالإمام الأستاذ الحافظ
العلامة، العالم بشريف الأحاديث. وفي موضع آخر: رأيت في ((تاريخ))
الإمام الحافظ حافظ الإسلام قاضي القضاة بالديار المصرية (٢)، فلانٍ
أبقاه الله تعالى](٣) .
[المقريزي]
ومنهم مؤرخ الديار المصرية الشيخ تقي الدين المقريزي، [رحمه الله
تعالى، فقال في كتابه المسمى «بالعقود الفريدة في تراجم الأعيان
المفيدة))](٤)، حيث ترجمه في ثلاثة أوراق: أن مصنفه ((تغليق التعليق)) لم
يُسبَقْ إليه، وأنه زاد على ((تهذيب المِزْي)» نحو الثلث مما يلزمُه ذكرُه.
ويتعيَّن عليه عدمُ إهماله. وأنَّ ما جمعه مِنَ ((النَّكت على ابن الصلاح))،
(١)(٢) ((المصرية)) ساقطة من (أ).
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٤) ما بين حاصرتين لم يرد في (أ).
٣٠٣

أضعاف ما جمعه شيخه العراقي.
إلى أن قال: وله غير ذلك مِنَ التَّخاريج الحديثيَّة، والمجاميع المفيدة
العجيبة، والتَّعاليق المحتوية على فنون الآداب وأنواع العلوم. وله شعرٌ
أعذبُ مِنَ الماءِ الزُّلال، وأعجبُ مِنَ السِّحر، إلا أنَّه حلال. وقد اخترتُ
منه، وإن كان كلُّه مختاراً.
:
قلت: وذكره في غير ما موضع مِنَّ الحوادث. وقال في بعضها في
ترجيحه على أهل عصره: لو أنفق أحدُهم ملء الأرض ذهباً، ما بلغ مُذَّه
ولا نصيفه. وكان يقولُ: ما أعلمُ الآن مَنْ أستفيد منه من الحديث غيره،
[ابن نصر الله البغدادي]
ومنهم شيخي بالإجازة العلامة قاضي الحنابلة المحب ابن نصر الله
البغدادي.
فقرأت بخطه في آخر نسخة صاحب الترجمة التي بخطه من تصنيفه
((تخريج الرافعي)) من نظمه ما نصه، وأرَّخ ذلك بذي القعدة سنة سبع
وثلاثين وثمانمائة :
مخرُجَ ذا المجموع يوم لقائه
جزى الله ربُّ العرش خيرَ جزائه
وفاز لمرقى لا انْتِهَا لازْتِقَائِهِ
لقد حاز قَصْبات السّباق بأسرها
وذكرٌ جميلٌ شامخٌ في ثنائه
يدومُ له عِزٌ به وجلالَةٌ
ولا انفك محروس العُلا في اعتلائه
فلا زال مقروناً بكل سعادةٍ
تُوقُع بالأحكام طُولَ بقائه
ولا بَرِحَت أقلامُه في سعادةٍ .
تزيدُ على الأعمار عند وفائه
وخرّقت العادات في طول عمره
وكتب بخطه - كما سيأتي - في يوم ولايته الثانية للقضاء بعد عزل
الهروي ما نصه: كان يوماً مشهوداً، وحصل للناس سُروران عظيمان،
أحدهما: بولايته، لأن محبَّته مغروسة في قلوب الناس، والثاني: بعزل
٣٠٤

الهروي، فإنَّ القلوب كانت اتَّفقت على بُغضه، لإساءته في ولايته، وارتكابه
الأمور الذَّميمة، رحمة الله عليهم أجمعين.
ورفعت إليه فتيا أجاب عنها صاحبُ الترجمة، فكتب تحت خطه ما
نصه: الجواب كما أجاب به سيِّدُنا ومولانا قاضي القضاة، أسبغ الله
ظلاله.
وكتب على فتيا غيرها تحت خطُّه أيضاً: ما أجاب به سيِّدُنا ومولانا
قاضي القضاة، أسبغ الله ظلاله، هو العمدة، ولا مزيد لأحدٍ عليه؛ فإنَّه إمامُ
الناس في ذلك:
إذا قالت حَذامٍ فصدُقوها فإن القولَ ما قالت حذامِ
فالله يمتع بحياته الأنام، ويُبقيه على توالي الليالي والأيام، والله سبحانه
أعلم.
كتبه أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي عفا الله عنهما(١).
[ووصفه في موضع آخر بقوله:
قاضي القضاة، شيخ الإسلام، حافظ الأنام، حسنة الليالي والأيام.
أدام الله أيامه الزاهرة، وجمع له بين خَيْرَي الدُّنيا والآخرة.
[شمس الدين ابن عمار]
ومنهم: العلامة المفنّنُ شمس الدين ابن عمار المالكي.
فقرأت بخطه في (ثبت)) بعض مسموعاته بقراءة صاحب الترجمة وصفَه
له بالإمام العلاَّمة المحدِّث، صاحبنا فلان ابن الجناب القضائي النُّوري،
أبقاه الله تعالى.
(١) أورد المصنف الأقوال السابقة في ترجمة المحب ابن نصر الله من الضوء اللامع
٢٣٦/٢ - ٢٣٧.
٣٠٥

