النص المفهرس

صفحات 241-260

- ٢٤١ -
تتزوج على حال الغائب الذى طلق زوجته وعلمت بالطلاق ولكنه راجعها
فى العدة ، ولم تعلم ، فتزوجت .
ومن كل هذا يتبين أن الموطأ كتاب يحكى مسلك مالك فى الاستنباط
أدق حكاية ، ولكنه يحكيه فى استنباط الفروع ، ولا يبين قواعد الأصول
بياناً كاملا وقد استنبطها المالكية من الفقه من بعد .
٣٩ - ويجب أن ننبه فى هذا المقام إلى أن مالكا رضى الله عنه لم يلتزم
فى حديثه الإسناد المتصل، فمولم يصل كل الأحاديث التى رواها بسند متصل
إلى النبي صِّ لّه ، بل فيها المرسل الذى لم يذكرفيه الصحابى الذى رواه ، وفيه
المنقطع الذى لم يذكر فيه راويه بعد طبقة الصحابى . وفيه البلاغات التى لم
يذكر فيها سند ويظهر أن التقيد بالسند لم يسد فى عصر مالك رضى الله عنه،
بل تقيد المحدثون من بعده بذلك، لما كثر الكذب على رسول اللّه مَ الله
وأرادوا أن يستوثقوا من النسبة بمعرفة الرجال ، فاشترطوا وصل السند،
ولم يأخذوا بالمرسل والمنقطع ، ولذلك كان المتقدمون من الفقهاء يحتجون
بالمراسلات من الأحاديث ، فأبو حنيفة مع تشدده فى قبول الرواية احتج
بها، ومالك ومكانه من الحديث ما تعلم احتج بها وقبلها ؛ ومن العلماء من
ظن أن المرسل أقوى من المتصل ، ولذلك فضل بيان نذكره عندما نتكلم
على السنة وأصول مالك .
ولاشتمال الموطأ على المرسل والمنقطع وقبوله له ، وأخذه به ، قال ابن
حجر فى الموطأ: ((كتاب مالك صحيح عنده، وعند من يقلده على ما اقتضاه
نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما ، لا على الشرط الذى استقر
عليه العمل بعد فى الصحة))(١). وعدد الأحاديث المتصلة السند فى الموطأ هو
الأكثر، وغيرها هو الأقل، ولقد أحصى أحاديث الموطأ ابن حزم فقال:
(١) تزبين المالك فى مناقب الإمام مالك السيوطى ص ٠٤٧
(م ١٦ - مالك)

:
- ٢٤٢ -
أحصيت ما فى الموطأ، فوجدت فيه من السند خمسمائة ونيفاً، وفيه ثلاثمائة
ونيف من المرسلات ، وفيه نيف وسبعون حديثاً قد ترك مالك نفسه العمل
بها، وفيه أحاديث ضعيفة وهنها جمهور العلماء))(١).
ولا غرابة فى أن يترك مالك العمل ببعض الأحاديث المروية فى الموطأ ،
فقد ذكر ذلك له ، فذكر أنه تبين له وهنها ، وأنها نشرت عنه قبل أن يعلم
ضعفها (٢) ، فكان عمله على أمر ، وبعض الأحاديث التى نسبت روايتها إليه
على أمر آخر.
ولقد وصل بعض العلماء ما أرسله مالك من أحاديث وما تركه من غير
سند من بلاغات ، فو جد أن کل حديث لم يذكره سنده متصلا ، له سند آخر
"إلا أربعة أحاديث، ولذا جاء فى شرح الزرقانى على الموطأ: ((ما من مرسل
فى الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد ... فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح
لا يستثنى منه شىء ، وقد صنف ابن عبد البر كتاباً فى وصل ما فى الموطأ
من المرسل ، والمنقطع ، والمعضل ، قال وجميع ما فيه من قوله بلغنى ، ومن
قوله عن الثقة عنده مما لم يسند ، أحد وستون كلها مسندة من غير طريق
مالك إلا أربعة)،(٣).
وهكذا ترى العلماء يختلفون فى صحة كل ما اشتمل عليه الموطأ
لاختلافهم فى قبول المرسل ونحوه،، فالمالكية إذ يقبلونه يحكمون بأن كل
ما فى الموطأ صحيح، وغيرهم إذ لا يقبلون المرسل إلا بقيود ، لا يقبلون
مرسلانه إلا بقيود ، وقد ندب نفسه لوصل مرسلاته بعض المالكية كما
(١) الكتاب المذكور نقلا عن كتاب مراتب الديانة ص ٤٨ .
(٢) راجع النبذة رقم ٣٥° من هذا البحث.
(٣) شرح الزرقانى جـ ١ ص ٩، والمعضل من الحديث هو ما سقط من
رواته إثنان فأكثر، كقول مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- ٢٤٣ -
رأيت ، فوصل كل ماليس متصل السند بسند ليس عن طريق مالك رضى
الله عنه، ولم يجد سوى أربعة أحاديث لم ير لها سنداً، لا عن طريق مالك،
ولا عن طريق غيره ، قد ذكرها الزرقانى فى مقدمة شرح الموطأ ،
فارجع إليها .
٤٠ - وعدد الأحاديث فى الموطأ مختلف باختلاف رواته ، فقد قال
أبو بكر الأبهرى جملة ما فى الموطأ من الآثار عن النبى مَّة ، وعن الصحابة
والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، والموقوف ستمائة ، وثلاثة عشر،
ومن التابعين مائتان وخمسة وثلاثون، وقال الغافقي فى سند الموطأ ((اشتمل
كتابنا هذا على ستمائة حديث وستة وستين حديثاً ، وهو الذى انتهى إلينا من
سند موطأ مالك، وقال الحافظ أبو سعيد العلائى: «يروى الموطأ عن مالك
جماعة كثيرة ، وبین رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير ، وزيادة
ونقص ... وأكثرما زيادة رواية أبى مصعب فقد قال ابن حزم فى موطأ
أبى مصعب زيادة على سائر الموطآت نحو مائة حديث(١))).
والسبب فيما كان من اختلاف الرواة بالزيادة والنقصان ، هو أن مالكا
نفسه كان كثيراً ما يسقط منه أحاديث رواها ، حتى لقد حسبوا أنه فى
الأصل كان نحو عشرة آلاف حديث ، فلعل الذين زادوا قد رووه عنه فى
وقت، ثم أسقط منه بعد روايتهم شيئاً، فجاء الذين رووا من بعدهم ،
وأخذوا عنهم ما لم يسقطه ، فكان ما بأيديهم أكثر ما بيد غيرهم.
٤١ - ومالك قد روى الموطأ عن رجال كثيرين، وجملة من تلقى
عنهم نحو خمسة وتسعين رجلا ، فقد ذكرهم العلماء وأحصوا عدد ما تلقاه عن
كل واحد منهم، وعدد من تلقى الروايات عنهم من الصحابة خمسة وثمانون
رجلا ، وثلاث وعشرون امرأة ، وعدد من روی لهم من التابعين ثمانية
وأربعون .
(١) تزيين الممالك فى مناقب الإمام مالك السيوطى ص ٥٠.
٠

