النص المفهرس

صفحات 61-80

وأما الأبواب:
فالأول: في ذكر نسبه ونسبته ومولده وبلدته، وبشارة أبيه به وشهرته،
وفيه نبذة من تراجم مَنْ وقفتُ عليه مِنْ أسلافه وإخوته.
والثاني: في صفة مبدأ أمره ونشأته، وذكر طلبه للعلم ورحلته، وتعيين
من أخذ عنه دراية، وكذا جملةٌ مِنْ شيوخ الرواية، وبيان الأماكن التي كتب
بها الحديث أو العلم مِنَ البلاد والقرى، ليُعلم أنه ((عند الصباح يحمّدُ القومُ
الشُّرى)). وختمته بأسماء من عنهم تحمَّل غير مطيلٍ بتراجمهم، اكتفاءً
((بمُعْجمه))، فعليه المُعَوّل، معقباً ذلك بأوراق مهمَّة من أسانيده بالكتب،
ونحوه، مما هو متداولٌ بين الأئمة. وإن كان هو في ((فهرسته)» قد
استوفاها؛ لأن الهممَ لقصورها ترتاحُ للطريقة التي سلكناها.
والثالث: في ثناء الأئمة عليه من الشيوخ والأقران، والطلبة والشُبَّان،
مقدماً منهم الأقدم فالأقدم، وإن وُجِدَ في المتأخر الزمن مَنْ هو المقدَّمُ،
وفيه فصلٌ في بيان مراجعة غير واحدٍ مِنْ شيوخه له، فيما خفي على الشيخ
الأمر فيه واستشكله، ثم بيانُ يسيرٍ مما كان بالهوامش ونحوها يُقيِّده، مما
خفي على المصنّفين وشِبههم تحريره وتقييده، وألحقتُ بالثناء مِنَ النظم
الذي امتُدِح به جملةً، وإن كان مُنحَطْ الرتبة بالنسبة للفصل الذي قلبه.
۔۔
والرابع: في تدريسه وإملائه، ووظائفه السَّنِيَّة، الدَّالَّة على عُلوّه
وارتقائه، وذكر شيء مما اتفق في ولاياته، وما لم يرتضه مما عُرِضَ عليه
من المناصب لوفور كمالاته، والإشارة لمحنته، المقتضية في الدارين لشرف
مرتبته، وذكر مَنْ رافقه في القضاء من سائر المذاهب، وجماعة من أعيان
نوابه البالغين سَنِيَّ المراتب.
والخامس: في سرد تصانيفه مع الترتيب المعتبر، وبيان مَنْ علمتُه مِمَّن
رغِبَ في تحصيلها مِنْ أئمة النقل والنظر، والتنبيه على شهرتها في قديم
الأزمان، وتهادي الملوك بها من أقاصي البلدان، وألحقتُ به فصلاً فيما
وقفت عليه من تصانيف غيره بخطه الفائق في إتقانه وضبطه.
والسادس: في سياق شيء من بليغ كلامه نظماً ونثراً، واشتمل هذا
٦١

الباب على فصول يفوقُ سردُها خُبْراً وخَبَراً، ومنها - وهو آخرها - فيه إشارة
إلى بعض مِنْ فتاويه التي لا يمكن الإحاطة بجميعها، وشِرْذِمة مِنْ كلامه في
العلوم بتنويعها، وبعض مسائل من اختياراته، وتحقيقاته وإشاراته.
والسابع: في أحواله وشمائله الناطقة بتفرده في خصائله، وشيء من
وصفه الأسنى، ومناقبه الحُسنى ..
والثامن: في سرد جماعة ممن أخذ عنه دراية أو رواية.
والتاسع: في ذکر مرضه ووفاته، وما يلتحقُ بذلك من غسله وتكفينه،
والصلاة عليه، ووصيته قبل مماته، وشيء مِنْ أحوال بنيه وبناته، وكذا
أحوال زوجاته وسراريه وخدمه ومواليه.
والعاشر: فيما علمته من المرائي فيه، وإن كان الكثير منها ممَّا (١) لا
أرتضيه، بالنسبة لعليَّ مقامه، وبديع كلامه، لكنه من لم يجد الماء تيمِّم،
ومن رأى خللاً أو نقصاً وله لسان في التكميل تمَّم.
وأما الخاتمة: ففي سرد مَنْ علمته الآن أفرد لنبيْنا مَّ سيرةً، وكذا من
أفرد لشيخه أو إمامه أو نفسه ونحو ذلك، ترجمة بالتأليف.
ووسمت(٢) هذا الكتاب بـ:
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر
والله المستعان وعليه الثُّكلان، وأسأله من فضله أن يعفو عنَّا بكرمه
وطَوْله(٣)، فهو سبحانه ذو الجُودِ العميم، والفضل الجسيم، حسبي الله لا
إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
(١) ((مما)) ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): ((وسميت)).
(٣) في (ح): ((وقوله)) تحريف.
٦٢

