النص المفهرس
صفحات 421-440
- ٤٢١ - مسلكهم من الحنابلة غير الطوفى ، أن المصلحة ثابتة حيث وجد هذا النص، فلا يمكن أن تكون هناك مصلحة مؤكدة أو غالبة، والنص القاطع يعارضها، إنما هى ضلال الفكر ، أو نزعة الهوى ، أو غلبة الشهوة أو التأثر بحال عارضة غير دائمة أو منفعة عاجلة سريعة الزوال ، أو على التحقيق منفعة مشكوك فى وجودها ، وهى لا تقف أمام النص الذى جاء عن الشارع الحكيم وثبت ثبوتاً قطعياً لا مجال للنظر فيه ، ولا فى دلالته، أما إذا ثبت الحكم بنص قد ثبت بالظن، إذ كان الاحتمال فى سنده ، أو كانت دلالته ظنية كدلالة الظاهر، فقدرأيت كيف أثر عن مالك أنه يخصص ما يثبت بالظن، بالقياس إن تضافرت شواهده ؛ واعتمد على أصل مقطوع به، والمصلحة عنده من ذلك الصنف أيضاً ، إن ثبت رجحانها بطريق قطعى لا احتمال فيه قط ، فيكون بين أيدينا أصلان متعارضان، أحدهما ظنى فى سنده أو دلالته ، والآخر قطعى فى دواعيه وتقريره، وفى هذه الحال يقدم القطعى على الظنى ، وإن كان النص خبر آحاد يكون هذا تضعيفاً لنسبته، عن طريق الشذوذ فى متنه ، لأنه إذا خالف مصلحة راجحة مؤكدة يكون مخالفاً لمجموعة الشواهد الشرعية المثبتة لطلب المصالح ودفع المضار . ولقد كنا نود أن يقف الطوفى فى النصوص التى تعارضها المصالح عند هذا الحد الذى وقف عنده المالكيون ، ولكنه تجاوز الحد ، فزعم أن المصالح تقف معارضة للنصوص القطعية . وأردف ذلك بزعمه أنها تقف أمام الأمور المجمع عليها وهنا محز الخلاف ، ومفصل القول . ٢١٣ - وإن الأدلة التى ساقها ليست قاطعة فى دلالتها على مطلوبه ، بل الارتباط بينها وبين دعواه ارتباط واه لا يصلح شرطاً لإنتاج دعوى خطيرة كهذه الدعوى التى تفرض أن نصوص الشارع القطعية تجىء مضادة للمصالح، وإن هذه المقدمات التى ساقها لإثبات دعواه تصلح حجة لمخالفه، بل تكون فى إثبات النقيض أقوى دلالة وأكثر إنتاجاً؛ فإن قول - ٤٢٢ - الله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور)) تدل على اشتمال نصوص الشريعة على المصالح ، لا على احتمال معارضة المصالح لها ، فإن الموعظة والهداية والرحمة والشفاء فى مطويات نصوصها، فلا يمكن أن تكون معارضة لمصلحة، وإلا ما كانت موعظة ولاشفاء ولا رحمة ، والآيات التى ساقها تثبت أن الأحكام المنصوص عليها جاءت للمصالح ، فلا يمكن أن يكون فى نصوص الشارع ما يعارض المصالح الحقيقية المعتبرة عند العقلاء مصلحة لا مجال للشك فيها والحديث ينى عن أن الشريعة تمنع الضرر والضرار ، وما يكون على هذه الشاكلة من الشرائع لا يمكن أن تكون نصوصه معارضة للمصالح مناهضة لما، ففرض التعاند إذن بين النصوص والمصالح فرض باطل ، وما ينبنى عليه من تقديم المصالح على النصوص القطيعة فى دلالتها وسندها باطل أيضاً . ٢١٤ - بقى أن نناقش ما زعمه من أن طريق معرفة المصالح طريق واضح وأنه لايصح أن نتركه لأمرمبهم، يحتمل أن يكون طريقاً للمصلحة، ويحتمل ألا يكون . وهنا نجد الطوفى مؤمناً بالمصلحة الإيمان كله، وليته قد تخلف به الزمان حتى رأى عصرنا الحاضر ، وتشابك الإجماع فيه ، وتعقد مسائله ، وحيرة العلماء فى علاجه ، وتضارب آرائهم ، وتباين مذاهبهم ، حتى إن بعضهم ليرى فى الأمر المصلحة كلها ، وهى واضحة لديه وحده ، ویری الآخر غيرها ، وتنحدر المذاهب من فلسفة الخاصة إلى متناحر العامة ، فهذا فوضوى ، وذلك اشتراكى ، وذلك يناصر رأس المال فى قوة ، وهذا يناصره باعتدال ، وأولئك يدعون إلى أن تكون المناجم ملكا للدولة لتكون منفعتها للكافة، وهؤلاء يدعون إلى أن تكون الأراضى على الشيوع لكل آجاد الأمة ، وهؤلاء يمنعون الوراثة وآخرون يجيزونها، (وکل حزب بما لديهم فرحون،. - ٤٢٣ - فإذا رأينا النصوص القاطعة تحرم الربا، وجاء أنصار رأس المال من غير اعتدال ، وهم يرون المصلحة القاطعة فى نظرهم توجب تقييد الربا أو تقييد أحواله فتخصص قوله تعالى: ((وإن تتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ببعض الأحوال، أو ببعض الناس ، أو نحو ذلك، أنكون قد تركنا النص الأمر واضح بين ، ويكون اعتمادنا على النص فى تعرف المصلحة فى مثل هذا المقام اعتماداً على أمر مبهم غير بين ، ألا إن الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشتبهات ولا عاصم لنا من مشتبهات الأزمنة إلا الاعتماد على النصوص القاطعة ، ففيها المعاذ، وفيها النور ، وفيها الجادة التى لا عوج فيها ، والاستمساك بها استمساك بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها . ٢١٥ - أن المصالح ليست كلها بينة واضحة المناهج ، بل منها ما هو بين لا يحتاج إلى بيان وتعريف ، ومنها ما هو ملتبس غير بين ، والناس فى حياتهم الخاصة والعامة يبتلون بمسائل لا يعرفون فيها وجه الصواب والمصلحة ، وكذلك فى مصالح الكافة قد يختفى وجه المصلحة ، فتكون الدراسة ، ولا يمكن أن ينتهى الناس إلى الإجماع على أن أمراً فيه مصلحة، ويمكن أن يكون من النصوص القرآنية أو الأحاديث الصحيحة ما يعارضه أو يمنعه . إن الخلاف إذن بيننا وبين الطوفى ، أو بين الطوفى ، ومن لا يغالون مغالاته فى اعتبار المصالح ، فى أمرين : أحدهما ، فرضه أن المصالح كلها بينة واضحة غير مبهمة ، وأن الاعتماد عليها اعتماد على أمر بين لا إبهام فيه ، فنحن نرى أن من الأمور ما لا يعرف وجه المصلحة فيه على التعيين ، فيكون النص أولى بالاعتبار ، ولا تجعله مضطرباً يؤخذ به عند من يقبينون المصلحة فيه، ويرفضه من لا يرونها فيه ، وقد تختلف بعد ذلك آراؤهم ، فيرى الأولون عكس - ٤٢٤ - ما كانوا يرون، ويرى الآخرون ما كان يرى الأولون، فتكون نصوص الشارع هزواً ولعباً . ثانيهما، أن الاستقرار يجعلنا نطمئن إلى أنه لا يمكن أن توجد مصلحة مستيقن بها، ويعارضها نص مقطوع به فى سنده ودلالته ، ولم يأت لنا الطوفى فى سياق قوله بمثل استيقن الناظر فيه بالمصلحة ، وكان النص القاطع يمنعها، والاستقراء وحده هو الذى يحكم فى هذا الأمر. ٢١٦٠ - ولقد تبين مما تقدم أن مصالح الدنيا متشابكة مختلطة بالمضار، فلا يمكن أن يستيقن بمصلحة خالصة قط ، وإنما يسير المرء فيها على تقديم أرجح المصالح ودر. أكبر المفاسد، والأمر فيها كما قال العز بن عبد السلام: « تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، ودرء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن ، اتفق الحكماء على ذلك ، وكذلك الشرائع ... وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين، ولا يبالون بفوات أدناهما ... فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية ، ولدره مفاسد المعاطب والأسقام، ولدره ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه، فإن تعذر دره الجميع، أو جلب الجميع، استعمل الترجيح عند عرفانه)) (١). وإذا كانت المصالح فى أغلب أحوالها متشابكة مع المفاسد ذلك التشابك، فليس ثمة سبيل إلى اليقين بها ، وإذا لم يكن ثمة يقين ، فلا يمكن أن تعارض نصاً مقطوعاً به ؛ وهذا فيصل ما بين الطوفى ومالك . ٢١٧ - ولنترك الآن الطوفى ومغالاته، ولنتجه إلى مالك واعتداله، لقد أخذ بالمصلحة فى المعاملات واعتبرها دليلا مستقلا، غير مستند إلى ما سواه، حيثما وجدت المصلحة أخذ بها ، سواء أكان لها شاهد خاص من (١) القواعد الكبرى العز بن عبد السلام ج ١ ص ٤. - ٤٢٥ - الشرع بالاعتبار أم لم يكن لها شاهد بالاعتبار أو بالإلغاء، وهذا مايسمى فى عرف الفقهاء المصالح المرسلة ، قد أخذ بها مالك ، وإن عارضتها نصوص ظنية، كان التعارض بينهما، وقد يرجح الأخذ بها، ويخصص النص أو يضعف سنده إن كان عاماً ، وإن لم يكن ثمة نص معارض أخذ بها، وقد استرسل فى ذلك استرسال المدل العريق فى فهم المعانى المصلحية ، فعم مع مراعاة مقصود الشارع لا يخرج عنه ، ولا يناقض أصلا من أصوله ، حتى لقد استشنع العلماء كثيراً من وجوه استرساله، زاعمين أنه خلع الربقة، وفتح باب التشريع، وهیهات ما أبعده من ذلك رحمهالله، بل هو الذى رضى لنفسه فى فقهه بالاتباع بحيث يخيل لبعض الناس أنه مقلد لمن قبله ، بل هو صاحب البصيرة فى دين الله (١)). ٢١٨ - وكان مالك فى أخذه بالمصالح المرسلة أصلا مستقلا متبعاً لا مبتدعا : (١) فقد وجد أصحاب رسول اللّه مقاله يقومون بأمور من بعده لم تكن فى عهده، فجمعوا القرآن الكريم فى المصحف ، ولم يكن ذلك فى عهد الرسول، لأن المصلحة تقاضتهم ذلك الجمع، إذ خشوا أن ينسى القرآن بموت حفاظهم ، وقد رآهم عمر رضى الله عنه يتهافتون فى حرب الردة ، فخشی نسیان القرآن بموتهم ، فأشار على أبى بكر بجمعه فىالصحف ، واتفق الصحابة على ذلك وارتضوه . (٢) واتفق أصحاب الرسول من بعده على حد شارب الخمر ثمانين جلدة مستندين فى ذلك إلى المصالح ، أو الاستدلال المرسل ، إذا رأوا الشراب ذريعة إلى الافتراء وقذف المحصنات ، بسبب كثرة الهذيان . (٣) واتفق الخلفاء الراشدون على تضمين الصناع مع أن الأصل أن (١) الاعتصام ج ٢ ص ٠٣١١ - ٤٢٦ - أيديهم على الأمانة ، ولكن وجد أنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم ، فى الناس حاجة شديدة إليهم، فكانت المصلحة فى تضمينهم، ليحافظوا على ما تحت أيديهم، ولذلك قال على فى تضمينهم ؛ ((لا يصلح الناس إلا ذاك)). (٤) وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يشاطر الولاة الذين يتهمهم فى أموالهم، لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التى استفادوها بسلطان الولاية، وذلك من باب المصلحة المرسلة أيضاً ، لأنه رأى فى ذلك صالح الولاة، ومنعهم من استغلال سلطان الولاية لجمع المال ، وجر المغانم من غير حل . (٥) وحكى عنه رضى الله عنه أنه أراق اللبن المغشوش بالماء، تأديباً للغاش ، وذلك من باب المصلحة العامة ، لكيلا يغشوا الناس . (٦) وقد نقل عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا فى قتله ، لأن المصلحة تقتضى ذلك، إذ لا نص فى الموضوع ، ووجه المصلحة أن القتيل معصوم ، وقد قتل عمداً ، فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعى بالقتل ، إذا علم أنه لا قصاص فيه فإن قيل هذا أمر بدعى ، وهو قتل غير القاتل ، لأن كل واحد لا يعد قائلا بمفرده قيل فى رد ذلك إن القاتل الجماعة من حيث الاجتماع ، فقتلها كلها قتل كالقاتل بمفرده، إذ الفتل مضاف إليها كإضافته إلى الشخص الواحد، فنزل الأشخاص المجتمعون لغرض القتل منزلة الشخص الواحد ، وقد دعت إلى هذا المصلحة ، إذ فيه حقن الدماء ، وصيانة المجتمع(١). ٢١٩ - وجد مالك ذلك كله وغيره من الثروة الفقهية التى تركها فقها. (١) الأمثلة الستة السابقة مبثوثة فى الاعتصام جـ ٢ من ص ٢٨٨ إلى ص٣٠٢ - - ٤٢٧ - الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم، فلم يكن له إلا أن يسلك مسالكهم، وينهج منهجهم من غير ابتعاد عن مقصود الشارع ومرماه ، وكانت فتواه بمراعاة المصلحة فى المسائل العامة ، والمسائل الخاصة . (١) ومن ملاحظته المصلحة فى المسائل العامة إجازته بيعة المفضول، وهو الذى يوجد من هو أولى منه بالخلافة، لأن بطلانها يؤدى إلى فساد واضطراب فى الأمور، وعدم إقامة مصالح الناس فى الدنيا ، وفوضى ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب فى سنين، وقد أثر عنه أنه قال فى عهد عمر بن عبد العزيز بالخلافة من بعده إلى رجل صالح: « إنما كانت البيعة ليزيد بن عبد الملك من بعده، فخاف عمر إن ولى رجلا صالحاً ألا يكون ليزيد بد من القيام فتقوم فتنة، فيفسد ما لا يصلح)) (١) وفى هذا أخذ بالمصلحة وحدها . (٢) ومنها أنه إذا خلا بيت المال ، أوارتفعت حاجات الجند ، وليس فيه ما يكفيهم، فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً فى الحال، إلى أن يظهر مال فى بيت المال، أو يكون فيه ما يكفى ، ثم له أن يجعل هذه الوظيفة فى أوقات حصاد الغلات ، وجنى الثمار لكيلا يؤدى تخصيص الأغنياء إلى إمحاش قلوبهم، ووجه المصلحة أن الإمام العادل لو لم يفعل ذلك لبطلت شوكته ، وصارت الديار عرضة للفتن وعرضة للاستيلاء عليها من الطامعين فيها ، وقد يقول قائل إنه بدل أن يقوم الإمام بفرض هذه الوظيفة يستقرض لبيت المال . وقد أجاب عن ذلك الشاطبى ، فقال : «الاستقراض فى الأزمات، إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل ينتظر، وأما إذا لم ينتظر شىء، وضعفت وجوه الدخل، بحيث لا يغنى ، فلا بد من جريان حكم التوظيف)، (٢). (١) الاعتصام الجزء الثانى ص ٠٣٠٥ (٢) الاعتصام جـ ٢ ص ٠٢٩٨ - ٤٢٨ - ٢٢٠ - ومنها أنه لو طبق الحرام الأرض، أو من ناحية من الأرض يعسر الانتقال منها ، وانسدت طرق المكاسب الطيبة، ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق . فإنه يسوغ لآ حاد الناس إذالم يستطيعوا تغيير الحال، وتعذر الانتقال إلى أرض تقاوم فيها الشريعة، ويسهل الكسب الحلال . أن تنالوا كارهين من بعض هذه المكاسب الخبيثة دفعاً للضرورة ، وسدأ للحاجة، إذ لو لم يتناولوا لكانوا فى ضيق وأكبر مشقة، فكانوا كالمضطر إذا خاف الموت إن لم يأكل من المحرم كالميتة والخنزير، بل لهم أن يتناولوا منها ما فوق الضرورة إلى موضع سد الحاجة، إذلو اقتصروا على الضرورة لتعطلت المكاسب والأعمال ، ولاستمر الناس فى مقاساة ذلك إلى أن يهلكوا ، وفى ذلك خراب الدين . ولكنهم لا يتجاوزون مواضع الحاجة إلى الترفه والنعيم ، فإن ذلك يعد استمراء للشر، ولا يعد علاجاً لحال شاذة غريبة عن شرعة الإسلام، وهى غلبة الحرام على أحد بلدان المسلمين . ولقد ذكر الشاطى أن ذلك ملائم لبعض