- ٢٤٤ -
ويلاحظ أن رجاله جميعا من أهل المدينة إلا سبعة رجال ، وهم
أبو الزبير من أهل مكة، وحميد الطويل، وأبو أيوب السختيانى من أهل
البصرة، وعطاء بن عبد الله من أهل خراسان ، وعبدالكريم من أهل الجزيرة،
وإبراهيم بن أبي عبلة من أهل الشام(١).
وعلى ذلك كان هذا الكتاب ديوان العلم المدنى حوى طائفة من أحاديثه،
ومجموعة من أقضيته وفتاويه ، وما كان له من تخريجات وآراء فمشتقة منها،
أو محولة عليها ، أو ناهجة مثل نهجها .
٤٢ - هؤلاء هم الرجال الذين تلقى مالك عنهم ما اشتمل عليه كتابه
الموطأ ، أما من تلقوه عنه ، فهم جملة تلاميذه ، وهم كثيرون ، وقد ذكر
القاضى عياض عدة من رووا الموطأ فكانوا نيفاً وستين ، قد ذكر أسماءهم،
ونقلها عنه السيوطى، وقد قال عياض بعد ذكرهم: ((هؤلاء هم الذين حققنا
أنهم رووا الموطأ ، ونص على ذلك أصحاب الأثر، والمتكلمون فى الرجال)).
وقد ذكر الغافقي أنه قرأ الموطأ من اثنتى عشرة رواية ، ورتب سنده
على أساسها، والمطبوع الآن المتداول روايتان الموطأ (إحداهما) رواية
محمد بن الحسن الشيبانى صاحب أبى حنيفة (٢) .
وثانيتهما - رواية يحيى بن يحيى الليثى البربرى الأندلسى، المتوفى سنة ٢٣٤هـ
وهو من تلاميذ مالك رحل إليه من الأندلس ، وسماه عاقل الأندلس ،
إليه انتهت رياسة الفقه، وبه انتشر مذهب مالك هناك، وتفقه عليه جماعة
لا يحصون عرض عليه القضاء فزهد فيه، فعلت منزلته، وكان إليه المرجع
فى تعيين القضاة ، فكان لا يلى قاض إلا بمشورته .
ورواية محمد بن الحسن أقل عدداً فیبعض أبوابها، وفىمقدار أحاديثها
(١) المصدر السابق .
(٢) طبعت بالهند، وارجع إلى ترجمة محمد بن الحسن فى كتابنا (أبو حنيفة).

- ٢٤٥ -
من رواية يحيى، ويوازن العلماء بينهما من حيث الصحة، فيرجح بعضهم
رواية محمد ، ويرجح الأكثرون رواية بحي.
وقد كان محمد يذكر رأيه أحياناً فى المسائل الفقهية التى يخالف فيها مالكا ،
كما كان يفعل مع شيخه أبى حنيفة فى كتاب الآثار ، وكما كان يفعل معه،
ومع شيخه أبى يوسف فى كتب ظاهر الرواية التى نقل بها الفقه الخنفى.
والاختلاف بين الروايتين ليس كبيراً ، مما يدل على أن الأصل واحد ،
والنسبة صحيحة فى جملتها لا مجال للريب فيها .
٢ - تلاميذ مالك
٤٣ - قلنا إن الفقه المالكى نقل بطريقتين: أحدهما كتب كتبها
مالك ورويت عنه، وأصحهانسبة، وأقواها سنداً، وأجمعها لفقهه، الموطأ،
وقد بينا حاله ، وثانيهما تلاميذه ، فقد كانوا هم المصدر الثانى لفقهه ، وقبل أن
بين كيف حملوه، والكتب التى نقلت عنهم ومكانها من الاعتبار، والأقاليم
التى راجت فيها، نشير إلى أمرين: (أحدهما) أنه لم يعرف أن إماماً من
الأئمة كان له من التلاميذ مثل عدد تلاميذ الإمام مالك رضى الله عنه، فقد كان
تلاميذه کثیرین جداً ، وتباعدت أقطارهم، فله تلاميذ من خراسان ، ومن
العراق ، ومن الشام ، وأكثر تلاميذه من المدينة ومصر وشمال أفريقية،
وبلاد المغرب .
والسبب فى تلك الكثرة أنه كان يقيم ببلاد الحجاز ، واختص المدينة
المنورة بإقامته ، فلم يرحل عنها إلا حاجاً ولم يعرف أنه زايل بلاد الحجاز،
والمدينة فيها مثوى النبى صّ له، فكان الناس يقصدونها من كل فج عميق زائرين
بعد أن يحجوا إلى بيت الله الحرام، وبذلك التقى به أهل العلم والطالبون له
من كل الأقطار الإسلامية ، وكثروا ، ثم إنه قد بارك الله له بطول العمر،

