النص المفهرس

صفحات 261-280

الباب الثالث
في ثناء الأئمة عليه

الباب الثالث
في ثناء الأئمة عليه مِنَ الشُّيوخ والأقران، والطَّبة، والشُّبَّان، مقدّماً
منهم في الوفاة الأقدم فالأقدم، وإن وُجِدَ في المتأخّر الزَّمن مَنْ هو
المقدَّمُ، وفيه فصلّ في بيان مراجعة غير واحد مِنْ شيوخه له فيما خفي
على الشيخ الأمرُ فيه واستشكله، ثمَّ بيانُ يسيرٍ ممَّا كان بالهوامش ونحوها
يقيّدُهُ ممَّا خَفِيَ على المصنّفين وشبهِهم تحريرُه وتقييدُه. وألحقتُ بالثناء
من النّظم الذي امتدِحَ به جملةً، وإن كان منحطّ الرتبة بالنّسبة للفصل الذي
قبله .
[ثناء الأئمة عليه]
فأما ثناء الأئمة عليه، فاعلم أنَّ حَصْرَ ذلك لا يُستطاع، وهو في
مجموعه كلمةُ إجماع. لكني أتيتُ بما حضرني مِنْ ذلك الآن على حسب
الإمكان .
[المحب ابن الهائم]
فمنهم: نادرةُ دهره في الذكاء، المحب ابن الهائم - رحمه الله - وهو
أذكى شابٌ رآه صاحبُ التَّرجمة، كما قرأته بخطه، بل قال: إنَّه لم يخلف
مثله في الذّكاء، بل هو أذكى مَنْ رأيتُه مطلقاً. كتب له تقريظاً على بعض
تخاريجه إلى الآن ما رأيتُه، فَيُطلب.
٢٦٣

برهان الدين الأبناسي
ومنهم: العلامة الفقيه الرباني، برهان الدين إبراهيم الأبناسي .
رحمه الله - فقرأت بخطه على ((المائة العشاريات))، تخريج صاحب الترجمة
للبرهان التّنوخي ما صورته:
الحمد لله الذي رفع عَلَمَ العُلَمَاء وشرَّفهم ومن إليهم انتمى، وجعلهم
ورثة الأنبياء، والسادة الأتقياء. فعليهم في الشريعة المعتَمَدُ في حفظ المتون
والسند. فله الحمدُ على ما علَّم، وله الشُّكْرُ بما تفضَّلَ به وأنعم. وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ تمَحِّصُ ما خصص وعمَّم.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً بَّر، أشرف المخلوقات وأعظم. صلى الله
عليه وعلى آله وصحبه وشرِّف وكرّم.
وبعد، فلما كان الاشتغالُ بالعلم الشَّريف مِنْ أعزّ المطالب، وأشرفٍ
المكاسبِ، اعتنى بتحصيله كلُّ لبيبٍ وطالبٍ، وكان ممَّن لاحَظَتْهُ عيونُ
السَّعادة، وسبقت له في الأزل الإرادة، الشيخ الإمام العلامة المحدث المتقن.
المحقّق، الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام العالم صدر.
المدرسين، مفتي المسلمين، أبي الحسن عليّ، الشهير بابن حَجَر، نور الدِّين.
الشافعي، لما عنيت به عناية التّوفيق، ورعاية التحقيق، نظر في العلوم.
الشرعية، فأتقن جلَّها، وحلَّ مشكلها، وكشف قناع معضلها، وصَرَف هِمَّته
العليَّة إلى أشرفها؛ علم الحديث، وهو أفضلُها، فاجتمع على المشايخ الجِلَّة،
وكلُ مُسنِدٍ ورُخلة. فاستفاد منهم وأفاد، وانتقى الأسانيد الجياد. فكان ممن:
أخذ عنه المخرَّج له هذا الجزء اللطيف، وهو الشيخ الإمام العالم العلامة:
صدر المدرسين، مفتي المسلمين، أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن
أحمد بن عبد الواحد الشامي. خرج له مِنْ مروياته وقراءاته ومناولاته.
ووجَاداته وسماعاته، والكتابة إليه وإجازاته، عشاريات لم يُنسج مثلُها على
مِنْوال، ولا ضرب لها ماثلٌ بمثال، وسَمَّها (١) ((بنظم اللآلي بالمائة العوالي)".
(١) في (ب، ط): وسماها، وفي هامش (أ): وسماها ن، وهذا يعني أنها مقابلة على:
نسخة أخرى.
٢٦٤