المقَدّمَة
في التعريف
بشيخ الإسلام والمحدث والحافظ
٦٣

المقَدّمَة
[شيخ الإسلام]
أما شيخ الإسلام: فهو يطلق - على ما استقرىء من صنيع المعتبرين -
على المتبع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله وهو، مع المعرفة بقواعد العلم
والتبخّر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتَّمكّن من تخريج الحوادث على
النصوص، ومعرفة المعقول والمنقول على الوضع المرضيِّ، وربما وُصِفَ به
مَنْ بلغ درجة الولاية، وتبرك الناس به حياً وميتاً، وكذا(١) مَنْ سلك في
الإسلام طريقة أهله، وسَلِمَ من شِرَةِ الشباب، وجهله، وكذا من صار هو
العُدَّةَ والمفزع إليه في كل شدَّة، كما هو مراد العامة، وقد يوصف به من
(١) في هامش (ب) ما نصه: فائدة: فيمن يقال له أمير المؤمنين في الحديث. قال الحافظ
أبو علي الحسن بن محمد البكري في كتاب ((التبيين لذكر من يسمى بأمير المؤمنين)»
قال: فأول من تسمَّى بهذا الاسم - فيما أعلمه وشاهدته ورويته، وسُمّي بالإمام في
أول الإسلام - أبو الزّناد عبد الله بن ذكوان، وبعده إمام دار الهجرة مالك بن أنس،
ثم بعدهما محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري،
والبخاري، والواقدي، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والدارقطني،
وأبو إسحاق الشيرازي أمير فيما بين الفقهاء.
وأغفل محمد بن علي الذهلي، وأبا نُعَيم الفضل بن دُكَيْن، وهشام بن عبد الله
الدستوائي، وحماد بن سلمة.
وذكر الذهبي في ترجمة عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عثمان بن عيسى، قال:
يصلح الدراوردي أن يكون أمير المؤمنين في الحديث. وقال بعض مشايخي: ومسلم
جدير أن يلقب بذلك، ولم أرهم نصُّوا عليه. انتهى ملخّصاً من ((النبراس)).
٦٥

شاب في الإسلام، وانفرد عن أقرانه بطول العمر، ودخل في عداد ((من
شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً)).
ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين: الصديق
والفاروق رضي الله عنهما، الوارد وصفهما بذلك عن علي رضي الله عنه
فيما ذكره المحب الطبري في ((الرياض النضرة)) له بلا إسناد، عن أنس
رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه،
فقال: يا أمير المؤمنين، سمعتك آنفاً تقول على المنبر: اللهم أصلحني بما
أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه
وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، إماما الهدى وشيخا.
الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله وَّ ر. من اقتدى بهما
عُصم (١)، ومن اتبع آثارهما هُدي إلى صراط مستقيم، مَنْ تمسَّك بهما، فهو
من حزب الله، وحزبُ الله هم المفلحون.
وقال الذهبي في ((الكاشف)) عن ابن المبارك: وناهيك به شيخ
الإسلام، وشيخُ الإسلام(٢) إنما هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي
ثبّت الزكاة، وقاتل أهل الردّة فاعرفه. انتهى.
[من اشتهر بلقب شيخ الإسلام]
واشتهر بها أبو إسماعيل الهروي، واسمه عبد الله بن محمد
الأنصاري، صاحب كتاب ((منازل السائرين)) و((ذمُ الكلام))، وكان حنبلياً،
وأبو علي حسان بن سعيد المنيعي الشافعي، وأبو الحسن علي الهكّاري،
قال ابن السمعاني: كان يقال له: شيخ الإسلام، وكان شافعياً أيضاً.
وكذا لُقِّب بها مِنَ الحنفية: أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن
الخليل السّجزي، المتوفى بعد السبعين وثلثمائة، وأبو القاسم يونس بن
(١) في (أ): عَظُمَ.
(٢) عبارة ((وشيخ الإسلام)) ساقطة من (ط).
٦٦

طاهر بن محمد بن يونس البصري، ذكره ابن مَنْدَه، ومات سنة إحدى عشرة
وأربعمائة، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السَّعدي،
المتوفى في سنة إحدى وستين وأربعمائة، وربما لُقِّبَ ركن الإسلام أيضاً،
وأبو نصر أحمد بن محمد بن صاعد الصاعدي، قال فيه الذهبي: أحدُ مَنْ
يُقال له: شيخ الإسلام، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وعلي بن
محمد(١) بن إسماعيل بن علي الإسبيجابي، مات سنة خمس وثلاثين
وخمسمائة، وتلميذه صاحب ((الهداية)) برهان الدين علي بن أبي بكر بن
عبد الجليل الفَرْغاني مات في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومحمد بن
محمد بن محمد الحُلْمِي، والعماد مسعود بن شيبة بن الحُسين السندي،
وأبو سعد المطهّر بن سليمان الزَّنْجانِي، وسديد بن محمد الحنَّاطي.
واشتهر بها الأستاذ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد
الصابوني الشافعي، [لقّبه بها ابن السمعاني في ((الذَّيل))](٢)، وتاج الدين ابن
الفِزْكاح وهو شافعي. ووصف بها ابنُ دقيق العيد شيخَه ابنَ عبد السلام،
فقال: هو شيخ الإسلام. وأبو الفرج بن أبي(٣) عمر، وهو حنبلي، أول مَنْ
ولي قضاء الحنابلة، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.
ولم يكن أبو الحجاج المِزْي يثبتها في عصره لغير ابن تيمية، وابن
أبي عمر، والتقيُّ السبكيِّ، وتزايد ظهورها في أيامه وأيام بنيه، خصوصاً
بالشام.
ثمَّ لقْب(٤) السراج البلقيني بها، وكان - كما قرأته بخط ابن عمار - مقصوراً
عليه، قال: فلما توفي، بلغني أن ولده ألبسه السلطانُ تشريفاً؛ ليكون
(١) في (ب، ط): ((أحمد)»، خطأ. وانظر ((تاج التراجم)) لابن قطلوبغا ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٣) ((أبي) ساقطة من (أ). وهو شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن
أحمد بن قدامة المقدسي، توفي سنة ٥٨٢هـ. انظر ((المقصد الأرشد في ذكر
أصحاب الإمام أحمد» لابن مفلح ١٠٧/٢ - ١٠٩.
(٤) في (ب): لقّبه، خطأ.
٦٧