أ
- ٢٤٦ -
فعمر نحو ست وثمانين سنة، وأخذ يلقى دروساً فما يقارب الستين من السنين،
فكان هذا سبباً ثانياً من أسباب كثرة تلاميذه، وتباعد أقطارم، فكان
الناشرون اطريقته الفقهية كثيرين (ثانيهما) أن كتاب المناقب لم يكتفوا
بتلك الكثرة الكاثرة من التلاميذ، بل بالغوا ، وأضافوا إليهم من ليسوا
منهم ، وأخذوا يعدون فى ضمن التلاميذ أحيانا من هم أكبر منه سناً، ومن تقدم
بهم الزمن عليه، ويعدون أحياناً أخرى من رواته شيوخه الذين تلقى عليهم،
وروی عنهم .
ولا غرابة فى أن يروى الشيخ عن تلميذه، ولكن إذا كان لذلك حقيقة
واقعة فلا غضاضة فى قبولها ، وإن كان لمجرد المبالغة فى التقدير، والتوثيق،
فليس من العلم قبوله ، بل يحب رده.
٤٤ - ولقد ادعوا أمرين لم يصدقهما المحققون من العلماء، أحدهما أن
ابن شهاب الزهرى قدروى عنه ، وقد يذكر ذلك القاضى عياض فى مداركه.
فيذكر أن من التابعين الذين رووا عنه: محمد بن مسلم ن عبيد الله بن شهاب
الزهرى (١) ، وقد وافق السیوطی على ذلك، وقرر أن ابن شهاب روی عن
مالك ولكن ابن عبد البر ، قد قرر ما يناقض ذلك الكلام ، ونفى هذا الادعاء
فى الانتقاء ، وكلامه جدير بالاتباع ، فقال :
«قیل إنه روی عنه ابن شهاب ، ولا يصح، وإنما روی ابن شهاب عن
عمه أبى سهيل نافع بن مالك ، (٢) .
وثانى الأمرين أن أبا حنيفة تتلمذ لمالك رضى الله عنهما، حتى لقد جاء
فى طبقات الحفاظ للذهبى أن سعيد بن أبى مريم روى عن أشهب أنه قال
رأيت أبا حنيفة بين يدى مالك کالصی بين يدى أبيه ، وحتى لقد جاء فى تقدمة
(١) المدارك ص ٠٣٤٢
(٢) الانتقاء ص ١٣.

- ٢٤٧ -
-
الجرح والتعديل لابن أبى حاتم أن أبا حنيفة كان يطلع على كتب مالك
رضى الله عنهما .
وكلا الخبرين غير مقبول؛ لمنافاته للحقائق المقررة ؛ إذ أن أبا حنيفة
کان أسن من مالك ، فما كان من المعقول أن جلس بین یدیہ ، کما مجلس
الصبى بين يدى أبيه، ولأن أشهب لم يكن عند وفاة أبى حنيفة فى سن من يحضر
مجالس العلم، إذهو أكبر من الشافعى بقليل ، إذ كان لدنه فى طلب العلم،
والشافعى ولد سنة ١٥٠ أى فى السنة التى توفى فيها أبو حنيفة. ولأن أباحنيفة
ومالكا كلاهما كان يعرف مكان صاحبه من العلم، فلا يرضى مالك الذى قال
فى أبى حنيفة، كما جاء فى المدارك (( إنه لفقيه)، أن يجلس منه ذلك المجلس،
ولا تلك المكانة من الفقه ، وله عليه فضل السن ، وللسن جلال عند
ذوى الدين .
هذه بينات تشهد بعدم صدق الخبر الأول من الخبرين ، أما الخبر الثانى،
وهو أن أبا حنيفة كان يقرأ كتب مالك، فهو أن مالكا لمتعرف له كتب
فى حياة أبى حنيفة ، إذ أن الموطأ لم يظهر إلا بعد موت أبى جعفر أى بعد
سنة ١٥٨، وأبو حنيفة، توفى سنة ١٥٠، فليس من المعقول أن يكون
أبو حنيفة قد اطلع على كتب مالك رضى الله عنهما .
٤٥ - نحن ننفی أن یکون أبو حنيفة تلميذاً مالك، ولكن هل روی
عنه؟ إن العلماء كان يروى بعضهم عن بعض من غير أن بغض ذلك من
مقام الراوى ، وإن کان يدل على فضل المروی عنه ، كلما كان الراوى من
أهل العلم والتحقيق.
لقد ذكر بعض علماء السنة أن أبا حنيفة روى عن مالك، وقدذ کروا
بعض هذه الأحاديث، منها حديث (( الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر
تستأمر، وصمتها إقرارها، فقد قالوا إن سياق الند هكذا عن حماد بن

