النص المفهرس
صفحات 221-240
- ٢٣١ - النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم، وطول غمهم وتقلبهم فى دركاتها على وجوههم ، لا يسمعون ولا يبصرون ، ويدعون بالويل والثبور، وأعظم من ذلك عليهم حسرة إعراض الله تعالى عنهم بوجهه ، وانقطاع رجائهم من روحه، وإجابته إياهم بعد طول الغم ((أن اخسئوا فيها، ولا تكلمون)) لم يتعاظمك شىء من الدنيا أردت به النجاة من ذلك ، وأمنك من هو له ، ولو قدمت فى طلب النجاة من جميع ما ملك أهل الدنيا كان ذلك صغيراً، ولو رأيت أهل طاعة الله، وما صاروا إليه من كرم الله عز وجل ، ومنزلتهم، مع قربهم من الله عز وجل، ونضرة وجوههم ، ونور ألوانهم، وسرورهم بالنظر إليه، والمكانة منه، والجاه عنده، ما لورأيته لتقلل فى عينيك عظيم ما طلبت به الدنيا ، فاحذر على نفسك حذر غير تغرير ، وبادر إلى نفسك قبل أن تسبق إليها ، وما نخاف الحسرة منه عند نزول الموت، وخاصم نفسك اللّه تعالى على مهل، وأنت تقدر بإذن الله على جلب المنفعة إليها ، وصرف الحجة عنها ، قبل أن يوليك الله حسابها، ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها، وأجعل لله من نفسك نصيباً بالليل والنهار)) (١). ٢٥ - هذه مقدمة تلك الرسالة ، وهى أكثر ما جاء فى رسالة أخرى ثابتة السند، وعلى ذلك يصح لنا أن نقول بعد أن تبين أن مضمونها لايصلح أكثره لخطاب الرشيد. إن الرسالة منتحلة ، وتمويهها ، أو تقريبها جعلت (١) راجع المدارك ص ٢٧٠، وسعد الشموس والأقار ص ٢٧١. وتجد فى هذه الرسالة بعد)) واجعل لله نفسك نصيبا بالليل والنهار وصل اثنتى عشرة ركمة من النهار .... وترى أن الاتصال بين هذا وما سبقه غير محكم إحكاما نفسيا ، بينما تجد ما يعقب الجملة السابقة فى المدارك (فان عمرك ينقص مع ساعات الليل والنهار) . هذا ويلاحظ أن الاختلاف بين المصدرين فى بعض الحروف هو من التصحيف أو اختلاف الرواية . - ٢٢٢ - مقدمتها رسالة صحيحة ثابتة النسبة بسند وثيق ، وهى مستساغة مقبولة ، صالحة لأن تكون وعظاً الملوك والخلفاء، وأضيفت إليها بعد ذلك الأجزاء المنحولة ، والتى اشتملت فى نفسها على دليل بطلانها ، وبرهان ردها، وعدم استساغتها . وهذه الرسائل كلها لا تعد تأليفاً له فى الفقه يستقى منه مذهب مالك ، ولا تدويناً للأحاديث التى صحت عنده ، إنما الذى يكشف عن منهاجه فى الفقه ، ويبين جملة من آرائه فيه، وهو ديوان الأحاديث الثابتة عنده، الموطأ، ولننتقل إلى الكلام فيه . الموطأ ٢٦ - يعد الموطأ أول مؤلف ثابت النسبة من غير شك(١)، ذاع وانتشر فى الإسلام ، وتناقلته الأجيال جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا ، وهو ثابت النسبة إلى الإمام مالك رضى الله عنه، ويعد الأول فى التأليف فى الفقه والحديث معاً ، فقد كان الناس فى العصر قبله يعتمدون على الذاكرة أكثر مما يعتمدون على الكتاب ، ويعتمدون فى العلم على السماع والتلقى، لا على المكتوب المدون ، وإن كان ثمة شيء فهو تلك المجموعات الخاصة التى نوهنا عنها من قبل، أما التدوين والتأليف الحق فقد ابتدأ بالموطأ ، هكذا يقول الثقات ، وهكذا يقول أهل الخبرة فى الحديث والفقه ، فقد جاء فى مقدمة فتح البارى ، شرح صحيح البخاري لابن حجر ما نصه : ((علم، علمنى الله وإياك، أن آثار النبي صَّ له لم تكن فى عصر فى الصحابة، وكبار تابعيهم مدونة فى الجوامع ((ولا مرتبة لأمرين: (أحدهما) أنهم كانوا فى ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت فى صحيح مسلم، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم (ثانيهما) سعة حفظهم وسيلان أذهابهم، (١) ينسب للامام زيد المتوفى سنة ١٢٢ كتاب الجموع، ولكن يتشكك بعض العلماء فى هذه النسبة . - ٢٢٣ - ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث فى آخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار ، لما انتشر العلماء فى الأمصار، ولما كثر الابتداع من الخوارج والروافض ، ومنكرى الأقدار ، فأول من جمع ذلك الربيع بنصبیح ، وسعيد بن أبى عروبة ، وغير هما ، وكانوا يصنفون كل باب على حده إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة، فدونوا الأحكام ، فصنف الإمام مالك الموطأ ، وتوخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين، ومن بعدهم(٦))). لم يحفظ التاريخ مدوناً مأثوراً فى الحديث والفقه، يقرؤه الناس إلى اليوم أقدم من الموطأ، ولقد كان عصر مالك يوعز مالك بالتأليف، لأن الفرق، أو أهل الأهواء كما يسميهم الأثريون کمالك وغيره، کما یدونون مقالاتهم، ويدافعون عنها ، فكان لابد أن يتجه الأثريون إلى تدوين الحديث وأقوال الصحابة والتابعين، ولأن الذاكرة أخذت تثقل بعظيم ما يجب أن تحفظه ، فكان لابد من الاستعانة بالکتاب . کما رأيت من ابن شهاب عندما كان يحرض تلاميذه على كتابة ما يسمعون خشية نسيانه ، ولأن كثرة ادعاء الفرق المختلفة الأحاديث ، أوجب تمييز صحيحها بتدوينه ؛ ليكون معلوماً للناس فلا يضلوا . ولقد سبق الاتجاه إلى تدوين أحاديث أهل الحجاز ، وأقوال الصحابة والتابعين مالكا رضى الله عنه. فقد نوهنا إلى أنعمر بن عبد العزيز قد رأى فيما رأى لصلاح المسلمين وحماية الإسلام تدوين صحاح الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين المعروفة بالمدينة . وقد جاء فى شرح الموطأ الزرقانى : (( لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث. إنما كانوا يؤدونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً إلا كتاب الصدقات، والشىء القليل يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء. حتى إذا خيف عليه الدروس ، وأسرع فى العلماء الموت (١) مقدمة فتح البارى ص ٤ طبع الشيخ منير الدمشقى. - ٢٣٤ = أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى , أن انظر فيما كان من سنة أو حديث فاكتبه)، وقال مالك فى الموطأ رواية محمد بن الحسن . أخبرنا یحی بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم: ((أن انظر ما كان من حديث رسول اللّه صَ ل أوسنة أو حديث أو نحو هذا فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء ... )،(٩). ٢٧ - كان الاتجاه إذن قد وجد قبل مالك وفى عصره إلى تدوين أقوال الصحابة والتابعين ، وأحاديث رسول اللّه ميز الله ووجد من قبل مالك من أخذ فى جمع هذه الآثار ، وجمع ناس من أقرانه مسائل فى فقه الحجاز ، ودونها فى كتاب، وقرأه الناس فى حينه، فقد روى أن عبد العزيز بن الماجشون أول من عمل موطأ جمع فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد اطلع عليه مالك ، ونقده بأنه لم يبتدى. بالحديث ، ونقل السيوطى فى ذلك عن ابن عبد البر ما نصه: «أول من عمل كتاباً بالمدينة على معنى الموطأ، من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاماً بغير حديث . فأتى مالك ، فنظر فيه ، فقال ما أحسن ما عمل ، ولو كنت أنا الذى عملت لبدأت بالآثار ، ثم سددت ذلك بالكلام(٢)). وجدت الدواعى والمثل ليؤلف مالك موطأه ، إذ وجد غيره قد جمع أبواب الفقه المجمع عليه عند أهل المدينة ، فكان عليه أن يكتب ما دام قد (١) مقدمة شرح الموطأ الزرقانى ص ٠١٠ (٢) تزيين الماليك فى مناقب الإمام مالك ص ٤٤، وقد ذكر التاريخ من هذه الموطآت ثلاثة غير موطأ ابن الماجشون. موطأ إبراهيم بن محمد الأسلمى المتوفى سنة ١٨٤ وموطأ عبد الله بن وهب الفهرى المتوفى سنة ١٩٧، وموطأ عبد الرحمن ابن أبى ذؤيب . 1 - ٢٢٥ - وجد أن الذى كتب لم يسلك الطريق الأمثل، فكتب ، ويظهر أنه كان وقت كتابته ونشره، قد وجد كتباً مثله حتى قد قيل له : ((شغلت نفسك بهذا الكتاب وقد شاركك فيه الناس ، وعملوا أمثاله، فقال اقتونى بها فنظر. فيها ، ثم قال لتعلمن ما أريد به وجه الله)) . ولكن لم يقدر لمدون قبل موطأ مالك ما قدر له من الذيوع والانتشار والبقاء فى الأجيال، حتى يجتاز الحقب. فيصل إلى جيلنا كما جمعه صاحبه، ولذلك قلنا إنه أول كتاب جمع ودون ، وبقى إلى يومنا هذا. ٢٨ - كان ظهور الموطأ إذن نتيجة لمقتضيات الزمن ، ووجود الدواعى إليه ، إذ اتجهت همة العلماء والخلفاء من قبل عصر مالك إلى جمع علم المدينة ، ونزع العلماء إلى ذلك فى عصره ، فلما بلغ هو ذلك الشأو فى الإفتاء ، وصار مقصد طلاب العلم من كل مكان، إذ صار إمام دار الهجرة غير منازع فيها من أحد، كان لابدمن أن يجمع أحاديث أهل المدينة وأقوال الصحابة والتابعين بها ، وبعبارة عامة يجمع العلم المدنى ؛ إذ طلبه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز من قبل، وصار الغاية المرتجاه ، ورأى هو أن الثمر قد آن أن يحصد ويجمع، حتى لا تعصف به الرياح ، فجمعه ، ودو نه، ولكن علماء الأخبار يذكرون أن جمع مالك للموطأ كان بناء على طلب أبى جعفر المنصور، فيقولون إن أبا جعفر قال لمالك ضع للناس كتابا أحملهم عليه ، ويروى أنه قال له يا أبا عبد اله ضم هذا العلم، ودونه كتباً، وتجنب فيها شدائد عبد الله بن عمر ، ورخص ابن عباس ، وشواذ ابن مسعود، وأقصد أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الصحابة)). ويروى أنه حصلت بينهما مجاوبة فى الغرض من الكتابة، إذ قال أبو جعفر: ((اجعل