النص المفهرس
صفحات 441-460
- ٤٤١ - البيع والسلف وعن هدية المدين، وحرم صوم يوم الفطر ، وفى كل هذه كان النهى عن هذه الأمور خشية المفاسد التى قد تترتب عليها، وإن لم يكن الترتب بغلبة الظن أو بالعلم القاطع . وقد قال الشاطى فى هذا المقام : («الشريعة مبنية على الاحتياط، والأخذ بالحزم، والتحرز عما عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة ، (١). ٢٣٤ - هذا ويجب التنبيه إلى أن ابن العربى فى كتابه أحكام القرآن عند الكلام فى تفسير آية اليتامى ، وبيان أنه يجوز للوصى على اليتيم أن يشترى مال اليقيم قال كلاماً يستفاد منه أن سد الذرائع إنما يكون واجب الأخذ إذا كانت الذريعة مؤدية إلى محظور منصوص عليه ، لا إلى مطلق محظور ، فقد قال : ((فإن قيل يلزم ترك مالك أصله فى التهمة والذرائع إذا جوز له الشراء من يقيمه ، فالجواب إن ذلك لا يلزم ، وإنما يكون ذلك ذريعة فيما يؤدى من الأفعال المحظورة إلى محظورات منصوص عليها، وأما ها هنا فقد أذن الله سبحانه وتعالى فى صورة المخالطة ووكل الخالطين فى ذلك إلى أمانتهم بقوله: (( والله يعلم المفسد من المصلح)) وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه إنه يتذرع به إلى محظور فيمنع ، كما جعل الله النساء مؤتمنات على فروجهن ، مع عظيم ما يترتب على قولهن فى ذلك من الأحكام ، ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب ، وإن جاز أن يكذبن، (٢) . ونرى من هذا أنه يقرر الذريعة تسد إذا كانت تؤدى إلى محظور (١) الموافقات ج ٢ ص ٠٢٥٣ (٢) أحكام القرآن لابن العربى ج ٣ ص ٥ j - ٤٤٢ - منصوص عليه ، ولكن المتقبع لكتب المالكية فى الأصول والفروع يرى أنهم يتجهون فى سد الذرائع، إلى سد وسائل الفساد، فكل ما يؤدى إلى فَساد غالباً فهو ممنوع من غير تقييد يكون ذلك الفساد قد نص عليه بنص خاص به ، أو كان داخلا فى النهى العام عن الضرر والضرار ، وعن کل فساد . ٢٣٥ - كان كلامنا أو أكثره فى بيان سد الذرائع ، أى دفع وسائل الفساد. وقد نوهنا إلى أن الذرائع، ينظر فيها إلى نتائجها فإن كانت فساداً وجب منعها، لأن الفساد ممنوع، فيمنع ما يؤدى إليه ، وإن كانت مصلحة طلب الأخذ بها، لأن المصلحة مطلوبة ويسمى ذلك فتح باب الذرائع، كما يسمى الأول سد باب الذرائع، وفتح باب الذرائع مأخوذ به عند مالك كسده، ولذلك قال القرآنى فى فروقه: «أعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، وتندب وتباح، فإن الذريعة هى الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجب، كالسعى للجمعة وللحج))(١). وفى الجملة كل ما يؤدى إلى مصلحة ، فهو مطلوب كطلب هذه المصلحة ، فإن كانت واجبة كان واجباً إن تعين طريقاً لها ، وإن كانت المصلحة مأذوناً فيها فقط ، كانت الوسيلة مأذوناً فيها . ومن هذا جاء وجوب الصناعات باعتبارها ذرائع للمصالح العامة التى يقوم عليها شأن العمران، ولا يستغنى عنها الناس ، وكان وجوبها على سبيل الكفاية لا على أنها فرض عين ؛ لأن الناس ليسوا جميعاً مطالبين بأن يكونوا صناعا بل هم مطالبون فقط بإيجاد الصناعات الكافية لإقامة العمران ، ويكفى فى تحقيق ذلك الوجوب على الكفاية . ٢٣٦ - ولما كانت المصلحة هى الغرض المقصود من الشرائع، وجعلتها (١) الفروق للقرافي ج ٢ ص ٠٣٣ - ٤٤٣ - الشريعة الإسلامية إحدى غاياتها ، بل أظهر غايتها كان المحظور إذا أدى إلى مصلحة مؤكدة. وكانت المصلحة أكبر من الضرر الناشىء من المحظور، أو بتعبير أدق كان الضرر الذى يدفع بتحقق هذه المصلحة أكبر من الذى ينشأ من ارتكاب المحظور ، كان دلك المحظور فى أصله فى مرتبة المأذونبه ، لتتحقق تلك المصاحة أو ليتحقق دفع الضرر الأكبر، ومن ذلك ما يأتى: (١) دفع مال المحار بين فداء للأسرى من المسلمين، فإن أصل دفع المال المحارب محرم لما فيه من تقوية له ، وفى ذلك الضرر بالمسلمين، ولكنه أجيز ، لأنه يتحقق من ورائه دفع ضرر أكبر، وهو منع رق المسلمين ، وإطلاق سراحهم، وتقوية المسلمين بهم. (ب) دفع شخص مالا لآخر على سبيل الرشوة أو نحوها، ليتقى به معصية يريد أن يوقعها، وضررها أشد من ضرر دفع المال إليه . (ح) دفع مال لدولة محاربة لدفع أذاها، إذا لم يكن لجماعة المسلمين قوة يستطيعون بها حماية الشوكة ، وحفظ الحوزة (١). (د) ومن ذلك ما ذكره الشاطى بقوله ((ومن ذلك الرشوة على دفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بدفعها .. وإعطاء المال لمافعى الحاج حتى يؤدوا