- ٢٤٨ -
أبى حنيفة عن أبى حنيفة عن مالك ... ولكن بعض العلماء يقول إن الراوى
عن مالك هو حماد بن أبى حنيفة من غير توسط أبيه .
ولقد قال السيوطى فى هذا المقام: (( قال الحنفية أجل من روى عن
مالك أبو حنيفة)، وهذه العبارة تدل على أنه روى عن مالك عدة أحاديث،
والذى وقفت أنا عليه حديثين فقط، أحدهما فى مسند أبى حنيفة لابن خسرو ،
والآخر فى الرواة عن مالك للخطيب البغدادى(١)).
وهذا يدل على أمرين : أحدهما أن أبا حنيفة روى عن مالك ، وكان
يراه الثبت الثقة، وثانيهما أن ما رواه كان قليلا إلى درجة أنه يبحث عنه،
فيعثر عليه بعد طول الجهد .
٤٦ - بعد ذلك الموجز من البيان نتجه إلى بيان ما قام به تلاميذه
الذين لازموه، ومن جاء بعدهم فى نقل فقهه إلى الأجيال، فإن الموطأ
لم يذكر إلا طائفة قليلة من المسائل التى درسها، وأفتى فيها، والجزء
الأكبر رواه تلاميذه، ودونه من بعدهم تلاميذهم، ومن تلقى عليهم.
وإن الطريق لنقل ذلك كانت ميسرة سهلة؛ لأن تلاميذه كانوا يدونون
ما يفتى به فى المسائل ، وكان أحيانا ينهاهم عن الإفراط فى الكتابة ، وفى
أكثر الأحيان يتركهم يكتبون، لا يحرضهم ولا ينهاهم، فقد جاء فى المدارك:
((قال ابن المدينى قلت ليحيى أ كان مالك يملى عليك؟ قال: كنت أكتب
بين يديه ، قال مصعب : كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه،
ولكن لا يرد عليه، ولا يراجعه))، وفى المدارك أيضاً (( كان مالك إذا
تكلم بمسألة كتبها أصحابه(٢))) .
ويظهر أنه كان يفعل ذلك فى المجلس، فلا يراجع، ولا يكرر، لكيلا
(١) المناقب للسيوطى ص ٠٥٩
(٢) المدارك ص ١٨٧، ٦٧٠ .

- ٢٤٩ -
يقطع على نفسه سلسلة تفكيره بالمراجعة ، ولكيلا يذهب وقار المجلس
الذى كان حريصاً كل الحرص على أن تظله السكينة والوقار ، ولكن إذا
خلا به أخصاؤه من تلاميذه راجع عليهم ما يريدون أن يتثبتوا فيه من
المسائل، فيروى أن ابن وهب كان يراجع ما كتبه عليه ، فقد قال: «كنت
آتى مالكا، وهو قوى ، فيأخذ كتابى، فيقرأ منه، وربما وجد فيه
الخطأ، فيأخذ خرقة بين يديه ، فيبلها فى الماء ، فيمحوه ، ويكتب لى
الصواب(١)).
ويظهر أنه كان يخص تلاميذه المصطفين بالاجتماع بهم اجتماعا خاصاً
يدونون فيه مسائل وأحاديث ، فقد قال ابن وهب: «كنت بين يدى مالك
أكتب ، فأقيمت الصلاة ، وفى رواية فأذن المؤذن ، وبين يدى كتب
منشورة، فبادرت لأجمعها ، فقال لى: على رسلك ، فليس ما نقوم إليه
بأفضل مما أنت فيه إذا صحت النية(٣))) .
٤٧ - من هذه الفقرات الموجزة يتبين أن أصحاب مالك كانوا
ينقلون عنه فتاويه فى المسائل المختلفة ، كما نقلوا عنه الموطأ، وكانوا
ينشرون فى أقطارهم تلك الفتاوى ، وتناقلها عنهم تلاميذهم من بعدهم ؛
ولذلك كان ما نقل عنهم هو المصدر الثانى لنقل الفقه المالكى ، وهو الأكثر
عدداً وتفريعاً .
ولا نستطيع أن تحصى تلاميذ ذلك الإمام الجليل ، ونترجم لهم ، وإن
كتب الطبقات وخصوصاً المدارك، والديباج المذهب ، فيها البيان الكافى
لهم، وفيها البيان الكافى أيضاً لعلمهم، وأقدارهم، وأثرهم فى التفريغ فى
المذهب ، ونشرهم له . ولكننا نشير إشارات إلى بعض قليل منهم.
٤٨ - ولنذكر بعض أولئك الذين خصهم ابن عبد البر بالذكر، وقد
ذكر أولهم .
(١) المدارك فى ترجمة ابن وهب ص ٦٠٥.
(٢) المدارك ص ٠٦٠٤
:

- ٢٥٠ -
١ - عبد الله بن وهب
هو بربرى أصلا ونسباً ، وقرشى ولاء، لازم مالكا نحو عشرين سنة،
ونشر فقهه فى مصر، ولم يكن تلقيه عن مالك وحده ، بل تلقى عن أكثر
أصحاب الزهرى ، كما أخذ عن أكثر من أربعمائة شيخ من شيوخ الحديث
بمصر والحجاز والعراق، منهم سفيان الثورى، وابن عيينة ، وابن جريج،
وعبد الرحمن بن زياد الأفريقى ، وسعد بن أبى أيوب ، وغيرهم، وقدروى
عنه كثيرون ، منهم شيخه الليث بن سعد، وقد صرح باسمه ، كما ادعى أن
مالکا رضى الله عنه رویعنه، ولکثرة من روىعنهم کان کثیر الحديث،
ويظهر أن كثرة أخذه عن العلماء جعلته يروى عن بعض الضعفاء ، ولقد
قال فيه إصبغ أحد تلاميذ أصحاب مالك: ابن وهب أعلم أصحاب مالك
بالسنن والآثار ، إلا أنه روى عن الضعفاء.
وكان ابن وهب نفسه قد لاحظ ذلك فى أحاديثه ، فإنه يروى أنه قال:
لولا أن الله أنقذنى بمالك والليث لضللت، فقيل له: كيف ذلك ، فقال :
أكثرت من الحديث ، خيرفى، فكنت أعرض ذلك على مالك والليث،
فيقولان : خذ هذا ودع هذا (١).
وكان مالك يعظمه، ويحبه ، ومانجا من زجره أحد من أصحابه ؛ إلا
ابن وهب وكان يلقبه بالفقيه فيما يكتب إليه ، وقد كان أحد من نشروا مذهبه
فى مصر ، وبلاد المغرب ، وإليه كانت الرحلة فى معرفة فقه مالك ٤ بعد
موت مالك ، وفى حياته ، عند من يشق عليهم السفر إليه نفسه ، وله كتب
كثيرة جليلة المقدار عظيمة المنفعة ، منها سماعه عن مالك ، وهو نحو
ثلاثين كتاباً ، وقد علمت أنه كان يدون مسائله ويراجعها عليه ، ومنها
(١) المدارك: والديباج ص ١٣٣.