العلم يا أبا عبد الله علماً واحداً، فقال لهمالك إن أصحاب رسول الله مَّ اللّه تفرقوا فى البلاد، فأفتى كل فى عصره بما رأى، وإن لأهل هذا البلد ( أى مكة) قولا، وأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا قد ( م ١٥ - مالك) ٠٠ - ٢٣٦ - تعدوا فيه طورهم ، فقال أما أهل العراق ، فلست أقبل منهم صرفا ، ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم ، فقال له مالك إن أهل العراق لا يرضون علمنا ، فقال أبو جعفر : يضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط)) (١). ٠ ٢٩ - إذن فقد فكر أبو جعفر فى الأمر الذى فكر فيه عمر بن عبد العزيز، وهو جمع العلم المدنى، فقد أمر هذا أبا بكر الحزمى، وأمر ذاك مالکا رضى الله عنه ، وإذا كانت قد توافرت الدواعى عند مالك من تلقاء نفسه لتدوين العلم المدنى خشبة الدروس فقد كان طلب الخليفة مزكياً للأمر الذى رأى دواعية متوافرة. وإن الخليفة كما تدل الروايات ما كان يقصد من الجمع الخوف على ذهاب العلم بذهاب العلماء، وإنما كان له مطلب آخر ، وهو توحيد الأقضية فى كل الأمصار، إذ أن ذلك كان من الأمور التى كثر التفكير فيها فى عصر أبى جعفر ، لأن الخلاف بين الفقهاء قد اتسعت آفاقه ، ولامنجاة من آثار ذلك الاختلاف فى الأقضية إلا بجمع السنة واختيار سبيل وسط من أقوال الفقهاء يكون مذهب القضاة ، يقضون به، ويخرجون عليه ، وكان هذا مما تقدم به عبد الله بن المقفع للمنصور، ولننقل لك بعضاً مما جاء فى رسالة الصحابة خاصاً بذلك، فقد جاء فيها: ((ومما ينظر أمير المؤمنين فيه اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التى قد بلغ اختلافها أمراً عظيما فى الدماء والفروج والأموال، فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة ويكون مثل ذلك الاختلاف فى جوف الكوفة ، فيستحل فى ناحية منها ما يحرم فى الناحية الأخرى ، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين فى دمائهم وحرمهم يقضى به قضاةً، جائز أمرهم وحكمهم ، مع أنه ليس ينظر فى ذلك (١) راجع هذه الروايات الثلاث فى المدارك ص ٣٠ و ٣٢ و ٠٣٣ ٠ - ٣٢٧ - من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلا قد لج بهم العجب بما فى أيديهم ، والاستخفاف من سواهم، فأقحمهم ذلك فى الأمور التى يبخع بها من سمعها من ذوی الألباب » . (((أما من يدعى لزوم السنة منهم ، فيجعل ما ليس سنة سنة ، حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بينة ولا حجة على الأمر الذى يزعم أنه سنة ، وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول : هريق فيه دم على عهد رسول اللّه صَ اله. أو أئمة الهدى من بعده، وإذا قيل له أى دم سفك على هذه السنة التى تزعمون؟ قالوا فعل ذلك عبد الملك بن مروان ، أو أميرمن. بعض أولئك الأمراء، وأما من يأخذ بالرأى ، فيبلغ به الاعتزام عن رأيه أن يقول فى الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك وإمضائه الحكم عليه ، وهو مقر أنه رأى منه - لا يحتج بكتاب ولا سنة . ((فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية، والسير المختلفة، فترفع إليه فى كتاب ، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ، ثم نظر أمير المؤمنين فى ذلك وأفضی فی کل قضية برأيه الذى يلهمه الله، ويعزم له عليه ، وينهى عن القضاء بخلافه ، وكتب بذلك كتاباً جامعاً عزماً ، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلفة الصواب بالخطأ حكماً واحداً صواباً، ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لاجتماع الأمر برأى أمير المؤمنين . وعلى لسانه ، ثم يكون ذلك من إمام لآخر آخر الدهر إن شاء اللّه)، (١). ٣٠ - وترى من هذه الفقرات أن جمع القضاء على رأى واحد كان فكرة تقوم بأذهان المفكرين ، لما رأوا من تضارب الأقضية واضطراب الأحكام ، وتناقضها بسبب اختلاف الآراء الفقهية . وقدرأى ابن المقفع أن تجمع الآراء المختلفة لكل طائفة، ويختار (١) رسائل البلغاء ص ١٢٦. - ٢٢٨ - الخليفة من بينها ما يراه أصلح وأقرب إلى السنة ، فلم يتجه أبو جعفر ذلك الاتجاه، عند أخذه بالفكرة ، بل اتجه إلى العلم المدنى ، ليجعل منه قانوناً يكون القضاء على مقتضاه؛ لأن علم المدينة أقرب إلى السنة فى جملته، ويظهر أنه كان على علم به ، ولأن بغضه للعراق وفقهائه الذين كانوا ينقدونه أحيانا، جعله يتجه إلى العلم المدنى وحده ، فطلب إلى مالك ما طلب، وعارض مالك بما قال، لكيلا يفرض على الناس رأياً ارتآه ، وقد يكون وصل إلى علمهم عن صحابى غير ما رأى ، وخشية أن يتحمل هو وحده التبعات كلها فى كل الأقطار . ٣١ - وجدت الدواعى لتدوين الموطأ، وجاء طلب الخليفة متفقاً مع تلك الدواعى التى ارتآها مالك ، وأجاب نداءها من تلقاء نفسه . ولكن لم يقدر أن يتم التدوين فى عصر أبى جعفر المنصور ، فقد تم تدوين الموطأ حوالى سنة ١٥٩ بعد أن توفى المنصور وقيل فى أواخر أيامه، كما أن أبابكر ابن حزم لم يجمع السنن إلا بعد وفاة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه . ويظهر أن مالكا أخذ وقتاً طويلا فى تدوينه، وتمحيصه، حتى استطاع أن ينشره على الناس، فإن طلب أبى جعفر تدوينه كان حول سنة ١٤٨(١)، ونشره على الناس كان حول سنة ١٥٩ أى أن الفترة بين الطلب والنشر كانت نحو إحدى عشرة سنة قضاها مالك فى جمعه وتمحيصه ، ولقد قالوا إنه استمر يمحص فيه إلى أن مات ، فكان كلما راجعه حذف منه بعض ما كان قد أقر . ٣٢ - لم يدرك أبو جعفر الكتاب، فقد مات قبله ، وقد كان رأى. الخلفاء من بعده مثل رأيه ، فقد كان رأى المهدى كأبيه ثم رأى الرشيد أن (١) راجع فى هذا الانتقاء وهامشه ص ٤٠. - ٠٠. - ٢٢٩ - تنشر فى كل مصر نسخة ويسير القضاء فى الأمصار ، فى أحكامهم على مقتضاه وطلب كلاهما ذلك إلى مالك ، ولكن مالكا كان يمانع فى ذلك مانعة شديدة . جاء فی المدارك ( روی أن المهدی قال له ضع كتاباً أحمل الناس عليه، فقال له مالك أما هذا الصقع يعنى المغرب فقد كفيتكه ، وأما الشام ففيه الأوزاعى ، وأما أهل العراق فهم أهل العراق،(١) .. وقال السيوطى فى مناقب مالك: ((أخرج أبو نعيم فى الحلية عن عبد الله ابن عبد الحكم قال سمعت مالك بن أنس يقول شاورنى هرون الرشيد فى ثلاث فى أن يعلق الموطأ فى الكعبة ، ويحمل الناس على ما فيه ، وفى أن ينقض منبر رسول اللّه صَ لّه ، وبجعله من جوهر، وذهب وفضة، وفى أن يقدم نافع بن أبى نعيم إماما يصلى بالناس فى مسجد رسول اللّه صَ الله ، فقات يا أمير المؤمنين، أما تعليق الموطأ فى الكعبة، فإن أصحاب رسول اللّه عدّ له اختلفوا فى الفروع ، فافترقوا فى البلدان ، وكل عند نفسهمصيب، وأما نقض المنبر فلا أرى أن تحرم الناس أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تقديمك نافعاً يصلى بالناس ، فإن نافعاً إمام فى القراءة لا يؤمن أن تبدر منه فى المحراب بادرة، فتحفظ عنه، فقال وفقك الله يا أبا عبد الله)). ويظهر أن مالكا لم ينظر إلى اختلاف الأحكام والأقضية تلك النظرة التى كان ينظرها ابن المقفع ، بل كان يرى أن الاختلاف ضرورى، لتكون الأحكام متوافقة مع عرف كل إقليم مادامت لم تخالف نصاً من كتاب أو (١) المدارك ص ٢٣٢ وتدل هذه الرواية على أن الموطأ لم يكن قد كتب، ولعل ذلك فى أول خلافة المهدى التى كانت سنة ١٥٨، وأما ما جاء فيها من اعتماد مالك على الأوزاعى فى الشام، فهو اعتماده على تلاميذه وفقهه الذى عمل به فيه زمناً طويلا حتى غلب عليه الفقه الشافعى . ولم يكن الأوزاعى حياً وقت هذا الكلام ، لأنه توفي سنة ١٥٧ قبل تولى المهدي . . - ٢٣٠ - سنة ، ولكيلا يكون الناس فى ضيق ، فإنه يروى أنه قال مرة المرشيد عندما كرر عليه طلب نشر الموطأ: ((يا أمير المؤمنين إن اختلاف العلماء رحمة الله على هذه الأمة ، كل يقبع ما صح عنده ، وكل على هدى ، وكل يريد الله)،(١). ٣٢ - هذه بواعث تأليف مالك الموطأ، وطلب الخلفاء تأليفه ، ومحاولتهم أن يجعلوا منه قانوناً عاماً يرجع إليه القضاء فى أحكامهم، وممانعة مالك فى ذلك ، وما ذكره لهم من أن ذلك ليس فى مصلحة المسلمين ، ولا من السنة . والآن نريد أن تبين كيف كان مسلك مالك فى جمع موطئه . كان مسلك مالك رضى الله عنه فى الكتاب يتفق مع الغرض الذى قصده من جمعه، والباعث الذى بعثه إليه. ولم يكن الغرض أن يدون طائفة من الأحاديث صحت عنده، كما هو الشأن فى صحاح السنة التى دونت من بعده ، بل كان الغرض من الكتاب جمع الفقه المدنى ، والأساس الذى قام عليه . فهو كتاب حديث ، وسنة ، وفقه، ولذا نجده يذكر الأحاديث فى الموضوع الفقهى الذى اجتهد فيه ، ثم عمل أهل المدينة المجمع عليه ، ثم رأى من التقى بهم من التابعين وأهل الفقه ، والرأى المشهور بالمدينة، فإن لم يكن شىء من ذلك فى المسألة التى بين يديه اجتهد رأيه على ضوء ما يعلم من الأحاديث والفتاوى والأقضية، ودون رأيه فى ذلك ، وإذا كان كذلك فالكتاب لا يبين فقط المجموعة التى صحت عنده من أحاديث النى سيل ، ورأى أن ينشرها بين الناس ، ويدونها فى كتاب، بل يبين ذلك ، ويذكر آراء الصحابة والتابعين الذين اختار آراءهم، والأمور التى رأى تدوينها فى ذلك الكتاب، ولنذكر مسلكه