وكان ذلك قديماً. وكذا نقل عنه الإخبار بوفاة البلقيني كما قدَّمتُه في
الرحلة] (١).
[شمس الدين الونائي]
ومنهم: شيخي العلامة قاضي القضاة بدمشق شمس الدين الونائي.
فخطب ولدُه البدرُ - وهو صغير - بجامع الأقمر في رمضان سنة ست
أو سبع وثلاثين، عقب ختمه لحفظ القرآن، على جاري العادة، وقال في
خطبته: أخبرنا شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر. وذكر أوصافاً، منها:
البيهقي الثاني، أحمد بن علي الكناني العسقلاني.
قلت: والظاهر أنَّ ذلك مِنْ ترتيب والده، فإنه كان مِمَّن أخذ عنه،
وتلمَذَ بین یدیه كما سيأتي.
[عثمان بن عمر الزَّبيدي]
ومنهم: الإمام عفيف الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر الناشري
الزَّبيدي الشافعي.
فقرأت في كتابه ((البستان الزَّاهر في طبقات علماء بني ناشر)): أنه
أرسل استدعاءً فيه اسمه وجماعة، يلتمِسُ فيه إجازةَ مَنْ يطلب منه ذلك.
قال: فوصل في جمادى الأولى مِنْ سنة ثلاثين وثمانمائة، وقد كتب عليه
جماعة مِنَ الحُفَّاظ والمحققين، والعلماء المسندين، والأكابر المعمرين، في
مصر والشام والقدس الشريف، منهم حافظ الدنيا في وقتنا هذا على
الإطلاق أبو العباس شهاب الدين، وذكره(٢).
(١) من قوله: ((ووصفه)) إلى هنا، لم يرد في (ب). وورد في هامش (ح) بخط المصنف.
(٢) من قوله: ((ومنهم الإمام عفيف الدين)) إلى هنا لم يرد في نسختي (ب، ط).
٣٠٦

[شمس الدين القاياتي]
ومنهم: محقق العصر القاضي شمس الدين القاياتي، وقد كتب لي
بالإجازة، وسمعت دروسه. فأخبرني بعضُ الثِّقات(١) ممن كتبتُ مِنْ فوائده،
أنَّه سمعه في حال تَلبُّسِه بالقضاء يقول: المحاسنُ التي تفرَّقت في الناس،
اجتمعت في ابن حجر.
قلت: فنسأل الله التوفيق بمنّه وكرمه .
[عز الدين عبد السلام]
ومنهم: العلامة المفوَّه النادرة عزّ الدين عبد السلام القُدسي شيخ
الصَّلاحية(٢) - وقد أجاز لي - فبلغني عنه أنه قال: إن لم يكن - يعني
صاحب الترجمة - مثل البخاري، فلا يقصر عنه. وممن سمع منه ذلك:
الشيخ شمس الدين ابن الصَّيفي، نفع الله به.
[الشهاب ابن المجدي]
ومنهم: العلامة المفنّن الشهاب أحمد بن رجب بن المجدي الشافعي،
نزيل جامع الأزهر، وقد أخذت عنه، فأخبرني الزَّين جعفر السنهوري
المقرىء، وهو ممن لازمه، أنَّه كثيراً ما كان يراه إذا ذُكر البلقيني، يتحرك
ويرفع صدره، بل يكاد أن يقوم، وإذا ذُكر صاحبُ التَّرجمة يقول: لو عاش
البخاريُّ وناظره لما قطعه.
قال الحاكي: ولم أكن أرى عنده مَنْ يُوازي السِّراج البلقيني وابن
حجر رحمهما الله(٣).
(١) في هامش (ط): هو عز الدين السنباطي.
(٢) في (أ): ((الصالحية))، تحريف.
(٣) من قوله: ((ومنهم العلامة المفنن))، إلى هنا، لم يرد في (ب).
٣٠٧