خراجا ... وكل ذلك انتفاع أو دفع ضرر بتمكين من المعصية،(٢). ونرى من هذا كله ، أن الأمر المحظور لما فيه من مضرة صار مطلوباً لأنه دفع لمضرة أكبر، أو جلب لمصلحة أكثر ، وإنه فى هذه الحال يلغى جانب المضرة فيه بجوار ما يجلبه من نفع، أو يدفع من ضر، فيصير المعتبر جانب المنفعة ، أو دفع الضرر الأكبر . (١) هذه الأمثلة من الفروق للقرافي ج ٢ ص ٠٣٣ (٢) الموافقات الشاطبي = ٢ ص ٠٢٤٤ - ٤٤٤ - ٢٣٧ - ومبدأ الذرائع، واعتباره أصلا من أصول الفقه إنما أخذ به مالك فى المشهور ، وقد ادعى الفقهاء أنه ليس فى أصول أحد من الفقهاء سواه، ولكن المالكيين يذكرون أن الفقهاء شاركوهم فى كثير من مسالكه، وإن لم يسموها بذلك الإسم ، ولذلك قال القرافى فى تنقيح الفصول: ( وأما الذرائع فقد أجمع على أنها ثلاثة أقسام: أحدها معتبر إجماعاً، كحفر الآبار فى طرق المسلمين ، وإلقاء السم فى أطعمتهم ، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أن يسب الله تعالى، وثانيها ملغى إجماعا كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر ، وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال ، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا، حاصل القضية أننا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بناء (١). ولقد بين فى الفروق ببعض التفصيل القسم الثالث ، وهو الذى جرى فيه الاختلاف فقال فيه: ((وقسم قد اختلف فيه العلماء: أيسد أم لا ، كبيوع الآجال عندنا كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر ، فمالك يقول إنه أخرج من يده خمسة الآن، وأخذ عشرة آخر الشهر، فهذه وسيلة السلف خمسة بعشرة إلى أجل بإظهار صورة البيع لذلك ، والشافعى يقول ينظر إلى صورة البيع، ويحمل الأمر على ظاهره، فيجوز ذلك ، وهذه البيوع يقال إنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك ، وخالفه فيها الشافعى ولذلك اختلف فى النظر إلى النساء، أيحرم لأنه يؤدى إلى الزنى أم لا يحرم، وحكم القاضى بعلمه أيحرم، لأنه وسيلة للقضاء بالباطل من قضاة السوء أم لا يحرم، وكذلك اختلف فى تضمين الصناع، لأنهم يؤثرون فى السلع بصناعتهم ، فتتغير السلع فلا يعرفها أربابها، فيضمنون سداً لذريعة (١) تنقيح الفصول ص ٢٠٠. ٠ - ٤٤٥ - الأخذ أم لا يضمنون ، لأنهم أجراء ، وأصل الإجارة على الأمانة ، وكذلك تضمين حملة الطعام، لئلا تمتد أيديهم إليه، وهو كثير فى هذه المسائل فنحن قلنا بسد هذه الذرائع، ولم يقل بها الشافعى ، فليس سد الذرائع خاصاً بمالك بل قال به هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجتمع عليه)) (١). ٢٣٨ - ونحن نميل إلى أن العلماء جميعاً يأخذون بأصل الذرائع ، وإن يسموه بذلك الإسم، ولكن أكثرهم يعطون الوسيلة حكم الغاية إذا تعيفت طريقاً لهذه الغاية، فلم تكن طريقاً لغيرها على وجه القطع ، أو غلبة الظن. أما إذا لم تكن الوسيلة متعينة لا بطريق العلم، ولا بطريق الظن ، فهذا يختص مالك بالأخذ بأصل الذرائع فيه ، إذا كثر ترتب الغاية على الوسيلة كبيوع الآجال، فإنها فى كثير من الأحوال تكون لقصد التوصل إلى الربا، فتحرم لهذه الكثرة، وسداً لذريعة الربا، وخالفه غيره فى ذلك، لأن الأصل فى التصرف هو الإذن ولا يلغى ذلك إلا لدليل يوجب العلم، أو غلبة الظن على الأقل ، وليس ثمة دليل على هذا النحو، بل هو الحدس، ولا تبطل العقود لمجرد الحدس ، بل لا تبطل إلا لأمور ظاهرة توجب عدماً، أو غلبة ظن . ٢٣٩ - وقد ثبت أصل الذرائع بالقرآن والسنة، وأما القرآن فقوله تعالى ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله، فيسبوا الله عدواً بغير علم)) فيروى أن المشركين قالوا لتكفن عن سب آلهتنا، أو لنسبن إلهك ، وقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا، وقولوا انظرنا واسمعوا)، لأن قصد المسلمين كان حسناً ، ولكن اليهود أخذوه ذريعة إلى شتمه عليه السلام . أما السنة فإن أقوال النبى يست لهم وفتاوى أصحابه فيها كثيرة، منها (١) الفروق ص ٣٣. - ٤٤٩ - كفه عبَّ الّ عن قتل المنافقين، لأنه ذريعة إلى قول الكفار إن محمداً يقتل أصحابه . ومنها أن النبى مَّ نهى المقرض عن قبول الهدية من المدين حتى يحسبها من دينه ، وما ذاك إلا ليتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية ، فتكون ربا فإنه يعود إليه ماله، وقد اكتسب الفضل الذى آل إليه بالإهداء، ومنها أن النبى ◌ّ نهى أن تقطع الأيدى