فى رواية الأحاديث ، ثم مسلكه فى الآراء التى دونها فيه. ٣٤ - كان انتقاء مالك للأحاديث انتقاء المتعرف لأحوال روائهم الفاحص لأحوالهم، وإذا كان أبو حنيفة قد اشتهر بفهمه لفقه الحديث، 1 (١) السيوطى ص ٠٤٦ - ٢٣١ - وتفسيره تفسيراً فقهياً يستنبط منه العلل التى يبنى عليها الأقيسة ، فمالك رضى الله عنه قد اشتهر بنقد الرجال نقد الفاهم الخبير، ووزن الحديث بكتاب اللّه، والمشهور من السنة، وما يراه مجمعاً عليه من أهل المدينة، ولعل مالكا أول من عنى عناية شديدة بدراسة رجال الحديث ، وإذا كان أخص ما يعنى به المحدثون دراسة رجال الحديث، وعدلهم وضبطهم وفهمهم ، فمالك قد فتح بمسلكه لهم عين الطريق ، فسلكوه وقد أثرت عنه كلمات فى شروط الرجال الذين يستحقون أنیروی عنهم ، ومن كان يرفض روايته ، تعد بياناً. لشروط الرواة المقبولة روايتهم، ومن كان ذلك قوله: ((لا يؤخذ العلم من أربعة ، ويؤخذ من سواهم ، لا يؤخذ من سفيه ، ولا يؤخذ من صاحب هوی یدعو إلى بدعة، ولا من کذاب يكذب فى أحاديث الناس ، وإن كان لايتهم على حديث رسول اللّه صَّ اللّه، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة ، إذا كان لا يعرف ما يحمل وما يحدث به)) (١) . فهو لا يكتفى كما ترى بالعدالة ، والضبط ، بل لابد أن يكون الراوى عنده من يزن ما ينقل إليه، ويتعرف حاله وحال من ينقل عنه، ولذا كان يرفض أحاديث رجال كثيرين من أهل الصلاح ويعرف لهم فضلهم، وتقواهم وصلاحهم، وكان يقول: ((أدركت بهذه البلدة أقواماً لو استقى بهم المطر لسقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيراً، ما حدثت عن أحد منهم شيئاً ؛ لأنهم كانوا أازموا أنفسهم خوف الله، وهذا الشأن (يعنى الحديث والفتيا) يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة، وإتقان وعلم وفهم ، فيعلم ما يخرج من رأسه، ويصل إليه ، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة، فلا ينتفع به ولا هو حجة، ولا يؤخذ عنه(٢))). لهذا لم يرو عن كثيرين من أهل الصلاح والتقى إذا لم يكونوا ضابطين، ولذا كان يقول: « إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت (١) الانتقاء ص ١٦. (٢) المدارك ص ٠١٢٢ ٨ - ٢٣٢ - سبعين ممن يقول: قال رسول اللّه صلاته ، عنده هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد، فما أخذت عنهم شيئاً ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أميناً ، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن(١). کان حریصاً علی أن یکون الراری الذی یروی عنه عدلا ، ليس من أهل الهوى ، ضابطاً ، فاهما لما يروى، وما ينبغى أن يعلم، ويعلن، وكان يتشدد فى حمص الرجال على مقتضى هذه الشروط ، وكثيراً ما كان يرفض الرواية عن بعض الأشخاص، لفان سبق إليه فيهم، أولأنه لم يتأكد استيفاء شروطه فيتركه حتى يموت ، ثم يتبين أنه كان يصح الأخذ عنه. ولقد حكى هو هذه الحال عن نفسه، فقال: (( كنت أرى الرجل من أهل المدينة، وعنده الحديث ، أحب أن آخذه عنه ، فلا أراه موضعاً ،فأنرکه حتى يموت فيفوتنى ، وقال: رأيت أيوب السختيانى بمكة حجتين فما كتبت عنه ، ورأيته فى الثالثة قاعداً فى فناء زمزم ، فكان إذا ذكر عنده النبى صَلى الله وَسَلامُ ببكى، حتى أرحمه. فلما رأيت ذلك كتبت عنه))(٢) . وكان لحرصه على أن يكون رواته ثقات بالقيود التى ذكرنا. كان يرفض رواية علماء بلد بأسره. قيل له: لم لا تحدث عن أهل العراق . قال: ( لأنى رأيتهم إذا جاءونا يأخذون الحديث من غير ثقة. فقلت إنهم كذلك فى بلادهم(٣))). ٣٥ - هذه شروطه فى الراوى ، أما حرصه على سلامة المتن فقد كان لا يقل عن حرصه فى معرفة حال الراوى وضبطه ، ولقد كان يستأنس برواية غيره دائماً . ولذلك كان ينفر من الغريب نفوراً شديداً مهما يكن خال رواته . (١) المدارك ص ١٢٢، والانتقاء ص ٠١٧ (٢) المدارك ص ٠١٢٤ (٣) المدارك ص ٠١٦٦ - ٢٣٣ - وقد قيل له إن فلاناً يحدثنا بغرائب ، فقال إنا من الغريب نفر ، وإذا قيل له إن هذا الحديث لم يحدث به غيرك تركه ، وإذا قيل له هذا حديث يحتج به أهل البدع تركه (١). وكان كثير التفتيش فيما يروى بعد روايته ، حتى إنه ليسقط كثيراً مما رواه ، لعيب اكتشفه فى الراوى أو الشذوذ فى الحديث ، أو نحو ذلك، ولقد قيل إن الموطأ كان نحو عشرة آلاف حديث. فلم يزل ينظر فيه كل سنة، وبسقط فيه، حتى بقى هذا الذى روته الأجيال ، ولقد قال بعض تلاميذه: ((كان علم الناس فى زيادة، وعلم مالك فى نقصان(٢). ولقد كان يحدث بالحديث أحياناً ، ثم يبدوله عيب ، ويأخذ فى فقه بغيره ، فيدون