النص المفهرس

صفحات 461-480

- ٤٩ - ٠٠ ..
أبو يوسف ومحمد نميا الفقه الحنفي، وسلكا به مسلكا قرباهبه من فقه أهل
المدينة ، فأيد المذهب بالحديث ، وكثرت المسائل التى اختلفوا فيها عن
شيخهم ، وتشعبت أنظارهم مع الاستمساك بأصوله فى الجملة .
وبذلك صار ذلك المذهب الجليل هو مذهب تلك المدرسة التى اتحدت فى
الجملة أصولها، وتخالفت فى الأحكام فروع كثيرة لها ، ومهما يكن مقدار
التخالف قلة أو كثرة، فإن المدرسة كلها دونت آراؤها ، ومنها آراء كبيرها،
وكان لدى المرجحين من بعد أبواب الترجيح متفتحة متسعة مترامية .
٢٥٠ - هذا هو المذهب الحنفي، أما المذهب المالكى، فقد ابتدأ سيره
على غير ذلك المنهج ، ثم اتجه إليه ، وسار فى مثل طريقه ، ذلك أن الإمام
مالكا فى حياته لم يسلك مسلك الإمام أبى حنيفة ، فلم يفتح لتلاميذه باب
المناقشة ، ومنازعته المقاييس والآراء، بل كان يلقى أحكام المسائل مبيناً
طريق مأخذها ويدون عنه تلاميذه ما يتمكنون من تدوينه ، فلم يكن
لأشخاصهم مكان يظهرون فيه بجواره، ومنهم من أطال ملازمته، وصحبته،
ومنهم من سافر عنه ، ولم ينقطع عن الاتصال العلمى به، ومنهم من قصرت
صحبته، وكل له فى رواية الفقه المالكى، والعلم بأصوله ، والتخريج
عليه مقام .
ومن أجل هذا لا يعد المذهب المالكى مذهب مدرسة تدارسته فى أول
نشأته، إذ لم يكن لأحد رأى بجوار رأى شيخه ، ولكنه بعد وفاته ظهرت
آراء لكبار تلاميذه خالفوه فيها، ودونوا تلك المخالفة، وأعلنوها مع
تقدير هم لشيخهم وحرصهم على رواية علمه، ونشرفكره، وتوجيه آرائه،
والتخريج على أصوله فيما يرد عنه رأى فيه، والأخبار كثيرة متضافرة
فىإثباتها مخالفة التلاميذلآراء شيخهم، ولكنها مخالفة لم تظهر فىحياته ، بل
ظهرت من بعد وفانه ، وكان اختفاؤه فى حيانه؛ لحرصهم على التلقى عنه ،
والاستفادة منه دون المناظرة والمناقشة، ولأنه كان لا يحب الجدل والنقاش،

- ٤٩٣ -
:
أو لأنهم عكفوا من بعده على الدراسة والمقارنة، والنظر فى جملة المأثور
عنه وعن غيره من بعد وفاته ، مخالفوه فى القليل ، ووافقوه فى الكثير ،
كما هو الشأن فی کبار تلاميذ الشافعی من بعده کالمزنی وغيره ، حتی عد
فقهياً مجتهداً مطلقاً ، ولم يعد فقهياً مجتهداً منتسباً.
وإن الشواهد كثيرة على مخالفة أصحاب مالك له من بعده، فهذا يحي
الأندلسى يخالفه فى مسألة الشاهد ويمين صاحب الحق ، وهذا أشهب تروى
مخالفته حتى إن أسداً لما أراد أن يدون آراء مالك رضى الله عنه، ولجأ إلى
أشهب لم يستطع عند التدوين التفرقة بين آراء التلميذ والشيخ ، فعدل عنه،
وعاب مسلكه ، ولجأ إلى عبد الرحمن بن القاسم يأخذ منه ، فقد جاء فى
مقدمات ابن رشد ما نصه: ((قدم أسد ... يسأل مالكا رحمه الله ...
فألفاه قد توفى، فأتى أشهب ، ليسأله، فسمعه يقول أخطأ مالك فى
مسألة كذا وأخطأ فى مسألة كذا، فتنقصه بذلك وعابه، ولم يرض قوله
فيه وقال: ما أشبه هذا إلا كرجل بال إلى جانب البحر ، فقال هذا بحر
آخر ، فدل على ابن القاسم(١))) .
ولا يهمنا مقدار الصواب فى هذا القشبيه الذى ساقه ، وبخسه حق ذلك
التلميذ الفقيه ، بل يهمنا فقط أن نبين أن تلاميذ مالك رضى الله عنه قد ظهرت
لهم آراء من بعده ، من غير أن ينكروا صلتهم بشيخهم ، واتحدت فى
الجملة أصول استنباطهم بالمسلك الذى سلكه ذلك الشيخ الجليل فى
الاستنباط والإفتاء .
وإن ابن القاسم الذى لجأ إليه أسد بن الفرات ليأخذ عنه آراء مالك
وفقهه، قد كان هو أيضاً يخالف مالكا رضى الله عنه، وقد دون ذلك، فقد
جاء فى مدونة سحنون، التى كانت صحف أسد هى الأصل الأول لما مانصه
فى الأجل فى البيع: ((أخبرنى بعض من أثق به، أنه سأل مالكاعن الرجل
(١) الجزء الأول من المقدمات ص ٢٧ طبيع الساسى .

