النص المفهرس
صفحات 181-200
- ١٨١ - ومحمد الصاحب الثانی لأبى حنيفة يطلب الحديث ، ويأخذه عن الثورى. ثم يلازم مالكا ثلاث سنوات، ويأخذ عنه، وفى هذه الملازمة علم محمد علم الحديث . وروى عن مالك ، ولابد أن مالكا الذى كان حريصاً على معرفة آراء أبى حنيفة كما نوهنا قد كان يسأله عن رأى أبى حنيفة فى مسائل کانت تعرض له . وهكذا نجد الشقة بين فقه العراق وفقه المدينة قد أخذت تضيق، حتى تقاربا ، والرأى مشترك فيهما . ١٤٣ - فى هذه الإلمامة بينافقه المدنيين فى الجملة. وفقه الرأى والأثر، وانتهينا إلى أن الفقه الذى تلقاه مالك رضى الله عنه كان المرأى فيه حظ كبير. بجوار ما كان له من قوة اتصال بالسنة والحديث وعلم تام بهما . ولكن ما الرأى الذى كان يجرى الكلام حوله فى ذلك العصر . أهو القياس الفقهى الذى هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه ؛ لاشتراكهما فى علة الحكم، أم هو أعم من ذلك ؟ إن المتتبع لكلمة الرأى فى عصر الصحابة والتابعين يحدها لا تختص بالقياس وحده ، بل تشمله وسواه، ثم إذا نزلنا إلى ابتداء تكوين المذاهب نجد فيها هذا العموم أيضاً، ثم إذا توسطنا فى عصر تميز المذاهب نجد كل مذهب يختلف فى تفسير الرأى الجائز الأخذ به عن المذاهب الأخرى . يفسر ابن القيم الرأى الذى أثر عن الصحابة والتابعين بأنه ما يراه. القلب بعد فكر وتأمل ، وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات . وإن الراجع لفتاوى الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم يفهم من معنى الرأى ما يشمل كل ما يفتى فيه الفقيه فى أمر لا يجد فيه نصاً ، كما أشرنا ، ويعتمد فى فتواه على ما عرف من الدين بروحه العام، أو ما يتفق - ١٨٢ - مع أحكامه فى جملتها فى نظر المفتى ، أو ما يكون مشابها لأمر منصوص عليه فيها ، فيلحق الشيه بشبيهه، وعلى ذلك يكون الرأى شاملا للقياس، والاستحسان ، والمصالح المرسلة، والعرف (١). (١) يعرّف أبو الحسن الكرخى، وهو من فقهاء الحنفية الاستحسان بأن يعدل المجتهد عن أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم به فى نظائرها إلى غيره؛ لدليل أقوى يقتضى العدول عن الدليل الأول المثبت لحكم هذه النظائر ، ويدخل فى هذا التعريف ما يقوله بعض الفقهاء من أن الاستحسان هو القياس الخفى. وقد عرَّف الاستحسان فى المذهب المالكى بأنه الأخذ بمصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى، وليس المراد مطلق مصلحة ، بل المصلحة التى تجعل الاستدلال. بها أقوى ، وبذلك يتفق التعريف مع قول ابن العربى فى أحكام القرآن: (( إن الاستحقاق هو العمل بأقوى الدليل ، وتعريف بعض المالكية هذا ( وفيه نظر) يتقارب مع تعريف الحنفية ، ولقد قال الشاطبى فى الموافقات : إن مقتضى الاستحسان هو تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد تذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع فى الجملة فى أمثال تلك الأشياء المعروضة كالمسائل التى يقتضى فيها القياس أمراً، إلا أن ذلك الأمر" يؤدى إلى فوات مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة . والمصالح المرسلة هى التى يتلقاها العقل بالقبول ، ولا يشهد أصل خاص من الشريعة بإلغائها أو اعتبارها ، فما يشهد الشارع له بالإلغاء مرفوض بالاتفاق، وما يشهد له بالاعتبار يكون من الأوصاف المناسبة المقبولة ، فيقبل بالاتفاق ، ويدخل فى باب القياس . والاستحسان، والمصالح المرسلة متقاربان فى المعنى فى نظر المالكية، ألاترى أنهم يعرفونه بأنه الأخذ بمصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى ، فالاستحسان فى جملة معناه عند المالكية يتقارب مع المصالح المرسلة ، وبينهما فرق دقيق ، ولعل النهر الذى روى عن مالك بأن الاستحسان تمعة أعشار العلم يعمل المصالح =. - ١٨٣ - وأبو حنيفة وأصحابه يأخذون بالقياس والاستحسان والعرف ، ومالك وأصحابه يأخذون بالقياس وبالاستحسان والمصالح المرسلة ، ولقد اشتهر الأخذ بالمصالح المرسلة فى المذهب المالكى، ولذلك كانت فيه مرونة ، وقابلية لكل ما يجد من شئون الناس فى العصور المختلفة ، وكذلك الاستحسان قد اتسع له المذهب المالكى