[ابن قاضي شهبة]
ومنهم: العلامة فقيه الشام، التقي أبو بكر ابن قاضي شهبة - وقد كتب
لي خطَّه بالإجازة - فوجد بخطّه ترجمة لصاحب الترجمة، بظاهر تصنيفه
((الدُّرَر)) نسخة البرهان العجلوني كما بلغني، افتتحها بقوله: الشيخ الإمام.
العلامة الحافظ، قاضي القضاة، شهاب الدين أبو العباس. وساق نسبه فخبط
فيه، فإنه قال: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن
أحمد بن أحمد بن أبي بكر، وقال: بقية العلماء الأعلام، قاضي القضاة،
وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان، إلى أن قال: وكتب الأجزاء:
والطّباق بخطّه الحسن، ومهر في الحديث.
إلى أن قال وتَميَّز في الفن، وشيخه - يعني العراقي - موجود،
واشتهر صيتُه، وجلس إلى جانب شيخه في حال إملائه، ومهر في الفنون،
لكن غلب عليه فنُّ الحديث، فانتهت إليه معرفتُه بهذا الشأن، وصار إمام:
زمانه فيه بعد وفاة شيخه، وتصدَّى لنفع النَّاس، ودرَّس وأفتى، وولي
المناصبَ الكبارَ والتداريس بعدَّة أماكن بالقاهرة. وتصدَّى للتَّصنيف، فصنَّف
الكثير. ومصنفاته تزيد على المائة، من أجلها ((شرحه على البخاري))، لم
يصنّف مثلُه، ولا على منواله. وله ((ديوان شعر)). وهو إمام الأدباء في
زمانه .
إلى أن قال: وله ((معجم كبير)) فيه فوائد. ورحل إليه الطلبةُ من
الآفاق. وبالجملة فهو إمام زمانه، وحافظ وقته وأوانه، وعنده مِنَ الذَّكاء
والفِطنة، وصفاء القريحة ما تَحيَّر فيه الأبصار.
[برهان الدين بن خضر]
ومنهم: شيخنا العلامة المفئَّن برهان الدين بن خضر - رحمه الله -
فقرأت بخطه في غير ما موضع: حافظ العصر على الإطلاق، وخاتمة علماء
السنة إلى يوم التلاق. أدام الله بهجته، وحرس للأنام مهجته.
٣٠٨

[رضوان العقبي]
ومنهم: مُستمليه شيخنا، محدث القاهرة، الزين أبو النعيم رضوان
العُقْبي - رحمه الله - صاحب القصيدة الآتي ذكرها في المدائح، مع نثرٍ
افتتح إيرادها به (١).
فقرأت بخطه: حدَّثنا سيدنا وشيخنا الإمام، شيخ الإسلام، قاضي
القضاة، منقطع النظير والصفات، أمير المؤمنين في الحديث، جامع أشتات
قديم المحدثين والحديث، حافظ العصر، رُخْلَة الدهر.
وكان إذا سُئل: أيُّكما أكبر، أنت أو صاحب الترجمة؟ فيقول: أقول
كما قال العباس رضي الله عنه: أنا أسَنُّ وهو أكبر.
[ابن أبي الوفاء]
[ومنهم: الشيخ أبو الفتح بن أبي الوفاء.
فقرأت بخطه وصفه له بالشَّيخ الإمام العالم شيخ الإسلام وإمام
الحفاظ، وقاضي الجماعة، شهاب الدين](٢).
[تغري برمش]
ومنهم: تلميذه الأمير الفاضل تَغْرِي بزمش الفقيه نائب القلعة.
قرأت بخطه على بعض مصنّفات صاحب الترجمة، بعد أن ساق مناماً
رآه، وقال يعني (به)(٣) شيخنا: الإمام العالم العلامة، الحافظ الفقيه، شيخ
الإسلام، قاضي القضاة، بقية المجتهدين، شهاب الدين، أدام الله أيامه، وأعزّ
أحكامه. فهو إمام دهره، وحافط عصره، بل أظنُّ أنَّ مصر ما أخرجت مثله
حافظاً متقناً، ولا فقيهاً شاعراً كاملاً مفتَّناً، ولولا ورودُ الدَّارقطني مصر،
(١) ص ٤٥٤ - ٤٥٧ من هذا الجزء.
(٢) من قوله: ((ومنهم الشيخ أبو الفتح» إلى هنا لم يرد في (ب).
(٣) ساقطة من (ب، ط).
٣٠٩

والمبرِّد، لقلت: ولا وَرَد. مع معرفتي بورود ابن معين والبخاري والنّسائي،
وغيرهم مِنْ فُحول العلماء الأعيان في كل عصر إلى يومنا هذا مِنْ حُفّاظِ هَذا
الشأن. قد جمع الله له التَّفسيرَ والفقه والحديث، والشعر والأدب، والمال،
والعزَّ والجاهَ والشرفَ، وطولَ العمر، وعلو الرَّتَبِ (١)، وصحّةَ العقل والنَّقل،
وحسنَ التّأليف مع الإيجاز والتَّحقيق والتَّرتيب، والسعد في التصنيف. وصنَّف
كتباً لم يُسْبَقْ إليها؛ ((كتغليق التعليق))، وإن كان ابن رُشيد قد أشار إليه
بالتَّشويق. و((مقدمة البخاري)) وترتيبه، وتقريبه للذهن وتهذيبه، فهي مِنْ أعجب
التَّصانيف للقارىء والسامع. فسبحان المعطي والمانع. وانتصاره للبخاري
معروفٌ مشهورٌ، والتوجيهُ لكلامه، والذَّبّ عنه في مصنّفاته مذكورٌ ومسطُورٌ.
وكتابه ((نخبة الفكر)) - مع أنها كُرَّاسة بشرحها بديعة، أظهر فيها القُوَّة والإعجاز -
تحتاجُ إلى شرحٍ طويلٍ في مجلّدين مع الإيجاز. إلى غير ذلك مِنَ المصنّفات
المختصرات والمطولات، التي زادت على مائة وخمسين في أنواع العلوم
والتَّفسير والفقه والحديث والأدب، والخصوص والعموم، ولله درُّ القائل
الناقد(٢).
وليس (على الله)(٣) بمستنكَرٍ أن يجعل العالم في واحد
إلى آخر كلامه. وقد حذفته اختصاراً، مع تغيير في بعض ألفاظه.
[ابن التنسي]
ومنهم: قاضي المالكية البدر ابن التَّسي، أحد طلبته ممَّن أخذ(٤) عنه.
فقرأت بخطُه وصفه بالشّيخ الإمام العالم العلامة، أوحد المجتهدين،
العالم رُخلة المحدثين، القائم بالسُّنة النبوية(٥) في العالمين، سيدنا ومولانا
(١) في (ب): ((الرتبة)).
(٢) ((الناقد)) ساقطة من (ب).
(٣) في الأصول: ((وليس لله)).
(٤) في (ح): ((أخذت))، وكلاهما صحيح، فهو ممن أخذ عن ابن حجر وأخذ عنه السخاوي.
(٥) (بالسنة)) ساقطة من (أ).
٣١٠