متصدِّياً للفتوى مكان أبيه - فيما يظهر - خلافاً لكثير من الغوغاء، حيث
صرَّحوا بأن السلطان ألبسه تشريفاً بمشيخة الإسلام، وارتاح هو لذلك،
بحيث كان مَنْ قدَّم له فُتياً أو نحوها، ولم يلقّبه بها، يمتنع غالباً من إجابته
مع زجره وإهانته، إن لم يكن ذا وجاهة بجاه أو غيره.
قلت: ونحوه أن شيخنا صاحب الترجمة أرسل له سؤالاً، افتتحه
بقوله: ما يقول الفقهاء؟ فأرسل إليه نقيبه القزويني، فقال: يقول لكم
القاضي: أيُّ فرقٍ بين وصفِ المفتي وبين فقيه الكُتَّاب؟ فأجابه بقوله: كنت
مستعجلاً.
وابتُذِلتْ هذه اللفظة، فوصف بها على رأس المائة الثامنة، وما بعد
ذلك مَنْ لا يُحصى كثرةً، حتى صارت لقباً لكلِّ مَنْ وليَ القضاء الأكبر، .
ولو كان عارياً عن العلم والسنّ، وغيرهما، بل صار جَهَلَةُ الموقّعين وغيرهم.
يجمعون جُلَّ الأوصاف التي لا توجد الآن متفرقةً في سائر الناس للشخص
الواحد، والعجب ممن يُقِرُّهم على ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون !.
وقد كان صاحب الترجمة رحمه الله جديراً بوصفه بهذه اللفظة،
لوجدان أكثر المعاني التي سقناها فيه، وعند إطلاقها من المعتبرين في زمنه
لا يُراد بها، ولا يُفهم منها غيره، ولو لم يكن إلا أنه قد انتهت إليه مشيخة
الإسلام في الحديث النبوي من غير مدافعة. وقد وصف الإمام المنجل
أحمد بن حنبل - وناهيك بورعه وتحرِّيه - أبا الوليد الطيالسي، وأحمد بن
يونس بمشيخة الإسلام، ولم يكن لهما سوى فن الحديث، ولم تنحصر
مشيخته في واحد منهما، رحمهم الله وإيانا.
[تعريف المحدِّث]
وأما المحدث: فهو العارفُ بشيوخ بلده وغيرها، والضَّابطُ لمواليدهم،
ووفياتهم ومراتبهم في العلوم. وما لهم من المرويّات على اختلاف أنواعها،
والمميِّزُ لعالي ذلك من نازله والمقتدرُ على تلخيص ما يقف عليه من الطباق
والأسانيد، مُحرَّراً، واستخراج الخطوط ولو تنوعت، والانتقاء على الشيوخ
٦٨

والتخريج لهم ولنفسه، مع التنبيه على البَدَل والموافقة، والمصافحة
والمساواة، ونحو ذلك، وضبط أسماء السامعين ولو كانوا ألفاً، والممارسُ
لأسماء الرجال، لا سيما المشتبهة، وأخذ ضبطها عن أئمة الفن. والضابط
الغريب ألفاظ الحديث، أو جُلُّها؛ خشية التصحيف، والعارفُ بطرفٍ مِنَ
العربية يأمَنُ معه مِنَ اللَّحن غالباً، والماهرُ باصطلاح أهله، بحيث يصلُحُ
لتدريسه وإفادته ويُراعي اصطلاحهم في ذلك ونحوه.
وقد يطلق على مَنْ لم يجتمع له ذلك مُحدِّث، لكن أكثر عملهم على
هذا.
[آداب المحدث]
وله آداب دوَّنها أثمتنا، وأجل مصنّف في ذلك، كتاب ((الجامع
لأخلاق الراوي وآداب السامع)» للخطيب. قرأته.
وسمعتُ صاحب الترجمة يقول : - والظاهر أنه حكاه عن غيره -
ويكون(١) سريع الكتابة، والقراءة، والأكل، والمشي، انتهى.
وللحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس رحمه الله كلام في تعريفه، حيث
قال: المحدِّث في عصرنا هو مَن اشتغل بالحديث رواية وكتابة، وجمع
رواة، واطلع على كثير من الرواة. والروايات في عصره، وتبصّر بذلك،
حتى عُرف خطَّه، واشتهر فيه ضبطُه.
وهذا أسهل مما قاله العلامة القاضي تاج الدين أبو نصر(٢) السبكي في
كتابه ((مُعيد النّعَمِ ومُبيد النقم))(٣)، كما أخبرني الإمام خاتمة المُسندين العز
أبو محمد القاضي عنه، قال: المحدث مَنْ عرف الأسانيد والعلل، وأسماء
الرجال، والعالي والنازلَ، وحفظ - مع ذلك - جملةً مستكثرة من المتون،
(١) في (أ): ويكونه
(٢) في (ط): أبو بكر، خطأ. وهو تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي
السبكي. توفي سنة ٧٧١هـ. الدرر الكامنة لابن حجر ٤٢٥/٢ - ٤٢٨.
(٣) ص ٨٢ - ٨٣.
٦٩