مقاصد الشريعة ، فقال : « هذا ملائم لتصرفات الشرع، وإن لم ينص على عينه ، فإنه قد أجاز للمضطر أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك من الخبائث ، وحكى ابن العربى الاتفاق على جواز الشبع عند توالى المخمصة . وإنما اختلفوا إذا لم تتوال أيجوز الشبع أم لا ، وأيضاً فقد أجازوا أخذ مال الغير عند الضرورة ، فما نحن فيه لا يقصر عن ذلك))(١) . ٢٢١ - وترى من هذا كيف كان مالك رضى الله عنه يسير فى ستنباطه الفقهى على أساس معالجة شئون الجماعة بما يكون فيه خيرها وصلاحها ، وأن تكون أمورها ميسرة لا عنت فيها ولا ضيق ، ولا حرج ولا مشقة . (١) الإعتصام ص ٣٠٠ ٠٢٢ - ٤٢٩ - وقد لاحظ الدارسون للمذهب المالكى المتعرفون لمناهج الاستنباط فيه، أن استنباط مالك فى الأخذ بالمصالح المرسلة كان يتجه فيه إلى أمور هى بمثابة القیود لا سترساله ، وهی: أولا : الملاءمة بين المصلحة التى أخذ بها ، وبين مقاصد الشرع فى الجملة، بحيث لا تنافى أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته القطعية، بل تكون متفقة مع المصالح التى قصد الشارع إلى تحصيلها ، بأن تكون من جنسها أو قريبة منها، ليست غريبة عنها، وإن لم يشهد دليل خاص باعتبارها . ثانياً: أن تكون معقولة فى ذاتها ، جرت المناسبات المعقولة التى إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول . ثالثاً : أن يكون فى الأخذ بها رفع حرج لازم فى الدين . فلو لم يؤخذ بالمصلحة المعقولة فى موضعها لكان الناس فى حرج ، والله تعالى يقول : ((وما جعل عليكم فى الدين من حرج)) (٢). وهذه قيود بلا شك تمنعه من أن يخلع الربقة ، ويسير أمور الناس على مقتضى الشهوات والأهواء ، وهو فيها رضى الله عنه لا يخالف نصاً مقطوعاً به إلا للضرورة الملجئة ، فإن حال الاضطرار تجيز إسقاط بعض الواجبات اللازمة فى حال الاختيار ، وذلك ثابت بالنصوص القاطعة . ٢٢٢ - لقد قلنا إن الفقه الإسلامى يعتبر المصالح، وأنه ما جاء إلا لها ، وأنها ملاحظة فى كل أحكامه . ولكن موضع الخلاف بين فقها ئه فى اعتبارها أصلا مستقلا يعتمد عليه فى الاستنباط من غير سند من أصل آخر من أص أو عمل للنبى منَّ الله، تكون المشابهة فى المصلحة أساس الحكم، فقد اتفق الجميع على أن المصلحة معتبرة فى هذه الحال على أنهاضرب من ضروب القياس ، وإن لم تعقد هذه المجانسة التى تنتج القياس ، فقد قال مالك وأحمد يؤخذ بها ، أما الحنفية والشافعية وقد قلنا إن الحنفية يأخذون أخذها فيما سموه الاستحسان ، لأنه ليس فى جملته إلاخضوعاً لحكم العرف ٠ (١) هذه القيود مأخوذة من الاعتصام = ٢ ص ٣٠٧ وما يليها . , - ٤٣٠ - أو المصلحة المؤثرة ، أو الضرورة ، وذلك بلا شك خضوع لمعنى جلب المصلحة، ودفع المفسدة ، ورفع الحرج والمشقة ، والراجع إلى قواعد المذهب الحنفي يجد فيها الكثير ما اعتمد على المصالح، فارجع إلى الأشباه والنظائر لابن نجيم ، تجد جلب المصالح ودفع المضار فى مكان من قواعده. أما الشافعى، فقد قال إمام الحرمين إنه يأخذ أحياناً بالمصالح المرسلة، إلا أنه شرط أن تكون تلك المصالح شبيهة بالمصالح المعتبرة. وذكر السبكى « أن الشافعى لا ينتهى إلى مقالة مالك فى الأخذ بجنس المصالح مطلقاً ، ولا يستجيز التنائى والإفراط فى البعد، وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقاً ، والمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة فى الشريعة)، (١). ولقد ذكر الشاطى أن ذلك هو رأى أبى حنيفة ، فقد قال فى الاعتصام: ((وذهب الشافعى ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذى لم يستند إلى أصل صحيح، ولكن بشرط قربه من معانى الأصول الثابتة ). وإن الأخذ بالمصالح المشابهة للمصالح المعتبرة ، أو المعانى الثابتة هو ضرب من ضروب القياس : ولا بعد أخذاً بمطلق مصلحة ، واعتبارها أصلا قائماً بذاته . وإن القسوية بين الشافعية والحنفية فى هذا موضع نظر ، لأن هذا الشافعى لم يستجز الاستحسان فى أية ناحية من نواحيه، وأبو حنيفة أجاز الاستحسان بل أكثر منه ، وهو فى الجملة استثناء من القواعد خضوعاً للضرورة أو العرف، أو لرفع المشقة ، أو اتجاهاً إلى المعانى المصلحية المؤثرة ، وذلك فى الجملة أخذ بقاعدة جلب المصالح ودفع المضار ، كما بينا . (١) التحرير وشرحه ص ١٥٠ من الجزء الثالث. - ٤٣١ - ٢٢٣ - أما بعد فهذا مقام المصلحة فى الفقه الإسلامى ، فى المقصد الأول من شرائعه فى معاملات الناس ، تلاحظ فى مراميه القريبة