ـ يـم.
- ٤٦٣ -
يبيع السلعة ، فتفوت عنده السلعة ، فيقتضيه ثمنها، فيقول الذى عليه الحق
إنما هو إلى أجل . قال مالك إن أدعى أجلا قريباً لا يستنكر - رأيته
مصدقا، وإن أدعى أجلا بعيداً لم يقبل قوله. قال ابن القاسم وأنا أرى ألا
يصدق المبتاع فى الأجل ، ويؤخذ بما أقر به من المال حالا ، إلا أن يكون
أقر بأكثر ما ادعى البائع، فلا يكون للبائع إلا ما ادعى، فهذا لم يزعم
أنه باع إلى أجل ، فقد جعل مالك القول قول مدعى الأجل ، إذا أتى
بأمر لا يستنكر (١))).
ومن هذا النص نرى أن ابن القاسم يصرح بمخالفة شيخه مالك
رضى الله عنه، فيرى أن المشترى إن ادعى الأجل لا يقبل قوله إلا بإثبات،
ومالك كشأنه فى فقهه دائماً يتسامح فى دعوى الأجل القريب، لاعتياد
الناس مثل ذلك ، ولا يقبل الأجل البعيد ، إلا بإثبات.
ولهذا نقرر أن مذهب مالك من بعده تناوله تلاميذه بالبحث والدراسة،
فاستنبطوا على أساس كثير من أصوله ، وقاسوا على كثير من فروعه،
وخالفوه فى بعض فروعه، وإذا كان تلاميذ أبى حنيفة قد تدارسوا مع
شيخهم فى حياته ومن بعد وفاته ، وكونوا تلك المجموعة الفقهية التى دونها
محمد فی کتبه ، ودون بعضها أبو يوسف فی کتب له ، ودون کثیراً منها
الحسن بن زياد اللؤلؤى وغيره وتناقلتها الأجيال - فإن المذهب المالكى
قد تناولته مدرسة التلاميذ بالتنقيح والاستنباط على أصوله ، والقياس على
فروعه، وخالفوه فى مسائل، وتوارثت الأجيال من بعدهم تلك المجموعة
الفقهية التى انتشرت فى الأندلس والمغرب، ومصر ، وبعض بلاد الشرق .
٢٥١ - الحقيقة الثانية التى يفترق فيها المذهب المالكى عن المذهب
الحنفى أو مذهب العراقيين بشكل عام ، أن الاستنباط أو التخريج فى المذهب
(١) المدونة = ١٤ ص ١٤.
م

- ٤٩٤ -
المالكى كان يسير على منهاج يخالف المنهاج الحنفى ، فإن كتب الحنفية، وإن
لم تنص على الأدلة ، إلا بعض كتب لأبي يوسف رضى الله عنه - قد
كانت مضبوطة فى تقسيم المسائل ، وتنظيرها ما يدل على أنها تطبيق لأقيسة .
ملاحظة ، وإن لم تكن منصوصة ملفوظة، وأن الأحكام تسير فيها بمقتضى
علل مضطردة ، وإن كان أمر قد تخلفت فيه العلة أشارت الكتب إلى دليله ،
وإلى أنه مأخوذ من حديث أو فتوى صحابى ، أو نحو ذلك من الأدلة
الخاصة التى تحملهم على مخالفة القياس ، واستحسان غيره .
هذا هو المنهاج الحنفى الذى وجدناه فى النقول التى نقلت أصل المذهب ،
أما المذهب المالكى، فلم نجد هذا التنظير واضحاً فى المدونة ، وغيرها من
الكتب التى قاربتها فى التاريخ ، وإن لم تكن فى مقدارها من حيث الثقة بها
بل إنها تشبه المسائل المنثورة التى لا تجمعها ضوابط قوية الاستمساك ،
كالمسائل المنقولة فى الكتب العراقية.
والسبب فى ذلك ليس نقصاً فى المذهب المالكى عن قرينة الخنفى ، بل
السبب هو اختلاف المنهاج ، ذلك أن المذهب الحنفى كان أساس الاعتماد
فيه على القياس، ولا يأخذ بالاستحسان بقدر القياس، وأكثر استحسانه
من نوع القياس الذى خفيت علته ، ولذلك كان التنظير ، وكانت العلل
الضابطة ، وكان الاستمساك قوياً بين مسائله، أما المذهب المالكى ، فأكثر
اعتماده على المصالح والعرف والاستحسان الذى يخالف القياس، فلم
يكن الاعتماد فيه، أو فى أكثره على القياس ، بل كانت المصالح هى الغالبة،
سواء أجاءت فى شكل المناسب الذى يشهد له الدليل من الشارع ، أم جاءت
مصلحة مرسلة لا يشهد الشارع لها بالإلغاء ولا بغيره، وسواء أجاءت تلك
المصلحة أصلا قائماً بذاته لا يوجد ما يخالفه ، أم جاءت مخالفة لأصل
ثابت ، فسميت استحساناً .
وإن الاعتماد على المصالح، أو كثرته جعل القياس لا يظهر كثيراً ،

-- ٤٣٥ -
فلا يكون فيها تنظير المسائل ، وضبطها وتقسيمها ، وملاحظة علل ضابطة
مضطرة تجعل الأحكام مربوطة محكمة الربط .
٢٥٢ - بعد هذه الموازنة الصغيرة بين نمو هذين المذهبين ، الكبيرين
المعاصرين الذين استوليا على شرق الدولة الإسلامية وغربها ، واختص
٧
الحنفى بالشرق حيناً، واختص المالكى بالمغرب أكثر الأحيان - نقرر
أن أول حركة نحو المذهب المالكى بعد أن انتقل مالك إلى جوار الله -
كان للمذهب العراقى دخل فيها ، أو كان الموجه لها، وقد ذكر ناه فى تاريخ
المدونة .
ذلك أن أسد بن الفرات أراد أن يجيب عن المسائل التى اشتملت
عليها كتب الإمام محمد رضى الله عنه، ببيان أحكامها عند مالك ، ولكنه
لم يقله، بل جاء إلى المدينة، فوجده قد توفى، أو لم يتيسر له ذلك فى
حياته ، فاتجه إلى تلاميذه يتعرف أحكام تلك المسائل ، واصطفى من بينهم
ابن القاسم من أكبر تلاميذه ، وأحفظهم لفقهه ، وأوثقهم رواية له ،
فأخذ ابن القاسم يجيب عنها ، فما كان لمالك رأى محفوظ فيه ، أجاب بما
أثر عنه رضى الله عنه، وما لم يكن لمالك فيه رأى محفوظ، أجاب بالقياس
على رأى مالك فى شبه لهذه المسألة ، فإن لم يتيسر له ذلك أجاب
برأيه ، ونسبه إلى نفسه .
ولاشك أن هذه أول تنمية وتفريع للذهب المالكى ، قد أفاد
منها المذهب فائدة عظيمة ، ذلك بأن فقه العراقيين كان فقهاً قياسياً كثير
التفريع ، وكان فيه الفرض والتقدير ، فلم يقتصر فيه الفتاوى على المسائل
الواقعة ، بل يفرض الفقيه ويفتى فى المسائل المتوقعة وقد خالف ذلك
مالك رضى الله عنه، فما كان يفتى إلا فيما يقع من المسائل، إلا ما كان
أصحابه يتحايلون به عليه ، فيفرضون صوراً يسألونه عنها بلسان غيرم
• لايتوهم أنها مسائل واقعة لامفروضة ، فيجيب على هذا الاعتبار .
( ٣٠/٢ - مالك)
١