وسمع الكتب الستة، و((مسند الإمام أحمد بن حنبل))، و((سنن البيهقي»،
و((معجم الطبراني))، وضمَّ إلى هذا القدر ألفَ جزء من الأجزاء الحديثية،
هذا أقل درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه، وكتبَ الطباق، ودار على الشيوخ،
وتكلّم في العلل والوفيات والأسانيد، كان في أول درجات المحدّثين، ثم
يزيد الله تعالى من شاء ما شاء.
ويقرب منه قولُ العلامة مُغَلْطَاي: الذي يطلق عليه اسم المحدث في
عُرف المحدثين أن يكون كتب وقرأ وسمع ووعى، ورحل إلى المدائن:
والقرى، وحصّل أصولاً، وعلّق فروعاً من كتب المسانيد والعلل والتواريخ
التي تقرب من ألف تصنيف. انتهى.
والمقتصر على السماع لا يسمى محدثاً. قال الإمام تاج الدين ابن
يونسٍ في ((شرح التعجيز)): إذا أوصي للمحدث تناول مِنْ علم طرق إثبات
الحديث، وعدالة رجاله؛ لأن من اقتصر على السماع فقط ليس بعالم.
ويشهد له قول الرافعي، تبعاً للأصحاب فيما إذا أوصى للعلماء: إنه لا
يدخل فيها الذين يسمعون الحديث، ولا عِلْمَ لهم بطرقه، ولا بأشياء مِنَ:
الرواة والمتون، فإن السماع المجرد ليس بعلم.
ونحوه قول السبكي: لا يدخل في الحديث مَنِ اقتصر على السماع
المجرّد، وكذا قال بعض المتأخرين: المحدث عند الفقهاء لا يطلق إلا على:
من حفظ متون الحديث، وعلم عدالة رجاله، وجرحها فقط. والمقتصر على
السماع خارج عن هذين.
وقال الفارقي: لا يصرف لمن عرف طرق الحديث ولم يعرف
أحكامه، لأنه لا يصير من علماء الشرع بذلك القدر، وتابعه تلميذه ابن أبي
عضرُون في ((الانتصار)). وتوقف صاحب الترجمة في ذلك، فإنه قال: هذه
مكابرة، لأن القسمة رباعية، وأرفع الأربعة من له السَّماعُ الكثير، والعلم
بالطرق والعلل.
قلت: ولعل الأولين إنما منعوا تسميته بذلك حقيقةً؛ لأنه مُسند، ومن
عداهم أراد المجاز.
٧٠

ثمَّ، ما المراد بطرق الحديث؟ فقال في ((الذخائر)): هو معرفة ما
تضمنته الأحاديثُ مِنَ الأحكام مع معرفة رواته، وهذا مخالف
لاصطلاحهم، فإنهم إنما يريدون بالطرق تعداد الأسانيد والوجوه للحديث
الواحد .
وقال صاحب ((الوافي)): المراد بطرقه: معرفة (١) الصحيح والضعيف
والغريب، ومعرفة أسماء الرجال، وعدالتهم وجرحهم، وتعرُّف معانيه،
فيكون حينئذٍ عالماً، وألا يكون كقارىء القرآن، وليس ذلك بعلم، بل هو
نقل، وإلى آخر كلامه يُرشد قول الماوردي في الوقف: إنه لا يُضْرَفُ
للقراء، وأصحاب الحديث، لأن العلم ما تُصرّفَ في معانيه دون ما كان
محفوظاً للتلاوة.
وعليه يُحمل ما رويناه عن الحافظ السِّلفي، قال: استفتيت شيخنا
الإمام أبا الحسن الطبري - عرف بالكِيًا - عن رجل وصَّى بثلث ماله للعلماء
والفقهاء، هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية؟ فقال: نعم كيف لا،
وقد قال النبيُّ وَّه: ((مَنْ حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله
يوم القيامة فقيهاً عالماً»؟.
قلت: ويُروى عن مالك: أن المقتصر على السماع لا يُؤخذ عنه
العلم، وعبارته فيما نقله القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) نقلاً عن
عيسى بن أبان عنه: لا يؤخذ العلم عن أربعة، فذكرهم، وقال: ولا عن
مَنْ لا يعرِفُ هذا الشأن، وفسَّر القاضي مراده بما إذا لم يكن ممن يعرف
الرجال مِنَ الرواة، ولا يعرف هل زِيدَ في الحديث شيءٌ أو نُقص، لكن
العمل على خلاف هذا، والاعتماد في هذه الأعصار - غالباً - على القارىء،
ولذلك أقول بامتناع قراءة كثيرٍ مِنَ الطلبة الذين لا ممارسة لهم بالمتون ولا
الأسانيد، بل ولا معرفة لهم بشيء - في الجملة - أصلاً على من لا تمييزَ
عنده مِنَ المُسنِدين، ولا أقلَّ من أن يصحح حديثه أولاً.
(١) ((معرفة)) ساقطة من (أ).
٧١

