النص المفهرس
صفحات 401-420
- ٤٠١ - على هذه الضروريات يكون بإقامة أركانها ، وتثبت قواعدها ، ويكون بدره الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، ولهذا أبيحت المأكولات والمشروبات والملبوسات والمعاملات وتنظيمها، وهى التى لا يستقيم الاجتماع إلا بها، ولهذا أيضاً حوربت الجنايات بالقصاص ، والدية ، وتضمين قيم الأموال، وقطع اليد، والجلد ، وهكذا مما كان الغرض منه درء الاختلال الواقع المتوقع ؛ فأساس الضروريات ألا تقوم الأمور الخمسة إلا بمراعاتها. وأما الحاجيات فقد تتحقق من دونها الأمور الخمسة السابقة ، ولكن مع الضيق ، فشرعت الحاجيات للتوسعة، ورفع الضيق المؤدى فى الغالب إلى الحرج والمشقة ، فإذا لم تراع الحاجيات وقع الناس فى حرج ومشقة كاباحة الصيد، والتمتع بالطيبات التى يمكن أن يستغنى الإنسان عنها، ولكن بضيق، ومن التوسعة إباحتها. وأما التحسينات، فإن تركها لا يؤدى إلى ضيق، ولكن مراعاتها من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، فهى إذن الأخذ بما يليق، وتجنب ما لا يليق من المدنسات التى تأنفها العقول الراجحة ، كأداب المأكل والمشرب ومجانبة الإسراف والتقتير ، وهكذا، وقليل الأمثلة يدل على ما سواها، مما هو فى معناها ، كما قال الشاطى . ولا نريد أن نخوض فى تفصيل ما تنطوى علبه هذه الأقسام ، وما بينه علماء الأصول فيها ؛ فإن لذلك موضعه فيها، وفيه غناء لطالبه، ومن طلبه وجده مستفيضاً بيناً(١)، وإنما سفنا ذلك، ليكون الضابط الأول الذى ترجع إليه المصالح ، ففى المحافظة على هذه الأمور مصلحة ، وفى غيرها مفسدة . ١٩٧ - ولننتقل بعد ذلك إلى الأمور التى يجد فيها الإنسان مصلحته (١) ارجع إلى بيان هذه المراتب فى المستصفى للغزالى، والموافقات الشاطى، ففی کلیہما البيان كاملا . (م ٢٦ - مالك) - ٤٠٢ - أو منفعته، وصلتها بهذه الأمور الخمسة ، لنعرف أهى المصلحة التى تدور حولها الأحكام وجوداً وعدماً، أم ليست منها، أو هى هواء لا يلتفت إليها فى حكم عام يقرر لتنظيم الجماعة ، وإقامة بنيانها على أساس سليم أم غيرها ؟ إن الملاحظ فى هذا الوجود أن المصالح فى أغلب أحوالها ليست خالصة من مفاسد تتأشب بها، والمفاسد لا تخلو من مصلحة تقترن بها، فالمنافع متصلة بمضار ، والمضرة لا تخلو من نفع، ويعلل الشاطبي تلك الحقيقة الثابتة فى هذا الوجود بأن «المصالح مشوبة بتكليفات ومشاق تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها، كالأكل ، والشرب ، واللبس ، والسكنى ، والركوب، والزواج، وغير ذلك ، فإن هذه الأمور لاتنال إلا بكد و تعب، كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث موقع الوجود ، إذ ما من مفسدة تفرض فى العادة الجارية إلا اقترن بها، أو سبقها، أو تبعها من الرفق ، واللطف ، ونيل اللذات كثير ، وذلك أن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الأمرين . فمن ابتغى استخلاص أحدهما من الآخر لم يستطع، والتجربة على ذلك شاهد صدق ، وذلك لأن هذه الدنيا دار ابتلاء، كما قال تعالى: ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة)) وكما قال جلت كلماته: ((ليبلوكم أيكم أحسن عملا)) (١). ١٩٨ - هذا ما يلاحظ بادى النظر فى الوجود، ولقد قسم ابن القيم الأشياء إلى خمسة أقسام على حسب الفرض العقلى، من غير نظر إلى تحقيقها فى الوجود : القسم الأول ما تكون مصلحته خالصة . والثانى ما تكون مصلحته راجحة. والثالث ما يكون ضرره خالصاً. والرابع ما يكون راجحاً . والخامس ما يستوى ضرره ونفعه. (١) ملخص بتصرف من الموافقات ج ٢ ص ١٦. : ٠ ٤٠٣ - وذكر أن هذا تقسيم من حيث الفرض العقلى ، أما من حيث الواقع العملى، فقد تنازع أهل النظر والتحقيق فى وجود ثلاثة أقسام ، وسلموا مجتمعين بوجود القسمين الآخرين ، وهما: ما كان راجح المصلحة. وما كان راجح المضرة، أما بقية الخمسة ، وهى ما يخلص للنفع وما يخلص للضرر ، وما يستويان فيه ، فهى موضع الخلاف بين العلماء . قال بعض العلماء إن المنفعة الخالصة لا جود لها، وكذلك الضرر الخالص لا وجود له، وقال ابن القيم فى توجيه كلامهم: ((إن المصلحة هى النعيم واللذة ، وما يفضيان إليه ، والمفسدة هى العذاب والألم وما يفضيان إليه، :وكل أمر لابد أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم ، وإن كان فيه لذة وسرور فلابد من وقوع أذى، لكن