- ٤٦٦ -
ومهما يكن مقدار ما كانوا يحتالون به ، فإن الفرض والتقدير فى
الفقه المالكى لم يكن ذا حظ كبير ، ولا شك أن الفقه التقديرى له محاسن ،
إذ فيه تفريع المسائل ، وضبطها ، وفتح الطريق أمام الفقيه للتخريج ،
والبناء على المسائل التى استنبطت على أساس الكتاب والسنة والقياس.
فلما حاول أسد بن الفرات تلك المحاولة الكبيرة ، وتمت ونجحت
نجاحاً كبيراً وكانت ثمرتها تلك المدونة التى توارثتها الأجيال من بعد -
فقد غذى الفقه المالكى بغذاء صالح ، واجتمعت فيه مزايا الفقه المدنى ،
وبعض مزايا الفقه العراقى، فجمع الحسنيين ، ونما نمواً عظيما، وأثمر
ثمرات طيبة .
وإن عمل أسد هذا يشبه عمل أبى يوسف ومحمد ، ومن جاء بعدهما من
الفقهاء فقد أيدوا الاستنباط الفقهى لأبى حنيفة بالسنة والآثار ، إذ كان
معتمداً على مجرد القياس ، فكمل النقص فيه ، ونال حسن الضبط بالقياس
والتأييد بالآثار، فاجتمع له أيضاً الحسنيان .
وفى الحق أن الاختلاط بين النتائج المثمرة لنوعين من التفكير يكون
تغذية لكل نوع منهما، فاختلاط المذهب الحنفى بآثار أهل الحجاز فى
الاعتماد على الآثار ، قد أعطاء مزايا، فكثر الاجتهاد فيه بالسنة ، واختلاط
المذهب المالكى بتفريع أهل العراق ، قد وسع الاستنباط فيه ، وكان
تطبيقاً حسناً لأصوله ، فأظهر مزاياه ، وكشف عن محاسن تلك الأصول
التى ستشير إلى أثرها فى تنمية المذهب ، وتفتح الباب للمجتهدين.
الاجتهاد والتخريج فى المذهب المالكى
٢٥٣ - لكى ينمو المذهب ، ويتسع أفقه، وتتنوع طرق معالجته
للمسائل الاجتماعية وغيرها مما يعرض للناس لا بد من الاجتهاد فيه،
بالاستنباط المطلق، أو الاستنباط على أصوله ، أو التخريج على الأحكام

- ٤٩٧ -
الثابتة ، ولابد أن يبتلى المفتون فيه بمعالجة مسائل اجتماعية متباينة ،
وأعراف مختلفة؛ فإن هذه الأعراف المختلفة والألوان الاجتماعية المتباينة،
والمشاكل المتعقدة من شأنها أن تفتق ذهن الفقيه ، وتحمله على الاجتهاد
وتفريع الأحكام ، وارتياد الأصول المختلفة وتوسيعها بل وزيادتها ،
وبمقدار المشاكل الاجتماعية التى يعالجها وقوة عقول الفقهاء وسعة أفقهم
ومرونة الأصول وسعتها، تكون قوة المذهب فى الحياة ، وصلاحيته للنماء،
ومقدار نمائه ، والثمرات التى يثمرها .
وقد اجتمعت للمذهب المالكى تلك العناصر ، و توافرت لديه أسباب
القوة والسعة والإثمار ، فبلاد مختلفة كان الحكم فيها على أساس المذهب
المالكى، حتى لقد ابتدأ ذلك فى حياته ، فالأندلس والمغرب كان الحكم
فيها مالكياً ، ومصر كان للمذهب المالكى فيها مكان ، وكثرت المسائل بسعة
الحضارة والعمران فى بلاد الأندلس ، وقوة الحكم والسلطان فى بلاد
المغرب .
وكان فيه مجتهدون ، واتساع فى أفق الاجتهاد ، وإنطلاق فى الاستنباط.
غير مقيد إلا بالكتاب والسنة والإجماع ومصالح الناس، ومرونة فى الأصول
جعلت علاج المذهب علاجاً فيه إحياء المصلحة ما وجدت ، ذلك أن أصل
المصالح المرسلة والاستحسان المتفرع من نوع المصلحة ، قد كانا الأساسين
الجوهريين بعد الكتاب والسنة ، فكان العلاج مشتقاً من الحياة الإنسانية
الواقعة ، وبذلك حى المذهب حياة طيبة وأنتج نتاجاً صالحاً .
ولنتكلم فى الاجتهاد والتخريج فيه، ومقدار تقييد الفقهاء فى المذهب.
لأنفسهم ثم لنتكلم على مرونة الأصول من غير تفصيل .
٢٥٤ - إن الفقهاء فى المذهب المالكى قد أعطوا أنفسهم من حق
التفريع والتخريج، والاستنباط على أصول الإمام التى لوحظ أنه كان يقيد
نفسه بها - حظاً كبيراً، ولننقل لك بعض الكلمات التى قالها المالكيون