[وصية الذهبي للمحدثين]
ولله در الحافظ أبي (١) عبد الله الذهبي حيث قال فيما قرأته بخطه في
حقِّ هؤلاء، وإن بالغ، لكنه والله معذور -: المحدثون، فغالبهم لا يفقهون
ولا هِمَّةَ لهم في معرفة الحديث ولا في التديُّن به، بل الصحيح والموضوع
عندهم نسبةٌ، إنما همَّتُهم في السماع على جَهَلة الشيوخ، وتكثير العدد من
الأجزاء والرواة، لا يتأدبون بآداب الحديث، ولا يستفيقون مِنْ سكرة.
السماع، الآن يَسْمَعُ الجزء ونفسه تُحدّثه متى يرويه، أبعْدَ خمسين سنة؟
ويحك! ما أطول أملك! وما أسوأ عملك، معذورٌ سفيان الثوري إذ يقول:
فيما رواه أحمد بن يوسف التغلبي: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حمّاد بن
زيد، قال: قال سفيان الثوريُّ: لو كان الحديث خيراً، لذهب كما ذهب
الخير. صدق والله، وأيُّ خيرٍ في حديث مخلوط صحيحه بواهيه، وأنت لا
تَفْليه ولا تبحث عن ناقليه، ولا تدينُ الله به. أمَّا اليوم في زماننا، فما يفيد
المحدّثَ الطلبُ والسماعُ مقصود الحديث أبداً من التدين به، بل فائدة:
السماع ليُروى، فهذا والله لغير الله.
خطابي معك يا محدّثُ، لا مع مَنْ يسمع ولا يعقل، ولا يحافظ على
الصلاة، ولا يجتنب الفواحش، ولا قَرْشَ الحشائش، ولا يُحسِنَ أن
يَصْدُقَ: فيا هذا، لا تكن مُجرماً مثلي، فإنا نَحْسٌ أبغضُ المناحيس، فطالب
الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ أولاً ((الجمع بين الصحيحين»، و((أحكام
عبد الحق))، و((الضياء))، ويُدمن النظر فيهم، ويكثر من تحصيل تواليف
البيهقي، فإنها نافعة، ولا أقل من تحصيل مختصر (٢) ((كالإلمام))، ودرسه.
فأيش السماع على جَهَلَةِ الشيوخ الذين ينامون والصبيانُ يلعبون، والشبيبةُ
يتحدثون، ویمزحون، وكثيرٌ منهم ينعسون ويكابرون، والقارىء يُصَحّف،
وإتقانه في تكثير(٣) - أو كما قال - والرضع يتضاغون. بالله خلَّونا، فقد بقينا
(١) في (أ): (أبو))، خطأ.
(٢) في (ب): ((من أن يحصل مختصراً)).
(٣) في (أ): ((في كثير))، والعبارة غير واضحة، ولذا قال المصنف: أو كما قال.
٧٢

ضُحكةً لأُولي المعقولات، يَطنُزُون بنا، ويقولون: أهؤلاء هم أهل الحديث؟
وقال في موضع آخر - وقد نقل عن سفيان الثوري أنه قال: ليس
طلب الحديث من عُدّة الموت، ولكنه علة يتشاغل به الرجال - ما نصه:
لقد صدق فيما قال؛ لأن طلب الحديث شيء غير الحديث، وطلب الحديث
اسمٌ عُرفي الأمور زائدة على تحصيل ماهيّة الحديث، وكثير منها مراقٍ إلى
العلم، وأكثرها أمور يشغف بها المحدث، من تحصيل النُسخ المليحة،
وتطلب الإسناد العالي، وتكثير الشيوخ. والفرح بالألقاب، وتمنّي العمر
الطويل ليروي(١)، وحب الانفراد، إلى أمورٍ عديدةٍ لازمةٍ للأغراض
النفسانية، لا للأعمال الربّانية، فإذا كان طلبك للحديث النبويِّ محفوفاً بهذه
الآفات، فمتى خلاصُك فيها إلى الإخلاص؟ وإذا كان علم الآثار مدخولاً،
فما ظنُّك بعلوم الأوائل التي تَنْكُب الإيمان، وتورث الشكوك التي لم تكن -
والله - في عصر الصحابة والتابعين؟ بل كانت علومهم القرآن والحديث
والفقه. انتهى.
[أقسام علوم الحديث]
وقال الإمام أبو شامة رحمه الله: علوم الحديث الآن ثلاثة:
أشرفها: حفظ متونه، ومعرفة غريبها وفقهها.
والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من
سقيمها، وهذا كان مُهمًّا، وقد كفيه المشتغلُ بالعلم بما صُنّف وأُلِّف في
ذلك، فلا فائدة تدعو إلى تحصيل ما هو حاصل.
الثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلبُ العلو فيه، والرحلة
بسببه إلى البلدان. والمشتغل بهذا مشتغل عما هو الأهمُّ من علومه النافعة،
فضلاً عن العمل به الذي هو المطلوب الأول، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
اَلِنَّ وَالْإِنَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. إلا أن هذا لا بأس به للبطالين،
(١) ((ليروي)) ساقطة من (ب).
٧٣

لما فيه من إبقاء سلسلة العنعنة المتَّصِلَةِ بأشرف البشر وَلفهوٍ، فهي من
خصائص هذه الأمة.
قال: ومما يُزهِّد في ذلك، أن فيه يتشارك الصغير والكبير، والفَدْمُ
والفاهم، والجاهل والعالم، وقد قال الأعمش: حديث يتداوله الفقهاء خيرٌ:
من حديث يتداوله الشيوخ.
ولامٍ إنسانٌ أحمد رحمه الله في حضور مجلس الشافعي رضي الله
عنه، وتركه مجلس سُفيان بن عُيَيْنة، فقال له أحمد: أسكت، فإن فاتك
حديثٌ بعلوِّ، تجده بنزول، ولا يضرُّك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى، أخافُ
أن لا تجده. انتهى.
قال صاحب الترجمة: وهذا في بعضه نظر؛ لأن قوله: وهذا قد كفيه :
المشتغل بالعلم بما صُنّف فيه، قد أنكره العلامة أبو جعفر بن الزبير وغيره، :
ويقال عليه: إن كان التصنيف في الفن يوجب الاتكال(١) على ذلك وعدم
الاشتغال به، فالقول كذلك في الفن الأول، فإن فقه الحديث وغريبه لا
يُحصى كم صُنِّف فيه، بل لو ادعى مُدّع أن التصانيف التي جمعت في ذلك
أجمعُ من التصانيف التي جُمعت في تمييز الرجال، وكذا في تمييز الصحيح
من السقيم لما أَبْعَدَ، بل ذلك هو الواقع، فإن كان الاشتغال بالأول مُهِمًّا،
فالاشتغال بالثاني أهمُ، لأنه المرقاة إلى الأول، فمن أخلّ به، خلط السقيم
بالصحيح، والمُعَدَّل بالجريح وهو لا يشعُر، وكفى بذلك عيباً، فالحق أنَّ
كلاَّ منهما في علم الحديث مُهمّ، ولا شك أن مَنْ جمعهما، حاز القدح
المُعَلَّى، مع قصورٍ فيه إن أخلَّ بالثالث، ومن أخلّ بهما، فلا حظّ له في
اسم الحافظ، ومن حرَّرَ الأول وأخلِّ بالثاني، كان بعيداً من اسم المحدث
عُرفاً، ومن حرر الثاني وأخل بالأول، لم يبعُد عنه اسم المحدّث، ولكن
فيه نقص بالنسبة إلى الأولى.
وبقي الكلام في الفن الثالث، وهو السماع وما ذكر معه، ولا شك أنَّ
(١) في (ب): الإنكار.
٧٤