فى الغزو، لئلا يكون ذريعة إلى اتجاه المحدود إلى المحار بين فيفر إليهم، ولمثل ذلك لا تقام الحدود فى الغزو، حتى لا تدفع حرارة الضرب إلى الضلال وهو منه قريب ، ومنها أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة طلاقاً بائناً فى مرض الموت، حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث وإن لم يثبت قصد الحرمان، لأن الطلاق ذريعة . ومنها أن النبي صَّ له نهى عن الاحتكار، وقال: ((لا يحتكر إلا خاطىء» فإن الاحتكار ذريعة إلى أن يضيق على الناس ، وكل ما يعد ضرورياً لهم، وهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضر الناس ، كأدوات الزينة ونحوها ، مما لا يدخل فى الضروريات ولا الحاجيات . ومنها أنه مَّ اللّهِ منع المتصدق من شراء صدقته. ولو وجدها تباع فى السوق سداً لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه، وإن المتصدقإذا منع من أخذ صدقته بعوضها، فأخذها بغير عوض أشد منعاً، وإن فى تجويز أخذها بعوض ذريعة إلى التحايل على الفقير ، بأن يدفع إليه صدقة ماله ، ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى المسكين أنه قد حصل له شىء من حاجته، فتسمح نفسه بالبيع ، وهكذا كثرت الآثار الواردة عن رسول اللّه مَّ له وأصحابه، وقد ساق ابن القيم فى أعلام الموقعين نحو تسعة وتسعين شاهداً، من الآثار ثبت فيها النهى سداً للذرائع(١). (١) راجع أعلام الموقعين الجزء الثالث من ص ١٢٠ إلى ص ١٤٠. - ٤٤٧ - ولقد عدت الذرائع فى شرائع الإسلام نصفها . وإن اعتبار أصل الذرائع بسدها ، أو بفتحها على حد تعبير القرافى ، يعد من وجه توثيقاً لمبدأ المصلحة الذى استمسك مالك بعروته، فهو اعتبر المصلحة الثمرة التى أقرها الشارع واعتبرها ودعا إليها ، وحث عليها فجلبها مطلوب ، وضدها وهو الفساد ممنوع ، فكل ما يؤدى إلى المصلحة بطريق القطع، أو بغلبة الظن، أو فى الكثير ، وإن لم يكن الغالب يكون مطلوباً بقدره من العلم أو من الظن، وكل ما يؤدى إلى الفساد على وجه اليقين أو الظن الغالب ، وفى الكثير غير الغالب يكون ممنوعا على حسب قدره من العلم ، فالمصلحة بعد النص القطعى هى قطب الرحى فى المذهب المالكى وبها كان خصباً كثير الإثمار . ١١ - العادات والعرف ٢٤٠ - العرف هو الأمر الذى تتفق عليه الجماعة من الناس فى مجارى حياتها ، والعادة هى العمل المتكرر من الآحاد والجماعات ، وإذا اعتادت الجماعة أمراً صار عرفاً لها ، فعادة الجماعة وعرفها متلاقيان فى المؤدى ، وإن اختلف مفهومها (١) ، فهما يتلاقيان فيما يختص بالجماعات. (١) لا تختلف كلمة العرف وكلمة العادات فى مؤداهما كثيراً، فقد قال الغزالى فى المستصفى (العرف والعادة ما استقر فى النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، وفى شرح التحرير : العادة هى الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية ، وقد جاء فى رسالة ابن عابدين فى العرف: العادة مأخوذة من المعاودة ، فهى بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة فى النفوس والعقول، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة ، حتى صارت حقيقة عرفية. فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث المصداق . وإن اختلفا من حيث المفهوم)) ومن هذا الكلام كله يتبين أن عادة الجماعة وعرفها بمعنى واحد فى نظر فقهاء الشريعة. أو على الأقل مؤداهما واحد. وإن اختلفا من حيث مفهوم اللفظ » . - ٤٤٨ - والفقه المالكى كالفقه الحنفي يأخذ بالعرف، ويعتبره أصلا من الأصول الفقهية ، فيما لا يكون فيه فص قطعى، بل إنه أوغل فى احترام العرف أكثر من المذهب الحنفى ؛ لأن المصالح دعامة الفقه المالكى فى الاستدلال ، ولا شك أن مراعاة العرف الذى لا فساد فيه ضرب من ضروب المصلحة لا يصح أن يتركه الفقيه ، بل يجب الأخذ به . ولقد وجدنا المالكية يتركون القياس إذا خالفه العرف ، وكذلك ورد عن القرطبى فى باب الاستحسان أن من ضروبه ترك القياس لأجل العرف(١)، بل إن العرف يخصص العام، ويقيد المطلق عند المالكية، كما تبين عند الكلام فى العام ، فقد عد من مخصصاته العادات . ويظهر أن الشافعية أيضاً يحترمون العرف إذا لم يكن نص، فإن العرف يغلب فى حكمه، لأن الناس خاضعون فعلا له بحكم الألف ، والاعتياد ، وليس لأحد أن يمنعهم من الأخذ به إلا بنص محرم ، لحيث لا محرم ، فلابد من الأخذ به ، ولقد وجدنا ابن حجر يقرر أن العرف يعمل به إذا لم يكن فى العمل به