بالحديث بغير رأيه ، ولقد قيل له فى ذلك: ((أرأيت يا أبا عبد الله أحاديث تحدث بها ليس عليها رأيك، لأى شىء أقررتها، فقال: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما فعلت؛ ولكن انتشرت عند الناس، فإن سألنى عنها أحد لم أخذت بها ، وهى عند غيرى ، اتخذنى غرضاً(٣))). هذه عناية مالك بالحديث رواية ودراية ، ولذلك كانت أحاديثه فى الموطأ منتقاة، وعد أهل الفن كل ما فيه من الحديث صحيحاً ، إلا قليلا، ولقد وصف ابن عبد البر مالكا فى روايته وصفاً موجزاً محكما، فقال : (إن مالكا كان من أشد الناس تركالشذوذ العلم وأشدهم انتقاداً للرجال، وأقلهم تكلفاً ، وأتقنهم حفظاً ولذلك صار إماماً (٤))). ٣٦ - هذا شأن الموطأ فى أحاديثه، أما فقهه، فقد كان بعضه تخريجاً للأحاديث ، وبعضه بياناً للأمر الذى كان مجتمعاً عليه بالمدينة، وبعضه بياناً لما كان عليه التابعون الذين التقى بهم، وبعضه رأياً اختاره من مجموع آرائهم ، وبعضه رأياً رآه قد قاسه على ماعلم ، فهو شبيه بما علمه من كتاب (١) المدارك ص ١٦٦، والمناقب الزواوى ص ٣٣. (٢) المدارك ص ٢٣٢ (٣) المدارك ص ١٦٨ (٤) المثاقب ص ٣٣ : مے - ٢٣٤ - الله وسنة رسوله سَّ اللّه، وما اجتمع عليه أهل المدينة، وما نقله عن أهل العلم من الصحابة والتابعين . ولقد وصف فقهه فى الموطأ فقال: ((أما أكثر ما فى الكتاب، فرأى لعمرى ما هو برأى ، ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل، والأئمة المقتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين كانوا يتقون الله ، و کثر على، فقلت رأى ، وكان رأيهم مثل رأبى مثل رأى الصحابة الذين أدركوهم عليه وأدركتهم أنا على ذلك ، فهذا وراثة توارثوها قرناً عن قرن إلى زماننا، فهو رأى جماعة من تقدم من الأئمة )). ((( وما كان فيه الأمر المجتمع عليه، فهو ما اجتمع عليه قول أهل الفقه والعلم لم يختلف وا فيه، وما قلت الأمر عندى فهو ما عمل الناس به عندنا ،وجرت به الأحكام ، وعرفه العام الخاص، وكذلك ما قلت ببلدنا فيه ، وما قلت فيه بعض أهل العلم، فهو شىء استحسنته من قول العلماء، وأما ما لم أسمعه منهم ، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريباً منه، حتى لا تخرج على مذهب أهل المدينة وآرائهم، وإن لم أسمع ذلك بعينه ، فنسبت الرأى بعد الاجتهاد مع السنة، وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول اللّه تطاتي والأئمة الراشدين ، فذلك رأيهم ، ما خرجت إلى غيرهم(١) ) . هذه خلاصة بينة تكشف كشفاً دقيقاً عن مسلك الإمام مالك رضى اللّه عنه فى الاجتهاد من غير نص ، فهو ينظر إلى ما اجتمع عليه أهل العلم، ثم ما عمل الناس به، وما جرت عليه الأحكام وعرفه العام والخاص ، فإن لم يجد أمراً اجتمع عليه العلماء، أو صارت عليه الأحكام ، أخذ ما يستحسنه من أقوال العلماء ، فإن لم يجب اتجه إلى الاجتهاد على ضوء ما علم بأن يوازن ويقارب، ويلحق الأشباه بإشباعها والأشياء بأمثالها، وهو فيما يسمح (١) المدارك ص ٠٢٣٤ -- - ٢٢٥ - وما يجتهد فيه لا يخرج عن العلم المدنى إلى غيره يأخذه بالنص أو الحمل عليه، ولذلك قال إنه رأى ، ليس برأى ، أى أنه نظر نظره، ورأى ارتآه، ولكنه ليس بدعاً ولا جديداً ولا ابتكاراً ، ولا أمراً غريباً على العلم المدنى ، ففى غير النصوص يتقيد فى اجتهاده بعلم أهل المدينة المشهور عندهم ، وبعلم الصحابة والتابعين ، ثم بالقياس على ما قالوا وما أفتوا به. ٣٠ ٣٧ - والآن نسوق لك الأمثال من الموطأ: (١) فمن روايته الأحاديث وتخريجها ما جاء فى شأن استتابة المرقد قبل قتله ، فقد قال: مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من غير دينه، فاضربوا عنه))، ومعنى قول النبى صلى الله عليه وسلم فيما نرى والله أعلم (من غير دينه فاضربوا عنقه، أنه من خرج عن الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم ، فإن أولئك إذا ظهر عليهم قتلوا ولم يستنابوا، لأنه لا تعرف توبتهم ، وإنهم كانوا يسرون الكفر ، ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك ، فإنه يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل ، وكذلك لو أن قوماً كانوا على ذلك رأيت أن يدعوا إلى الإسلام، ويستتابوا ، فإن تابوا قبل ذلك منهم، وإن لم يتوبوا قتلوا. ولم يعن - والله أعلم - من خرج من اليهودية إلى النصرانية ولا من النصرانية إلى اليهودية ، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها ، إلى الإسلام فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك ، فذلك الذی عنی )،(١) . وتراه