ولما تصَفَّحتُ هذا التأليف، ونظرت فيه، ألفيتُه غُنيةً للمحدّث
والفقيه. يا له مِنْ تصنيف ما أبدعه، ومِنْ تأليف ما أنفعه. جمع مِنَ
الحديث فنونه، وأتقن ألفاظه ومتونه، دلَّ ذلك على تضلَّع بعلوم زاخرة،
وفوائد جمة متواترة. وأعرب عَنْ كلِّ غريبة ونادرة، لو سمعها أحمدُ وابنُ
معين والمَدِينيُّ وابن سيرين، لقضوا مِنْ ذلك العجب، وسلكوا معه الأدب.
وقالوا بعد إمعان(١) النظر: سبحان مَنْ أعطاكَ يا ابن حجر. زاده الله فضلاً
وعلماً، وذكاءً وحرصاً وفهماً، وصيَّره مِنَ العُلماء العاملين، وحشَرَنا وإيَّاه
في زُمرة سيد المرسلين، محمد خاتم النَّبيين، وَلَّ، وعلى آله وصحبه
أجمعين.
وكتب: أقلّ عبيد الله إبراهيم بن موسى الأبناسي، ومِنْ خطّه نقلت.
[عبد الرحمن بن محمد العلوي]
ومنهم الوجيه عبد الرحمن بن محمد (٢) العلوي، كتب له على
استدعائه :
أجزتُ لسيد الإخوان طُرًّا شهاب الدين ذي الفضل الرفيع
في أبيات(٣):
سراج الدين ابن الملقِّن
ومنهم: العلامة الشهير ذو التصانيف الكثيرة، سراج الدين أبو
حفص ابن الملقّن، تغمّده الله تعالى برحمته.
فقرأت بخطه عَقِبَ طبقةٍ بخطّ صاحب التّرجمة بسماع المجلس الأول
من ((أماليه في المسلسل)) من لفظه في سنة سبع وتسعين وسبعمائة ما نصه:
(١) في (أ): ((معاني))، وفي (ط): ((إمكان)).
(٢) في (ط): ((أحمد)»، خطأ.
(٣) ذكرها المصنف في الضوء اللامع ٤/ ١٥٤.
٢٦٥

صحيحٌ ما رسمه، أدام الله النفع به، ورحم سلفه. انتهى.
وقرأت بخط بعض أئمَّة شيوخنا، وأنه شهد له بالحفظ والمعرفة،
وأرجو أن أظفر بعبارته، فأثبتها هنا، والله المستعان.
[سراج الدين البُلقيني]
ومنهم شيخ الإسلام، أوحد المجتهدين الأعلام، سراج الدين أبو
حفص البُلْقَيني رحمه الله.
فقرأت بخط صاحب الترجمة في ترجمة المذكور من ((معجمه)) (١)
L
نصّه :
وقرأت عليه ((دلائل النُّوَّة)) للبيهقي، وجرت لي معه في حال قراءتها.
نوادر، وذلك أنه كان يستكثر ما يقع لي مِنَ النُّكت الحديثيَّة في المجلس،
ويقول: هذا لا يصدر إلا عن تَبْيِيْتِ مُطَالعَة ومراجعة. فكنت أتنصَّلُ مِنْ
ذلك فلا يقبل، إلى أن أمرني بترك الجزء الذي يُقرأ فيه عنده تلك اللَّيلة،
وكان يعرف أنه لا نسخة لي، [لكوني حال قراءتي عليه، استعنتُ به في
تحصيل نسخة جامع الخَطِيري، فأمر مَن أحضرها، واستحضر نسخة:
المِلكية، وكان مَنْ قَدَر مِنَ الطَّلبة على نسخة مِنَ الكتاب، أحضرها المجلسَ
يسمَعُ فيها، وكنت أنا أقرأ في نسخة الخَطيري، والشيخ ينظُر في نسخة
الملكية. فتركت عنده الجزء تلك الليلة](٢). فلمّا أصبحنا، وشرعت في
القراءة مرَّ إسناذٌ فيه: ((حدثنا تَمْتَام)). فقطع عليَّ القراءة، وقال: مَنْ تَمْتَام
هذا؟ فإنني راجعتُ الأسماء، فلم أجده، وظننتُه تصحيفاً. فقلت له: بل هو
لَقَبٌ، واسمه محمد بن غالب بن حرب، حافظ مشهور. قال: مَنْ ذَكَرِه؟
قلت: الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)»، وله ترجمة عندكم في («الميزان)» للذهبي؛
لأن بعض الناس تكلّم فيه، فسكت الشيخ. وقال له ولده جلال الدين وأنا
(١) ٣٠٥/٢.
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في ((المجمع)).
٢٦٦

أسمع: هذا حافظٌ، فلا تمتحنه بعدها. فأحضرت للشّيخ بعد ختم الكتاب
الجزء الأول مِنْ ((تغليق التعليق))، والتمست منه أن يُفهرِسَ أوَّله ففعل.
قلت: وصورة ما كتب، وقد نقلته مِنْ خطّه، بعد أن شهد له بالحفظ
في المجلس العام:
الجزء الأول مِنْ ((تغليق التعليق))، جمع الشيخ الحافظ، المحدِّث
المتقن المحقق، شهاب الدين أبي الفضل أحمد ابن الفقير إلى الله تعالى،
الفاضل المرحوم نور الدين عليّ، الشهير بابن حجر، نفع الله تعالى به
وبفوائده آمین، انتهى.
ومما يُنَبَّهُ عليه، أنَّ هذه القصة وأمثالها، حضرها جمعٌ مِنَ الفُضلاء
والأئمة، وقد أدركتُ مِمَّن حضرها جماعةً، منهم: العلاَّمة عزّ الدين عبد
السلام المقدسي الشافعي، شيخ الصلاحية، وضَبَطَ مِنَ النَّوادر التي وقعت
شيئاً كثيراً، وخصوصاً هذه الحكاية بعينها. وكذا الشيخ تقي الدين
الحريري، خال صاحبنا القاضي قطب الدين الخيضري، حسبما حكاها إليَّ
القطبُ عنه.
وممَّن حضرها العلامةُ زينُ الدِّينِ عُبادة المالكي المشهور، وقد كتبها
بخطّه، وبعثَ بها إلى صاحب التّرجمة. فلا يُغتَرُّ بما زعمه بعضُ من اتبع
هواه، والله المستعان.
وقد سمعها مِنَ الشيخ عُبادة، الشيخ المسلك المربِّي، مدين
الأشموني(١) المالكي. كما حكى لي عنه صاحبنا الشيخ نور الدين ابن أبي
اليمن المكيّ المالكي.
وقال: إنَّ البلقيني قال له: يا شيخُ شهاب الدين، اقرأ، فقد أقررنا
لك.
[وقريب مما اتَّفق لشيخنا مع البلقيني، ما بلغنا أنَّ الحافظ الذهبي أول
(١) في (ب): ((الأشمومي))، تحريف. وانظر الضوء اللامع ١٠/ ١٥٠.
٢٦٧