سعر
- ٢٥١ -
٠
موطئه الكبير، وجامعه الكبير، وكتاب الأموال، وكتاب تفسير
الموطأ ، وكتاب المناسك، وكتاب المغازى(١).
وقد تلقى عنه تلك الكتب كثيرون ، ولكن لم يكن لما تلقوه تأثير
فى المذهب كالذى كان لما تلقوه عن عبد الرحمن بن القاسم ، وقد توفى فى
سنة ١٩٧ عن اثنتين وسبعين ، فقد ولد سنة ١٢٥ وقبل سنة ١٢٤.
٢ - عبد الرحمن بن القاسم
٤٩ - وهو من أصحاب مالك الذين كان لهم أثر بالغ فى تدوين
مذهبه ، إذ أنه بمراجعة سحنون عليه ما كتبه فى مسائل مالك عد فى مذهب
مالك، كمحمد بن الحسن فى مذهب أبى حنيفة ، والتشابه بين الرجلين كامل.
إذ أن كليهما يعد راوى مذهب صاحبه وناقله ، وله مع ذلك اجتهاد حر،
فكان لابن القاسم آراء يخالف بها شيخه مالك ، حتى لقد قالوا أنه قد غلب
عليه الرأى ، فقد قال فيه ابن عبد البر: ((كان فقيهاً قد غلب عليه الرأى ،
وكان رجلا صالحاً مقلا صابراً، (٢).
كان التقاؤه بمالك بعد ابن وهب، وقد طالت صحبته لمالك ، ولازمه
مدة طويلة، نحواً من عشرين سنة ، وتفقه بفقه، وقد تلقى مع ذلك عن
الليث بن سعد وعبد العزيز بن الماجشون، ومسلم بن خالد الزنجى، وروى عنه
کثیرون ؛ وإليه كان يرجع فى مسائل مالك وفتاويه ، وكان ابن وهب
يقول: ((إن أردت هذا الشأن يعنى فقه مالك، فعلينا بابن القاسم ، فإنه
انفرد به، وشغلنا بغيره ، وروايته الموطأ تعد أصح رواية ، وقد تلقى عنه
سحنون المدونة ، فهو على هذا ناقل الفقه المالكى ، إذا اعتبرت المدونة
(١) المدارك ص ٦١٣، والديباج.
(٢) الانتقاء ص ٥٠.

- ٢٥٢ -
جامعه الذى حوى أكثر مسائله ، ولترجىء الحديث فيها ، حتى نوفيه بعد
ترجمة أصحابها الثلاثة ، ابن القاسم ، وأسد ، وسحنون .
وقد كان ابن القاسم جواداً زاهداً عابداً ، لا يقبل جوائز السلطان
وكان يقول : ليس فى قرب الولاة، ولا فى الدنو منهم خير ؛ وكان أولا
يأتيهم، ثم تركهم ، وكان يعتبر كثرة الإخوان رقاً ، لأنه لا يجعل الشخص
حراً فى تقديره الأمور ، فإن كان قاضياً خشى عليه الظلم ، وإن كان عالماً
خشى عليه ضياع وقته، ولذا أثر عنه أنه كان يقول: ((إياك ورق الأحرار)،
فقيل له، وكيف يكون فقال: ((كثرة الإخوان، وقد توفى فى سنة ١٩١،
وعاش نحو ثلاث وستين سنة فقد ولد سنة ١٢٨ .
٣ - أشهب بن عبد العزيز القيسى العامرى
٥٠ - أخذ عن الليث ، ويحيى بن أيوب ، وابن لهيعة ، وصحب مالكا
ولازمه ، وتفقه عليه ، وكان أحد رواة فقهه ، وله مدونة تسمى مدونة
أشهب، أو كتب أشهب، وكان نظيراً لابن القاسم ، ولكنه كان أصغر
منه ، وقيل لسحنون تلميذهما: أيهما أفقه، فقال كانا كفرسى رهان ، ربما وفق
هذا ، وخذل هذا، وربما خذل هذا، ووفق هذا .
ولقد كان ابن القاسم ، وأشهب ؛ اختلفا فى قول مالك فى مسألة؛ وحلف
كل واحد منهما على نفى قول الآخر ؛ فسألا ابن وهب ، وهو أقدم منهما
صحبة ، فأخبر هما أن مالكا قال القولين جميعاً، حجا، لليمين التى حلفاها (١).
ولقد التقى به الشافعى ، وقال فيه ، ما رأيت أفقه من أشهب . وقد
انتهت إليه رياسة الفقه فى مصر .
وألف أشهب كتاباً سمى المدونة غير مدونة سحنون ، وقد قال فيه
(١) المدارك ص ٠٦٣٥