فى هذا خرج الحديث تخريجاً حسناً ، وقيد برأيه تقييداً معقولا ، فهو فسره بأن المراد بتغيير الدين الخروج من الإسلام إلى غيره، فلا يشمل كل من يغير دينه ، ولو كان عاماً يشمل بعمومه من يخرج من الشرك إلى الإسلام، وذلك غير معقول، وإذا كان العموم غير مراد، فيفسر الخصوص (١) شرح الزرقانى الجزء الثالث ص ١٩٣. - ٢٣٦ - بالغرض المقصود، وهو حماية الإسلام من عبث بعض المفسدين الذين يدخلون فيه ثم يخرجون منه ، قصد تجريحه ، أو الذين يدخلون فيهلغرض دنيوى لا لإيمان بحقيقته ، ثم يخرجون منه لمثل ذلك العبث، وبذلك لا يدخل فى عموم الحديث من ينتقل من النصرانية إلى اليهودية أو العكس . ويقيد الأمر بالقتل بأن يكون بعد الاستتابة، وذلك فى غير المتهمين بالزندقة الذين يظهرون الإسلام ليفسدوا، فأولئك إذا ظهر منهم عمل أو قول يدل على حقيقتهم قتلوا من غير استتابة، لأن الاستتابة تمكين لهم من أن يعلنوا التوبة بألسنتهم، والزندقة مستمكنة من نفوسهم، فيكون الشر والفساد . (ب) ومن أخذه بفتاوى الصحابة وأقضيتهم ودونه فى الموطأ ، ما جاء فى طلاق المريض مرض الموت ، وميراث امرأته منه مع البينونة ، فقد جاء فيه : قال: ((مالك عن ابن شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال وكان أعلمهم بذلك ، وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف - أن عبدالرحمن ابن عوف طلق امرأته البتة. وهو مريض ، فورثها عثمان بن عفان منه بعد انقضاء عدتها . («مالك عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج أن عثمان بن عفان، ورث نساء ابن مكمل ، وكان طلقهن، وهو مريض. ((مالك أنه سمع ربيعة بن أبى عبد الرحمن يقول بلغنى أن امرأة عبد الرحمن ابن عوف ، سألته أن يطلقها ، فقال إذا حضت ثم طهرت ، فآذنينى ، فلم تحض، حتى «رض عبد الرحمن بن عوف ، فلما طهرت آذنته، فطلقها البتة، أو تطليقة لم يكن بقى له عليها من الطلاق غيرها، وعبد الرحمن يومئذ مريض ، فورثها عثمان بعد انقضاء عدتها .. جـ ٢٣٧ _ (« مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال كانت عند جدی حبان امرأتان هاشمية، وأنصارية ، فطلق الأنصارية وهى مرضع ، فمرت بها سنة. ثم هلك. ولم تحض. فقالت أنا أرثه. ولم أحض. فاختصما إلى عثمان بن عفان ، فقال لها الميراث ، فلامت الهاشمية عثمان . فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا ، يعنى على بن أبى طالب)) .. «مالك أنه سمع ابن شهاب يقول: إذا طلق امرأته ثلاثا، وهو مريض، فإنها ترثه ، قال مالك وإن طلقها، وهو مريض قبل أن يدخل بها ، فلها نصف الصداق ، ولها الميراث ، ولا عدة عليها ، وإن دخل بها ثم طلقها ، فلها المهر كله، والميراث، والبكر والثيب فى هذا عندنا سواء)) (١). وترى من هذا أن مالكا رضى الله عنه يروى فتاوى الصحابة فى توريثهم المبتوتة فى مرض الموت التى مات زوجها قبل انتهاء العدة من الطلاق ، وبعد انتهائها، ثم يستنبط من مجموع ما يروى وقوع الطلاق ووجوب مقدار المهر الذى يوجبه ذلك الطلاق ، ثم ميراثها مطلقاً، سواء أ كانت ذات عدة أم لم تكن ذات عدة، أنتهت عدتها أو لم تنته . (حـ) ومن ذلك أخذه بقول بعض صغار الصحابة وهو عمل أهل المدينة ما جاء فى قبول شهادة الصبيان فى بعض الأحوال ، فقد جاء فى الموطأ : , مالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يقضى بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح، قال مالك: الأمر المجتمع عليه أن شهادة الصبيان . (١) الموطأ الجزء الثالث ص ٥٤، وأقوال الفقهاء فى ميراث المرأة المطلقة طلاقا بائناً فى مرض الموت بغير رضاها أربعة: ١ - قول الشافعية إنها لاتر ثه مطلقاً. ٢ - قول الحنابلة إنها ترته ما لم تتزوج ، وهو قول ابن أبى ليلى . ٣ - قول الحنفية إنها ترثه، ما لم تنته عدتها قبل الموت، فإذا انتهت فلا ميراث. ٤- قول المالكية ترثه ولو انتهت العدة وتزوجت بغيره. ہے - ٣٣٨ - ٹجوز فیما بينهم من الجراح، ولا تجوز علی غیر هم ، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها ، لا تجوز فى غير ذلك، إذا كان ذلك قبل أن يفترقوا، أو يخيبوا (١)، أو يعلموا إلا أن يكون قد أشهد العدول على شهادتهم قبل أن يفترقوا ،(٢) . وترى من هذا أن مالكا أخذ فى هذا بإجماع أهل المدينة، واستأنس بكلام عبد الله بن الزبير، وشهادة الصبيان حكم بها معاوية وعمربن عبد العزيز، وأفتى بها سعيد بن المسيب ، وعروة، ومحمد الباقر . (د) ومن اشتمال الموطأ على حكاية إجماع أهل المدينة ماجاء فى ميراث الإخوة الأشقاء ولأب فقد قال: ((الأمر