والبعيدة ، وغاياته القاصية والدانية ، قد أجمع الفقهاء على اعتبارها ، واتفقوا على الأخذ بها، وكان اختلافهم ، لا فى إثبات أصلها ، بل فى مقدار اعتمادهم على العقل وحده فى إدراكها من غير استعانة بالنصوص : فغالى بعض الناس فى الثقة بأحكام العقول الخاصة بالمصالح، حتى جعلوا حكم العقل بأن هذا الأمر فيه مصلحة يقف معارضاً النص القطعى ، فيخصصه ، ويخصص الإجماع القطعى فى إثباته ، وقد بينا ما فى هذا القول من غلو غير مقبول ، وغالى آخرون فوقفوا عند النصوص لا يعرفون المصالح إلا عن طريقها واتهموا العقول فى إدراكها ، وإن ذلك بلا شك توقف فى إدراك المصالح الدنيوية غير مقبول، وقد ذكر النبى سَ ◌ّ غيره فقال: «أنتم أدرى بشئون دنياكم،، وسلك إمام دار الهجرة الجادة المستقيمة ، فلم يجعل أحكام العقل فى المصالح تعدو طورها ، وتجوز موضعها فلم يجعلها معارضة للنصوص القاطعة والأحكام الإجماعية ، ولم يضيق على العقل ، فيحجر عليه أن يدرك المصالح إلا عن طريق النصوص، بل كان مسلكه بين ذلك قواما ، من غير إفراط ولا تفريط، فكان المذهب الخصب الثرى بالمعانى، من غير شطط ولا مجاوزة الاعتدال وكان فيه علاج لأدواء الناس ، ومرونة تجعله يتسع لأعراف الناس وأحوالهم على اختلاف منازعهم وبيئاتهم ، من غير ابتداع ولا خروج. فلم يخرج عن نطاق الاقتداء والاتباع ، والله سبحانه وتعالى هو الملهم للسداد. ١٠ - الذرائع ٢٢٤ - هذا أصل من الأصول التى أكثر من الاعتماد عليها فى استنباطه الفقهى الإمام مالك رضى الله عنه، وقاربه فى ذلك الإمام أحمد ابن حنبل رضى الله عنه، ولنبتدى، بالكلام فى معناه وأقسامه، ثم المصدر الشرعى الذى يجيز الاحتجاج به . - ٤٣٢ - الذريعة معناها الوسيلة ، ومعنى سد الذرائع رفعها ، ومؤدى الكلام أن وسيلة المحرم محرمة ، ووسيلة الواجب واجبة ، فالفاحشة حرام، والنظر إلى عورة الأجنبية حرام، لأنها تؤدى إلى الفاحشة، والجمعة فرض، فالسعى لها فرض، وترك البيع لأجل السعى فرض أيضاً ، والحج فرض، والسعى إلى البيت الحرام وسائر مناسك الحج فرض لأجله . وبيان ذلك أن موارد الأحكام قسمان: مقاصد وهى الأمور المكونة للمصالح والمفاسد فى أنفسها ، أى التى هى فى ذاتها مصالح ، أو مفاسد ، ووسائل ، وهى الطرق المفضية إليها، وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد فى حكمها، ويقول القرافى . . الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسط)) (١). وقد أفاض ابن القيم فى بيان ذلك الأصل القيم ، وتصويره ، فقال : ((ولما كانت المقاصد لا يتوسل إليها إلا بأسباب وطرق تفضى إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصى فى كراهتها والمنع بها، بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها ووسائل الطاعات والقربات فى محبتها والإذن بها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود ، لكنها مقصود قصد الغايات ، وهى مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً ، وله طرق ، ووسائل نفضى إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له، ومعناً أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية لكان ذلك نقضاً للتحريم . وإغراء للنفوس به ، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء ، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك ، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته ، أو أهل بيته من شىء (١) تنقيح الفصول ص ٢٠٠، والفروق ص ٢٢ من الجزء الثانى. -٤٣٣ ٥ ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة لعد متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه ، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة التى هى فى أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ، ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم، بأن حرمها ونهى عنها ، (١). والأصل فى اعتبار سد الذرائع هو النظر فى مآلات الأفعال، وماتنتهى فى جملتها إليه ، فإن كانت تتجه نحو المصالح التى هى المقاصد والغايات من معاملات بنى الإنسان بعضهم مع بعض كانت مطلوبة بمقدار يناسب طلب هذه المقاصد وإن كانت لا تساويها فى الطلب. وإن كانت مآ لاتها تتجه نحو المفاسد، فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المفاسد ، وإن كان مقدار التحريم أقل فى الوسيلة . والنظر فى هذه المآلات لا يكون إلى مقصد العامل ونيته ، بل إلى