ما اجتمع بالتَّقي ابن دقيق العيد، أحب التقيُّ امتحانه بما يُستدل به على
معرفته، فقال له: مَنْ أبو العباسِ الذّهبي [فبادره الذهبي](١) بقوله: هو أبو
طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص، فقال له التقيُّ. أنت حافظ] (٢)
.وقد كان صاحبُ التَّرجمة رأى في المنام - إذ ذاك - أنه دخل مدرسة
الشّيخ وهو يصلي الظّهرِ، فأحسَّ الشيخُ بداخلٍ، فتمادى في الرُّكوع، فأدرك
معه صلاة الظهر، فعبَّرها عليه، فقال له الشيخ: يحصلُ لكِ ظهورٌ كبير.
قال صاحب الترجمة: فقلت له: لأنَّك تأخّرتَ لي حتى أدركتُكَ، فأخذت
عنك وأذنت لي، فأقرَّ ذلك.
قلت: وكان الأمرُ كذلك، حقَّق الله تعبير شيخ الإسلام بالظُّهور العامُ،
جعلهما الله بدارِ السّلام مع السَّادة الكرام.
وقرأت بخط البلقيني أيضاً إذنه له بالفتوى والتَّدريس، وذلك بعد أن
كتب له ولدُه قاضي القضاة جلال الدين البلقيني بذلك، كما سيأتي ما
صورته: أجزتُ له أن يفتي بذلك لطالبيه بالتوجيه الوجيه، فإنه نِعْمَ الفاضل
النبيه .. وكتبه عمرُ البلقينيُّ.
[الحافظ العراقي]
ومنهم شيخ الإسلام حافظ الوقت، الزين أبو الفضل العراقي،
رحمه الله وإيانا، فقرأت بخطه على نسخة بخط الشهاب البوصيري من كتاب
(«لسان الميزان))، لصاحب الترجمة ما صورتُه: كتاب ((لسان الميزان)» تأليف
الحافظ المتقن، الناقد الحُجَّة، شهاب الدين أحمد بن علي الشافعي، الشهير
بابن حجر. نفع الله بفوائده، وأمتع بعوائده. انتهى.
وكان ذلك في حادي عشر (٣) شوال سنة خمس وثمانمائة، قبل أن
يُلْحِقَ فيه مصنّفُه الكثيرَ منَ التَّراجم المستقلة، والتتمات التي تفوق الوصف.
(١) ساقطة من (أ).
(٢) من قوله: ((وقريب مما اتفق)) إلى هنا، لم يرد في (ب).
. (٣) في (ب، ح): ((حادي عشري)).
٢٦٨

وقرأت بخطه أيضاً على الجزء الأول من ((تغليق التعليق)) لصاحب
الترجمة مِنْ نسخة بخط المؤلف، [غير النسخة الشهيرة](١)، قال: إنها
المبيّضة الثانية، رأيت منها جزءاً بمكّة تاريخه سنة أربع وثمانمائة ما نصه:
الجزء الأول من («تغليق التعليق»، تأليف صاحبنا الشّيخ الإمام المحدث
الحافظ المتقن الرَّحَّال أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد، العسقلاني
الأصل، المصري الدار، الشهير بابن حَجَر، نفع الله بعلومه.
وعلى الجزء الثاني مِنَ النُّسخة التي كتب البلقيني على أولها، [وهي
الشهيرة](٢) بخط العراقي أيضاً ما مثاله: الجزء الثاني مِنْ ((تغليق التعليق))،
جمع الشيخ المحدث الحافظ المتقن، المفيد (٣)، المجيد، شهاب الدين أبي
الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي، الشهير بابن حَجَر،
العسقلاني الأصل، المصري الدَّار، نفع الله بعلومه وفوائده.
وقرأت بخطه أيضاً على ((نظم اللآلي بالمائة العوالي))، وهي
العشاريات، التي خرَّجها صاحبُ التَّرجمة لشيخه البرهان الشامي في ابتداء
طلبه لهذا الشأن، ما صورته:
نظرت هذه الأحاديث العُشاريات المائة المخرَّجة عَنِ الشّيوخ العوالي،
أحسن تخريج وأضوأه، مِمَّن أسمع الشيخُ المخرّجة له لَفظاً أو عرضاً، أو
إجازة، أو أنبأه مِنّ الأحاديث الصحاح والحسان والغرائب، التي هي عن
النكارة مبرَّأة، عن الثقات الأثبات وأهل الصّدق والستر والصيانة المجزئة،
غير المثَّهمين والمجروحين والدُّعاة من الغُلاة والمرجئة، وهي تخريج الشيخ
الفقيه المحدث الفاضل، البارع المفيد، المجيد لما أنشأه، شهاب الدين أبي
الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام الأوحد مفتي المسلمين، نور الدين
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٣) ((المفيد)) ساقطة من (ب، ط). قلت: انظر هذه التقاريظ في نماذج الصور الخطية
المرفقة بالجزء الأول من ((تغليق التعليق)).
٢٦٩