٤٩٨٥ =
فى الاجتهاد المطلق والاجتهاد المذهبى ، لتعرف إلى أى مدى يسيرون فى
الاستنباط على الأصول المالكية ، ويخرجون على الأحكام الفرعية .
يقسم الشاطى ، وهو من علية الفقهاء فى المذهب المالكى ومن طبقة
المخرجين فيه الاجتهاد إلى قسمين :
(أحدهما) ((إجتهاد لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف،
وذلك عند قيام الساعة ، ( الثانى) يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا(١))).
وقد أخذ فى تعريف النوع الأول الذى لا ينقطع قط ، ما دام الناس فى
الدنيا وما دام هناك شرع إسلامى يطبق «فعرفه بأنه الاجتهاد المتعلق
بتحقيق المناط(٢) بأن يعرف الوصف الذى يقتضى ثبوت حكم معين
ثم يجتهد بعد ذلك فى انطباق الوصف، أو عدم انطباقه ، فإذا نقرر أنه
لا أصل فى الموضوع من كتاب أو سنة، وكانت مصلحة فى العمل فى الشرح
تحكم بالعمل ، فإن المجتهد بذلك النوع من الاجتهاد عليه أن يبحث فى
المسألة ، أفيها جهة المصلحة أم ليست فيها ، فإن كانت المصلحة فيها ، فقد
تحقق المناط ، فوجب الحكم، وهكذا ...
ثم يقول فى بيان الحاجة إلى ذلك النوع من الاجتهاد فى كل الأزمان :
((الأمور لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول فى آحادها فلا يمكن
أن يستغنى عنها بالتقليد، إنما بتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه
والمناط هنا لم يتحقق بعد، لأن كل صوره من صوره النازلة نازلة فى مستأنفة
نفسها، لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم فى نفس الأمر لم يتقدم لنا ، فلا بد من
(١) الموافقات الجزء الرابع ض ٤٨.
(٢) معنى تحقيق المناط عند الأصوليين أن يقع الاتفاق على علية وصف
بنص أو إجماع أو غيرها . فيجتهد الناظر فى بيان وجوده فى صورة المسألة التى
خفى وجود العلة فيها أى أنه يثبت الوصف الذى كان أساساً للقياس ويعرف
ثمٍ يطبق الحكم على كل ما ينطبق عليه الوصف ، ظهر أو خنى.

- ٤٦٩ -
النظر فيها بالاجتهاد وكذلك إن فرضنا أنه تقدم مثلها فلابد من النظر فى
كونه مثلها أولا، وهو نظر اجتهاد أيضاً ... ويكفيك من ذلك أن
الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها وإنما أتت بأمور كلية ،
وعبارات مطلقة تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك لكل معين خصوصية
ليست فى غيره، ولو فى نفس التعيين ، وليس مابه الامتياز معتبراً فى الحكم
بإطلاق ، ولا هو طردى باطلاق؛ بل ذلك منقسم إلى الضربين (١)، بينهما
قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين فلا تبقى صورة من الصور الوجودية إلا
وللعالم فيها نظر سهل أو صعب ، حتى يحقق تحت أى دليل يدخل ، فإن
أخذت بشبه من الطرفين ، فالأمر أصعب. هذا كله بين لمن شدا فى العلم ،
فالحاصل أنه لابد منه بالنسبة إلى كل ناظر ، وحاكم، ومفت. بل بالنسبة إلى
کل مکاف فى نفسه .
قد أخذ بعد بيان ذلك القسم من الاجتهاد الذى لا ينقطع فى بيان
القسم الذى ينقطع، وهو ما يسمى الاجتهاد المطلق الذى يكون أساسه
تعرف على الأحكام ، واستخراجها من النصوص ، والأسس التى قامت
عليها الشرائع .
٢٥٥ - هذه نظرة المتقدمين من فقهاء المالكية ، كانوا يرون أن
(١) الموافقات ج ٤ ص ٤٨. ومعنى هذا الكلام أن الأحوال التى يمكن
أن ينطبق عليها الوصف الذى كان علة للحكم تتميز فى خواصها وهذه الميزات
التى تكون فى كل أمر بعينه فى الحكم فلا تطرد العلة فيه ، أو غير معتبر
ذلك فى الحكم فتكون العلة ثابتة فيه، والحكم مطرداً، والمجتهد يحقق أن الضربين
ينطبق عليه، فيفتى ، فمثلا إذا علمنا أن العلة فى تحريم الخمر هو الإسكار، ورأينا
نوعا من المشروبات له خواص جديدة لم تكن معروفة من قبل ، يحتاج المجتهد
إلى تعرف تحق العلة وهى الإسكار ، وهل هذه الأوصاف المميزة أثرت فى
وجود العلة ، فكانت مانعة لها من الظهور فلا يطرد الحكم، أو لم تمنع الإسكار
فكان الحكم مطرداً ، وذلك عمل المجتهد .

- ٤٧٠ -
ل
الاجتهاد بتخريج الأحكام فى المسائل الواقعة والإفتاء فيها على أساس
ما استخرجه الأقدمون من مناط الأحكام أمر لابد منه، ولا ينقطع إلى
الأبد، لأن الحوادث كل يوم تقع ، ولابد من الاجتهاد فى تطبيق الأحكام
المنصوص عليها ، وتعرف الأوصاف الخاصة لكل حادثة ، ليعرف أنسب
حكم لها من المنصوص عليه ، أو القياس على المنصوص بتطبيق العلة أو
الأصل الذى انبنت عليه الأحكام المتشابهة فى القضايا التى تقاربها.
٢٥٦ - ولئن تجاوزنا الحقب إلى وراء، وتركنا الشاطى والقرافى ،
واتجهنا إلى أصحاب مالك ومن تلقوا عنهم وجدناهم ينطلقون فى الاجتهاد
مقيدين بالأصول والمناهج التى تلقوها عن شيخهم ومهتدين بهديه رضى
الله عنه ، وقد كان حريصاً على أن يربى فيهم ملكه الفقه ، لا أن يحفظهم
فقط طائفة من المسائل التى كان يفتى فيها رضى الله عنه ، وكثيراً ما كان
ينهاهم عن كتابة فتاويه فى المسائل ، لذلك جاء فى الموافقات: ((وكره
مالك كتابة العلم يريد ما كان نحو الفتاوى، فسئل ما الذى نصنع ؟ فقال
تحفظون ، وتفهمون ، حتى تستنير قلوبكم ثم لا تحتاجون إلى الكتاب ،.
فترى أنه كان يعمل على تنمية ملكة الفقه ، وهى ما عبر عنه بقوله، حتى
تستنير قلوبكم ، وكان يحضهم على طلب الفقه بهذا ، لا بمعنى الاستحفاظ
والاتباع فقط، ولذا كان يقول لهم (يقع فى قلبى أن الحكمة هى الفقه فى
دين الله. وأمر يدخله الله القلوب من رحمته، وفضله (١))) .
٢٥٧ - كثر إذن الاجتهاد فى أصحاب مالك رضى الله عنه، وفى
تلاميذهم ، وفيمن جاء بعدهم حتى جاءت العصور المتأخرة التى استغلقت
فيها العقول ، وضاقت الأفهام ، وضعفت الثقة بالنفس ، وسرت عدوى
الضعف الذى استغرق النفس الإسلامية إلى عقول العلماء ، فضعفت،
(١) الموافقات ج ٤ ص ٠٥١