مخالفة لنص . وذلك لأن القرطبى قال فى قول النبى لامرأة أبى سفيان : (( خذی من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف، فى هذا الحديث اعتبار العرف فى الشرعيات خلافا للشافعية ، فرد الحافظ بن حجر هذا الاستدلال بأن الشافعية إنما منعوا العمل بالعرف إذ عارضه النص الشرعى ، أو لم يرشد إليه فكان لهذا يومىء من جهة إلى أن الشافعية يأخذون بالعرف أحياناً ، ولكن يشترط أن يرشد إليه نص شرعى أو لا يعارضه، وعلى ذلك نستطيع أن نقسم العرف بالنسبة لأخذ الفقهاء به إلى ثلاثة أقسام : أولها : عرف يأخذ به الفقهاء كلهم ، وهو العرف الذى أوما إليه نص فى أحد المواضع، فإنه فى هذه الحال يؤخذ به بالاتفاق . (١) راجع ذلك فى باب الاستحسان. - ٤٤٩ - وثانيها : العرف يكون فيه أخذ بأمر نص الشارع على تحريمه نصاً قاطعاً أو كان فيه إهمال واجب ثبت بنص لا يقبل التخصيص فإن هذا النوع من العرف لا يحترم ولا يؤخذ به بالإجماع بل هو فسادعام يجب التعاون على القضاء عليه ، ويكون ذلك من قبل التعاون على البر والتقوى، والسكوت عنه سكوت عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والرضا به تعاون على الإثم والعدوان. وثالثها : العرف الذى لم يثبت نهى عنه، ولا إرشاد إليه ، ولا إيماء بالعمل به بنص ، فإن المالكية والحنفية يأخذون به ، ويعتبرونه أصلا مستقلا، والعرف العام عندالحنفية يخصص العام ، ويقيد المطلق ، والعرف يقدم على القياس أما المالكية ، فالعرف عندهم يخصص العام ، ويقيد المطلق، إذ يرون فى العرف ضرباً من ضروب المصلحة . ٢٤١ - والعادة أو العرف تشغل حيزاً كبيراً فى الفقه المالكى فهى تفسر الألفاظ ، إذ الألفاظ تفسر على مقتضى العرف القولى، أو العادات القولية ، دون العادات الفعلية ، ويقول فى هذا المقام الشاطبى . ((ومن العادات ما يختلف فى التعبير عن المقاصد، فتنصرف العبارة عن معنى إلى معنى عبارة أخرى بالنسبة إلى الأمة الواحدة ، كاختلاف العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصنائع فى صنائعهم مع إصلاح الجمهور ، أو بالنسبة لغلبة الاستعمال فى بعض المعانى، حتى صار ذلك اللفظ ، إنما يسبق منه إلى الفهم معنى ما، وقد كان يفهم منه قبل ذلك شىء آخر ... والحكم يتنزل على ما هو معتاد فيه بالنسبة إلى من اعتاده دون من لم يعتده ، وهذا المعنى يجرى كثيراً فى الإيمان والعقود والطلاق كناية(١). وكما تفسر الألفاظ على مقتضى العادات البيانية ، فالعادات لها أثر فى أحكام العقود ، فإذا كانت العادة فى النكاح قبض الصداق قبل الدخول (١) الموافقات ج ٢ ص ١٩٨. (م ٢٩ - مالك ) ٥٠} ــ أعتبرت ما لم يكن نص يخالفها ، وإن كانت العادة فى نوع من البيوع أن يكون بالنقد لا بالنسيئة أو العكس ، أو أجل معلوم دون غيره اعتبرت تلك العادة التجارية ما لم يكن نص يخالفها (١) ، وهذا يشبه ما يسرى عليه القضاء الآن من احترام عرف التجار فى الأقضية بينهم . واعتباره أصلا مقرراً قانونياً فى التعامل بينهم . ٢٤٢ - وقد عقد القرافى فى كتابه الفروق فصلا قيما فى بيان أثر العرف فى العقود التى تتأثر به، فعقد الشركة إن كان مطلقا انصرف إلى المناصفة ، والعقد على الأرض يدخل فيه الأشجار والبناء ، والعقد على البناء يدخل فيه الأرض والعقد على الدار يدخل أبوابها وسلمها ورفوفها ، وعقد المرابحة يدخل فى أصل الثمن أجرة الخياطة والتطريز وكل تحسين ، والعقد على الشجرة يتبعه الأرض والثمرة التى تؤبر ، وهكذا ، وقد قال عند . ذكر هذه المسائل وغيرها . ((( وهذا الكلام مع بقية تفاريع هذا الباب كلها مبنى على العادات ... ولولا العادات لكان هذا تحكما صرفا، وبيع المجهول، والغرر من الثمن غير جائز إجماعاً ... فجميع هذه المسائل وهذه الأبواب ، التى سردتها مبنية على العادات غير مسألة الثمار المؤبرة بسبب أن مدركها النص والقياس ،. وما عداها مدركه العرف والعادة ، فإذا تغيرت العادة، أو بطلت بطلت هذه الفتاوى وحرمت الفتوى بها لعدم مدركها ، فتأمل ذلك ، بل تقبع الفتاوى هذه العادات كيفما تقلبت كما تتبع النقود فى كل عصر ، وتعيين المنفعة من الأعيان المستأجرة إذا سكت عنها تنصرف بالعادة المنفعة المقصودة منها عادة لعدم اللغة فى البابين(٢))) . (١) الكتاب المذكور . (٢) الفروق للقرافي ج ٣ ص ٠٢٨٧ - ٤٥١ - ٢٤٣ - والعادات قسمان عادات مقررة ثابتة لا تختلف باختلاف الأعصار والأمصار، وهى العادات المشتقة من الفطرة الإنسانية ، والتى تدعو إليها