لما كان هذا مغموراً بالمصلحة لم يلتفت إليه، ولم تعطل المصلحة لأجله ، فترك الخير الكثير الغالب ، لأجل الشر القليل المغلوب، وكذلك الشر المنهى عنه، إنما يفعله الإنسان لأن له فيه غرضاً ووطراً ما وهذه مصلحة عاجلة ، فإذا نهى عنه وتركه فأنت عليه مصلحته ولذته العاجلة وإن كانيت مفسدته أعظم من مصلحته، بل مصلحته مغمورة جداً فى جنب مفسدته كما قال تعالى فى الخمر والميسر : ((قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإنمهما أكبر من نفعهما، فالربا والظلم والفواحش وشرب الخمر ، وإن كانت شروراً ومفاسد فيها منفعة ولذة لفاعلها ، واذلك يؤثرها ، ويختارها ، وإلا فلو تجردت مفسدتها من كل وجه ما آثرها عاقل ، ولا فعلها أصلا، ولما كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته فى العاقبة، وإن كانت فيه لذة ومنعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته (١) . هذه هى الحجة التى ساقها ابن القيم لمن لابرون فى الوجود أمراً نافعاً (١) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ص ١٠٠٣٤٢ - ٤٠٤ - نفعاً محضاً ، ولا أمراً هو شر محض ، أما الذين أثبتوا ذلك فى الوجود فقد قالوا إنه ثبت أن فى الوجودموجودات هى خير لا شر فيه ، وأخرى شر لا خير فيه ، فالأنبياء الأخيار والملائكة الأطهار خير لا شر فيه، وإبليس اللعين وأعوانه شر لا خير فيه وإذا كان فى الأشخاص من هو خير محض ، فكذلك الأعمال لابد أن يكون منها ما هو خير محض ، ومنها ما هو شر محض؟ وقد وصف الله السحر بأنه يضر ولا ينفع فقال: ((ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، فكان حكما بأنه شر محض وليس لنا أن شكر حكم الله تعالى (١). وقد فصل ابن القيم بين المتنازعين بقوله: ((وفصل الخطاب فى المسألة إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها فى نفسها خالصة لا تشوبها مفسدة، فلاريب فى وجودها ، وإن أريد المصلحة التى لا تشوبها مشقة ولا أذى فى طريقها والوسيلة إليها، ولا فى ذاتها ، فليست بموجودة بهذا الاعتبار ؛ إذ المصالح والخيرات ، واللذات والكمالات ، كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ، ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب، وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق، تكون الفرحة واللذة ، فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لاصبر له، ولا نعيم لمن لاشقاء له. ولا راحة لمن لا تعب له ، بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا ، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد ، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله ، وكلما كانت النفوس أشرف، والههمة أعلى ، كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل)، (٢). (١) مأخوذ من مفتاح دار السعادة ص ٠٣١٢ (٢) الكتاب المذكور . - ٤٠٥ - ١٩٩ - ونجد ابن القيم فى سياقه الذى اعتبره فصل الخطاب فى هذا الاختلاف ، يقرر عدة أمور : (أولها) أن بعض المصالح تكون خالصة. ولكن المشقة إنما تكون فى الصبر للحصول عليها، فالمطلوب مصلحة خالصة ، والطريق إليه أشواك مؤلمة. (ثانيها) أنه يقرر أن عظم المشقة تكون مع المصلحة المحضة إذ يكون بمقدار خيرها الخالص تعب الحصول ، وبذل الجهود ، والصبر الشديد . ( ثالثها) أنه ينتهى إلى أن النفوس كلما كانت أشرف ، والهمة أعلى ، كان تعب البدن أوفر، وراحته أقل ، وتكون المنفعة الشخصية للعامل معنوية ، والمنفعة المادية آجلة لا عاجلة، وهنا يلتقى ابن القيم مع ما يقرره الخلقيون من أنصار مذهب المنفعة ، فهم يقررون أن المنفعة الشخصية قد تكون معنوية كلما شرفت النفوس، وكبرت الهمم، إذ يقررون: ((أن من الحقائق التى يعتريها شك أن الرجال الذين جربوا أو قدروا الأمور قدرها ، يفضلون المعيشة التى يتمتعون فيها بحياتهم العقلية تفضلا تاماً ، وقدا يرضى إنسان بأن يتحول إلى بهيم إذا وعد بكل لذات البهيم ، بل لا يرضى الذكى بأن يصير أبله، ولا المتعلم بأن يرتد جاهلا، ولا رقيق العواطف ذو الوجدان السليم بأن يتحول غليظاً نهماً ، ولو اقتنعوابأن الأبله والبليد والخبيث أكثر رضا بحظهم ، بل لا يرضون أن يستبدلوا بما عندهم من الزيادة فى العقل والعلم والشعور أكبر اللذات التى ترمى إليها الرغبات المشتركة بينهم وبين هؤلاء، وإذا تخيلوا لحظة