أبي الحسن علي، أنزل الله سلفه رفيع الدرجات وبوأه، سلك فيها سبيل
المتقين المخرجين ولا أخطأه، وبيَّن فيها الموافقات والأبدال، والمصافحات
أحسن بيان وأجزأه، ودخل في سلك أهل الحديث، فابتنى بينهم منزلاً
وتبؤَّأه. وظهرت عليه نُضْرَةُ أهلِ الحديث التي تجلُو كلمة الابتداع وصدأه.
ومَنْ يجعل الله له نُوراً، فلن يستطيع أحدٌ أن يطفئه. فشكر الله سعيه،
وصانه وحفظه وكلأه، كتبه عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن ابن
العراقي. ومن خطه نقلت، رحمه الله ورضي عنه.
وقرأت بخطه أيضاً على بعض تصانيفه التي قرأها صاحبُ التَّرجمة
عليه ما نصه:
قرأ عليّ هذا الجزء فيما وقع في ((مسند أحمد)) مِنَ الأحاديث التي
قيل: إنها موضوعة، صاحبه(١) وكاتبُه: الشيخُ المحدِّثُ المفيدُ الحافظُ
المتقنُّ شهابُ الدِّين أبو العباس أحمد بن الإمام نور الدين علي بن حجر
العسقلاني الأصل، فسمعه جماعةٌ في سادس عشر شعبان سنة اثنتين
و ثمانمائة .
وقرأت بخطه أيضاً في آخر ((النُّكت)) التي جمعها على ((علوم الحديث)).
لابن الصلاح المسمّاة ((بالتقييد والإيضاح)). وقد قرأه صاحب الترجمة عليه،.
ما مثاله بعد الخطبة :
ولما كان الشيخُ العالِمُ والكاملُ الفاضلُ، الإمامُ المحدِّثُ، المفيدُ
المجيدُ الحافظ المتقن، الضابط، الثقة المأمون، شهاب الدين أحمد أبو
الفضل ابن الشيخ الإمام العالم الأوحد المرحوم نور الدين علي ابن قطب
الدين محمد، العسقلاني الأصل، المصري، الشهير بابنْ حَجَر، نفع الله به،
وبلَّغه غاية إرَبِهِ ممِّن وفقه الله لطلبه.
إلى أن قال: فجمع الرُّواةَ والشُّيوخ، وميَّز بين النَّاسخ والمنسوخ.
وجمع الموافقات والأبدال. وميَّز بين الثُقات والضعفاء مِنَ الرِّجال، وأفرط
(١) ذهل ناسخ (ط)، فكتب: ((صاحب الترجمة).
٢٧٠

بجِدِّه الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصل في الزَّمن
اليسير على علم غزير. وقرأ عليَّ الألفية المسماة ((بالتبصرة والتذكرة)) مِنْ
نظمي. وقرأ عليَّ جمعَ ((شرحي)) عليها قراءة بحثٍ وتأمُّلٍ ونظرٍ وتعقُّل، في
مجالس آخرها في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ثمان وتسعين
وسبعمائة. وقرأ عليَّ ((النُّكت)) التي ألَّفتها على ((علوم الحديث))، للإمام أبي
عمرو بن الصَّلاح رحمه الله، المسماة ((بالتقييد والإيضاح لما أُطلق وأُغلق
في كتاب ابن الصلاح»، في مجالس، آخرها في جمادى الأولى سنة تسع
وتسعين وسبعمائة، وقرأ عليَّ عدَّة أجزاءٍ مِنَ ((العوالي)». وكتب عني عدة
مجالس من ((الأمالي)) بعضها باستملائه.
إلى أن قال: وأجَزْتُ له أن يروي ذلك عنّي، ويقرىء «الألفية))
و((الشرح)» عليها، و((النُّكت)) المذكورة، ويفيدها لمن أراد، ويقرئ كتبَ
الحديث، وعلومَ الحديث. وأُذِنْتُ له أن يرويّ ذلك، ويلقي بذلك الدُّروس
الحديثيّة، ويروي عنّي جميع مؤلّفاتي ومرويَّاتي.
إلى أن قال: وهو غنيٌّ عن الوصيّة، لرغبته في الخير. زاده الله عِلماً
وفهماً ووقاراً وحِلماً، وسلَّمه حضَراً وسفراً. وجمع له الخيرات زُمَراً.
كتبه عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي. ومن خطه
نقلت .
ولولا أنَّ الأوراق المكتوب فيها حصل لها بَلَلٌ، کأنها كانت في
الكتب التي غرقت - كما تقدم(١) -، لأتيتُ بجميع ما كتب بنصه، ولكنَّ
المقصود مما كتب حاصلٌ، والله الموفق.
وقرأت بخطه أيضاً عقب إذن البُلْقَيْنِي وولده له بالإفتاء والتدريس، ما
مثاله: كذلك أجزتُ له أن يدرُسَ ويشغل ويفتي بما حصَّله ممَّا ذَكَرَهُ، وما
عَلِمَه مِنْ مذهب الشافعي رضي الله عنه، لِمَا اجتمع فيه مِنَ العلم والفهم
والإفادة. وفقه الله الحسنى وزيادة. كتبه عبد الرحيم ابن العراقي.
(١) انظر ص ١٥١ من هذا الجزء.
٢٧١