طبيعة الإنسان ، كالأكل والشرب والنوم وغير ذلك ، ( والقسم الثانی) عادات تختلف باختلاف الناس ، وباختلاف البلاد ، وقد ذكر الشاطبى ذلك القسم ، ومثل له فقال : «والمتبدلة منها ما یکون متبدلا فى العادة من حسن إلى قبح ، وبالعكس ، مثل كشف الرأس ، فإنه يختلف بحسب البقاع فى الواقع ، فهو لذوى المروءات قبيح فى البلاد الشرقية ، وغير قبيح فى البلاد الغربية ، فالحكم الشرعى يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً فى العدالة ،. وعند أهل المغرب غير قادح(١))). ٢٤٤ - وإذا كانت العادة متبدلة فى أكثر أحوالها، لأن القسم الثانى أكثر من القسم الأول، فإذا جاءت الأحكام وفقاً لهذه العادات ، وكانت هى أساس الحكم فيها ، فهل يتبدل الحكم إذا تبدلت ؟ وهل يعتبر التبدل من المذهب المالكى؟ سئل القرافى ذلك السؤال ، وأجاب عنه ، ولننقل لك السؤال والإجابة مع طولهما ، لأنهما يكشفان عن مقدار تأثير العادات فى الأحكام فى ذلك المذهب ومقدار خصبه ؟ فقد جاء فى تمييز الفتاوى والأحكام ما نصه: (( ما الصحيح فى هذه الأحكام الواقعة فى مذهب الشافعى ومالك وغير هما المرتبة على العادات ، وعرف كان حاصلا حال جزم العلماء بهذه الأحكام ، فهل إذا تغيرت تلك العادات ، وصارت العادات الجديدة لا تدل على ما كانت تدل عليه أولا ، فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة فى كتب الفقهاء، (١) الموافقات ج٢ ص ١٩٨ - ومن المصادفات الغربية أن أهل الشرق. كانوا إلى عهد قريب كذلك ، والأوربيون من الغرب كما ذكر ، فهل هذا بالتوارث؟. - ٤٥٣ - ويفتى بما تقتضيه العادات المتجددة، أو يقال نحن مقلدون، ومالنا إحداث ، شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفتى بما فى الكتب المنقولة عن المجتهدين ؟)). فأجاب (( إن إقرار الأحكام التى مدركها العادات مع تغيير تلك العادات خلاف الإجماع، وجهالة الدين ، بل كل ما هو فى الشريعة يتبع العادات يتغير الحكم فيه عند تغيير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة ، وليس تجديداً للاجتهاد من المفلدين ، حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد ، بل هو قاعدة اجتهد فيها العلماء، وأجمعوا عليها ، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد ، ألا ترى أنهم لما جعلوا المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقداً معيناً حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينا انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول، لانتقال العادة عنه، وكذا الإطلاق فى الوصايا، والإيمان وجميع أبواب الفقه المحمولة على العادات إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام فى تلك الأبواب، وكذلك الدعاوى إذا كان القول قول من ادعى شيئاً، لأنه العادة ثم تغيرت العادة لم يبقالقول قول مدعیه ، بل انعكس الحال فیه، بل لا يشترط تغيير العادة ، بل لو خرجنا من ذلك البلد إلى بلد عاداته مضادة للبلد الذى نحن فيه لم نفته إلا بعادته، دون عادة بلدنا . ومن هذا الباب ما روى عن مالك : إذا تنازع الزوجان فى قبض الصداق بعد الدخول أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض ، قال القاضى إسماعيل: ((هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بامر أنه حتى تقبض جميع صداقها ، واليوم عادتهم على خلاف ذلك ، فالقول قول المرأة مع يمينها ، لأجل اختلاف العادات . إذا تقرر هذا فأنا أذكر من ذلك أحكاماً نص الأصحاب على أن المدرك . فيها العادة ، وأن مسقند الفتيا إنما هو العادة، والواقع اليوم خلافه، فيتعين تغيير الحكم على ما تقتضيه العادة المتجددة)) (١). (١) الأحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافى ص ٦٧ . - ٤٥٣ - ولقد أخذ بعد ذلك يضرب الأمثال عن العرف البيانى الذى يخصص الألفاظ وفسر ذلك بقوله : وينبغى أن يعلم أن معنى العادة فى اللفظ أن ينقل إطلاق لفظ واستعماله فى معنى ، حتى يصير هو المتبادر من ذلك اللفظ أن ينقل الإطلاق ، مع أن اللغة لا تقتضيه ، فهذا معنى العادة فى اللفظ ، وهو الدلالة العرفية ، وهو المجاز الراجح فى الأغلب ، وهو معنى قول الفقهاء إن العرف يقدم على اللغة عند التعارض)) (١) . ويسوق الأمثلة الثلاثة التى وعد بذكرها وهى: (١) بعض ألفاظ الوضيعة، فقد كان العرف يقضى بأن المتبايعين إذا اتفقا على أن تكون الوضيعة للعشرة أحد عشرة، أو للعشرة عشرين بأن