قاضي القضاة، شيخ الإسلام والمسلمين، الشهابي الكناني العسقلاني
أمتع الله المسلمين بوجوده، وأدام أيامه ولطف به. آمين(١).
[ابن العليف]
ومنهم: الشيخ بدر الدين حسين بن العُليف المكي، كما سيأتي عند
اسمه فيمن امتدح صاحب التَّرجمة مِنْ هذا الباب(٢).
[ابن حسان]
ومنهم: تلميذه العلامة المفئَّن شمس الدين بن حسان المقدسي، نزيل
القاهرة - رحمه الله - وصفه ببُخارِيٍّ زمانه، وحافظ أوانه، شيخ الإسلام
والمسلمين، إلى غير ذلك ممّا يفوق التعيين.
[أبو الفتح المراغي]
ومنهم: الشيخ أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين المراغي.
فوصفه في ديباجة ((مختصره لفتح الباري))، بشيخ الإسلام، خاتمة
حفاظ الأنام، قاضي قضاة المسلمين، عَلَم العلماء العاملين، أبي الفضل
أحمد ابن الشيخ العالم أبي الحسن علي بن محمد العسقلاني. طيب الله
مضجعه، ونوَّر - بفضله - مهجعه. وقال: إنه وضع عليه - يعني على
((البخاري)) - شرحاً واسعاً وبحراً جامعاً، سمَّاه «فتح الباري))، فلخّصتُ مِنْ
مقاصده وفرائده ما يفيدُ الطالب، ويُثلج صدر الراغب.
[موفق الدِّين الإبِّي]
ومنهم الإمام الرُّخلَة موفق الدين أبو الحسن الإبي نزيل مكة،
رحمه الله.
(١) من قوله: ((ومنهم قاضي المالكية)) إلى هنا، لم يرد في (ب)، حين زيدت في هامش (ح).
(٢) وردت هذه الفقرة قبل التي سبقتها في (ط)، وكذا وردت في (ح)، لكن كتب فوق
الفقرة عبارة: ((مؤخر"، وفوق الثانية: ((مقدم)).
٣١١

وصفه في طبقة السَّماع («للنّخبة)»، حيث قرأها عليه بمكة في سنة
خمس عشرة، بالإمام العلامة حافظ العصر.
ووصفه صدر استدعاء تاريخُه سنة ثلاث وعشرين بالشيخ الإمام شيخ
الإسلام فريد عصره ووحيد دهره، الحافظِ الحَبرِ المحقق العلاَّمة المدقق (١)،
مفيد الطالبين، جمال المدرسين، نُخبةِ الوقت ونادرة الوجودِ، شهاب الملَّة
والدَّين، أبي الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة علاء الدين أبي الحسن.
[ابن الضياء]
ومنهم: قاضي الحنفية بمكة العلامة أبو حامد محمد بن أحمد بن
الضياء.
فقرأت بخطّه صدر استدعاءٍ لبني صاحب الترجمة، مؤرّخ بسنةٍ سبع
عشرة وثمانمائة، وصفه بسيدنا ومولانا شيخ الإسلام الإمام العلامة الأوحد
شهاب الدين.
[ابن الهُمام]
ومنهم: العلامة نادرة الوقت الكمال ابن الهُمام الحنفي - رحمه الله -
نقل في ((شرحه على الهداية)) عن صاحب الترجمة في مواضع، منها في
الحج، فقال: وقال غيره ممَّن يُوثَقُ بسعة علمه، وهو قاضي القضاة، شهاب
: الدين العسقلاني. وفي موضع آخر قال: قال شيخنا قاضي القضاة، إلى غير
ذلك.
وأخبرني الشيخ عز الدين السُّنباطي أنه قال له وهو متوجّه لصاحب
الترجمة: سلّم عليه، وقل له: مَنْ أحبَّك، فقد أحب العلم والدين، وشيخ
الإسلام، وأن الكمال كان يقول عنه: ابنُ حجر إمَّا أن يُحَصِّلَ حسناته
بكسبه واكتسابه، أو بلا كسبه ولا اكتسابه. فمن الأول: العلم، ومن الثّاني:
ذکرُ النَّاس له.
(١) في (ب): ((الموفق)).
٣١٢