أنهم يقبلون ذلك فإنهم يكونون فى ساعة شقاء يخيل إليهم معه أنهم يودون استبدال أى شىء آخر - مهما يكن مبغضاً عندهم - بماهم فيه، (١). (١) رسالة المنفعة لجون استوارت ميل ترجمة الأستاذ المرحوم محمد عاطف بركات طيب الله ثراه ورضي عنه ص ١٥ . ! - ٤٠٦ - ونرى من هذه كيف التقى الفكر الغربى مع الفكر الشرقى الإسلامى. ٢٠٠ - المسألة الثانية مما هو موضع نزاع فى تحققه فى الوجود، وجود شی، يستوى نفعه وضره، أو مصلحته ومفسدته ، أو خيره وشره، فقد أثبت وجوده قوم ، ونفاه آخرون ، ويقرر ابن القيم ونحن معه، أن هذا القسم لا وجود له فى الدنيا ، وإن فرضه العقل قسما ، ويقول فى ذلك : (والتفصيل إما أن يكون حصول الفعل أولى بالفاعل، فهو راجح المصلحة، وإما أن يكون عدمه أولى فهو راجح المفسدة . وأما فعل يكون حصوله أولى لمصلحته ، وعدمه أولى لمفسدته ، كلاهما متساويان ، فهذا مما لم يقم دليل على ثبوته، بل الدليل يقتضى نفيه، فإن المصلحة والمفسدة، والمنفعة والمضرة، واللذة والألم إذا تقابلا فلابد أن يغلب أحدهما الآخر فيصير الحكم للغالب، وأما أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلب أحدهما الآخر فغير واقع فإنه، إما أن يقال يوجد الأثران معاً، وهو مجال لتصادمها فى المحل ، وإما أن يقال يمتنع وجود كل من الأثرين ، وهو ممتنع لأنه ترجيح لأحد الجائزين من غير مرجح ، وهذا المجال إنما نشأ من فرض تدافع المؤثرين وتصادمهما ، وهو محال(١))). ومعنى هذا الكلام أن فرض تساوى النفع والضرر فى أمر فرض لأمر مستحيل لأنه لا يظهر فى الوجود عند التناول إلا الأمر راجح الضرر أو راجح النفع ، فيعطي الإذن أو المنع على حسب الحال الراجحة ، ولا يمكن أن يظهر عند التناول متساوى الأمرين؛ لأنهما يتساويان فيتصادمان فلا يوجد الأثران ، وهو النفع والضرر، بقدر متساو فى الوجود ، إذ تصادمهما يقتضى سلب كل واحد أثر الآخر، فيسلب جانب النفع ما فى الجانب الآخر من ضرر ، ويسلب جانب الضرر ما فى الجانب الآخر من نفع، إذن ففرض وجود الأثرين مستحيل، وكذلك فرض امتناع الأثرين، وهما الضرر (١) مفتاح دار السعادة ٠٣٤٣ : - ٤٠٧ - والنفع عند التنازل ، يقتضى أن يكون الأمر سلبياً ليس فيه نفع ولاضرر ، مع وجود داعيهما، فيكون الأمر قد وجد ، ولا أثر له فى الوجود وهذا مستحيل ، وفوق هذا ترجيح عدم وجود أثر جانى النفع والضررعلى وجود أثرين لهما مستحيل ؛ لأنه ترجيح لأحد المتساويين على الآخر بلا مرجع، إذا فرض الوجود والعدم بالنسبة لأثريهما فرضان متساويان لا يصح أن يرجح جانب أحدهما على جانب الآخر . ٢٠١ - وخلاصة ما يرمى إليه ابن القيم أن الأمر المتساوى الضرر. والنفع يفرض فى العقول ، ولا يحققه الوجود ، لأنه فى وجوده لا يكون إلا راجح النفع أو راجح الضرر ، وقد يكون راجح الضرر فى وقت، وراجح النفع فى وقت آخر ، فيعطى من الأحكام ما يكون مناسباً للراجح فى كل وقت بما يناسبه ويختلف الحكم حينئذ باختلاف الأحوال . هذا ما يراه ابن القيم ، وهو معقول فى ذاته ، ويتفق مع ما نراه فى الوجود ولكن الطوفى فى رسالته يرى أن فرض النفع والضرر بقدر متساو فى أمر يقع فى الوجود ، وقال إنه يحكم القرعة فى هذه الحال ، فهو يقول : ((إن المصالح والمفاسد قد تتعارض، فيحتاج إلى ضابط يدفع محذور . تعارضها ، فنقول كل حكم نفرضه فأما أن تتمحض مصلحته أو مفسدته .. . فإن تمحضت المصلحة حصلت ... وإن تمحضت المفسدة دفعت .. وإن .. اجتمع فيه الأمران المصلحة والمفسدة ، فإن أمكن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة تعين . وإن تعذر فعل الأهم أو دفع، إن تفاوتا فى الأهمية، وإن : : تساويا فبالاختيار أو القرعة )). وإن تعارض مصلحتان أو مفسدتان ، أو مصلحة ومفسدة، وترجح ... كل واحد من الطرفين من وجه دون وجه، اعتبرنا أرجح الوجهين تحصيلا؟ - ٤٠٨ - أو دفعاً، فإن استويا فى ذلك عدنا إلى الاختيار أو الفرعة(١))). وترى من هذا النقل الصريح أنه يقرر جواز وقوع أمر قد تساوت مصلحته ومفسدته ، أو نفعه وضرره ، وظهور أثرهما فى الوجود بقدر متساو، ويفرض لها حكما وهو الأخذ بالقرعة . ٢٠٢ - وعلى ذلك يكون بين أيدينا نظر ان مختلفان جد الاختلاف: ( أحدهما) نظر ابن القيم، الذى لايرى فى الوجود أمراً متساوى الضرر والنفع ، ويظهر أثرهما بقدر متساو غير راجح أحدهما على الآخر عند الأخذ، بل عنده أن الأمر لا يظهر فى الوجود إلاراجح الضرر، أو راجح النفع ، وقد تختلف حاله باختلاف الأوقات . ( ثانيهما) نظر الطوفى، وهو يرى أن الأمر قد يقع فى الوجود متساوى الطرفين ، متساوى النفع والضرر ، ويرى أن تحصيله حينئذ أو دفعه يكون بالقرعة . ولنا فى كلام الطوفى نظر ، فإنه يرد عليه ما نقض به ابن القيم ذلك القول وقد بين أنه يؤدى إلى أمور محالة لا يصدقها العقل، وما يؤدى إلى أمور محالة فى نظر العقل هو محال أيضاً ، ثم إن الاستقراء فى الوجود يؤدى إلى صحة نظر ابن القيم ومن سلك مسلكه، لأنه لا يجد الإنسان أمراً فى الوجود، يكون متساوى النفع والضرر فى جميع الأوقات ، ولجميع الناس ، ولكن الشىء قد تختلف مصلحته ومفسدته باختلاف الناس ، وباختلاف أحوال الشخص الواحد ، وباختلاف ملابسات الأمة ، فالدواء نافع فى حال السقم، ضار فى حال السلامة ، واختلاف الأثر باختلاف حال الصحة والسقم ، وإن كانت أوصاف الشىء لم تختلف ، وخواصه لم تتغير. وكان البيان العلمى يوجب على الطوفى ما دام يضع الأحكام ، ويقرنها (١) رسالة الطوفى المنشور بمجلة المنارة ، المجلد التاسع ص ٠٧٦٨ - ٤٠٩ - بالأشياء أن يضرب المثل، وخصوصاً أن ذلك الأمر يتنازع المحققون من العلماء إمكان وجوده، وأنه شوهد وعوين ، وما كان ينبغى أن يضع الأحكام:، وهو يتكلم فى مصالح العباد الواقعة المقررة لأمور فى وجودها نزاع من غير أن يقطع الخلاف بحادثة واقعة ، ويقرر لما حكمها . ولئن فرضنا وقوع أمر متساوى النفع والضرر ، وظهر أثرهما فى الوجود بقدر متساو ، لكان عجباً أن يكون حكمه أن نأخذ القرعة ، فإن أنتجت تحصيله حصلناه مع ما يطوى فى ثناياه من مفسدة ويكون علينا أن نفعل المفسدة ، بل أن نقدم مختارين عليها ، وأن نقبل تحصيلها مطمئنين إليها ، لأن القرعة أوجبتها، وإن أنتجت القرعة الترك تركناه، ونهمل ما فيه من منفعة ، وقد نكون لها طالبين ، وهى لنا لازمة . وإن الحق يوجب علينا إن سايرنا الطوفى فى نظره ، واعتبرنا غير الممكن موجوداً واقعاً، أن ننظر نظراً آخر، أن ننظر إلى الشخص من حيث طلبه الأمر، فإن كان فى حاجة توجب تحصيل ما فى الأمر من منفعة، ويهون ما فيه من ضرر بجوار ما يسد من حاجة، وجب أن يحصل (ويكون راجح المصلحة )، وإن كان فى غير حاجة ملحة ، أو ضرورة ملجثة ، كان جانب الضرر واجب الملاحظة ، لأن دفع المضار مقدم على جلب المصالح. هذا ما يؤدى إليه النظر السليم ، فإن المضطر يأكل لحم الخنزير مع ما فيه من ضرر، ويأكل الميتة مع ما فيها مما تعافه نفس الإنسان فى غير حال الإضطرار . وإنك ترى أننا إذا نظرنا إلى حال الشخص ذلك النظر ، نكون لا محالة منتهين إلى ترجيح جانب على جانب ، ولو بالاعتبار الشخصى ، وهذا ترجيح كاف لتقرير الأحكام، ووضعها على أسس قويمة، لا على أساس - ٤١٠ - الفرغة ، وهو أيضاً ينتهى إلى أن فرض الضرر والنفع بقدر متساو فى أمر واحد فى كل الأحوال ولكل الأشخاص ، أمر غير ثابت فى الدنيا . ٢٠٣ - انتهينا من ذلك التحقيق العلمى الذى خضنا عبابه، إلى أن الأمور فى الدنيا إما راجحة النفع ، وإما راجحة الضرر ، ويندر فى الوجود ما يكون محضاً للنفع، أو الضرر، ويمتنع ما يكون متساوى الطرفين من كل الوجوه، وفى كل الأحوال، ولكل الأشخاص . وجهة المصالح هى المطلوبة أو المأذون فيها ، وجهة المفاسد هى الممنوعة، فإن طلب الأمر فالمصلحة هى المطلوبة فيه شرعا ، وليس الضرر فيه بمطلوب ولكنه يجىء بالاقتران والتبع، لا بالقصد والطلب ، فلا يمكن أن يكون الضرر مقصوداً للشارع، ولو قصداً تبعياً، كما لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الضرر مطلوبا . وكذلك إذا نهى الشارع عن أمر فيه مصلحة غير راجحة ، فالشارع ما نهى عن المصلحة لا بالقصد ولا بالتبع ، ولكنه نهى عن الضرر لذات الضرر، فكان الامتناع عنه مقترناً بالامتناع عن بعض المصالح. ولقد قرر ذلك الشاطى تقريراً كاملا ، فقال فى ضمن ما قال : « المصلحة إذا كانت هى الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة فى حكم الاعتياد ، فهى المقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ، ليجرى قانونها على أقوم طريق، وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم، وأقرب، وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية فى الدنيا ، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة فى شرعية ذلك الفعل وطلبه ، وكذلك المفسدة إذا كانت هى الغالية بالنظر إلى المصلحة فى حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعا ، ولا جله وقع النهى ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادى فى مثلها . حسبما يشعر به كل ذى عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو اذة فليست -٤١١- ٢٠ هى المقصودة بالنهى عن ذلك الفعل ، بل المقصود ما غلب فى المحل ، وما سوى ذلك ملغى فى مقتضى النهى ، كما كانت المفسدة ملغاة فى جهة الأمر ، (١). وترى من هذا أنه يصرح بأن جهة المصلحة هى المطلوبة من الشارع فيما تأشبت فيه المضار بالمنافع، وجهة المفسدة هى المنهى عنه فيما يكون فى المضرة من بعض النفع ، ومثل الشارع كمثل الطبيب إذا سقى المريض الدواء المر لا يعطيه إياه لمرارته، وهو جهة المضرة فيه ، بل يعطيه إياه لما فيه من الشفاء ، وكتجريمه بعض الطيبات من الأطعمة عليه فى وقت مرضه لا تحرم جهة النفع فيها، بل التحريم منصب على جهة المضرة ، وهو عجز المعدة عن هضمها، فتكون عبئاً على الجسم والعصب. وخلاصة القول أن الشارع لا يأذن إلا بما هو مصلحة، ولا ینھی إلا عما هو مفسدة . وفى طاقة العقل البشرى أن يدرك أوجه المصلحة فى شئون الدنيا، ويعرفها، فيحصلها بأمر الشارع، وإن لم يرد نص صريح خاص عنها؛ لأن الأوامر العامة ، واستقراء الأحكام ، تدل على أن الشريعة تتجه فى كلياتها ، وجزئياتها إلى جلب المصلحة ، ودفع المفسدة . أما ما يتصل لعلاقة الشخص بربه فمعرفة أوجه المصالح فيه غير متيسرة، وإن كان العقل يدرك بعض حكمها المناسبة فى الجملة، ولذلك كان له أن يأخذ بمصالح الدنيا ، وإن لم يكن نص خاص (٢)، وليس له أن يشرع عبادة من غير نص ، وإلا كان ذلك بدعة فى الدين، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار ، كما صرح الحديث . ٢٠٤ - ولقد أثار فقهاء المسلمين ارتباط الشهوات بالمصالح، أو الهوى بالمنافع ، أيعتبر الهوى أو الشهوة ملازماً للمصلحة المعتبرة شرعاً لا يفترقان، (١) الموافقات ج ٢ ص ٠١٧ (٢) على خلاف بين العلماء سنبينه قريباً . - ٤١٢ - أم قد تنفصل المصالح عن الأهواء والشهوات ، كما أثار ذلك علماء الأخلاق عند الكلام فى مذهب المنفعة ، مؤيدين أو معارضين الاتصال بين اللذائذ والمنافع، أو بين الأهواء والمصالح، كما يعبر علماء المسلمين . وأثار فقهاء المسلين حال المصالح إذا تعارضت ، فكانت مصلحة قوم ضرر آخرين، أو كانت المصلحة فى بعض ناحية من نواحى الأمة فيها ضرر فى بعض النواحى. أثار فقهاء المسلمين الكلام فى هذين الأمرين كما أثاره علماء الأخلاق فيها بالنسبة لمذهب المنفعة . ٢٠٥ - وقد قرروا بالنسبة للأمر الأول، وهو ارتباط الأهواء بالمصالح، أن التلازم بينهما غير ثابت ، فمصالح الشرع المعتبرة المقررة لاتلاحظ فيها الأهواء والشهوات المجردة، بل يعتبر من المصالح ما يقيم شأن الدنيا على أن تكون قنطرة للآخرة، أى ما يقيم شأن الدنيا على أن تكون الحياة فيها فاضلة متعاونة ، لا متقاطعة متدابرة ، ولذلك يقول الشاطبى فى بيان المصالح الملاحظة شرعا: (المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة شرعا، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الآخرة ، لا من حيث أهواء النفوس فى جلب المصالح العادية أو دره مفاسدها العادية، (١). ويسوق أدلة أربعة لإثبات أن المراد بالمصالح ليس هو ما يكون ملازما للهوى أو الشهوات المجردة . وأول هذه الأدلة أن الشريعة جاءت لتخريج المكلفين عن دواعى أهوائهم لأن الله يقول: ((ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن)، فما جاءت لاتباع الأهواء والشهوات ، ولكن جاءت لتقوية الإرادة، وتكوين الخلق الكامل، والمصالح التى يقوم بها بناء الجماعة ثابتاً قوى الدعائم ، وليست هذه هى المصالح المرتبطة بالشهوة . (١) الموافقات ۴ ٢ ص ١٢٥ ٠ - ٤١٣ - وثانيها - اتفاق العقلاء من أقدم العصور على أن المصلحة ما به قوام الحياة، وما يقوم عليه الاجتماع ، وأن ذلك قد يشوب المحافظة عليه آلام لا لذّات، ومع ذلك يعد هو المطلوب مع ما يحف به من مكاره ، لا يكون فيها هوى الإنسان محققاً، وأن ملاحظة ذلك من جانب العقلاء فى كل أمة فى الغابر والحاضر يدل على أن جانب الهوى غير داخل فى تقدير المصلحة . وثالثها - أن المنافع والمضار فى غالب أمرها إضافية