ينصرف الأول على أنهما يريدان أن مائمنه أحد عشر يكون ثمنه عشرة، وفى العبارة الأخيرة يراد بها حط نصف الثمن، فيقول القرافى فى ذلك: ((هذه عادة قد بطلت ، ولم يبق هذا اللفظ يفهم منه اليوم هذا المعنى البتة، بل أكثر الفقهاء لا يفهمه فضلا عن العامة ؛ لأنه لاعادة فيه ، ولايفهم منه شىء معين باعتبار اللغة أيضاً ، فينبغى إذا وقع هذا العقد فى المعاملات أن يكون العقد باطلا ، فإنه ليس من عادتهم استعماله البتة ، لأنا طول أعمارنا لم نسمعه إلا فى كتب أنفقه ، أما فى المعاملات فلا، وإذا لم يكن الثمن معلوماً بالعادة ، ولا باللغة كان العقد باطلا )) . (٢) والمثال الثانى فى التولية والمرابحة إذا قال: بعتك بما قامت على قال يصح البيع ، ويكون للبائع مع الثمن ما بذله من أجرة القصارة، والطرازة، والخياطة، والصبغ، ونحو ذلك مما له عين قائمة ، ويستحق له حصته من الريح إن سمى لكل عشرة ربحاً ، وماليس له عين قائمة إلا أنه يوجب فى (١) الكتاب المذكور ص ٠٦٨ '-ے = ٤،٤ - السوق زيادة فيه، وتنمية للثمن فإنه يستحقه ، ولا يستحق له حصة من الربح نحو كراء الحمل فى النقل للبلدان ونحوه، وما لا يؤثر فى السوق لا يستحقه ، ولا يكون له ربح كأجرة العطى والشد، وكراء البيت، ونفقة البائع على نفسه، وهذا التفصيل لا يفيده قوله بما قامت على لغة، بل يصح البيع ، بهذه العبارة إذا كان هذا اللفظ يقتضيه عادة فيصير الثمن معلوماً بالمعادة ؛ فيصح البيع ، أما اليوم فلا يفهم فى العادة ، ولا يتعامل الناس بهذه العبارة ، فلا عادة حيفئذ ، فهذا الثمن مجهول، فلا نفتى بما فى الكتب من صحته ، وتفصيله، لانتقال العادة ،. (٣) والمثال الثالث ذكره بقوله: ((ماوقع فى المدونة إذا قال لامرأته أنت على حرام، أو خلية، أو برية ، أو وهبتك لأهلك ، يلزمه الطلاق الثلاث ، ولا تنفعه البينة أنه أراد أقل من الثلاث ، وهذا بناء على هذا اللفظ فى عرف الاستعمال اشتهر فى إزالة العصمة ، واشتهر فى العدد الذى هو الثلاث ... )). ١ وإذا تقرر هذا فأنت تعلم أنك لاتجد أحداً من الناس يستعملون هذه الصيغ المتقدمة فى ذلك ، بل تمضى الأعمار، ولا يسمح أحديقول لامرأته إذا أراد طلاقها أنت خلية، ولا وهبتك لأهلك ولا تستعمل هذه الألفاظ فى إزالة النكاح، ولا فى عدد طلقات، فالعرف حينئذ فى هذه الألفاظ منفى قطعاً، وإذا انتفي العرف لم يبق إلا اللغة ، (١). ٢٤٥ - هذه وغيرها نصوص المذهب المالكى شاهدة بأن العرف أصل من أصول الاستنباط ، قد أنبنت عليها أحكام كثيرة ، لأنه فى كثير من الأحيان يتفق مع المصلحة ، والمصلحة أصل بلا نزاع فى ذلك المذهب، ولأن العرف يقتضى إلف النفوس لما يكون من أحكام تكون على مقتضاه، (١) الأحكام فى تمييز الفتاوى والأحكام ص ٧٠. 1 - ٤٥٥ - ومخالفته تؤدى إلى الحرج والمشقة وهما مرفوعان فى حكم الإسلام، لأن الله سبحانه وتعالى ماجعل من حرج على الناس فى دينه ، والله سبحانه يشرع ما يستسيغه الناس ويألفونه، لامايكرهونه ويبغضونه، ولأن العرف إذا لم يكن على رذيلة ، وهو العرف المحترم يكون احترامه مقوياً الوحدة الجامعة بين الناس الرابطة بينهم، لأنه يكون متصلا بتقاليدهم ومآ ثرهم الاجتماعية، ومخالفته هدم لهذه المآثر، وتلك التقاليد المحترمة، وفك للوحدة. وإن البداهة توجب أن تكون الألفاظ مفهومة بموجب العرف ، والعقود تسير على أسسه مالم يقر الحرام ، فعندئذ يكون من الواجب ترك الاستمساك به ، بل التعاون على البر يوجب تغييره. خاتمة ٢٤٦ - هذه أصول الإمام مالك رضى الله عنه التى استخرجها عدماء مذهبه من جملة الفروع المأثور عنه، والتى وجدوا أن هذه الفروع تتفرع عنها، وترجع إليها، واستقام لديهم من جملة المصادر المختلفة أن مالكا رضى الله عنه كان يعتمد عليها فى استنباطه . وأول ما يلاحظ على هذه الأصول مرونتها ، فهو لم يجعل مطلق نص من الكتاب أو السنة قطعياً ، بل فتح الباب على مصراعيه لتخصيص عمومه، وتقييد مطلقه ، فأكثر من المخصصات ، وإنه كلما فتح باب التخصيص كان فى النص مرونة تتسع لوسائل الاستنباط ، فلا يحمد الفقيه عند العبارة لا يعدوها ، بل يربط الأصول بعضها ببعض ، فيخصص هذا بذاك، ويبعد المعنى الغريب بمعنى مأخوذ من أصل قريب ، فيخرج من بينها فقه نضيج قوى قويم مألوف معروف غير بعيد عن أحكام العقول ، وعما يتلقاه الناس بالقبول . - ٤٥٦ - وثانى مايلاحظ على هذه الأصول بعد مروتها ، اتجاهها نحو تحقيق المصلحة من أقرب طريق ، وأكثر من طرقها، فجعل القياس