[زين الدين القلقشندي]
ومنهم: الفاضل العلامة زين الدين عبد الكريم بن القلقشندي
المقدسي .
فقرأت بخطّه صدر أسئلة أرسل بها لصاحب الترجمة ما نصه:
المسؤول مِنْ إنعام سيِّدنا ومولانا قاضي القضاة [شيخ الإسلام، علم
الأعلام، حسنةِ الأيّام، قُدوة الأنام، أمير المؤمنين في حديث النبي عليه
أفضل الصلاة والسلام، وحيدٍ دهرَه، وفريدِ عصره، رأس مال المسلمين،
ومنبع فوائدهم، أيِّد الله الدِّينَ ببقائه، وأدامَ النّفعَ به، ووصل أسبابٍ
الخيرات بسببه .
إلى أن قال: والعبدُ ليس هنالك، ولا أهلاً لذلك، ولكنه تحيَّل وهزّ
جذع النخلة، لعلّ أن تُدني أغصانها إليه، وتُساقط مِنْ يانِع ثمرها عليه، ولا
شكَّ أنَّ أصلها ثابتٌ وفرعُها في السماء بلا مراء. وقدر المملوك كَكَفُّ مِنْ
تُراب، وأين الثُريًّا مِنَ الثَّرى.
ومرة أخرى: المسؤول مِنْ إنعام سيدنا ومولانا، قاضي القضاة](١)،
حافظ العصر، شيخ الإسلام، عَلَم الأعلام، حسنة الأيام، بركةِ الأنام، قُدوةٍ
المسلمين، رأس المحققين، وَارثِ عِلْم الأنبياء والمرسلين. أمتع الله
المسلمين بحياتكم، وأدام التَّفَع بعلومكم وبَركاتكم. يرجو التَّصدَّقَ بالجواب
عَنْ هذه المسائل التي أشكلَت عليه، ولم يجد من يُعَوّلُ في إيضاح ذلك
عليه، سوى التزامي على أعتابكم، والتهجم على أبوابكم، جعلها الله تعالى
ذخيرةً للطالبين [وعمدة للراغبين](٢).
(١) من قوله: ((شيخ الإسلام)) إلى هنا، لم يرد في (ب)، وورد في هامش (ح) بخط
المصنف.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ط).
٣١٣

[أبو البركات الغزِّي]
ومنهم: الرضي أبو البركات محمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد
الغَزِّي الدِّمشقي الشافعي، فإنه ترجمه في كتابه المسمى «بهجة الناظرين إلى
تراجم المتأخرين من الشافعية المعتبرين))، وقال:
شيخنا الإمام العلامة، الحافظ الأستاذ، قاضي القضاة، شهاب الدين،
بقية الأعلام، شيخ المحدثين بالديار المصرية ومؤرخها، وصاحب المصنفات
التي سارت بها الركبان.
إلى أن قال: وتميَّز في الفن وشيخُه موجود، واشتهر صِيتُه، وجلس
إلى جانب شيخه في حال إملائه. قال: لكن غلب عليه فنُّ الحدیث،
فانتهت إليه معرفةُ هذا الشأن، وصار إمام زمانه فيه بعد وفاة شيخه،
وتصدَّى لنفع النَّاسِ، ودرَّسَ وأفتى، ووَلِيَ المناصبَ الكبارَ والتداريسَ بعدَّةِ
أماكن في القاهرة، وتصدَّى للتَّصنيف، فصنَّفَ الكثير، لم يصنّفْ أحدٌ في
زمانه مثله ولا قريباً منه .
ثم قال عن ((فتح الباري)): لم يُصنَّف مثلُه ولا على منواله، وهو
يشهدُ له بالمرتبة العليا في الفنون، وهو إمام الأدباء في زمنه.
قال: وبالجملة، فهو إمامُ زمانه، وحافظ وقته وأوانه، وعنده مِنَ
الذكاء والفطنة، وصفاء القريحة، ما تحيرُ فيه الأبصارُ وكان شَكِلاً حسناً،
مهاباً، ضَوِيَّ الوجه، حليماً، نظيف اللسان، نَكِتّاً، طيِّب الرَّائحة. أبقاه الله
تعالى للمسلمين عموماً، ولمحبِّيه وطلبته خصوصاً.
[ابن ◌ُحيل]
ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن كُحيل التونسي،
قاضي الركب الحجازي المغربي.
لقيته بالقاهرة، فأملى عليَّ ما نصه: وممن تشرَّفتُ بلقائه، وسُررت
بحسن ملاقاته وولائه، شيخ الإسلام، وجمال الليالي والأيام، والنجم
٣١٤