نتيجة العمل وثمرته ، وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب فى الآخرة ، وبحسب النتيجة والثمرة يحسن الفعل فى الدنيا، أو يقبح ، ويطلب أو يمنع، لأن الدنيا قامت على مصالح العباد، وعلى القسطاس والعدل ، وقديستوجبان النظر إلى النتيجة والثمرة دون النية المحتسبة ، والقصد الحسن ، فمن سب الأوثان مخلصاً العبادة لله سبحانه وتعالى؛ فقد احتسب نيته عند الله فى زعمه، ولكنه سبحانه وتعالى نهى عن السب إن أثار ذلك حنق المشركين ، فسبوا الله تعالى ، فقد قال تعالت كلماته «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله؛ فيسبوا الله عدواً بغير علم، فهذا النهى الكريم كان الأمر الملاحظ فيه هو النتيجة الواقعة ، لا النية الدينية المحتسبة . (١) إعلام الموقعين ج ٣ ص ١١٩ وما يليها. (م ٢٨ - مالك) - ٤٣٤ = ٢٢٥ - ونرى من هذا أن المنع فيما يؤدى إلى الإثم ، أو إلى الفساد لا يتجه فيه إلى النية المخلصة فقط ، بل إلى النتيجة المثمرة أيضاً ، فيمنح لنتيجته ، وإن كان الله قد علم النية المخلصة. وقد يقصد الشخص الشر بفعل المباح، فيكون آئماً فيما بينه وبين الله، ولكن ليس لأحد عليه سبيل ، ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعى ، کمن يرخص فى سلعته، ليضر بذلك تاجراً ينافسه ، فإن هذا بلا شك عمل مباح، وهو ذريعة إلى إثم ، هو الإضرار بغيره، وقد قصده، ومع ذلك لا يحكم على عمله بالبطلان إطلاق ، ولا يقع تحت التحريم الظاهر الذى ينفذه الفضاء فإن هذا العمل من ناحية النية ذريعة للشر، ومن ناحية الظاهر قد يكون ذريعة للنفع العام والخاص فإن البائع بلا شك ينتفع من بيعه، ومن رواج تجارته ومن حسن الإقبال عليه وينتفع العامة من ذلك الرخص ، وقد يدفع إلى تنزيل الأسعار . فبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية كما رأيت، بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام ، أو إلى دفع الفساد العام، فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد، أو إلى النتيجة وحدها . وقد فرض الشاطبى صورة يقصد فيها العامل إلى نفع نفسه ، وإلى ضرر غيره معاً . وليس فى القضية نفع عام ، ولا فساد عام؛ فقال فى حكم هذه القضية : (( لا إشكال فى منع القصد إلى الإضرار من حيث هو إضرار لثبوت الدليل على أن لا ضرر ولاضرار فى الإسلام، لكن يبقى النظر فى هذا العمل الذى اجتمع فيه قصد نفع ، وقصد إضرار غيره أيمنع منه فيصير غير مأذون فيه أم يبقى على حكمه الأصلى من الإذن ، ويكون عليه إثم ما قصد ؟ هذا ما يتصورفيه الخلاف على الجملة، ومع ذلك فيحتمل فى الاجتهاد تفصيلا، وهو أنه إما أن يكون إذا رفع ذلك العمل وانتقل إلى وجه آخر فى استجلاب ٤ ٤٣٥ ٠ تلك المصلحة أو درء تلك المفسدة حصل له ما أراد أولا ، فإن كان كذلك فلا إشكال فى منعه منه ، لأنه لم يقصد ذلك الوجه ، إلا لأجل الإضرار ، فلينتقل عنه، ولا ضرر عليه، كما يمنع من ذلك العقل إذ لم يقصد الإضرار(١) (((وإن لم يكن له محيص عن تلك الجهة التى يستضر بها غيره، فق الجالب أو الدافع مقدم ممنوع من قصد الإضرار (٢)). ٢٢٦ - من هذا الكلام يستبين أن أصل سد الذرائع لا تعتبر النية فيه على أنها الأمر الجوهرى فى الإذن أو المنع ، إنما النظر فيه إلى النتائج والثمرات ، فإن كانت نتيجة العمل مصلحة عامة كان واجباً بوجوبها وإن كان يؤدى إلى فساد، فهو منوع بمنعه، لأن الفساد منوع ، فما يؤدى إليه بمنوع أيضاً ، والمصلحة مطلوبة فما يؤدى إليها مطلوب . والنظر فى هذا الأصل ينتهى بنا إلى أنه ثبت لتحقيق الأصل السابق، وهو جلب المصالح، ودفع المفاسد ما أمكن الدفع، والجلب، فإنه لما كان مقصود الشريعة إقامة مصالح الدنيا على طريق تحكم فيه بحكم الدين المسيطر على الوجدان والضمير، ودفع الفساد ومنع الأذى حيثما كان ، فكل ما يؤدى إلى ذلك من الذرائع والأسباب يكون له حكم ذلك المقصد الأصلى،وهو والطلب للمصلحة، والمنع للفساد والأذى، وأن المقصود بالمصلحة النفع العام وبالفساد ما ينزل من الأذى بعدد كبير من الناس ، ولذلك إذا كان ما هو مباح للشخص من المنافع الخاصة يؤذى الاستمساك به إلى ضرر عام، أو يمنع مصلحة عامة كان منع الاستمساك سداً للذريعة، وإيثاراً للمنفعة العامة على الخاصة ، فتلقى السلع قبل نزولها فى الأسواق ، وأخذها للتحكم فى الأسواق ممنوع، لأنه وإن كان فى أصله جائزاً، لأنه شراء إن أجيز كان الناس فى ٦ (١) ومثل ذلك مثل من يبنى جداراً يسد به الشمس