١
- ٤٧١ -
وفقدت الثقة ، فعكف المتأخرون على دراسة ما كتب المتقدمون ، منغير
تفهم وحص، ومن غير أن يسيروا سيرهم ، ولكن كان الأقدمون قدقدموا
تركة مثرية قد كونوها، والنفوس قوية، والهمم عالية، والعقول فاهمة، فلم
يضر المذهب ضعف المتأخرين ، لبقاء ما أنتج المتقدمون ، وقد قسم الفقهاء
فى المذهب المالكى إلى مجتهدين منتسبين، وإلى مجتهدین مخرجين،ويسمون
أصحاب الوجوه، وإلى فقهاء نفس ، ويعتبرون من دون ذلك من العامة
الذين يقلدون، ويفتون، إذ ينحصر الإفتاء فى الطبقات الثلاث السابقة ،
ولا يرتفع إليه من عداها ، ويعتبر من العامة .
والمجتهد المنقسب يعرفونه بأنه الفقيه الذى يكون مستقلا بتقرير مسائله
بالأدلة، غير أنه لا يتجاوز فى أدلته أصول إمامه وقواعده، فهو مقيد فى
مذهب الإمام بالأصول التى عرفت مناهج الاستدلال عند الإمام ، غير مقيد
بفروعه التى استنبط أحكامها من تلك الأدلة، ولذلك تكون له آراء فى
الفروع تخالف رأى الإمام .
وشرط المجتهد على ذلك النحو أن يكون عالماً بالفقه وأصوله ، وأدلة
الأحكام تفصيلا ، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعانى تام الارتياض فى
التخريج والاستنباط عالماً بالحاق ما ليس منصوصاً عليه لإمامه بأصوله .
ومن هذا الصنف كثيرون من أصحاب مالك رضى الله عنه الذين تلقوا
عليه، كأشهب وابن القاسم ، وابن وهب ، وبعضٍ من جاء بعدهم ، وإنك
لترى لهؤلاء آراء بجوار آراء مالك رضى الله عنه، ومنزلتهم منه كمنزلة
المزنى من الشافعى، وقيل كمنزلة أبى يوسف ومحمد وزفر من أبى حنيفة
رضى الله، عنهم أجمعين .
ولا شك أن وجود هؤلاء فى المذهب المالكى، وكثرتهم فيه قد نمى
ذلك المذهب ، وغذاء، وجعله مرناً لقبول أحكام الحوادث المختلفة التي
تلاثم كل حال ، وتكون علاجاً لما.

- ٤٧٢ -
× ٢٥٨ - والمجتهدون المخرجون فقط هم الذين يقومون بتقريرم ذهب
الإمام ، وتحرير نصوصه، واستنباط أصوله، ويتقيدون بهذه الأصول ،
ولا يستنبطون فروعاً يخالفون بها فروع الإمام. وهذا هو الفارق بينهم
وبين الطبقة الأولى. ولكن عملهم مقصور على تخرج الفروع التى لم يعرف
حكمها عن الإمام بالأصول التى عرفت منهاهج له ، وبقياس ما لم يعرف
حكمه من الفروع على ما عرف حكمه منها ، وبترجيح بعض الروايات
المختلفة عن الإمام، والآراء المنقولة عنه ، ولذلك يسمى بعض هؤلاء هذه
الطبقة طبقة المرجحين ، وبعضهم يسميها طبقة المخرجين .
وعندی أن عمل هؤلاء صنفان لا صنف واحد ، وكل وجد فى عصر،
وكان وجوده سداً لحاجة عصره ، ففى العصور التى تلت عصور التلاميذ،
وتلاميذهم كانت الحاجة إلى التخريج ماسة ، لوجود فروع كثيرة لم يعرف
حكمها من المذهب فاحتاجت إلى التخريج أكثر من حاجتها إلى الترجيح
فكثر التخريج، وقل الترجيح، فلما اتسع المذهب، وكثرت أحكام الفروع
وتشعبت الأقوال ، وكان الفرع الواحد يختلف حكمه باختلاف الأقوال
المتضاربة، أحياناً كانت الحاجة إلى الترجيح والموازنة بين الأقوال من ناحية
روايتها ، ومن ناحية قائلها ، ومن ناحية دليلها وهذا العمل لايقل عن
التخريج فى ذاته ، وكل له زمان تكون الحاجة إليه فيه أكثر، والمخرج
قد يرجح إن كانت الحاجة لذلك والمرجح قد يخرج إن كانت حاجته إليه ،
وهؤلاء فى المذهب المالكى المازرى، وابن رشد ، واللخمى ، وابن العربى،
والقرافى ، والشاطبى، وغيرهم .
٢٥٩ - وفقهاء النفس هم الفقهاء الذين عرفوا المذهب المالكى وعنوا
بتقرير مسائله، وتحريم أدلته، غير أنهم لم يرضوا طريق الاستنباط ،
والتخريج كارتياض أولئك ، وهؤلاء لهم أن يفتوا، بل لهم أن يخرجوا
عند الضرورة ولكن منزلتهم فى التخريج بين الأقوال والروايات ليست