لاحقيقية، ومعنى كونها إضافية أنها منافع أو مضار فى حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص ، أو وقت دون وقت ، فالأكل والشرب مثلا منفعة للانسان ظاهرة ولكن عند وجود داعية الأكل، وكون المتناول لذيذاً طيباً ، لا كريها ولا مراً وكونه لا يولد ضرراً عاجلا، ولا آجلا، وجهة اكتسابه لا يلحقه بها ضرر عاجل ولا آجل، ولا يلحق غيره بسببه أيضاً ضرر عاجل، ولا آجل ، وهذه الأمور قلما تجتمع ، فكثير من المنافع تكون ضرراً على قوم ، لا منافع، أو تكون ضرراً فى وقت أو حال، ولاتكون ضرراً فى أخرى، وهذا النظر كله إنما أساسه كون المصالح مشروعة لإقامة هذه الدنيا، لا لنيل الشهوات ، ولا لإجابة داعى الهوى . ورابعها - أن الأغراض فى الأمر الواحد تختلف ، بحيث إذا نفذ عرض بعض تضرر آخر لمخالفة عرضه، حصول الاختلاف فى أكثر الأحوال يمنع أن تكون الشريعة فى ملاحظتها المصالح تلاحظ الغرض أو الهوى ، لأنه لا تستقر أحكامها، ولا تضبط قواعدها ، إلا بملاحظة المصالح مطلقة عن ملاحظة الأغراض والأهواء (١). ٢٠٦ - هذا هو الأمر الأول، ولننتقل إلى الأمر الثانى، وهو ما تطلبه الشريعة عند تعارض المصالح، وتعارض المفاسد، بحيث يكون فى الأخذ (١) الموافقات ج ٢ ص ٢٦ هـ ٠٢٧ - ٤١٤ - ببعض المصالح إعمال لمصلحة آخرين ؛ أو فى دفع بعض المفاسد ضرر الآخرين، فقد قرر فقهاء المسلمين الذين عنوا بتفصيل القول فى المصالح أنه يرجع أكثرها جلباً للمصالح من حيث المقدار، والحاجة إليه، ودفعاً للفساد .، من حيث المقدار، وقوة الأذنى فيه، وأوضح مقال لهم فى ذلك ما جاء فى الموافقات للشاطئ (١)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، ورسالة الطوفى. وقد قال ابن القيم: ((إذا تأملت شرائع دين الله التى وضعها بين عباده .. وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدم أهمها وأجلها وإن فات أدناها، كما لا تخرج عن تعطيل المفاسد الخاصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت عطل أعظمها فساداً باحتمال أدناها، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه، دالة عليه، شاهدة له بكال علمه وحكمته ، ولطفه بعباده وإحسانه إليهم ، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها ، وورود من صفو حوضها ، (٢) . وقال الطوفى: ((إن تعددت بأن كان فى الموضع مصلحتان أو مصالح، فإن أمكن تحصيل جميعها حصل، وإن لم يمكن حصل الممكن ، فإن تعذر تحصيل ما زاد على المصلحة الواحدة، فإن تفاوتت المصالح فى الاهتمام بها "حصل الأهم منها)، (٣). ٢٠٧ - ونرى من هذه النقول وما سبقها أن فقهاء المسلمين فى تعليلهم أحكام الشريعة ، وفى بيان أصل الاستنباط بالمصالح ، يقررون أن المصلحة (١) راجع الجزء الثانى من الموافقات ، فهذا الموضوع مثبوت فيه فى مواضع مختلفة . (٢) مفتاح دار السعادة من ص ٠٣٥٠ (٣) المنار ص ٧٦٨ من المجلد التاسع: - ٤١٥ - أو المنفعة المطلوبة من الشارع هى منفعة أكبر عدد مكن بأقوى قدر يمكن، وأن الضرر الذى يدفع هو أقوى ضرر لأكبر عدد، والأمور فى ذلك نسبية إضافية ، وأن هذا النظر يتفق تمام الاتفاق مع أقوال الفلاسفة الذين ناصروا مذهب المنفعة فى القوانين والأخلاق ، فقد قال بنتام : ((إن صنوف المنافع متعددة ، وقد يتفق تضارب منفعتین فی وقت من الأوقات ، وما الفضيلة إلا ترك منفعة صغيرة للحصول على منفعة كبيرة ، أو ترك منفعة مؤقتة لنيل منفعة دائمة، أو منفعة مشكوك فيها لمنفعة محققة، وبهذا الذى قررناه ظهر لك مفهوم أصل المنفعة جلياً، وأن محاولة فهمه من طريق غير الذى قرر ناه يفضى إلى الخطأ فى إدراكه ، (١). المصلحة والنصوص ٢٠٨ - شرحنا فى الجزء السابق من بحثنا كيف قامت الشريعة الإسلامية على المصالح، وبينا أن أوجه المصالح فى المعاملات بين الناس يمكن معرفتها وإدراكها، وأن أوجه المنفعة فى العبادات لا يمكن إدراكها إدراكا كاملا، ونقلنا لك أقوال العلماء الذين بحثوا هذا المقام، وتقريرهم أن معانى المعاملات التى يدركها المكلف ملاحظة فى شرعها ، والعبادات غير ذلك . وبينا الضوابط التى ضبطت بها المصالح المطلوبة ، والتى كانت هى المعانى المقصودة فى شرعية المعاملات الإسلامية . وأشرنا إلى أن المنصوص عليه فيه المصلحة بلا شك ، وأن العلماء اختلفوا فى اعتبار المصلحة أصلا مستقلا ، بأن يكون كل أمر فيه مصلحة مستوفية لشرائط المصلحة