- ٢٥٣ -
القاضى عياض: ((كتاب جليل كبير كثير العلم . قال ابن حارث لما كملت
الأسدية (١) أخذها أشهب وأقامها لنفسه، واحتج لبعضها، فجاء كتاباً
شريفاً. ولما بلغ ابن القاسم ذلك ذكر أنه وجد كتاباً تاماً فنى عليه ، فأرسل
إليه أشهب : أنت إنما غرفت من عين واحدة ، وأنا من عيون كثيرة ،
فأجابه ابن القاسم عيونك كدرة ، وعينى أنا صافية)، (٢).
وإذا كان سحنون تلميذاً لأشهب ، ولابن القاسم ، فلابد أنه اغترف
منهما معاً .
ولأشهب من الكتب غير ما تقدم كتاب الاختلاف فى القامة ،
وكتاب فى فضائل عمر بن عبد العزيز.
وقد ولد أشهب سنة ١٤٠، وتوفى سنة ٢٠٤ بعد الشافعى بأيام ، وكان
بينهما صحبة.
٤ - أسد بن الفرات بن سنان
٥١ - أصله من خراسان، وولد بحرًان من ديار بكر، وانتقل به
أبوه إلى تونس ، وقيل بل انتقل أبوه إلى تونس وأمه حامل به ، وهذايدل
على أن نشأته الأولى كلها كانت بتونس . حفظ القرآن ، ثم تعلم الفقه، ورحل
إلى المشرق فسمع من مالك موطأه وغيره ، ثم ذهب إلى العراق فلقى
أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وذكر القاضى عياض أن أبا يوسف أخذ عنه
موطأ مالك رضى الله عنهما .
وقد جمع إذن أسد بين فقه العراق ، وفقه المدينة ، وقرأ ما جمعه محمد بن
(١) الأسدية هى الأصل لمدونة سحنون، وقد تلقاها أسد بن الفرات عن
(٢) المدارك ص ٦٤٠
ابن القاسم كما سنبين .

- ٣٥٤ -
الحسن كما قرأ موطأ مالك، وجمع مسائله منه ومن أصحابه من بعده ،
وأكثر من أخذ عنه من أصحاب مالك من بعده ابن القاسم .
لقد كانت قراءته لكتب الإمام محمد، وما فيها من الفروض والمسائل
وحلولها ، حافزاً لأن يبحث عن مثل هذه الحلول على وفق مذهب الإمام
مالك ليجتمع بين يديه حكم المذهب فى تلك المسائل ، ولم يتوافر له ذلك فى
حياة مالك فالتجأ إلى أصحابه الذين لازموه ، التجأ أولا إلى ابن وهب ،
وقال له: هذه كتب أبى حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك ،
فتورع ابن وهب وأبى، فالتجأ إلى ابن القاسم ، فأجابه إلى ماطلب، فأجاب
فيما حفظ عن مالك يقول مالك ، وفيماشك فى حفظه قال أخال ، وأحسب ،
وأظن ، ومنها ما كان يقول فيه بالقياس على رأى له فى مثله ، فكان يقول:
«سمعته يقول فى مسألة كذا كذا ومسألتك مثله، ومنه ما قال فيه باجتهاده
على أصل قول مالك، وجمع تلك الأجوبة فى كتب وسماها الأسدية ، (١)
والأسدية هذه هى الأصل لمدونة سحنون ، كما سنبين عند الكلام فى
المدونة ، وقد جمعها فى مصر من أقوال ابن القاسم، كما رأيت ، وقد رجع
إلى القيروان، وأخذ عنه سحنون تلك الأسدية بالقيروان ، ثم راجعها على
ابن القاسم من بعد .
وقد تولى أسد قضاء القيروان ، واقتصر فى العمل على مذهب أبى حنيفة
فانتشر بسبب هذا ذلك المذهب فى المغرب حيناً من الزمان ، حتى وصل
حدود الأنداس .
وقد توفى فى حصار سرقوسة وهو أمير الجيش وقاضيه سنة ٢١٣،
وكانت ولادته سنة ١٤٥.
(١) المدارك ص ٠٦٧

- ٢٥٥ -
٥ - عبد الملك بن الماجشون
٥٢ - كان مولى لبنى قيم ، وكان أبوه عبد العزيز بن الماجشون قريناً
لمالك وهو الذى قيل إنه كتب موطأ قبل مالك، لم ير فيه هذا أنه سلك
السبيل الأقوم، كما نوهنا عند الكلام فى الموطأ ، قال فيه ابن عبد البر :
((كان فقيها فصيحاً دارت عليه الفتيا فى زمانه إلى موته، وعلى أبيه
عبد العزيز قبله، فهو فقيه ، وكان ضرير البصر ، وقيل إنه عى فى آخر
حياته ؛ روى عن مالك، وعن أبيه، وكان مولعاً بسماع الغناء)).
وقد أثنى عليه سحنون ، وقال: هممت أن أرحل إليه ، وأعرض عليه
الكتب ، فما أجاز منها أجزت وما رد رددت .
وقد أثنى عليه ابن حبيب مؤلف الواضحة ، وأخذ عنه كثيراً ، وكان
يرفعه فى الفهم على أكثر أصحاب مالك .
تلاميذ آخرون
٥٣ - وإن محاولة إحصاء من تلقوا العلم على مالك وترجمتهم أمر
عسير، ولذلك نكتفي بذكر الذين عرفوا بأن لهم صلة بالكتب التى اعتبرت
أصلا لذلك المذهب ، وهم من ذكرنا ، وقد يضم إليهم :
عبد الله بن عبد الحكم بن أعين من موالى عثمان بن عفان، ولد بمصر
سنة ١٥٠، وقيل سنة ١٥٥، ومات سنة ٢١٦. سمع من مالك الموطأ، ثم
روى عن ابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب كثيراً من رأى مالك الذى
سمعوه منه، وصنف كتاباً أحضر فيه تلك الأسمعة بألفاظ مقربة ، ثم
اختصر من ذلك الكتاب كتاباً صغيراً، وعليهما مع غيرهما يعول
البغداديون من المالكين فى المدارسة ، وقد شرحهما الشيخ أبو بكر الأبهرى.
٥٤ - وإذا كانت عنايتنا إلى ذكر كلمات موجزة عن تلاميذه الذين
.