المجتمع عليه عندنا أن الإخوة للأب والأم لا يرئون مع الولد الذكر شيئاً ، ولا مع ولد الإبن الذكر شيئاً، ولا مع الأب دنياً(٣) شيئاً، وهم يرثون مع البنات وبنات الأبناء ما لم يترك المتوفى جداً أبا أب - ما فضل من المال ، يكون فيه عصبة ، تبدأ بمن كان له أصل فريضة مسماة ، فيعطون فرائضهم ، فإن فضل بعد ذلك فضل كان الإخوة الأب والأم، يقتسمونه بينهم على كتاب الله عز وجل ذكراناً كانوا أو أناثاً للذكر مثل حظ الأنثيين ، وإن لم يفضل شىء فلا شىء لهم .... , قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن ميراث الإخوة للأب إذا لم يكن أحد من بنى الأب والأم كمنزلة الأخوة للأب والأم سواء ذكرهم (١) لم يخببوا بالبناء للمجهول أى يخدعوا، بأن يخدعهم غيرهم ، فيوهمهم بأنهم رأوا ما لم يروا ، وذلك احتياط حسن ، وقول مالك هذا خالف به الجمهور، والأئمة الثلاثة أبا حنيفة والشافعى؛ إذهم لم يجيزوا شهادة الصبيان ، لأنهم لضعف مداركهم قد يقولون ما لم يروا . (٢) شرح الموطأ الجزء الثالث ص ١٨٥. (٣) بكسر الدال وسكون النون أى قرباً احترازاً عن الجد . - ٢٣٩ - كذكرهم ، وأنتاهم كأنتاهم ، إلا أنهم لا يشركون مع بنى الأم فى الفريضة التى شركهم(١) فيها بنو الأب والأم؛ لأنهم خرجوا من ولادة الأم .. )، (٣) ونراه فى هذا يحتج باجتماع أهل المدينة وحدهم ، ثم يسوق الفروع التى تبنى على قصايا هذا الاجتماع . (هـ) من فتاوى الصحابة التى يأخذ بها، ويستحسنها ، ويقيس عليها مع مخالفة غيره له، ثم يفرع الفرع عليها ، ما جاء فى زوجة المفقود ، فقد قال: ((مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب، قال: أيما امرأة فقدت زوجها ، فلم تدر أين هو ، فإنها تنتظر أربع سنين ، ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثم تحل ، قال مالك ، وإن تزوجت بعدانقضاء عدتها، فدخل بها زوجها الثانى أو لم يدخل (٣)، فلا سبيل لزوجها الأول، وذلك هو الأمر عندنا، وإن أدركها زوجها قبل أن تتزوج، فهو أحق بها، وأدركت الناس ينكرون الذى قال بعض الناس علىعمر بن الخطاب أنه قالبخير زوجها الأول إذا جاء فى صداقها أو العودة إلى امرأته .. قال وبلغنى أن عمر بن الخطاب قال فى المرأة يطلقها زوجها ، وهو غائب ثم يراجعها فلا تبلغها رجعته ، وقد بلغها طلاقه إياها فتزوجت أنه إن دخل بها زوجها الآخر أو لم يدخل ، فلا سبيل لزوجها الأول الذى كان طلقها ، قال مالك أحب ما سمعت فى هذا المفقود ، (٤). وترى من هذا أنه ( أولا) اختار رأى عمر من بين الآراء فى شأن (١) يقصد حال المسألة المشتركة التى يرث فيها الإخوة لأم ، ولا يرث الأشقاء ، فيعتبرون إخوة لأم . (٢) الموطأ شرح الزرقانى ج ٣ ص ٠٢٦٦ (٣) قد رجع مالك عن هذا وقال إن لم يدخل بها الثانى تكون للأول . (٤) شرح الموطأ الثالث ص ٠٥٦ - ٢٤٠ - زوجة المفقودوفى من طلقها زوجها وهو غائب، ثم رجعها ولم تعلم بالرجمة ، وقد علمت الطلاق ، فتزوجت بعد العدة . (ثانياً) قد فرع الفروع على ذلك الرأى، وهو حكم الحال التى يتزوج فيها بعد أن تعتد عدة الوفاء لمضى أربع سنين ، ثم يظهر زوجها حياً ، فقد أفتى بأنها تكون له إن لم تتزوج ، وإلا فهى الثانى ، سواء أدخل بها أم لم یدخل الثانی ، وقد رجع عن ذلك قبل وفاته ، بعد عام ، وقال إنها الأول إن لم يدخل الثانى أو دخل وهو يعلم أن زوجها حى. ( ثالثاً ) قد كان يقيس حال من يحكم بموته لمضى أربع سنين على من يراجع زوجته وهى لا تعلم ، فقد أفتى عمر ، بأنها للثانى إن تزوجت دخل أو لم يدخل ، فقاس مالك على ذلك حال من يعود وقد اعتدت زوجه عدة الوفاة، وتزوجت فإنها تكون للثانى دخل أو لم يدخل(١). ٣٨ - هذه أمثلة سقناها، ومنها تسقبين أن الموطأ كتاب فقه، وحديث، وأن الأحاديث التى ذكرت فيه المقصود من سوقها هو استنباط قضايا الفقه من نصوصها ، وتخريج الأحكام على مقتضاها ، وإنه لم يقتصر على الأحاديث يرويها، ويستنبط منها، بل يذكر أقضية الصحابة ، وبحكم بمقتضاها، ويختار من بينها ما يراه أنسب، وأصلح فى المسألة التى يستفتى فيها ، ويذكر الأمر المجتمع عليه فى المدينة ، وما تشير إلى أحكام القضاة بها، ويقيس ما لم يجد له حكماً على ما أعلم من أقضية الصحابة ، وقد عاينت كيف قاس حال المفقود التى تعند زوجته عدة الوفاة بعد فقده بأربع سنين ، ثم (١) القياس واضح فى قوله الذى نقلناه إذ ذكر أن قول عمر فى الرجعة أحب ما سمعه متصلاً بالمفقود فهو قد قاس بلا ريب ؛ ولا يمنع ذلك قوله إنه الأمر عندنا ، لأن مؤدى ذلك أنه اعتمد على النقل والقياس على نقل آخر؛ على أنه رجع عن كل ذلك .