المُشْرِق على المغرب والمَشْرِق، الفذُّ المفرد، العَلَمُ الأعلَمُ، قاضي قضاة
الإسلام، والمرجوع إليه بين الأنام، الحجة الذي يُرحل إليه، والقدوةُ الذي
يرجع إليه، أبو الفضل شهاب الدين، أطال الله حياته، وأهلك عِدَاتَه،
وأنشدته بديهة داعياً له بقولي(١):
رهَنَ السِّباقِ بنشر ((فتح الباري»
قد فُزتُم بين الأنام وحُزتُمو
ويَخوطكم من أعين الأغيارِ
فالله يكلؤكم ويُبقي مَجْدَكم
وحضرنا مجلسه الكريم، أدام الله الأنسَ به، ورحم الخَلْقَ مِنْ سببه،
وسألناه تعلماً، وتفضل علينا بالجواب تكرُّماً. وتمثّلنا بين يديه غير ما مرة،
وشافهنا وسألناه بواجهته العلمية السَّنيَّة في الكلام، والمباحث في أنواع مِنَ
العلوم التفسيريَّة والحديثيَّة والبيانيَّة والفرعيَّة، ما أرجو الله عز وجل أن
حصل به الشّرف والرُّقي.
وكان ممَّا قصده به عبده ومولى تعلُّمه، ومولى إفادته لجنابه العَليِّ،
المِدْحَة والتَّسلية بتقرير جرء قطرة مِنْ بحره التَّيَّار الزَّاخر ما نصه: وساق ما
يأتي في فصل المديح قريباً (٢).
[علم الدين البلقيني]
ومنهم: قاضي القضاة علم الدين أبو البقاء صالح البلقيني.
فقرأتُ بخطه في تفويض لشيخنا بوظيفتي درس الحديث بجامع طولون
والفقه بالصالحية وصف المفوض (٣) إليه بسيدنا ومولانا الشّيخ الإمام العالم
العلامة الحافظ، قاضي القضاة، شهاب الدين، أبي الفضل أحمد، الشهير
بابن حَجَر، نفع الله تعالى بعلومه المسلمين. انتهى.
ووصفه أيضاً - فيما هو عندي بخطه - بحافظ العصر، ونقل عنه في
(١) البيتان في الضوء اللامع ١٣٧/٢ في ترجمة ابن كُحيل.
(٢) ص ٤٢٧ من هذا الجزء.
(٣) في (أ): ((وصفه التفويض)).
٣١٥

(تذكرته)) و(«ترجمة والده)» أشياء، وكان هو المشيرَ عليه بجمع ترجمة أبيه،
رحمهم الله وإيَّانا ..
[تقي الدين ابن فهد]
ومنهم محدث مكة (١)، التَّقي محمد بن فهد الهاشمي - رحمه الله -
فقرأت في آخر ((ذيله على طبقات الحفاظ)» للذهبي لصاحب الترجمة ترجمة
مختصرة، قال فيها:
الإمام العلامة، الحافظ، فريد الوقت، مفخرة الزَّمان، بقيَّةُ الحفّاظ،
علم الأئمَّة الأعلام، عمدة المحقّقين، خاتمة الحفّاظ المبرِّزين، والقضاة
المشهورين، أبو الفضل، شهاب الدين.
إلى أن قال: وكان في حال طلبه مفيداً في زيّ مستفيد، إلى أن انفرد
في الشُّبوبيَّة بين عُلماءِ زمانه بمعرفة فنون الحديث، لا سيَّما رجاله وما
يتعلق بهم، فألف التَّواليفَ المفيدة المليحة الجليلة السائرة، الشاهدة له بكلٌ
فضيلة، الدالّة على غزارة فوائده، والمعربة عَنْ حُسن مقاصده. جمع فيها
فأوعى، وفاق أقرانه جنساً ونوعاً، التي شنّفت بسماعها الأسماع، وانعقد
على كمالها لسان الإجماع، ورُزِقَ فيها الحظّ السامي عن اللمس، وسارت
بها الركبان سَيْرَ الشَّمس.
إلى أن قال: وهو إمامٌ علاَّمة، حافظٌ محقّقٌ، متينُ الدِّيانة، حسنُ
الأخلاق، لطيفُ المحاضرة، حسنُ التّعبير، عديمُ النَّظير، لم تر العيونُ
(١) في (ب): ((ومنهم جماعة بقيد الحياة وقت تاريخه منهم محدث مكة ... )) وكانت هذه.
العبارة موجودة في (ح) ثم حذفت.
وفي هذه النسخة أيضاً عبارة ((نفع الله به)) بدل ((رحمه الله)) وكانت هذه العبارة موجودة.
أيضاً في (ح) ثم شطبت وكتب المصنف فوقها بخطه: ((رحمه الله))، وهذا الاختلاف
بين النسخ ناشىء عن نقل كل واحدة منها عن أصل من أصول المؤلف رحمه الله:
يختلف عن الأصل الآخر أو عن النسخة نفسها، لكن واحدة قبل التعديل والزيادة،،
والأخرى بعد ذلك، فالنسخة (ب) نقلت من أصل قديم، بينما النسخة (أ) نقلت من.
أصل أحدث منه بعد أن غير فيه السخاوي وبدل. وانظر مقدمتنا لهذا الكتاب.
٣١٦