- ٢٥٦ -
عرفوا بأنهم قد تركوا أصولا للكتب المالكية المعروفة الآن ، فإن علينا أن
نذكر من تلاميذ هؤلاء، وتلاميذهم الذين دونوا تلك المجموعات، وإنا فى
هذا المقام نكتفي بذكر ثلاثة توخياً للإيجاز ، وهم سحنون ، وابن حبيب،
والعتبى .
أما سحنون : فهو عبد السلام بن سعيد سحنون التنوخى العربى ، وقد
كان فى سن تسمح له بالتلقى على مالك قبل موته ، ولكن لم يكن عنده مال
يكفى للرحلة وقتئذ ، ولذلك اكتفى بالسماع من تلميذه ابن القاسم ، وكانت
جوابات مالك ترد إليه فى مصر ، وكما سمع من ابن القاسم سمع من ابن
وهب، وأشهب، وعبد الله بن عبد الحكم وابن الماجشون ، وغيرهم، وبعد
أن تزود من العلم بمصر وغيرها عاد إلى المغرب ، وقد انتهيت إليه فيه رياسة
العلم ، وصار على قوله المعول وصنف المدونة ، وكان له من الأصحاب
والتلاميذ ما لم يكن لأحد من أصحاب مالك. وقد ولى القضاء سنة ٢٣٤.
وعنده نحو أربع وسبعين سنة . واستمر فى ولايته إلى أن مات سنة ٢٤٠ .
أى نحو ست سنوات . وكان لا يأخذ لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان فى
قضائه كله ، ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضائه من جزية أهل الكتاب، وقال
للأميرة مرة: «حبست أرزاق أعوانى، وهم أجراؤك، وقد وفوك عملك،
ولا يحمل ذلك لك. وقد قال رسول اللّه عينيك الي: أعطوا الأجير حقه قبل
أن يجف عرقه ».
وكان يضرب الخصوم إذا آذى بعضهم بعضاً بكلام أوتعرضوا للشهود .
ويقول إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ وكان يؤدب الناس على الأيمان
التى لا تجوز من الطلاق والعتاق. حتى لا يحلفوا بغير الله(١).
٥٥ - وعبد الملك بن حبيب المتوفى سنة ٢٣٨. وهو أندلسى تعلم
(١) راجع أخباره فى الديباج للذهب ص ١٦٣ .

- ٢٥٧ -
بالأندلس ورحل منها سنة ٢٠٨. وأخذ عن كثيرين من أصحاب مالك .
منهم ابن الماجشون وعبد الله عبد الحكم وغيرهم؛ ثم عاد إلى الأندلس
سنة ٢١٦، وقد جمع علماً كثيراً ، فذاع خبره ، وقربه إليه أمير الأندلس.
وجعله مع يحي بن يحي ناقل الموطأ فى مشاورته . وكانت بينهما وحشة .
ثم انفرد هو بالمشاورة بعد موت بحى. ولقد كان فقيهاً. ولم يكن محدثاً .
وهو مؤلف كتاب الواضحة الذى اعتبر أصلا ثانياً للفقه المالكى عند بعض
الناس بجوار المدونة، وسنبين منزلتهما(١).
٥٦ - والعتبى: وهو محمد بن أحمد بن عبد العزيز المتوفى سنة ٠٢٥٥
وقيل سنة ٢٥٤. وهو أندلسى قرطبى سمع من سحنون وغيره. وكان حافظاً
للمسائل جامعاً لها، عالماً بالنوازل . وقد ألف كتاباً اسمه المستخرجة أو
العتبية استخرجها من الواضحة لعبد الملك بن حبيب . كانت محل ثقة
الأندلسيين والأفريقيين وقتاً ، حتى لقد قال ابن حزم فيها: (( لهما عند أهل
العلم بأفريقية القدر العالى. والطيران الحثيث)،(٢).
ولقد طعن فى نقل المستخرجة للفقه المالكى كثيرون ، عاصروا مؤلفها.
فقد قال محمد بن عبد الحكم: رأيت جلها كذباً. مسائل لا أصول لها.
وقال ابن لبابة: ((كثرت فيها الروايات المطروحة، والمسائل الشاذة)).
وقال غيره: «فى المستخرجة خطأ كثير)،(٣).
هؤلاء الأشخاص البارزون فى نقل الفقه المالكى . وقد اجتمع نقلهم
فى المدونة، والواضحة. والمستخرجة أو العقلية. ولنتكلم فيها.
(١) راجع ترجمتها المطولة فى المدارك بالقسم الثانى ص ٠١٦٣
(٢) الديباج ص ٢٣٩.
(٣) الديباج ص ٢٣٩، والمدارك القسم الثانى ص ٠٣٢٩
(م ١٧ - مالك)