المعتبرة، أمراً مشروعاً ، ولو لم يكن ثمة نص (١) أصول الشرائع لبنتام ترجمة المرحوم أحمد فتحي زغلول .. - ٤١٦ - شاهد لهذا النوع من المصلحة بالذات ، وأنه إن كان هناك نص شاهدفاتفاق الفقهاء على أن ملاحظة هذه المصلحة أمر شرعى جاء به النص ، لأنه ثبت اعتبارها فى الموضع الذى ثبقت فيه بالقياس على النص الذى شهد لنوعها بالاعتبار . × ٢٠٩ - والآن نريد أن نفصل القول فى ذلك المقام بعض التفصيل، فتقول : إن المصالح التى ليس لها نص خاص يشهد لنوعها بالاعتبار تسمى المصالح المرسلة ، وكونها أصلا فقهياً موضع نظر بين الفقهاء ، وقد أدعى القرافى أن الفقهاء جميعاً أخذوا بها ، واعتبروها دليلا فى الجزئيات ، وإن أفكر أكثرهم كونها أصلا فى الكليات ، وقد قال فى ذلك : «المصلحة المرسلة، غيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريغ تجدهم يعلون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار ، بل يعتمدون على مجرد المناسبة ، وهذا هو المصلحة المرسلة )،(١). وسواء أصحت تلك الدعوى أم لم تصح، فمن المؤكد أن اعتبار المصالح التى لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار - نظر العلماء إليها يختلف ، فإن لم يكن فى أصل الأخذ ، فعلى الأقل فى مقدار الأخذ، كما يحسب القرافى . وقد انقسمت أقوال العلماء فى ذلك إلى أربعة أقسام : (القسم الأول ) الشافعية ومن نحا نحوهم ، وهؤلاء لا يأخذون بالمصالح المرسلة التى لا يوجد شاهد من الشارع باعتبارها، لأنهم لا يأخذون إلا بالنصوص والحمل عليها بالقياس الذى يكون أساسه وجود ضابط يضبط ما بين الأصل والفرع ، أى ما بين المنصوص عليه، والملحق به ، وإن (١) تنقيح الفصول ص ٠٢٠٠ - ٤١٧ - سايرنا القرافى ، فإننا نقول إنه يندر أن يأخذوا بمصلحة مرسلة من غیر قیاس . ( القسم الثانى ) الحنفية ومن شاكلهم من يأخذون بالاستحسان مع القياس ، فإن الاستحسان مهما يكن قولهم فيه لا يخلو من اعتماد على المصالح المطلقة ، ولو أنصفنا الحقيقة لقلنا إن مجىء المصالح فى استنباطهم أكثر من الشافعية، وإن كان القدر فى ذاته قليلا ، حتى لم تحسب تلك المصالح أصلا من أصولهم لندرة اعتمادهم المجرد عليها . (القسم الثالث ) الغلاة فى الأخذ بالمصالح، حتى قدموا المصلحة على النص فى معاملات الناس ، واعتبروها مخصصة له ، بل اعتبروها مخصصة للاجماع ، أى أن العلماء إذا أجمعوا على أمر بنص، ووجد مخالفاً للمصلحة فى بعض وجوهه قدم اعتبار المصلحة ، واعتبر ذلك أيضاً تخصيصاً ، وقد قال هذا القول الطوفى . (القسم الرابع) المعتدلون، وهم الأصح بصراً ، وأولئك اعتبروا المصالح المرسلة فى غير موارد النص المقطوع به، وأولئك أكثر المالكية، ولنتكلم فى آراء هذين القسمين الأخير ين . ٢١٠ - لقد حمل اللواء فى وقوف المصالح فى وجه النصوص، وتقديمها على النصوص فى المعاملات ، الطوفى ، وبين ذلك فى شرحه لحديث: ( لا ضرر ولا ضرار، فقال فى المصلحة إذا عارضت النص أو الإجماع : ((إن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة بطريق التخصيص والبيان لها، لا بطريق الافتيات عليهما، ثم يقول: «واعلم أن هذه الطريقة التى قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور ليست هى القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك ، بل هى أبلغ من ذلك ، وهى التعويل على النصوص والإجماع فى العبادات والمقدرات ، وعلى اعتبار المصلحة فى المعاملات (م .٢٧ - ٠الك ) - ٤١٨ - وباقى الأحكام ... وإنما اعتبرنا المصلحة فى المعاملات دون العبادات ، وشبهها، لأن العبادات حق للشارع خاص به ، ولا يمكن معرفة حقه كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً إلا من جهته ، فيأتى به العبد على ما رسم له ؛ ولأن غلام أحدنا لا يعد مطيعاً خادماً له إلا إذا امتثل ما رسم سيده ، وفعل ما يعلم أنه يرضيه ، فكذلك هاهنا، ولهذا لما تقيدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع أسخطوا الله عز وجل، وضلوا وأضلوا، وهذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسة شرعية، وضعت لمصالحهم، وكانت هى المعتبرة وعلى تخصيصها المعول)). ((ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم، فلنأخذ من أدلته، لأنا نقول قد قررنا أن المصلحة من أدلة الشرع، وهى أقواها، وأخصها ، فلنقدمها فى تحصيل المصالح، ثم إن