مثلَه، ولا رأى هو مثلَ نفسه. جَدَّ في طلب العلوم، وبلغ الغاية القُصوى
في سرعة الكتابة، والكشف والقراءة.
إلى أن قال: وكان مِمَّن حمل نعشه السُّلطانُ فمنَ دُونَه مِنَ الرُّؤساء
والعلماء، ولم يخلُف بعدَه مثلَه في الحفظ، رحمه الله تعالى رحمةً واسعة،
وغفر له مغفرةً جامعة.
ثم ذكر مرئيَّة الشُّهاب الحجازي له بعد موته، وهي حسنةً، كما ستأتي
مع غيرها في الباب المعقود لذلك، إن شاء الله تعالى.
وقال في كتابه (نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب)): الإمام
العلامة، جَمَالُ الحفّاظ، مفَخر الزمان، وذكر أكثر ما تقدم.
إلى أن قال: وله الخُلُقِ الرَّضيَّ. وسرعة الكتابة، والكشفُ والقراءة.
قرأ (صحيح مسلم)) في نحو يومين ونصف. و((النسائي الكبير)) في عشرة
مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات.
إلى أن قال: وجمع المجاميع، واختصر وانتقى، وانتفع به كثيرٌ مِنَ
الشُّيوخ والأقران. وتخرج به كثيرٌ مِنَ الطلبة، فالله يبقيه في خير وعافية،
ويزيده عُلُوّاً.
[تقي الدين القلقشندي]
ومنهم (١) الشيخ تقي الدين القلقشندي.
فقرأت في تراجم ألفيتها بخطه ما نصه:
(١) هناك اختلاف في ترتيب هذه الفقرة والفقرات التي تليها حتى ص ٣٣١ بين النسخة
(أ) والنسختين (ب، ط)، وكذا وردت في (ح)، إلا أن المصنف كتب بخطه هنا:
يتلوه في مقلوب الورقة التي تلي هذه: ومنهم الشيخ تقي الدين القلقشندي، وكذا
أشار المصنف إلى تغيير أماكن كثيرة مما هو مدون على النسخة المقروءة عليه، وأثبتنا
ما في (أ)، وهي موافقة لما أعاد ترتيبه المصنف في (ح).
٣١٧

قاضي القضاة، شيخ الإسلام، حامل لواء سنة سيد الأنام(١)، حافظ
العصر، علامة الدهر، بليغُ زمانه، واحدُ أوانه، حُجَّةُ الله على العباد، مُذِلُّ
ذوي الباطل والعناد، بقيةُ المجتهدين، محطّ رحالِ القاصدين، عَلَمُ
المسلمين، محيي سُنّة سيد المرسلين، بغية الطالبين، وليُّ اللهِ، شيخنا
وشيخُ شيوخنا، أمتعَنَا الله بطُول حياته، وأعادَ علينا وعلى جميع المسلمين
مِنْ بركاته، ولا أخلى الوجودَ مِنْ وجوده. وأفاض عليه سوابغ إنْعامه.
وجوده، آمين.
ثم قال: وأقسم بالله إنَّ مصرَ لم تُخرج نظيره، ولو شئتُ لقلت: ولا
وَرَدَ، مع علمي بأن الجمَّ الغفيرَ مِنَ الأئمة النُّقَّاد وردوها. انتهى.
وآخر كلامه أخذه عن مفيده تغري برمش الفقيه.
ومنهم الجمال يوسف(٢) ابن الأمير (٣) تغْرِي بَرْدي، أحد المعتنين
بالحوادث. فقرأت بخطي فيما لخصته من «تاريخه)» الذي ذيَّلَ به على
((السلوك)) للمقريزي، ورأيته بخطه، وفي ظنِّي أنني تصرَّفت في التقديم
والتأخير ونحو ذلك:
كان إماماً عالماً، حافظاً، شاعراً، أديباً، مصنّفاً، مليحَ الشَّكل، منوَّرَ
الشّيبةِ، حُلْوَ المحاضرة إلى الغاية والنّهاية، عَذْبَ المذاكرة، مع وقار وأُبَّهةٍ،
وعقل وسكون، وحلم وسياسةٍ، ودُرْبَةٍ بالأحكام، ومداراةٍ للناس. قلَّ أن
يُخاطَبَ أحداً بما يكرّهِ، بل كان يُحسن لمن أساء إليه، ويتجاوزُ عَنْ مَنْ
قَدَرَ عليه، مع الصوم والعبادة والبِرُ والصدقات. وهو أوحدُ مَنْ لقيناه، ولم
يكن فيه ما يُعاب إلا تقريبه لولده مع جهله وسوء سيرته. وما عساه كان
يفعل معه، إذ لم يكن له غيره، والله تعالى يصلحه . :
إلى أن قال: وصُلِّيَ عليه بالمؤمني بحضور السلطان، وكان يوماً.
(١) في (أ): ((سيد المرسلين)).
(٢) في (ب): ((سيدي يوسف)).
(٣) ((الأمير)» ساقطة من (أ).
٣١٨