طريقاً لتحقيقها، وجعل من طرقها الاستحسان بترجيح الاستدلال المرسل ، إن أبعد القياس الوصول إليها ، وجعل المصلحة المرسلة القريبة أساساً فى الاستدلال ، لتتحقق من أيسر سبيل، وجعل سد الذرائع وفتحها من طرقها، واعتبره أصلا أيضاً من أصول الاستدلال، ثم أخيراً اعتبر العرف، وهو باب من أبواب رفع الحرج ودفع المشقة وتحقيق المصلحة ، وسد الحاجة ، وجعل العقود تحقق رغبات الناس البريئة من الآثام وحاجاتهم ، وتسير على مقتضى مشهور ثم . فمالك رضى الله عنه قد رأى قصد الشارع الأساسى إلى تحقيق مصالح الناس جلياً فى شريعته ، فجعل فقهه الذى لا يعتمد فيه على النص القطعى يسير حول قطبها ، ويدور على محورها ، يحميها بسد الذرائع وفتحها (ويكثر من الطرق الموصلة إليها ، لتتحقق من أقرب طريق، وأيسر سبيل. ( وثالثها ) أن أصول الاستنباط عنده مترابطة يكمل بعضها بعضاً، ويستقى جميعها من معين واحد، ويهتدى بهدى واحد، وهى النص الإسلامى، وروحه ومعناه ، وتطبيق النبى والصحابة له ، وبذلك التقى فقهه فى غاية واحدة ، وهى مصالح الناس فى الدنيا والآخرة ، وسلك طريق الاتباع دون الابتداع ، فقد وجدناه يعتمد على أقضية الصحابة وفتاويهم فى تعرف غاية الشريعة ، ثم يسترسل بعد ذلك فى تعرف الأحكام والغايات استرسال العريق فى فهم الشريعة بنصوصها ومراميها ، وغاياتها القريبة والبعيدة وبذلك فتح عين الطريق لمن جاء بعده من تلاميذه وتلاميذهم، ففهموا الفقه فهمه، وسلكوا طريقه، فما الفقه المالكى نمواً عظيما، وقد آن أن نتجه إلى بيان ذلك ، فلنتجه إليه . - ٤٥٧ - نمو المذهب المالكى ٢٤٧ - شرحنا فى الكلام السابق أصول المذهب المالكى ، وختمنا القول بالإشارة إلى أن هذه الأصول من شأنها أن تجعل ذلك المذهب فى نمو وازدهار، فيكون خصباً مثمراً، ولكن بعض الثقات من المؤرخين وهو ابن خلدون يرمى ذلك المذهب الجليل ومعتنقيه بالجمود ، ولذلك يحق علينا، ونحن نريد أن نبين حقيقة نموه ، أن نذكر مقدار الصدق فى دعوى مؤرخ الإسلام العظيم، وذلك لأن العلماء يقولون أن من بدائة العقول وجوب التخلية قبل التحلية ، أى فى العيوب قبل ذكر المحامد. وإنا فى هذا السبيل ننقل إليك كلامه بنصه ، حتى لانتزيد عليه ، ثم نبين صحيحه من سقيمه، فقد قال بعد أن ذكر أتباع أبى حنيفة والشافعى وأحمد بالمشرق : (وأما مالك رحمه الله تعالى، فاختص بمذهبه أهل المغرب والأنداس، وإن كان يوجد فى غيرهم ، إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا فى القليل ، لما أن رحلتهم كانت غالباً إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق ، ولم يكن العراق فى طريقهم ، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة، وشيخهم يومئذ ، وإمامهم مالك وشيوخه من قبله ، وتلميذه من بعده، فرجع إليه أهل المغرب والأندلس ، وقلدوه دون غيره من لم تصل إليهم طريقته ، وأيضاً فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التى لأهل العراق، فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة ، ولهذا لم يزل المذهب المالكى غضاً عندهم ، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها، كما وقع فى غيره من المذاهب ، ولما صار مذهب كل إمام علماً مخصوصاً عند أهل مذهبه ، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس!، فاحتاجوا إلى تنظير المسائل فى الإلحاق وتفريعها عند - ٤٥٨ - الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة، من مذهب إمامهم ، وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير ، أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيها ما استطاعوا، وهذه الملكة هى علم الفقه، وأهل المغرب جميعاً مقلدون لمالك رحمه الله)) (١). ٢٤٨ - هذا كلام ذلك المؤرخ الكبير، وإنه ليحتاج إلى تمحيص، ففيه ما يقبل ، وفيه ما يشك فى صدقه . (١) فإنه لا مجال للريب فى أن من أسباب انتشار المذهب المالكى بالمغرب والأندلس التقاءهم به وبشيوخه من قبله وتلاميذه من بعده وعدم التقائهم بفقهاء العراق، وإن ذلك ينطبق على مصر ، كما انطبق على المغرب والأندلس ، ولذلك كان لهذا المذهب مكانة كبيرة بمصر ، ولم يقض عليه أو يغلبه مقام الشافعى فى آخر حياته بها ، وانتشاره أخيراً منها ، بل لم يقض عليه وقت أن أيدت الدولة الأيوبية المذهب الشافعى، وناصرته بسلطانها ، فاضطرت أن تعترف، بمكانة مذهب مالك ، فتجعل المالكية قضاة منهم ، واختصتهم بذلك دون