- ٤٧٣ -
كنزلة السابقين بل هم دون ذلك ، ولم يتفق العلماء على جواز ذلك منهم ،
بل قال هذا من قال إن لهم أن يفتوا، فمن قال إن لهم الإفتاء قال إن لهم
التخريج عند الضرورة إن لم يكن أحد من أصحاب الوجوه الذين عملهم
التخريج والترجيح وبعض العلماء لا يجوز الإفتاء من هؤلاء إلا عند فقد
المجتهدين المخرجين، أو المنتسبين ، ففتواهم إذن للضرورة ، وتخريجهم
بالاتفاق الضرورة .
٢٦٠ - هذه طبقات الفقهاء الذين لهم الفتوى فى مذهب مالك رضى
الله عنه ومن دونهم يقلدون ليس لهم أن يفتوا ولم أجد مذهباً شدد فى الفتوى
تشديد المالكية فيها، وقد جاء ذلك التشديد فى كتب كثيرين من العلماء
المتقدمین، وأيدهم فى ذلك التشديد من جاء بعدهم .
وقدرأيت نصوصاً تدل على من هو أهل للفتوى ، ومن ليس بأهل ،
للقرافى وابن رشد ، والمازرى ، وأبدها من جاء بعدهم ، فالمازرى يقول :
((الذى يفتى فى هذا الزمان أقل مراتبه أن نقل المذهب أن يكون قد استبحر
فى الاطلاع على روايات المذهب ، وتأويل الشيوخ لها ، وتوجيههم لما وقع
فيها من اختلاف ظواهر، واختلاف مذاهب ، وتشبيههم مسائل بمسائل قد
يسبق إلى النفس تباعدها وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يسبق إلى النفس
تقاربها وتشابها، إلى غير ذلك مما بسطه المتأخرون فى كتبهم، وأشار إليه
المتقدمون من أصحاب مالك فى كثير من رواياتهم،.
ونقل الخطاب فى شرحه على متن خليل عن ابن رشد مانصه :
1
((إن الجماعة التى تنسب إلى العلوم، وتتميز عن جملة العوام فى المحفوظ
والمفهوم تنقسم على ثلاث طوائف ، طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك
تقليداً بغير دليل ، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقوال أصحابه فى مسائل
الفقه، دون التفقه فى معانيها بتمييز الصحيح منها والسقيم ، فهذه لايصح لها
الفتوى بما علمته وحفظته من قول مالك وقول أصحابه ، إذ لاعلم عندها

٤
- ٤٧٤ -
بصحة شىء من ذلك ، إذ لا يصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم، ويصح
لها فى خاصتها إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه ، أن تقلد مالكا أو غيره
من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم، وإن لم يعلم من نزلت به نازلة من تقليده
فيها من قول مالك ، أو تقليده فيما حكاه له )، (١) .
( ( والطائفة الثانية ) من اعتقدت صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة
أصوله التى بناه عليها ، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه
فى الفقه وتفقهت فى معانيها، فعلمت الصحيح منها الجارى على أصوله من
السقيم الخارج، إلا أنها لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفته قياس الفروع على
الأصول، وهذه يصلح لها إن استفتيت أن تفتى بما علمته من قول مالك ،
وقول غيره من أصحابه ، إذا كانت قد بانت لها صحته ، ولا يجوزلها أن تفتى
بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصاً من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه،
وإن كانت قد بانت لها صحته، إذ ليست ممن كمل لها به قياس من الفروع
على الأصول)).
(والطائفة الثالثة ) من اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها أيضاً من صحة
أصوله لكونها عالميا أحكام القرآن عارفة الناسخ والمنسوخ، والمفصل ،
والمجمل، والخاص من العام ، عالمة بالسنن الواردة فى الأحكام ميزة بين
صحيحها من معلولها عالمة بأقوال الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من فقهاء
الأمصار، وبما اتفقوا عليه ، واختلفوا فيه ، عالمة من على اللسان بما يفهم
به معانى الكلام ، عالمة بوضع الأدلة فى مواضعها، وهذه هى التى يصح لها
الفتوى عموماً بالاجتهاد والقياس على الأصول التى هى الكتاب والسنة ،
وإجماع الأمة بالمعنى مع الجامع بينها وبين النازلة ، وعلى ماقيس عليه إن
قدم القياس عليها .... (٢).
(١) أى يقلد أحد أهل هذه الطائفة التى تحفظ مجرد الأقوال لمالك وأصحابه،
فلا يستفتى أحد من هذه الطائفة إن لم يوجد أعلى منهم .
(٢) راجع تهذيب الفروق ج ٤ ص ٠١٢٩

- ٤٧٥ - ٠
وقد قال القرافى فى فروقه عن أحوال طالب العلم ، ومن تجوز له الفتيا
فى دين الله , اعلم أن طالب العلم له أحوال: الحال الأولى أن يشتغل بمختصر
من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة عنده ، وعمومات مخصوصة فى غيره
ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك، أو جوز أن يكون كذلك -
حرم عليه أن يفتى بمافيه، وإن أجاده حفظاً وفهماً ، إلا فى مسألة يقطع
فيها أنها مستوعية التقييد، وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من آخر ، فيجوز
له أن ينقلها لمن يحتاج إليها على وجهها من غير زيادة ولانقصان ، وتكون
هى عين الواقعة المسئول عنها، لا أنها تشبهها، ولا تخرج عليها .... . الحالة
الثانية أن يتسع تحصيله فى المذهب ، بحيث يطلع من تفاصيل الشروح ،
والمطولات على تقييد المطلقات ، وتخصيص العمومات ، ولكنه لم يضبط
مدرك إمامه ، ومسنداته فى فروعه ضبطاً متقناً ، بل سمعها من حيث الجملة
من أفواه الطلبة والمشايخ، فهذا يجوز له أن يفتى بجميع ما ينقله ويحفظه فى
مذهبه، أتباعاً المشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا ، ولكنه إذا وقعت له
واقعة ليست فى حفظه لا يخرجها عن محفوظاته ، ولا يقول هذه تشبه المسألة
الفلانية ؛ لأن ذلك إنما يصح من أحاط بمدارك إمامه، وأدلته ، وأقيسته
وعلله التى اعتمد عليها مفصله)).
ثم بين بعد ذلك الحال الثالثة ، أو الدرجة العالية وهى درجة المخرجين،
وقال: ((لا يجوز التخريج إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة، والعلل،
ورتب المصالح ، وشروط القواعد، وما يصلح أن يكون معارضاً،
وما لا يصلح وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة ، فإذا
كان موصوفاً بهذه الصفة، وحصل له هذا المقام تعين عليه مقام آخر وهو
النظر ، وبذل الجهد فى تصفح تلك القواعد الشرعية وتلك المصالح، وأنواع
الأقيسة ، وتفاصيلها ، فإذا بذل جهده فيما يعرفه ووجد ما يجوز أن يعتبره
الإمام فارقاً ، أو مانعاً أو شرطا، وهو ليس فى الحادثة التى يروم تخريجها