عظيماً. ويقال: إنه حُزِرَ مَنْ مشى في جنازته بنحو خمسين ألف إنسان،
ولم يخلُف بعده مثله شرقاً ولا غرباً، ولا رأى هو مثل نفسه في الحديث.
قلت: وما قاله في ولده ليس بمرضيٍّ، مع كونه شاركه في كثير مِنْ
أو صافه، واختصَّ كلّ منهما عَنِ الآخر بأشياء، والله تعالى يصلحُنا
أجمعين .
[الشهاب الحجازي]
ومنهم: العلامة شيخ المتأدبين الشهاب الحجازي رحمه الله(١).
فقرأت بخطه في أوَّلٍ ((ديوان)) صاحب الترجمة الكبير، وقد نسخه
بخطه ما صورته :
قال شيخنا الإمام عَلَم العلماء الأعلام، [شيخ الإسلام، حافظ مصر
والشام، لسانُ العرب وحجَّةُ الأدب، الحبر العلامة، والبحرُ الفهَّامة](٢)، ثَقِةُ
المحدثين، آخرُ المجتهدين، سيفُ المناظرين، طرازُ المتأدبين، قاضي
القضاة شهاب الدين، نظم الله به شمل مُحبِیه ونثر رؤوس حاسدیه، وفسحَ
في أجله لمواليه ومُواليه. إنَّه على كلِّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.
[قاسم بن قطلوبغا]
ومنهم: العلامة زين الدين قاسم الحنفي - رحمه الله(٣) - فقرأت بخطه
في صدر أسئلة كتبها يمتحن بها أئمة العصر، بعد وفاة صاحب الترجمة،
وأرسل إليّ بنسخة منها، قال فيها:
وبعد، فالفقير يقول: لما قضى الله سبحانه بانتقال شيخنا العالم
العلامة، الحافظ الفهَّامة، الجامع بين التَّحقيق والحفظ، الآخذ مِنَ العلوم
(١) في (ب): ((نفع الله به)). وكذا في (ح)، وشطبها المصنف، وكتب فوقها ما في المتن.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٣) في (ب، ط): ((دام النفع به))، وكذا كانت في (ح) ثم شطبها المصنف وكتب في
الهامش: ((رحمه الله)).
٣١٩

بحظّ، القويّ الحافظة في الرُّواية، الذّكيّ القريحة في الدّراية، الضابط
لقواعد السند والمتن بالتَّحقيق، العالم بمعاقد الاتصال والانقطاع والتَّعليق.
العارف بأسماء الرّجال وأحوالهم، المطلع على مبدأ أمورهم ومآلهم. شيخ
مشايخ الإسلام إلى دار السلام، أعلى الله درجته في عليين، وجعل له لسان
صدق في الآخرين .
قلت: هذا لعمري حين ذهاب علم الحديث وانقطاع خبره، وزوال
طلبه، وانطماس أثره، فقيل: لا. بل ثمَّ علماء أعلام، وفقهاء حكام.
وخلف تلامذةً ما بين حفاظ مُتَفَّنْئين وعلماء متقنين، فقلت مُصِرًّا على
الدعوى :
حلف الزمانُ ليأتينَّ بمثله حنّثتْ يمينُك يا زمانُ فكفْر
:٠
جيبَ الصَّباحِ وشُقّتِ الأقِلامُ
هلا شققتم مثل ما شقَّ الدُّجا
أو ما النَّجومُ حدادُها الإِظْلامُ
هلاً لبستم للحداد ملابساً
للحزن فيه مع الزَّمانِ دَوامُ
لا تحسبوا حُزناً عليه قد مضى
ثم ذكر أسئلته، أدام الله عليه نعمته.
[أبو ذر الحلبي]
ومنهم: محدث حلب الآن، الموفق العلامة أبو ذر ابن شيخ الإسلام.
البرهان الحلبي، رحمه الله.
فقرأت بخطه كرَّاسةً ترجم فيها صاحب التّرجمة، قال فيها: قاضي
القضاة بالممالك الإسلامية، إمامُ الأئمة، وعالمُ الأمة، الشيخ الإمام العالم
العلامة، الحافظ الناقد الجهيِذ، خاتمة الحُفّاظ، حامِلُ راية الإسناد، من لم
تر عيناي مثله، بل ولا عينُه في فتّه.
إلى أن قال: وكتب، وخرَّج، وحصَّل، وأدَّب، وألّف، واختصر،
وسار ذكرُه في الآفاق، وانتشر أمره. وشرح ((البخاري)) شرحاً عظيماً، لم
٣٢٠