المذهبين الآخرين الحنفي ، والحنبلى. ولكن ليس الحج هو السبب وحده فى نشر المذهب المالكى بالأندلس، والمغرب ، بل سلطان الدولة كان سبباً آخراً قوياً فى الأندلس والمغرب ،بل إن ابن حزم يقرر أن مذهبين انتشرا بقوة السلطان ، مذهب أبى حنيفة بالمشرق ، ومذهب مالك بالأندلس ، أو فى الأعم بالمغرب، كما سنبين ذلك فى مواضع انتشار المذهب . (ب) وإنه يذكر أن من أسباب قبول أهل المغرب والأندلس لذلك المذهب هو المشاكلة فى البداوة بين أهل الحجاز وبين أهل المغرب والأندلس، وإن ذلك السبب فيه نظر ، فإن مدن الحجاز لم يعد سكانها من البدو، وخصوصاً (١) المقدمة ص ٢٤٥ طبعة الخيرية . - ٤٥٩ - فى العصر الأموى، فإنها كانت تموج بما يفيض به عليهم الأمويونمنخير ات، ولذلك ظهر فيهم الترف والنعيم وظهر فيهم أبلغ الشعر فى الغزل ، وظهر الغناء الحضرى بكل طرائفه، وأمذوا به العراق وبغداد حاضرة الخلافة فى العصر العباسى، وإن سلمنا أن مدن الحجاز يسكنها بدو، فلن نسلم ذلك له قط فی الأنداس ، فأهل الأندلس کانوا ذوی حضارة فی قديمهم وحديثهم، قبل الفتح الإسلامی وبعده وما كان لمثل ابن خلدون أن يعمم حکمه إليهم، وإذا لم يصح أن أهل المدينة كانوا بدواً ، ولم يصح أن أهل الأنداس كانوا بدواً، وليس أهل مصر بدواً بالاتفاق، يكون من الحق أن نبعد ذلك السبب ، وأن نبعد ما انبنى عليه. (جـ) وإن المقدمات التى ينتهى إليها كلامه هذا فى حكمه بأن أهل المدينة بدو ، وأن أهل المغرب والأنداس بدو، وأنهما لهذا قبلا مذهباً واحداً ، وهو مذهب مالك ، تطوى فى ثناياهم الحكم بأن المذهب المالكى هو مذهب أهل البدو ، لا أهل الحضارة ، ولذلك اجتمعوا عليه، وأيدوه وذلك لا يتفق بحال من الأحوال مع قواعد ذلك المذهب وأصوله، فإنها كانت من الاتساع والمرونة، والقوة، والنفاذ إلى إصلاح الجماعات وتنظيم شئونهم ما يجعلها تصلح لتنظيم الحضارات المختلفة ، مهما تتسع آفاقها ، وتتنوع وسائل العمران فيها ، وتختلف طرائق الحياة ، وإن نظريات المصالح المرسلة والذرائع ومراعاة العرف، والقياس وقوة الأخذ بها ، حتى يخصص أحيانا ١- بعض النصوص فيها الغناء لكل حضارة والمعين الصالح لاستنباط أدق القوانين فى تحقيق العدالة مهما تتعقد حياة الجماعة وتتشابك فيها المصالح ، فلا يمكن أن يكون ذلك المذهب بدوياً أى لايصلح إلا للبدو، وإن كانت فى أصوله سلامة الفطرة . (د) ولقد أدعى ابن خلدون أن بداوة أهل الغرب جعلت المذهب غضاً، لم يدخله التنقيح، وإن تلك القضية ليست صحيحة ، لا فى المقدمة ولا فى - ٤٦٠ - النقيجة ، لأنه لم يصح أن المغاربة وحدهم هم الذين اعتنقوه، ولو سلم له أنهم جميعاً أهل بدو ما ساغ لناقط أن نسلم له أن أهل مصر كانوا بدواً فى ماضيهم السحيق أو ماضيهم القريب فما كانوا فى عهد من العهود كذلك، وما تسمح لهم طبيعة بلادهم أن يكونوا بدواً ، وإذا كان ذلك كذلك ، فالمقدمه غير صحيحة ، لأن المغاربة ليسوا جميعاً بدواً وأهل الأندلس ليسوا بدواً، وأهل مصر لا يسوغمؤرخ أن يحكم عليهم بأنهم بدو . وإذا كان الذين اعتنقوا المذهب ليسوا بدواً ، فما يسوغ لنا أن نحكم بأن المذهب الذى اعتنقوه بقى غضاً لم ينقح ، وإن الواقع أن هذا المذهب فقح وخرج، واستنبطت أصوله، وفرعوا عليها، واتسعت آفاق التخريج فيه اتساعا عظما ، منذ عهده الأول ، واستمر فى تنقيح وحسن تخريج ، واستنباط أصول ، إلى أن تكامل، واتسع وتنافس فى ذلك علماء مصر ، وعلماء الأندلس، وقد رأيت فيما شرحنا لك من الأصول التى استنبطها علماء الفقه المالكى ودونوها، كيف كانت منقحة سليمة مستساغة فى العقل ، ومثقفة مع الحاجات القانونية للبيئات المختلفة وقد وجدنا من كتاب الأندلس والمغرب ومصر من دعموا المذهب بالأدلة والتخريج ، وتوجيه المسائل ، وتنقيح الروايات ، حتى وجدناه يعالج كل مسائل الحضارة والعمران علاجا سليما خالياً من التكلف ، ومتفقاً مع أحدث الأصول. وخلاصة القول أن إمام المؤرخين قد تجنى على قومه البربر ، وتجنى على مذهب إمام المدينة ، فعفا الله عنه، وجزاه عن العلم خيراً ، وقبل أن نخوض فى الأسباب التى نما بها المذهب المالكى ومقدار نموه نشير إلى حقيقتين يفترق فيما مذهب المالكية عن المذهب الحنفي بنوع من الافتراق . (أحدهما) أن أبا حنيفة مع تلاميذه كانوا يكونون مدرسة ، فلم تذهب شخصياتهم فى شخص الإمام ، بل كانوا فى حياته يجادلونه ، وينازعونه المقاييس ويخالفونه ، ولما انتقل إلى جوار ربه، وتولى رياسة الفقه العراقى