إلى غير ذلك مما لم أقف على حصره.
وأعلى مِن ذلك كلّه أنَّ القاضي كمال الدين ابن العديم سأله عند موته.
عمَّن بقي بعده من الحفّاظ، فبدأ بصاحب الترجمة، وثنَّى بولده، وثلَّت
بالشيخ نور الدين الهيثمي.
قال صاحب الترجمة رحمه الله: وكان سبب ذلك أكثرية الممارسة،
لأن ولده تشاغل بفنونٍ غيرِ الحديث، والشيخ نور الدين كان يدري منه فتّاً
واحداً. انتهى.
ومراده بقوله: تشاغل بفنون غير الحديث: الإكثار من ذلك، بحيثُ لا
يتميَّزُ اشتغاله بالحديث عليها، فكأنه يشيرُ إلى أنَّه صاحبُ فنون، وصاحب
الترجمة وإن اشتغل بالفنون المشار إليها أيضاً، كان عملُه في فنون الحدیث
أکثر، بحیثُ لا يكون لعمله في غيره شبه منه فيه، فصار صاحب فن،
وحينئذ، فتأتَّى قول إمامنا الشافعي رحمه الله: ما ناظرني صاحبُ فنٌّ إلا
غَلَبني، وما ناظرت صاحب فنونٍ إلا غلبتُه، أو كما قال. هذا إن لم يكن
صدور هذه المقالة من شيخنا على وجه التواضع، جرياً على عادته،
رحمهما الله (١)
ثم سأل الشيخ نور الدين الرشيدي - الذي تلقّي صاحب الترجمة عنه
كما سيأتي تدريس الحديث بالبيبرسية - [العراقيَّ عن سؤال ابن العديم
أيضاً](٢) بعد ذلك، فقال: في الشيخ شهاب الدين ابن حجر كفاية.
قلت: لقد حقَّقَ الله هذه المقالة، وأظهر لأهل عصره منه به الكفالة،
رحمهما الله تعالى ورضي عنهما.
وبلغني عن شيخنا العلامة النحوي أبي العباس الحِنَّاوي، قال: كنت
أكتُب الإملاء عن شيخنا العراقي، فإذا جاء ابن حجر، ارتج المجلس له.
(١) من قوله: ((ومراده بقوله)) إلى هنا، لم يرد في (ب)، وورد في هامش (ح) بخط
المصنف.
(٢) في (ب): «عن ذلك)).
٢٧٢

وعند عرض الإملاء قلَّ أن يخلو من إصلاح يفيده ابن حجر. ومن إجلاله
له أنه كان يُوادعه إذا أراد سفراً، ويهنئه بالسَّلامة إذا قدم.
والتمس صاحبُ الترجمة منه عند مجيئه لموادعته مرة تحديث أُمّ أولاده
وأكبر بناته بالحديث ((المسلسل بالأولية)) ففعل. وعرض عليه حينئذٍ شيخنا
العلامة البرهان ابن خضر ((العمدة)) بإرشاد فقيهه الشيخ شمس الدين السعودي.
وسمعت أن الحافظ الزاهد نور الدين الهيثمي كان مع الشيخ حينئذٍ، وتعجَّبتُ
مِنْ عدم اشتراكه معه في الإسماع والعرض على عادتهما. ويقال: إنه كان مع
دابَّة الشيخ، فإنه مع جلالته، كان كالخادم له رحمهم الله وإيانا.
[تقي الدين الدِّجْوي]
ومنهم: العلامة الحُفَظّة تقي الدين أبو بكر الدُجوي.
قرأت بخطه على بعض تخاريج شيخنا صاحب الترجمة ما صورته:
أما بعد حمد الله الذي اصطفى مَنْ وقَّقه لحفظ السُّنَّة، وسلك بطالبها
طريقاً إلى الجنة، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الذي سنَّ الأحكام،
فأحكم ما سنَّه، وعلى آل محمد وصحبه الذَّابْين عنها بالألسنة والأسنة.
فقد وقفت على هذا التخريج البديع مثالاً، المنيع منالاً، الفائق حسناً
وجمالاً، فلم يدع لقائل مقالاً، إلا أن يقول: (هكذا هكذا وإلا فلا لا).
فلقد أُوتي هذا بسطةً في العلم واللَّسْن، وكيف لا؟ وهو الإمام ابن الإمام
أبو الفضل بن أبي الحسن. لقد بهر ابنُ حجر بفضله العقول والأفكار، كما
فاق حَجَرُه الياقوت بل غيره من الحجّار ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ
اَلْأَنْهَرُ﴾ [البقرة: ٧٤]. فإنه جمع فأوعى، وأوعب جمعاً، وأبدع لفظاً(١)
ومعنى، وجمع إحساناً وحُسْناً. فلو شاهد حسنه الجمالُ المِزْيُّ، لأطنب في
الثناء وأسهب، أو الذهبيُّ، لذهب في الإعجاب كلَّ مذهب، أو ابن عبد
الهادي، لاهتدى به واقتفى أثره، أو ابن كثير، لكاثر ببعضه واستكثره.
فشكراً لهذا الإمام شكراً، فلقد جمّل مصره، وجدد لها في الحفاظ ذكراً.
(١) في (ب): «لطفاً)).
٢٧٣