والنور والهواء عن جاره ، وله من ذلك بد ، ولا حاجة إليه . (٢) الموافقات = ٢ ص ٠٢٤٢ 1 - ٤٣٩ حت ضيق ، ولم تستقم حرية التعامل فيكون فى بقاء الإذن ضرر عام فيمنع الأمر لسد الذرائع ، ويكون المنع عاما، ولو كان لبعض المتلقين فية حسنة محتسبة . ٢٢٧ - ولقد قسم ابن القيم الوسائل بالنسبة إلى نتائجها أربعة أقسام ، فقال : ( الفعل أو القول المفضى إلى المفسدة قسمان: (أحدهما) أن يكون وضعه للافضاء إليها كشرب المسكر المفضى إلى مفسدة السكر ، وكالقذف المفضى إلى مفسدة الفرية، والزنى المفضى إلى اختلاط المياه وفساد الغرس، ونحو ذلك ، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد ، وليس لها ظاهر غيرها . والثانى أن تكون موضوعة للافضاء إلى أمر جائز، أو مستحب ، فيتخذ وسيلة إلى المحرم، إما بقصده أو بغير قصد منه ، فالأول كمن يعقد النكاح قاصداً به التحليل أو يعقد البيع قاصداً به الربا ... والثانى کمن يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، ثم هذا القسم من الذرائع نوعان أحدهما أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته ، فههنا أربعة أقسام)) (١). والأقسام الأربعة المستنبطة هى: (١) الأمر المنهى عنه المفضى إلى مفسدة لا محالة كتناول الخمر والقذف والزنى ، كما مثل؛ والثانى الأمر الجائز الذى قصد به التوسل إلى المفسدة ، والثالث الأمر الجائز الذى قد يكون فيه مفسدة ، وجانب المصلحة أرجح ؛ والرابع ما يكون جانب المفسدة أرجح. وهذه الأقسام سليمة من حيث الفرض العقلى، ولكن القسم الأول لا يعد من باب الذرائع ، بل يعد من المقاصد، لأن الخمر والزنى والقذف، كالربا ، وأكل مال الناس بالباطل والغصب والسرقة مفاسد فى ذاتها، وليست ذرائع ولا وسائل لمفاسد أخرى أكثر منها . (١) أعلام الموقعين ج ٣ ص ٠١٢٠ - ٤٣٧ - إنما الكلام فى الذرائع هو فى الوسائل التى تؤدى إلى المفاسد، فتدفع، ويسمى ذلك سد الذرائع، أو تؤدى إلى جلب المصالح فتطلب ؛ أو على حد تعبير القرافى ((فتح الذرائع)) أى رد الوسائل لإفضائها إلى المفسد يسمى سد الذرائع، وطلب الوسائل لإفضائها إلى المصلحة يسمى فتح الذرائع فى عرف الفرافى . ٢٢٨ - وإذا كان القسم الأول لا يعد من سد الذرائع، لأنه فى ذاته مفسدة ، فالأقسام الثلاثة الأخرى هى التى تدخل فى هذا التقسيم ، ولما كان المقصد النفسى لا عبرة به من حيث الحكم الدنیوى ، وإن كان له اعتبار من حيث الثواب والعقاب فإنا نطرح ذلك القصد مادمنا نتجه إلى تحقيق الأحكام الدنيوية ، ونعتبر تقسيم الشاطبى للعمل من حيث مايترتب عليه من مفاسد، أو من ضرر يلحق غير العامل، وإن كان مأذوناً فيه . وقد قسم ذلك إلى أربعة أقسام : القسم الأول: ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعياً كحفر البئر خلف باب الدار فى الظلام ، بحيث يقع الداخل فيه بلا بد ، وشبه ذلك . القسم الثانى: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً كحفر البتر بموضع لا يؤدى غالباً إلى وقوع أحد فيه، وبيع الأغذية التى غالبها لا يضر أحداً. والقسم الثالث: أن يكون أداؤه إلى المفسدة كثيراً ، بحيث يغلب على الظن الراجح أن يؤدى إليها كبيع السلاح فى وقت الفتن وبيع العنب للخمار، ونحو ذلك مما يقع فى غالب الظن لا على سبيل القطع أداؤه إلى المفسدة . والقسم الرابع: أن يكون أداؤه إلى المفسدة كثيراً ، ولكن كثرته لم تبلغ مبلغ أن تحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائماً ، كمسائل البيوع الربوية أى التى قد تفضى إلى الربا(١). (١) الموافقات للشاطي = ٢ ص ٢٤٢ 1 - ٤٣٨ - ٢٢٩ - هذه أقسام أربعة، ولنتكلم فى كل قسم بمايجليه ويوضحه. أما القسم الأول، وهو ما يؤدى إلى الفساد قطعاً، فإن كان الفعل فى ذاته منوعاً، ويؤدى إلى ذلك الفساد ، فقد توافر فيه المنعان المنع لذاته، والمنع لما يؤدى إليه ، فتضاعف المنع ، وقوى التحريم. وإن كان أصل الفعل مأذوناً فيه، فبين أيدينا نظران، أحدهما : النظر إلى الإذن فى ذاته ، والثانى: النظر إلى المضار المترتبة على الفعل، ولاشك أن جانب المضار يرجح ، وخصوصا أن هذه المضار مقطوع بها فى حكم العادة الجارية ، ولو أن الفاعل أقدم على ذلك ، فوقعت منه الأضرار ، وهى واقعة لا محالة يكون ضامناً لمن يناله ضرر ، وذلك لأن توخيه لذلك الفعل مع ما يترتب عليه من ضرر فى حكم المقطوع به يكون من أحد أمرين: إما من تقصير فى إدراك الأمور على وجهها ، وعدم اختبار لمضارها ، وذلك