مَنْ جمعه مع الفنّين الأوّلين، كان أوفرَ سَهْماً وأحظّ قَسْماً، ومن اقتصر عليه
كان أبخس حظًّا وأبعد حفظاً، فمن جمع الأمور الثلاثة كان فقيهاً محدثاً
كاملاً، ومن انفرد باثنين منها، كان دونه، وإن كان لا بدَّ مِنَ الاقتصار على
اثنين، فليكن الأول والثاني، وهل يُسمّى محدّثاً أو لا؟ فيه تردُّد، وأما من
اقتصر على الثاني والثالث، فهو محدّث صِرْفٌ لا حظّ له في اسم الفقيه،
كما أنَّ مَنِ انفرد بالأول، فلا حظّ له في اسم المحدث كما ذكرنا، فهذا هو
تحريرُ المقال في هذا الفصل، وطريقُ الإنصاف فيه.
قال: وقد وجدتُ لي فيما ذكرته بحثاً سلفاً من قول رجلٍ من كبار
أهل العلم والزهد، وهو أبو الفتح نصر بن أحمد المقدسي، الذي قال في
حقه حجة الإسلام الغزاليّ في ((منهاج العابدين)) ما قال، حيث ذكر ما رواه
الرامهُرمُزِيّ في ((المحدّث الفاصل)) له، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن
محمد بن سهيل، حدثني رجلٌ ذكره من أهل العلم، قال: وقفتِ امرأةٌ على
مجلس فيه يحيى بن معين(١)، وأبو خيثمة وخلف بن سالم، وجماعة
يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول الله وَل﴾، ورواه فلان، وما
حدّث به غير(٢) فلان، فسألتهم عن الحائض تَغْسِلُ الموتى، وكانت غاسلةً،
فلم يُجبها أحد منهم، وجعل بعضُهم ينظرُ إلى بعضٍ، فأقبل أبو ثور
إبراهيم بن خالد الفقيه، فقالوا لها: عليك بهذا المقبل، فالتفتت إليه وقد دنا
منها، فسألته: فقال: نعم تَغْسِل، لحديث القاسم عن عائشة: أن النبيِّ وَله
قال: ((ليستْ حيضتُك في يدك))، ولقول عائشة: كنت أفرق رأس رسول الله
﴿﴿ وأنا حائضٌ، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيَّ فالميتُ أولى. فقالوا:
نعم، رواه فلان، وأخبرناه فلان، ونعرفه من طريق فلان، وخاضوا في
الطُّرُق والروايات، فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟
فقال الفقيه نصر: ليس هذا الذي وقع من يحيى بن معين (١) ورفقته
بغَيْب فيهم؛ لأن الله تعالى قد قسّم العلوم بين عباده، كما قسّم الأرزاق،
(١) في (ط) ((سعيد))، تحريف.
(٢) في (أ): ((عند) تحريف.
٧٥

والآجال وسائر الأحكام، فوفَّق قوماً لحفظ أصول الشريعة، وبيان الصحيح
مِنْ ذلك والفاسد، ووفّق قوماً لمعرفة معاني ذلك، واستنباط الأحكام منها،
فكما لم نَعِبْ أبا ثورٍ بترك ذكر الطُّرق والأسانيد، كذلك لا نعيبُ أولئك
بترك الاستنباط، إذ لكل مقام مقالٌ، وإنما العيبُ لاحقٌ بمن لم يشتغل
بواحدٍ من الطرفين، وربما اجتهد الإنسان فيهما فوُفْق لهما، قال الله تعالی:
﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِيَنَا لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُلَئًا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فمن قدم النيّة لله
في شيء، وجدّ فيه وجده. انتهى.
وقد سئل صاحب الترجمة رحمه الله عن رجل اشتغل بعلم الحديث،
وقرأ فيه على أهله أصلاً من أصوله، وبحثه وفهمه فهماً ودراسة، ومارس
أهله وحضر مجالسهم: هل يقومُ له ذلك مقام علوٌ السند، أو يُعتبر علوّ.
السَّند؟ وهل إذا كان كذلك، تترجّحُ مروياتُه على من علا سنده، ويبلغ بعلُوْ
درجته في الفن دَرَجةً المرتفعين بعلو السند، وكثرة المسموعات
والمقروءات؟ وأيهما(١) أولى بأن يؤخذ عنه، ويقرأ عليه، فأجاب بما قرأته
من خطه :
لا يكون حافظاً ولا محدّثاً في الاصطلاح إلا مَنْ عرفَ الأمرين،
ومارس الفنين، وأما مَنٍ اقتصر على أحدهما، كمن اقتصر على المرويات،
ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ(٢)، وحصّل مِنْ ذلك
ما يُطلق عليه اسم الاستكثار مِنْ ذلك عُرفاً، وأهمل - مع ذلك - معرفة
الاصطلاح، بحيث لا يصلُح أن يُدَرِّسه ويُفيدُه، فهذا يقال له: مِسنِد وراوٍ،
وقد يطلق عليه اسم مُحدِّث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين، إنما يقال له .
ذلك مجازاً.
وإن اقتصر على معرفة الاصطلاح المتعلق بالأنواع حتى فهمه، وصلح
. أن يُدَرسه ويُفيده، فهذا يقال له: عالم بعلوم الحديث، ولا يسمّى مُحدِّثاً
: أصلاً، ولا يترجّح ما عنده من رواية على رواية الأول، إذا كان أعلى
(١) في (أ): ((وأيهم)).
(٢) في هامش (ح) بخط المصنف: ((في الشيوخ)).
٧٦