- ٤٧٦ -
حرم عليه التخريج، وإن لم يجد شيئاً بعد بذل الجهد وتمام المعرفة جاز له
التخريج حينئذ (١))).
٢٦١ - هذه أقوال طائفة من علماء التخريج فى المذهب المالكى قد
اتفقت كلمتهم على التشديد فى أمر الفتيا ، ولم يبيحوها إلا لمن يكون من أهل
التخريج الذين يستطيعون استنباط أحكام الفروع التى لم ينص على حكمها
فى مذهب مالك وأصحابه ، وذلك بأن يلحقوها بما يشابها من النصوص
عليه ، مستعينين فى ذلك بقواعد المذهب وأصوله .
ومن يكون دون هذه المنزلة لا تباح له الفتوى، ولكن يباح له أن ينقل
ما يحفظ إذا كان المنقول صحيحاً قد ثبت أنه لا يحتاج إلى تقييد ولا تخصيص،
وبشرط أن تكون الواقعة المفتى فيها هى المنصوص عليه بعينه، وذلك كله
إذا لم يوجد ثمة مفت يستفتيه، فهى حال ضرورة ملجثة ، تضطر إلى هذا
الأمر الاستثنائى .
وإذا كانت الفتوى لازمة فى كل عصر ، لأن الناس يجد لهم من
الأحداث كل يوم ما يستفتون فيه ، فلا بد إذن من المجتهدين المخر جین فی کل
عصر ، ولا يجوز أن ينقطعوا؛ حتى لا يلجأ العامة إلى أولئك الناقلين بغير
على، أو يتوقفوا، إذ لا يوجد حتى النقل، وفى ذلك حرج شديد على الناس .
وبذلك ننتهى لا محالة إلى ما نقلناه فى صدر هذا البحث عن الشاطبى ،
وهو أن الاجتهاد فى التخريج أو الاجتهاد بتحقيق المناط كما يسميه الشاطئ،
لا يمكن انقطاعه إلى يوم القيامة ، حتی تفنى هذه الدنيا .
٢٦٢ - وإذا كان الاجتهاد بالتخريج، أو بتحقيق المناط لا ينقطع
أبداً لأن الفتوى لا تنقطع، وهو شرطها ، فإن المذهب الذى يقرر فقهاؤه
ذلك فى نماء مستمر ، واتصال بالحياة دائم .
(١) الفروق الجزء الثانى ص ١٠٧ الفرق الثامن والسبعون.

٠ ٤٧٧ -
وكذلك كان مذهب مالك رضى الله عنه ، اتصل بالحياة اتصالا وثيقاً،
لأن مخرجيه اجتهدوا فى أن يفهموا خصائص الأمور التى يطالبون لها،".
ومقدار المصلحة فيما يفتون، أودفع المضرة فيه وربط ذلك بالأصول العامة،
فكانمذهباً حياً يسد حاجة الأحياء ، وليس مذهباً جامداً، يقف عند نصوص
السابقين لا يتحرك عنها قيد أنملة ، بل إنه لا يطبق الفقيه نصاً من نصوص
المذهب ، إلا بعد أن يعرف أن الحال التى يطبق النص فيها مشابهة تمام
القشاب، للحال التى عالجها الفقهاء من قبل ، ليكون التوافق قاماً، ولا ينقلون
النص للحال الواقعة بمجرد الاتحاد فى الصورة للحال التى وجد النص فيها ،
بل يتعرفون الخصائص المميزة لكل واحدة منها وعسى أن يكون فى النازلة
ما يجعل الحكم القديم غير محقق المصلحة ، أو دافع المضرة فى الحال الجديدة
والمصلحة والمضرة أساسان فى تقدير الأحكام فى ذلك المذهب الجليل،
حيث لا نص ، والله سبحانه ولى التوفيق.
٢ - كثرة أصوله
٢٦٣ - بينا كيف كان الاجتهاد فى ذلك المذهب مفتوحا فى التخريج
لم يغلق، بل لقد قرروا أنه لا يمكن أن يغلق ذلك النوع من الاجتهاد، إنما
الاجتهاد المطلق هو الذى يمكن أن ينقطع من غير أن يقع بالناس الضر
أو يستغلق عليهم أمر دينهم ، وتخفى عليهم أحكامه ، ولكن فتح باب
التخريج وحده لم يكن كافيا لذلك النمو الذى رأيناه فى ذلك المذهب الجليل،
وتلك الحيوية التى نجدها فى أحكامه ، حتى إننا لنقرر غير مجازفين
أنه مذهب الحياة والأحياء، قد اختبره العلماء فى عصور مختلفة فاتسع
لمشاكلهم ، واختبره علماء القانون فى عصرنا الحاضر ، فكان مسعفاً لهم
فى كل ما يحتاجون إليه من علاج، وإنا نسند ذلك إلى مجتهديه ، وكثرة
أصوله ، ونوع الأصول التى أكثر منها، وسيطرت على التخريج فيه ،

- ٤٧٨ -
أما المجتهدون فقد أشرنا إلى مسالكهم، ومن شأنها كما نوهنا تنمية المذهب
وتوسيع آفاقه .
وأما كثرة أصوله، فإنه أكثر المذاهب أصولا، حتى إن علماء
الأصول من المذهب المالكى يحاولون الدفاع عن هذه الكثرة ، ويدعون
على المذاهب الأخرى أنها تأخذ بمثل ما يأخذ به من الأصول عدداً ،
ولكنها لا تسميها بأسمائها ولا نريد أن نخوض فى ذلك، بل إنا نقول إن
الأمر لا يحتاج إلى دفاع ، لأن تلك الكثرة حسنة من حسنات المذهب
المالكى، يجب أن يفاخر بها المالكيون، لا أن يحملوا أنفسهم منونة
الدفاع، ولذلك نحن نرى أنه أكثر المذاهب أصولا غير محاولين أن نحمل
غيره ما لم يقل أهله .
إن الأصول عند أبى حنيفة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس،
والاستحسان ، والعرف ، والأصول عند الشافعية: الكتاب والسنة
والإجماع والقياس ، ولا تعدو ذلك .
أما الأصول عند المالكية : فأقل عدد أحصوه لها تسعة هى ماذكر عند
الحنفية ، ويزاد عليه إجماع أهل المدينة والمصالح المرسلة ، وسد الذرائع.
وإن كثرة الأصول تطلق تخريج المخرج، فإنه بلاشك كلما كثر مابين
يدى المفتى من أصول صالحة للإفتاء يختار منها أصلحها ، وأقربها إلى العدل
والدين فيما يفتى فيه .
فكانت كثرة الأدلة كما قلنا من شأنها أن تعلو بذلك المذهب ، لا أن
تخفضه ، ومن شأنها أن تجعله مرناً فى التطبيق ، فلا تضيقه .
٢٦٤ - وإن نوع الأصول التى يزيد بها المذهب المالكى على غيره،
ومسلكه فى الأصول التى اتفق فيها معغیر، يحملانه أكثرمرونة ، وأقرب
حيوية وأدنى إلى مصالح الناس وما يحسون ، وما يشعرون ، وبعبارة جامعة،
أقرب إلى الفطرة الإنسانية التى تشترك فيها الناس، ولا يختلفون إلا قليلا