أوزعه الله شكر ما حمّله، كما زيَّن به عصره ومصرِه وجمَّلَه. وبلْغه في
الدَّارين سُؤْلَه وأمله. وختم بخير عملنا وعمله. إنه بالإجابة جدير، وهو
على كل شيءٍ قدير.
قال ذلك وكتبه الحقير الأذلّ، الفقير إلى عفو ربه عز وجلّ،
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حيدرة بن عمر بن محمد الدُّجوي،
سامحهم الله الكريم بكرمه، وغفر لهم. آمين.
قلت: وكان التقيُّ يذاكر صاحب الترجمة بأشياء كثيرة مِنَ التّاريخ
وغيره، ويعظمه وينوّه بذكره، ويغتبط به كثيراً، ويحضُّه على الاشتغال،
رحمهما الله تعالى وإيانا
[الحافظ الهيثمي]
ومنهم: الحافظ الزاهد الثقة، نور الدين أبو الحسن الهيثمي صاحب
التصانيف الكثيرة الشهيرة، شَهِد لصاحب الترجمة، بالتقدُّم في الفن، واستفاد
منه، وما وقفت على عبارته.
[ابن خلدون]
ومنهم: القاضي وليَّ الدين أبو زيد بن خلدون المالكي، وصفه في
جماعة بالسيادة والعلم والفضل والإجادة، والإبداء في الكمال والإعادة
[الشهاب الحُسباني]
ومنهم: العلامة قاضي الشام الشهاب الحُسباني رحمه الله. فقرأت:
بخطه: الجزء السابع من ((تغليق التعليق))، تأليف الشيخ الإمام العالم البارع
: المحدث الحافظ المفنّن المفيد أبي الفضل أحمد ابن الشيخ نور الدين
علي بن حجر، نفع الله به، وكثّر فوائده بمنه وكرمه. انتهى (١).
(١) نقل المصنف هذه العبارة على نسخته التي نسخها بخطه من ((تغليق التعليق)). انظر
الجزء الأول من الكتاب ص ٢٢٦ - ٢٢٧.
٢٧٤

والشهاب هذا ممَّن شهد فيه البلقيني أنه أحفظُ أهل دمشق للحديث.
ولمَّا اجتمع به صاحبُ الترجمة هناك أكرمه، وأعاره كتبه وأجزاءه التي كان
يضنُّ بها عن غيره. ثم قدِمَ القاهرة بعد الكائنة، فأعطاه صاحبُ التّرجمة
جملةً من الأجزاء مكافأة له، رحمهما الله وإيانا.
[ابن حجي الحسباني]
ومنهم: العلامة محدّث الشام الشهاب ابن حِجّي الحُسباني - رحمه الله
- فقرأت بخطه ما صورته:
الجزء الخامس من ((تغليق التعليق» تأليف الإمام الحافظ المفيد البارع
المتقن(١) ذي الفوائد والفضائل، جمال المحدثين، أوحد المؤلفين، شهاب
الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر العسقلاني
الأصل، المصري، الشافعي، أدام الله النفع به، آمين. انتهى.
والشهاب هذا هو الذي رأى والده في النوم بعد وفاته، فسأله عَنْ
أشياء من جملتها: أيهما أفضلُ: الاشتغال بالفقه أو الحديث؟ فقال:
الحديثُ بكثير.
[ابن درباس]
ومنهم: المحدث الفاضل أبو إسحاق بن درباس. فقرأت بخطه:
حدثنا شيخنا الشيخ الإمام العلامة، شيخ الشيوخ، حافظ عصره ووحيد
دهره .. ومرة أخرى في طبقة سماعاً على ابن الكويك، مؤرخة بمحرم سنة
ثلاث عشرة، بقراءة شيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة، أقضى القضاة، شيخ
الإسلام، أبي الفضل أبقاه الله تعالى للمسلمين.
(١) في الأصول: ((المفنن))، وما أثبتناه من خط المصنف على نسخته من ((تغليق التعليق)).
انظر ٢٢٦/١ - ٢٢٧ من الكتاب.
٢٧٥

[ابن ظهيرة المكي]
ومنهم: العلامة الحافظ جمال الدين أبو حامد بن ظهيرة المكي
رحمه الله، فقرأت بخطه على بعض تخاريج صاحب الترجمة ما نصه : :
وقفت على هذه اللآلي، وتحققت ما اشتملت عليه مِنَ العوالي،
فألفيتها جواهر مكنونة ودرراً مصونة، وذخائر شملت مُخَرِّجها مِنَ الله
المعونة، فعوَّذتُها برب الفلق مِنْ شرِّ حاسد إذا حاسد. وقلت عند نظري
فيها: لا يقدِرُ على هذا التّخريج أحد. فيا لها مِنْ أحاديث صحاح وحسان،
وواهاً عليها مِنْ آثار يقف عن تخريج مثلها كلٍّ إنسان. فلله قوله في
الخطبة: ((وانَّصلت فانقطعت)). وما أحسن قوله بعد ذلك: ((وعلت)). ولله
العجب مِنْ قوله: ما يهز اللبيب على سماعه عطفاً، ويعلم أن مائة صابرة
مِنْ مروياتي تغلب ألفاً. ولا شكَّ أن للكلام ملوكاً، وهذا مِنْ مُلوكه. وأنَّ
هذا مقامٌ تعجزُ قرائحُ أهل هذا الزَّمان عن سلوكه. وتلوتُ حين قضيتُ
العجب مِنْ هذه العلوم: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ .
ولا بِدْعَ، فإن مخرجها فاق الأقران، وسما على أبناء الزمان. تقابلت
فيه الأوصاف حُسناً، وجمع أشتات الفضائل، فنال منها المحل الأسْنَى.
وتضلَّع مِنَ العلوم الشريفة والآداب(١)، وحوى مِنَ المراتب السِنيَّةِ ما يُعلو
على السَّحاب. زاده الله تعالى مِنْ فضله، وجعله وإيَّايَ مِنْ خيرِ أهله. بمِنَّه
و کرمه. آمين .
كتبه محمد بن عبد الله بن ظهيرة القرشي الشافعي المكي، لطف الله
تعالى به. ومِنْ خطُه نقلت.
وكانت مراسلاته ترِدُ على صاحب الترجمة مِنْ مكَّة، لمزيد اختصاصه
به، ووثوقه بمحبّته وصحبته، بحيث إنه أنشد في بعضها، كما قرأته بخط
شيخنا الزّين رضوان المستملي [مؤرخة محرَّم سنة ثلاث عشرة: بقراءة
شيخنا العلامة أقضى القضاة، شيخ الإسلام أبي الفضل أبقاه الله تعالى
(١) في (ب): «في الآداب)) ..
٢٧٦