سنداً. إلا إن حصلت السلامة منه غالباً من الخطأ في الإعراب، وأما الخطأ
في أسماء الرواة، فلا يأمن منه غالباً إلا من أكثر القراءة والسماع، ومارس
ذلك، وأكثر منه، وإلا فهو شيءٌ لا يدخلُه القياس، فيقابَل خطأ هذا في
الأسماء بخطأ هذا في الكلمات إن اتفق وقوع ذلك من كلُّ نهما، ويبقى
للراوي علوُ الرواية، فيتقدم(١) بها. وأما مَنْ جمع الأمري، فهو الكامل.
وأقل ما يكفي من يريد قراءة الحديث أن يعرف من العربية أن لا يلحن،
ويمارس أسماء الرجال، بحيث يأمن التصحيف فيها، وتكون له مَلَكَةٌ في
قراءة الخطوط، ولو تنوعت، ومن قصَّر في واحد من الثلاثة أثَّر فيه تأثيراً
ظاهراً، ومن زاد بحيث كانت له معرفة (٢) بشيء من معاني الحديث، كان
أرفع درجة. انتهى.
[مَنْ يُطلق عليه لقب المحدث]
والمنقول عن المتقدمين في سعة الحدّ فيمن يُسمّى محدثاً، كقول أبي
بكر بن أبي شيبة الذي ساقه أبو سعد بن السَّمْعاني في (آداب الإملاء
والاستملاء» بإسناده إلى أبي زُزعة الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة
يقول: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يُعدَّ صاحب حديث.
وأخرجه الخطيب في مقدمة ((الجامع)) أيضاً.
وعنده من طريق أحمد بن العباس النَّسائي، قال: سألت الإمام أحمد
عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث: أيقال له صاحب حديث؟ فقال:
لا، قلت: فمائتا ألف حديث؟ فقال: لا، قلت: فثلاثمائة ألف حديث؟
فقال بيده كذا، يروح يمنةً ويسرةً.
ونحوه ما في مقدمة ((الكامل)) لابن عدي من جهة النُّفَيْلي، قال:
سمعت هُشيْماً يقول: مَنْ لم يحفظ الحديث، فليس هو مِنْ أصحاب
(١) في (ط): فيقدم.
(٢) من هنا إلى قوله: رآه بهذا الوصف ص٨٣ لا يوجد في نسخة (ح) حيث فقدت
الورقة من أصل المخطوط.
٧٧

الحديث حتى يجيء أحدُهم بكتاب يحمله كأنه سجلُ كاتب، هو كما قال
الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس بحسب أزمنتهم.
وأبلغ منه ما يُروى عن جماعة من السلف رحمة الله عليهم أنهم
تحرَّوا، فلم يطلقوا اسم المحدِّث إلا على مَنْ كان يستعمل الحديث؛ ومِّمَّن.
نصّ على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه، فذكر ابن السمعاني في كتابه
المذكور، أنَّ أبا القاسم البغوي - وناهيك به، لكن كان ذلك في ابتداء أمره.
- قال: سألت الإمام أبا عبد الله أحمد بن حنبل أن يكتب لي كتاباً إلى
سُوَيْد بن سعيد الحَدَثاني، فكتب: هذا رجل يكتب الحديث، فقلت: يا أبا
عبد الله، لو قلت: من أهل الحديث؟ فقال: أهل الحديث عندنا من
يستعمل الحديث .
وذكر الخليلي في ((الإرشاد)) بسنده إلى عباس الدُّوري، قال: كتب لي:
يحيى بن معين (١)، وأحمد بن حنبل إلى أبي داود الطيالسي كتاباً، فقالا
فيه: إن هذا ممن يكتُب الحديث، وما قالا: إنه من أهل الحديث.
وقال عُمَرِ بن هارون فيما أورده أبو القاسم بن مَنْده في ((الوصية)) من
طريقه: من لم يَجْعَلْ عمره كلَّه في طلب الحديث، لم يكن صاحب
حديث .
وقال الإمام أبو يحيى (٢) زكريا الساجي في كتابه «اختلاف الفقهاء)):
حدثنا أحمد بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: يحتاج المحدّث إلى
أربع خلال: الشهرة بطلب العلم، والبراءة من البدعة، ويكون صدوقاً، ولا
يعمل بشيء من الكبائر، فمن كانت هذه صفته، فهو محدّث.
وقال مروان الفَزَاريُّ(٣) فيما أورده أبو القاسم ابن منده في ((الوصية»،
(١) في (ط): ((سعيد)»، تحريف.
(٢) في الأصول: ((أبو يعلى))، خطأ. وهو محدث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن
عبد الرحمن الساجي. توفي سنة ٣٠٧هـ. انظر ((السير)» ١٤ / ١٩٧.
(٣) تحرف في (أ) إلى ((الفرادي)) وهو أبو عبد الله مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري.
مترجم في السير ٥١/٩.
٧٨