1. 7
-- ٢٥٨ -
المدونة والواضحة والعتبية والموازية
٥٧ - قال ابن خلدون فى بيان الكتب فى المذهب المالكى: «رحل
من الأندلس عبد الملك بن حبيب ، فأخذ عن ابن القاسم وطبقته ، وبث
مذهب مالك فى الأندلس ، ودون فيه كتاب الواضحة ، ثم دون العتبى من
تلامذته كتاب العتبية، ورحل من أفريقية أسد بن الفرات ، فكتب عن
أصحاب أبى حنيفة أولا ، ثم انتقل إلى مذهب مالك ، وكتب على ابن القاسم
فى سائر أبواب الفقه، وجاء إلى القيروان بكتابه، وسمى الأسدية نسبة إلى
أسد بن الفرات، فقرأها سحنون على أسد، ثم ار تحل إلى المشرق ، واقى
ابن القاسم ، وأخذ عنه وعارضه بمسائل الأسدية ، فرجع عن كثير منها
وكتب سحنون مسائلها ودونها وأثبت ما رجع عنه ، وكتب لأسد أن
يأخذ بكتاب سحنون ، فأنف من ذلك ، فترك الناس كتابه ، واتبعوامدونة
سحنون على ما كان فيها من اختلاط المسائل فى الأبواب ، فكانت تسمى
المدونة ، والمختلطة ، وعكف أهل القيروان على هذه المدونة ، وأهل
الأندلس على الواضحة والعتبية ، ثم اختصر ابن أبى زيد المدونة والمختلطة
فى كتابه المسمى بالمختصر ، ولخصه أيضاً أبو سعيد البرادعى من فقهاء
القيروان فى كتابه المسمى بالتهذيب ، واعتمده المشيخة من أهل أفريقية
وأخذوا به، وتركوا ماسواه. وكذلك اعتمد أهل الأندلس كتاب العتبية،
وهجروا الواضحة، وما سواها . ولم يزل علماء المذهب يتعاهدون هذه
الأمهات بالشرح، والإيضاح والجمع ، فكتب أهل إفريقية على المدونة
ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن يونس، واللخمى، وابن محرز التونسى،
وابن بشير، وأمثالهم ، وكتب أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن
يكتبوا، مثل ابن رشد، وأمثاله . وجمع ابن أبى زيد جميع ما فى الأمهات
من المسائل، وبالخلاف، والأقوال، فى كتاب النوادر ، فاشتمل على جميع
:

1
- ٢٥٩ -
أقوال المذهب ، وفروع الأمهات کلها فى هذا الکتاب ونقل ابن يونس
معظمه فى كتابه على المدونة ، وزخرت بحار المذهب المالكى فى الأفقين
إلى انقراض دولة قرطبة والقير وان ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك
إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب لخص فيه طرق أهل المذهب فى
كل باب وتعديد أقوالهم فى كل مسألة، فجاء كالبرامج للمذهب)،(١).
٥٨ - هذا تلخيص جيد للكتب فى المذهب المالكى، وكيف انتقلت
آراء مالك ومسائله، وكيف تناول العلماء تلك النقول بالتلخيص والشرح
والترتيب.
: ولكن لنا عليه بضع ملاحظات استقيناها من المصادر المعتبرة فى
الطبقات :
أولى هذه الملاحظات - أنه يقرر أن أهل الأندلس هم الذين أخذوا
بالعتبية، وأن أهل القيروان هم الذين أخذوا بالمدونة ، وهذا يخالف
ما ذكره ابن حزم الأندلسى إذ هو يقرر أن العتبية لها عند أهل العلم
بأفريقية القدر العالى والطيران الحثيث .
والثانية - أنه يقرر أن كتاب الأندلس إنما كتبوا على العتبية،
ويذكر من بينهم ابن رشد ، وابن رشد يذكر فى كتابه المقدمات الممهدات
أن المدونة هى أصل العلم المالكى ، وأن ما عداها معتمد عليها، ويقول
فى ذلك .
((رحل سحنون إلى ابن القاسم، فكانت مما قرأ عليه مسائل المدونة
والمختلطة ودونها ، فصلت أصل علم المالكيين، وهى مقدمة على غيرها من
الدواوين بعد موطأ مالك ، ويروى أنه مابعد كتاب الله كتاب أصح من
موطأ مالك رحمه الله ولا بعد الموطأ ديوان فى الفقه أفيد من المدونة،
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٢٤٥ من طبعة الخيرية .
١
-

i
- ٢٩٠ -
والمدونة هى عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحو ، وككتاب
إقليدس عند أهل الحساب ، وموضوعها من الفقه موضع أم القرآن من
الصلاة تجزی من غيرها ، ولا يجزى غيرها منها (١) ،
وإذا كان هذا رأى ابن رشد فى المدونة وهو أنداسى، فلا يمكن أن
يقال إن المعتبر عند أهل الأندلس هو العتبية، كما يمكن أن يقال إن تأليفه
فى الفقه كان على أساس أن العتبية هى الأصل يوضحه هو ، ويبينه،
ويختصره ، ويلخصه .
ثالث هذه الملاحظات - أنه يجعل العتبية فى مرتبة المدونة من حيث
الثقة بها والاطمئنان إلى أن ما اشتملت عليه هو من مذهب مالك ، والحقيقة
أنه بينما أكثر العلماء فى المذهب المالكى يتلقون ما جاء فى المدونة بالقبول
يثير كثيرون منهم الظنون حول ما جاء فى العتبية ، وقد ظهر التكذيب
لبعض مسائلها عقب كتابتها ، فقد قال محمد بن عبد الحكم: « أتيت بكتب
حسنة الخط تدعى المستخرجة من وضع العتى ، فرأيت حلها كذبا،
ومسائل لا أصول لها ، وما قد أسقط وطرح ، وشواذ من مسائل المجالس
لم يوقف عليها أصحابها، (٢).
ويقول ابن لبابة فى تأليف العتبى المستخرجة أو العتبية: ((كان يؤنى
بالمسائل الغريبة، فإذا أعجبته قال ادخلوها فى المستخرجة .. فليست إذن
المستخرجة أو العتبية بشهادة الثقات من علماء المذهب المالكى الأولين محل
الثقة والاطمئنان، والمدونة تحل ذلك المحل، فهى وحدها كما يقول ابن رشد أصل
علم المالكيين وليست العتبية فى منزلتها، أو قريبة منها إن كان لها اعتبار .
ورابع هذه الملاحظات أنه يذكر أن المدونة سميت المختلطة لاختلاط
(١) المقدمات الممهدات ج ١ ص ٨٧ طبعة الفاسى المغربى.
(٢) المدارك القسم الثانى ص ٠٣٣٨