للمسلمين](١) قول الشيخ أبي إسحاق الشيرازي.
فقالوا: ما إلى هذا سَبيلُ
سألتُ النَّاسَ عن خِلٌّ وفيٍّ
فإنَّ الحرَّ في الدُّنيا قليل(٢)
تمسّكْ إن ظفرت بُودِّ حُرّ
[الفيروزآبادي]
ومنهم العلامة أصمعيُّ زمانه، المجد الفيروزآبادي اللُّغوي. فقرأت
بخطه على ((تغليق التعليق)» لصاحب الترجمة:
مخرج هذه الزهرات من الكمام، ومُعير عقود هذه الكلم نسَق النظام،
ومظهر سلسال زلال الفضائل من أشرف حجَر، ومجرى الجواري(٣)
المنشآت في بحر فضل فيه معتَبرٌ لمن عبر. قد ملك مِنَ الفضل نصاباً،
واطلع في برقع في الحفظ شهاباً، وأظهر لأبلغ الثّناء استئهالاً واستيجاباً،
أتى مِنْ تسلسل أنفاسه بنفسيةٍ، صارت لديباجة المسندات طرازاً، ولطالبي
كنز الحديث مِنَ الحجر المكرَّم مِنْ كلامه ركازاً. جلا بشهاب فضله عَنْ
وجه الإسناد ليلَ كلٌّ مشكلٍ بهيم، واستجلبٍ مِنْ غُرَرِ المسانيد أخبارَ كلٌ
حديثٍ وقديم. أبدى بديعاً شهر في بالإجادة (٤) في الإفادة صيته. ومال إلى
جانب جنابه أخدعُ الفضل وليته، فخُصَّ من الفُضلاء بتنويهٍ ذكر له به
استحقاق، واستحسن اجتهاده في تخريج الأحاديث التي علت على السَّبع
الطباق. سلك في ذلك مسلكاً يُنشر ذكره على ممر الزمان ويؤرخ. وكافور
القرطاس بغالية الأنفاس في معناه يُضمَّخ. فكأن ما زواله من الاختراع، كان
له على حبل الذراع، استمطر له من عَارِضٍ عارضته مدراراً. وأحيا مِنْ
دارس معالم الحديث ما أرانا بعد العشيّة عراراً، معرفاً أبناء جلدته أنَّ وحي
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ط).
(٢) من قوله: ((وكانت مراسلاته)) إلى هنا، لم يرد في (ب) أضافه المصنف بخطه في هامش (ح).
(٣) في الأصول: ((الجواهر))، والمثبت من خط المصنف على منسوخته من ((تغليق
التعلیق».
(٤) في (ب، ط): ((بالإجازة)).
٢٧٧

إبداع الفضائل بعد لم ينقطع، وسلوك طريقة الإعجاز أصلاً ورأساً لم يمتنع.
ولا غَرْوَ، فإنَّه الفاضلُ الذي فضلُه لا يُنكر، وتحريره للفضائل اجتهادُه فيها
قد نطق وأخبَر، وعلِيُّ حِجْر مقامه العالي مِنْ بيت الفضل بحَجَرَ حِجُرِهِ
حجّر، زاده الله فضلاً وتأييداً أبد الأبيد، وجعله مِنْ جِلَّة أئمة تروي ألسُنُ
الرُّواة عَنْ علومهم أعلى الأسانيد، وينابيع مواهب الله بهم تُسقي القريب مِنَ
المستفيدين والبعيد.
قاله وخطَّه الملتجىء إلى حَرَم الله تعالى، محمد بن الفيروزآبادي،
تاب الله عليه. ونقلته من خطه.
وكتب له تصحيحاً على طبقة بخطه ما نصّه:
صحيح ما قاله، واصَلَ الله إلى منازل العِزّ إرقاله. وكتب الملتجىءُ
إلى حَرَم الله محمد الفيروزيآبادي، أصلح الله أحواله.
[حميد الدين التركماني]
ومنهم: المحدث حميد الدين حماد التُّركماني الحنفي، فقرأت بخطه
في آخر الجزء الأول مِنْ ((أطراف مُسند الإمام أحمد)»، تصنيف صاحب
الترجمة ما مثاله :
نجز الجزء الأول من كتاب «إطراف المعتلي بأطراف المسند
الحنبلي))، تأليف شيخنا الإمام العلامة الحافظ الناقد، فريد عصره شهاب
الدين أبي الفضل أحمد ابن شيخنا الإمام العالم البليغ نور الدين أبي
الحسن علي العسقلاني الشافعي، بارك الله في عمره، ليجمع شمل هذا
العلم بعد شتاته، وليحييه بعد مماته. فقد بلغ - بحمد الله - مِنَ البداية.
الغاية والنهاية، وجعله الله في علم السُّنَّة آية. فلو وقف على هذا
التَّصنيف الذي لم يُسْبَقِ إليه، ولا عوّل أحدٌ من الأئمة الحفّاظ عليه،
صاحبُ («المسند» الإمام أحمد، لحمده وشكره. أو القَطِيعيُّ، لقطع في
تحصيله عمره. أو ابن المذهِّب لذهب إليه وسطّره، أو أبو القاسم بن
٢٧٨