من طريقه: ثلاثة ليس لأصحاب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق،
وصحة الكتب، فإن أخطأته واحدة، وكانت فيه ثنتان لم تضره. إن أخطأ(١)
الحفظ ورجع إلى الصدق وصحة الكتب (لم يضرّه)(٢).
إذا علم هذا، فقد قال النووي رحمه الله - وناهيك به ديانةً وورعاً
وعلماً - في ((زوائد الروضة))(٣) من باب الوقف: والمراد بأصحاب الحديث:
الفقهاء الشافعية، وأصحاب الرأي: الفقهاء الحنفية. انتهى.
وما أحقّهم بالوصف بذلك، فإن إمامهم الإمام الأعظم المجتهد المقدم
ثبت عنه بالسند الصحيح الذي لا غُبار عليه - مع تعدد الطرق إليه - أنه
قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ولله الحمد.
وروى الخطيب في مقدمة ((جامعه)) من طريق محمد بن سهل بن
عسكر، قال: حضرت المأمون بالمصيصة، فقام إليه رجل بيده محبرة،
فقال: يا أمير المؤمنين، صاحبُ حديث منقطع به. قال: فوقف له
المأمون، وقال: أيْشِ تحفظُ في باب كذا؟ قال: فسكت، فقال المأمون:
حدثنا ابنُ عُلَيَّة بكذا، وحدثنا حجاجٌ الأعور بكذا، وسرد عدَّة أحاديث، ثم
قال: وأيْشٍ تحفظ في باب كذا؟ قال: فسكت، فسرد له المأمون أيضاً عدة
أحاديث، ثم قال: أحدُهم يطلبُ الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا صاحب
حديث، أعطوه ثلاثة دراهم. والله المستعان.
[الحافظ]
وأما الحافظ، فقد روينا عن الحافظ الثقة الحجة أبي بكر الخطيب
البغدادي ما نصه: إنَّ مِنْ صفات الذي يجوز إطلاقُ هذا اللفظ في تسميته:
أن يكون عارفاً بسنُن رسول اللهِ وَ﴾، بصيراً بطُرقها، مميّزاً لأسانيدها،
يحفظ منها ما أجمع أهلُ المعرفة على صحته، وما اختلفوا فيه للاجتهاد في
(١) في (ب): («أخطأه)).
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (ب): ((الوصية)) تحريف.
٧٩

حال نَّقَلته، يعرف فرق ما بين قولهم: فلان حجة، فلان ثقة، ومقبول،
ووسط، ولا بأس به، وصدوق، وصالح، وشيخ، وليِّن، وضعيف،
ومتروك، وذاهب الحديث، ويُمَيِّز الروايات بتغاير العبارات، نحو: عن
فلان، وإن فلاناً، ويعرف اختلاف الحكم في ذلك بين أن يكون المسمَّى
صحابياً أو تابعياً، والحكم في قول الراوي: قال فلان، وعن فلان، وأن
ذلك غير مقبول من المدلْسين، دون إثبات السماع على اليقين، ويعرف
اللَّفظة في الحديث تكون وهماً وما عداها صحيحاً، ويميز الألفاظ التي
أدرجت في المتون، فصارت بعضَها لاتصالها بها، ويكون قد أمعن النّظر في
خال الرواة بمعاناة علم الحديث دون ما سواه؛ لأنه علم لا يَعْلَق(١) إلا بمن
وقف نفسه عليه، ولم يضمَّ غيره من العلوم إليه.
ثم ساق أن الشافعي رضي الله عنه مر بيوسف بن عمرو بن يزيد،
وهو يذكر شيئاً من الحديث، فقال: يا يوسف، تريد أن تحفظ الحديث
وتحفظ الفقه؟ هيهات.
وقد تقدم قريباً قولُ عمر بن هارون: مَن لم يجعل عمره كلَّه في
طلب الحدیث، لم یکن صاحبَ حديث.
وعند البيهقي في ((المناقب)) من طريق الربيع: سمعت الشافعي يقول
لأبي علي بن مقلاص: تريد تحفظُ الحديث وتكون فقيهاً؟ هيهات، ما
أبعدك من ذلك. وقال البيهقي عَقِبَه: وإنما أراد به حفظه على رسم أهل
الحديث، من حفظ الأبواب، والمذاكرة بها، وذلك علم كبير، إذا اشتغل به
ربما لم يَفْرِغ إلى الفقه، فأما الأحاديث التي يُحتاج إليها في الفقه، فلا بد
من حفظها معه، فعلى الكتاب والسنة بناء أصول الفقه.
وحمل البيهقي قول الشافعي لإسحاق بن راهويه وقد ذاكره: لو كنت
أحفظ كما تحفظ، لغلبت أهل الدنيا على هذا، حيث قال: إن إسحاق كان
· يحفظه على رسم أهل الحديث، ويسْرُد أبوابه سَزْداً، وكان لا يهتدي لما
(١) في (ط): ((يليق)).
٨٠