- ٤٧٩ -
بحكم الإقليم والمنازع ، والعادات الموروثة ، فإن أصل المصالح الذى أخذ به
مالك، وسيطر على أكثرفته الرأى عنده، حتى أصبح ذلك الأصل عنوانه،
وميسمه الذى أقسم به يطلق العنان للفقيه المخرج على الأصول إذا
لم يجد حكما فى فرع مشابه ، فيفتى بما يكون فيه مصلحة للناس لا تتعارض
مع النص المحكم ، ولا تناقض أصلا مقرراً ، وما يكون فيه مضرة يفتى
بمنعه أخذاً من ذلك المبدأ المحكم، الذى تشهد له النصوص والآثار ، وهو
أن لا ضرر ولا ضرار .
وإنك لو فتشت فى فروع ذلك المذهب التى استنبط أحكامها إمامه
الأول، أو صحابته من بعده، أو المجرجون فيه، وكان الاستنباط فيها
الرأى لا النص، لوجدت أن المصلحة كانت هى الحكم المرضى فى كل
هذه الفروع، سواء ألبست المصلحة لبوس القياس وحملت اسمه، أم ظهرت
فى ثوب الاستحسان ، وحملت عنوانه ، أم كانت مصلحة مرسلة لا تحمل
غير اسمها ، ولا تأخذ غير عنوانها .
وكذلك مبدأ سد الذرائع الذى اتجه فيه إلى تعرف ثمرات الأفعال
ونتائجها ، ولم يحمد فيه الفقيه على الصور المجردة للوقائع، بل اتجه فيه إلى
الغايات والثمرات ، فجعلها مناط حكمه ، وتلك هى النظرة السليمة لمن يريد
أن يجعل القانون لإصلاح الجماعة ، والطب لأسقامها، وكذلك كان مذهب
مالك والمالكيين ، وتلك نظرتهم . وإن الاستحسان الذين يشاركهم فى
الأخذ به الحنفية ، كانوا فى الأخذ به مخالفين لهم فى نوع الأخذ ومقداره
فهم أكثروا منه ، حتى جعله مالك تسعة أعشار العلم ، وكانت المقاييس
وضوابطها مقيدة الحنفية، والنوع الذى أكثر منه الحنفية هو فى الواقع
بعض أنواع القياس، وهو ما سموه القياس الخفى .
وأما استحسان المالكية فأساسه فى الغالب الأكثر المصلحة ، فإذا
وجد أصلا فقيهاً مقرراً أو قاعدة فقهية يؤدى تطبيقها إلى ظلم مؤكد ، أو
١

تـ ٤٨٠ -
منع مصلحة ، أو جلب مضرة ، خففوا اطراد القاعدة بالاستحسان ،
ومنعوا التطبيق فى تلك القضية أخذاً بمبدأ جلب المصلحة ودفع المضرة ،
ما دام لا نص يحكم، ولا أثر يتبع.
٢٦٥ - ولقد كان اتساع الآفاق الإسلامية، وتشعب الأحوال فى
الشعوب التى أخذت به من أسباب كثرة التطبيق فإنه كلما كثرت الحوادث،
وتنوعت، كان ذلك إرهاقاً للمذهب ، وتحريراً لأصوله، وتوسيعاً لفروعه،
وفتقاً لذهن المجتهدين ، وخصوصاً فى ذلك المذهب الذى يفتى فى الوقائع ،
ولا يفرض الصور ، ويقدر ما لم يقع واقعاً .
وقد اتسعت الأقطار التى حكمت بالمذهب المالكی ، و تباينت أحوالها ،
وأعرافها ، ففى الأندلس حيث الحضارة والعمران ، وحيث العلم والمدنية ،
وحيث الفلسفة والحكمة ، كان المذهب المالكى ، وكان من الفقهاء فى ذلك
المذهب الجليل من جمع بين الفقه العميق ، والفلسفة والحكمة ، فهذا ابن
رشد الحفيد حامل لواء الفلسفة فى الأندلس ، والذى تلقى عنه الأوربيون
فلسفة أرسطو، والذى نازل الغزالى عند هجومه على الفلاسفة كان فقيهاً
متازاً من فقهاء المالكية، وله الكتاب القيم فى الفقه المقارن المسمى بداية
المجتهد ونهاية المقتصد، وكثيرون غيره من فقهاء الأنداس كان له فى الفقه
القدح المعلى ، وله قدم فى الأدب والحكمة وغيرهما .
وإن اجتزنا البحر فى مضیقه حیث ربض طارق بن زياد ، وجدنا
المذهب المالكى رابضاً فى بلاد المغرب لا ينازعه فيها منازع، وهو فيها
مترعرع خصب ، يسن الأحكام للبادية والجبال ، كما سنها فى الأندلس )
حيث الحضارة، وحيث الخصب ، وهو يسن للبرابرة حيث كانت بعض
الجفوة البدوية، كما سن لأهل الأندلس ، حيث كانت النفوس ترق وتعطف.
ولئن قطعنا الصحراء، حتى وصلنا إلى الوادى الخصيب لنجدن مصر
بريفها الجميل ، وفيلها الوادع، وهناك تجد المذهب المالكى أيضاً، يصاقب
١