الحصين، لراغ عن (١) غيره ونظره، أو راويه حنبل، لعظّم مؤلفه وبجَّل.
أو الموفق ابن قُدامة، لسعى إليه وقبّل أقدامه، أو الحافظ الذهبيَّ لرحل
إليه وحرَّر ((ميزانه)) بين يديه. أو المِزَّيُّ، لاستحلى عذب كلامه، وأعجبه
إنسان نظامه، أو ابن رافع، لرفع لهذا الإمام لواء الأعلام، وعلم أنَّه من
الملوك الأعلام. فالله يُبقيه ليجدْدَ ما عفا مِنْ هذا الفنِّ بعد دُروسه،
وليمتّعَ أهلَ العلم بما يبديه مِنْ فوائده ودُروسه، ويحلّه إن شاء الله بفضله
ومنّه(٢) دار الأمان. ويشهد له بما علَّمه وعمله «لسان الميزان)» إن شاء الله
تعالى، آمين، آمين.
[عز الدين ابن جماعة]
ومنهم: العلامة الفريد عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة
رحمه الله، شهد لصاحب الترجمة بالتقدم كما تقدم في الباب الثَّاني(٣).
[كمال الدين الشِّمُنِّي]
ومنهم: العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن حسن الشّمُنِّي،
فقرأت في خطبة ((شرحه للنّخبة)) تصنيف صاحب الترجمة الذي سماه ((نتيجة
النظر في نخبة الفكر)) وانتهى في رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة قبل وضع
المصنّف شرحه عليها ما نصه:
فإنَّ الكتاب المسمى ((بنخبة(٤) الفكر في مصطلح أهل الأثر)) من
مصنفات الشيخ الإمام مفتي الأنام، مالك ناصية العلوم وفارس ميدانها،
وحائز قصب السبق في حَلْبة رهانها، الوارد من فنون المعارف أنهاراً صافية،
اللابس مِنْ محاسن الأعمال ثياباً ضافية، حافظ السُّنَّة من التحريف والتِّبديل،
(١) في (أ): ((من)).
(٢) في (أ): ((بمنه وكرمه)).
(٣) ص ١٣٨.
(٤) في (ط): ((نتيجة))، تحريف.
٢٧٩

المرجوع إليه في عِلْمَي التَّجريح والتعديل، وحيد دهره في الحفظ والإتقان.
فريد عصره في النَّباهة والعرفان، فيلسوف علل الأخبار وطبيبها، إمام طائفة
الحديث وخطيبها، المقدَّم في معرفة الصحيح والسقيم مِنَ الخبر، أبي
الفضل شهاب الدين ابن حجر. حرس الله هذا الشِّهاب كما حرس به سماء
السُّنَّة، وبؤَّأه أبهى المنازل مِنْ غُرف الجنة، وجعل سعيه في العلم مشكوراً،
وجزاه بما صنف فيه جزاءً موفوراً. قد رتبه ترتيباً بديعاً، وسلك في تهذيبه
مسلكاً منيعاً، فهو - وإنْ صَغُرَ حجمُه - كُنَيفٌ مُلىء علماً، غير أن ألفاظه
ضاقت بمعانيه صدراً، وعلت عبارته عَنْ فهم المبتدئين قدراً، لأنه:
يُشير إلى غُرِّ المعاني بلفظه كحِبُ إلى المُشتاق باللَّحظ يرمِزُ
لا جرم أن المشتغل به يحتاج إلى فكّ رمزه، ورفع المانع عن
الوصول إلى جواهر كنزه. ولم يكن عليه شرح يستعين به الطالب، ويتوصل
به إلى نيل ما فيه مِنَ المطالب. فلذلك ندبني الإمام المصنّفُ لشرحه، وجل
مُقفل لفظه وفتحه. فانتدبت له مستعيناً بالله سبحانه وتعالى على ذلك،
وسلكت(١) في شرح معانيه، وحلّ تركيب مبانيه، أقرب المسالك. وأنا
أسأل مِنْ فضله أن يلحظه بعين رضاه، وإن لم يكن موافقاً سنن هواه، فإن
بضاعتي في العلم مُزْجاةٍ، والاعتراف عند الكرامِ مِنَ اللَّوم منجاة. وأرغب
إلى كلٌ فاضل يقف على هذا التصنيف أن يُصلِحَ ما وجد فيه مِنْ خَلَل أو
تحريف، فإن التعاون على البرّ والتقوى مطلوبٌ. والمجتهد إذا أخطأ له
نصيبٌ من الأجر مكتوب. والله أسأل أن ينفع به حالاً ومآلاً. ولا يجعل ما
علَّمنا مِنَ العلم علينا وَبَالاً، فإنَّه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
ورأيت بخطه «فهرست النَّخْبَة»، وصف مؤلفها بسيدنا وشيخنا، الشيخ
الإمام العالم العلامة، شيخ المحدثين، أوحد الحفّاظ، رُخلة الطالبين. وقال
في موضع آخر منها: عمدة المحدِّثين.
(١) في (أ): ((وسلك))، خطأ.
٢٨٠