هذا إنما يقال فى العبادات التى تخفى مصالحها عن مجارى العقول والعادات . أما مصلحة سياسة المكلفين فى حقوقهم ، فهى معلومة لهم بحكم العادة والعقل ، فإذا رأينا الشرع متقاعداً عن إفادتها علمنا أنا أحلنا فى تحصيلها على رعايتنا (٢))). ٢١١ - ومقصد الطوفى من كلامه أن يقدم المصلحة على النص والإجماع فى المعاملات بين الناس ، بل إنه ليصرح بذلك فيقول إن الاستدلال بالمصلحة أقوى أنواع الاستدلال ، ففى رسالته : ((المصلحة وباقى الأدلة إما أن يتفقا، أو يختلفا، فإن اتفقا فيها ونعمت، كما اتفق النص والإجماع والمصلحة على إثبات الأحكام الخمسة الكلية ، وهى قتل القاتل ، والمرتد ، وقطع يد السارق، وحد القاذف، والشارب ، ونحو ذلك من الأحكام التى وافقت فيها الأدلة المصلحة ، وإن اختلفا فإن (١) تفسير المنار الجزء السابع ص١٩٤، والرسالة ص ٧٦٩ من مجلة المنار أيضاً المجلد التاسع . - ٤١٩ - أمكن الجمع بينهما بوجه ما جمع، مثل أن يحمل بعض الأدلة على بعض الأحكام والأحوال دون بعض على وجه لا يخل بالمصلحة ، ولا يفضى إلى التلاعب بالأدلة أو بعضها ، وإن تعذر الجمع بينها ، قدمت المصلحة ، على غيرها، لقوله ◌ِّ لّهِ: (( لا ضرر ولا ضرار))، وهو خاص فى نفى الضرر المستلزم لرعاية المصلحة ، فيجب تقديمه، ولأن المصلحة هى المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام، وباقى الأدلة كالوسائل ، والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل (١) . ولقد ساق الأدلة لإثبات وجهة نظره. ومنها الحديث السابق، وقوله تعالى , یایها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين ، قل بفضل الله وبرحمته ، فبذلك فليفر حوا هو خير مما يجمعون )). وأخذ يسوق آيات قد لوحظت المصلحة فى أحكامها مثل قوله تعالى: (ولكم فى القصاص حياة)) وقد بين وجه تقديم المصلحة على النصوص بقبول النصوص للنسخ ، وعدم قبول المصلحة له ، وإن سلمت النصوص من النسخ لا تسلم من التخصيص ، وهكذا . وإن قيل فى الاعتراض عليه إن المصالح بك شك ملاحظة ، ولكن الشارع جعل أدلته معلمة لها ، فالأخذ بها من غير أدلته تعطيل لأوامر الشارع، أجاب بأن الشارع هو الذى جعل المصلحة أصلا ، فتقديمها تقديم بعض الأصول على بعض، وإليك قوله: « فإن قيل الشرع أعلم بمصالح الناس، وقد أودعها أدلة الشرع وجعلها أعلاماً عليها تعرف بها ، فترك أدلته لغيرها مراغمة ومعاندة له ، قلنا: فأماكونه أعلم بمصالح المكلفين فنعم ، وأماكونه ما ذكرناه من رعاية المصالح تركا لأدلة الشرع بغيرها فممنوع ، (١) الرسالة بالمجلد التاسع من المنار ص ٠٧٦٧ - ٤٢٠ - إنما شرك أدلته بدليل شرعى راجح عليها، مستند إلى قوله عليه السلام. (( لا ضرر ولا ضرار)) كما قلتم فى تقديم الإجماع على غيره من الأدلة ، ثم إن الله عز وجل جعل لنا طريقاً إلى معرفة مصالحنا عادة، فلا نتركه لأمر مبهم يحتمل أن يكون طريقاً إلى المصلحة، ويحتمل ألا يكون)) (١). ٢١٢ - هذا مسلك الطوفى يرمى فى جملته كما رأيت إلى تقديم رعاية المصالح على النصوص ، بل النصوص التى يؤيدها الإجماع فى الدلالة على مدلولها وهى تكون فى المسائل المستنبطة بالإجماع ، وذلك التقديم فى المسائل المتصلة بمعاملات الناس وذلك لأن شرع الله فيها قاصد إلى المصلحة، ونصوصه وسائل مرشدة إليها ، فإن تحققت هى من غير طريق هذهالوسائل قدم اعتبارها إن ناقضتها ، لأن المقاصد مقدمة على الوسائل . ولنا فى كلامه نظرة فاحصة ، وقبل أن نخوض فى خص قوله ، نبینموضع النزاع بينه وبين غيره من الفقهاء الذين ارتضينا طريقتهم . وهم الذين اعتبروا المصلحة أصلا فقهياً قائماً بذاته يؤخذ بها، وإن لم يكن نص خاص شاهد لها أو لنوعها بالاعتبار ، فإن بيان موضع النزاع هو الأساس الأول لجسم الخلاف بين المختلفين ، بل إن سقراط يحسب أن كل خلاف بين المتجادلين أساسه جهل بموضع النزاع عند أحد الطرفين ، ولو حرر لكليهما لحسم الخلاف ، وتم الوفاق . لقد اتفق الذين قالوا إن المصلحة أصل قائم بذاته يؤخذ به حيث لا نص فى الموضع، على أنه حيث وجدت مصلحة محققة أو غالبة بالعلم أو بالظن . فهى مطلوبة ، وإنما موضع النزاع فى وجود المصلحة والنص ( القاطع فى سنده ودلالته) والتعارض بينهما، لقد فرض الطوفى أن التعارض يتحقق، وأنه تقدم المصلحة على ذلك النص، وفرض المالكيون، ومن سلك (١) المجلد التاسع من المنار ص ٠٧٦٢