منوع، وإما أنه قصد إلى الإضرار، وذلك منوع بالأولى، فكان متعدياً فى الحالين ، والمعتدى يضمن ضمان العدوان(١). ١ ٢٣٠ - والقسم الثانى وهو ما يكون ترتيب المفسدة عليه نادراً ، وهذا باق على أصل الإذن ما دام الفعل مأذوناً فيه ، وذلك لأن الأعمال تناط بغالبها، لا بنادرها ، ولما كان العمل مأذوناً فيه بالأصل، فما كان الإذن إلا لأن جانب المصلحة غالب ، وإن ترتب بعض الضرر فى أحوال نادرة، فذلك لأنه لا توجد مصلحة خالصة إلا نادراً ، والشارع اعتبر فى مقررات الأمور غلبة المصلحة ، ولم يعتبر ندرة الفساد ، ويقول فى ذلك الشاطى . ((لا يعد قصد القاصد إلى جلب المصلحة ، أو دفع المفسدة مع معرفته بندورة المضرة عند ذلك تقصيراً فى النظر ، ولا قصداً إلى وقوع الضرر، فالعمل إذن باق على أصل المشروعية ، والدليل على ذلك أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها كالقضاء بالشهادة فى الدماء والأموال والفروج .. (١) مأخوذ بالمعنی من الموافقات = ٢ ص ٠٢٤٩ : - ٤٣٩ - مع إمكان الكذب والوهم والغاظ ... لكن ذلك كله نادر فلم يعتبر ، واعتبرت المصلحة الغالبة(١))). ٢٣١ - والقسم الثالث وهو ما يكون ترتب المفسدة على الفعل من باب غلبة الظن ، لا من باب العلم القطعى ، ولا يعد نادراً، وفى هذه الحال يلحق الظن الغالب بالعلم القطعى، لأن سد الذرائع يوجب الاحتياط الفساد ما أمكن الاحتياط . ولاشك أن الاحتياط يوجب الأخذ بغلبة الظن ، ولأن الظن فى الأحكام العملية يجرى مجرى العلم ، فيجرى هنا مجراه ، ولأن إجازته نوع من التعاون على الإثم والعدوان ، وذلك لا يجوز. ٢٣٢ - والقسم الرابع: وهو ما يكون ترتب المفسدة على الفعل كثيراً، ولكن لا يبلغ درجة الغالب الراجح ، فيرجح جانب المفسدة على جانب أصل الإذن فى الفعل، كالبيع بالأجل الذى قد يؤدى إلى الربا کثیراً ، وإن لم یکن غالباً . وهنا يتعارض جانبان قويان من النظر، أحدهما النظر إلى أصل الإذن، وأصل الإذن كان لمصلحة راجحة للفاعل؛ ولذا أجازه الشارع منه، والثانى المفسدة التى كثرت ، وإن لم تكن غالبة ، فنظر أبو حنيفة والشافعي إلى أصل للإذن ، ولذلك كان التصرف عندهم جائزاً لا مجال لمنعه، وذلك أن العلم أو الظن بوجوده منتفيان، ولا يبنى المنع إلا على أحدهما، فبقى أصل الإذن من غير معارض يقوم على أساس على . وأيضاً فإنه لا سبيل لأن تحمل عمل العامل وزر المفسدة ، لأنه لم يقصدها ، ولم يكن مقصراً فى الاحتياط لتجنبها، لأنها ليست غالبة، وإن كانت كثيرة، فإنها لم تصل إلى درجة الأمر الغالب، حتى يعد عدم الاحتياط تقصيراً يوجب ضمان العدوان، أو ضمان التقصير . .: (١) الكتاب المذكور ص ٠٢٥٠ - ٤٤٠ - هذا نظر أبى حنيفة والشافعي ، فرجحا جانب الإذن ؛ لأنه الأصل ، وأما مالك رضى الله عنه، فقد نظر إلى الجانب الآخر ، وهو جانب قوى أيضاً ، وهو كثرة الفساد المترتبة على الفعل ، وإن لم تكن غالبة . ٢٣٣ - ورجح مالك رضى الله عنه ذلك الجانب على ما سواه X لاعتبارات ثلاثة : أولها : أنه ينظر إلى الواقع لا إلى المقاصد ، وقد وجد أن المفاسد المترتبة على الفعل كثيرة، وإن كانت قابلة للتخلف ، فكانت المفسدة قريبة الوقوع، ويجب ملاحظتها ، والاحتياط لها عند العمل ، والكثرة فى المفاسد تصل فى الاحتياط لها إلى درجة الأمور الظنية الغالبة ، أو المعلومة علما مقطوعا به فى مجارى العادات؛ إذ أنها تشارك حال غلبة الظن ، وحال العلم فى كثرة المفاسد المترتبة، ومن المقرر فقهاً أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا صلاح العامة أو الخاصة مع إبقاء المفاسد التى تنخر فى عظام المجتمع ، فيرجح حينئذ جانب المفسدة على جانب المصلحة التى كانت فى أصل الإذن . الثانى: أنه فى هذه الحال تعارض أصلان ، لأن الفعل الأصل فيه الإذن كما هو أصل الفرض، وهنا أصل ثان وهو أن الأصل صيانة الإنسان عن الإضرار بغيره وإيلامه، ويرجح الأصل الثانى لكثرة المفاسد المترتبة، فيكون المنع للزجر ، ويخرج بذلك الفعل عن أصله وهو الإذن - إلى العمل بالأصل الثانى ، وهو المنع سداً لذرائع الشر. الثالث: أن الآثار الصحاح قد وردت بتحريم أمور كانت فى الأصل مأذونافيها؛ لأنها تؤدى فى كثير من الأحوال إلى مفاسد وإن لم تكن غالبة ولا مقطوعاً بها، فنهى رسول اللّه مَّ للخ عن الخلوة بالأجنبية، وأن تسافر المرأة من غير ذى رحم محرم ، ونهى عن بناء المساجد على القبور ، حتى لا تعبد الموتى ، وحرمت خطبة المعتدة حتى لا تكذب فى العدة ، وعن