حتى قال فيه مالك إنه تسعة أعشار العلم ، ولکن ذلك إذا لم یکن نص ولا فتوى صحابى أو تابعی ، ولا عمل لأهل المدينة . ٠٪ كلمة فى الفرق ١٤٣ - هذا عصر مالك ، قد كان يموج بالاضطرابات السياسية ، ولكنه كان يجتهد أن يكون بمنجاة منها، ويستمتع هدأة العالم المتفكر ، وكان فيه الفقه قد نضج واستوى على سوقه ، وقد استطاع بفطنته وقوة عقله أن يتغذى من كل عناصره ، وقد كانت تجرى مناقشات فى عصره فى فتوى الصحابى والتابعى ، وقيمتهما فى الاستنباط الفكرى ، ثم يثير مالك رضى الله عنه مسألة ما عليه أهل المدينة ، ويجعله أصلا من أصوله، ويلقى ذلك فى دروسه ، ويكتب إلى إخوانه ، كما رأيت فى رسالته إلى الليث، فتشغل تلك المسألة عقول الفقهاء ما بين موافقين ومعارضين ، ولذلك كله موضع من البيان إن شاء الله تعالى . وفى هذا العصر يقوم أهل الأهواء بنشر أفكار بين المسلمين من شأنها = المرسلة، ولهذا نحن نراهما شيئين متغايرين متباعدين على النظر الحنفى الذى يقبل أحدهما ، ويرد الآخر ، أما النظر المالكى فهما متقاربان فيه. وسنبين الفرق الدقيق فى موضعه إن شاء الله تعالى. ٠ - ١٨٤ - أن تشغلهم عن علم الدين ، أو توجههم فى دراسته توجيهاً غير مستقيم ، إن أخذوا بها وقبلوها ، أو جعلوها جزءاً من دراستهم. وكان من حقنا أن نمر عليها مر الكرام، لولا أن مالكا كان على علم بها . ووصلت إلى مسامعه، وأهمل دراستها وشغل أذهان تلاميذه بالرد عليها، ولكنه أثر عنه كلام بشأنها ، ورأى له فيها ، وإن لم يلقه على تلاميذه ويجعل لها زمناً من درسه ؛ لأنه كان يكره المراء ، ويرى من ضعف الدين أن يجعله صاحبه هدفاً للجدل . ولذلك حق علينا أن نشير إلى هذه المنازع إشارة ؛ لنستطيع أن نذكر رأی مالك فيها ١٤٤ - لقد وجد فى هذا العصر طائفة أثارت بين المسلمين فكرة ((هل القرآن مخلوق؟، ثم تناقشوا حولها، ففريق قال القرآن كلام الله قديم، وفريق توقف ، وفريق قال القرآن مخلوق ، لأنه ألفاظ ينطق بها القارئ. ، وقد أثار هذا الموضوع الجعد بن درهم، وقتله لهذا بخراسان خالد بن عبد الله القسرى، وأثاره أيضاً الجهم بن صفوان رأس الجبرية الذين يسمون أيضاً الجهمية ، وقد أنكر أن يكون لله تعالى صفة اسمها الكلام . وقد أخذت هذه المقالة ، وهى مقالة خلق القرآن تشيع ، وتنمى أخبارها حتى شغلت الفكر الإسلامى فى عصر خلفاء ثلاثة من خلفاء بنى العباس، وهم المأمون، والمعتصم، والواثق ، وقد كان ابتداؤها فى عصر بنى أمية أى العصر الذى ولد فيه مالك رضى الله عنه . ١٤٥ - وقد ظهرت فى ذلك العصر الفرق السياسية: الشيعة، والخوارج والفرق الاعتقادية القدرية والجهمية والمرجئة . والشيعة بعدون أقدم الفرق الإسلامية ، ظهروا بمذهبهم فى آخر عصر. ٠٠ - ١٨٥ - عثمان رضى الله عنه، ثم فى عصر على وكان ينمو التشيع من بعد، كلما اشتدت المظالم بالبيت الهاشمى من بنى أمية. والشيعة فى جملتهم يرون على بن أبى طالب أحق المسلمين بخلافة النبى صلى الله عليه وسلم وهم فرق مختلفة بعضهم تجاوز حد الدين فى تقديس على رضى الله عنه، وهم السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذين ألهوا علياً، فرق بعضهم، والغرابية الذين زعموا أن النبوة كانت لعلى ، ولكن جبريل أخطأ. ونزل على النبى صلى الله عليه وسلم. لما بينه وبين على من شبه كشبه الغراب بالغراب. ومنهم من لم يخرج بآرائه عن الدين . وهم فريقان أحدهما مقتصد معتدل. وثانيهما مغال تجاوز حد الاعتدال . والأولون هم الزيدية ؛ أتباع زيد بن على زين العابدين. وقد كانوا يرون صحة إمامة الشيخين أبى بكر وعمر ، ولا يطعنون فى الصحابة. والغلاة كثيرون، وهم فرق مختلفة : منهم الكيسانية أتباع المختار الذى ظهر أول الدولة المروانية. ومنهم الإمامية الإثنا عشرية الذين يعتقدون أن إمامهم الثانى عشرة غاب فى سر من رأى ، وأنهم ينتظرونه من قبل. ولا زالوا ينتظرونه، وهؤلاء ما زال منهم كثيرون. ومنهم سکان فارس . ومنهم الإسماعيلية : وكان من هؤلاء من تولى حكم مصر باسم الفاطميين . ١٤٦ - ومن الفرق السياسية الخوارج. وقد ظهروا فى جيش على رضى الله عنه عقب قبوله فكرة التحكيم، إذ حملوا علياً رضى الله عنه عليها، ثم ثاروا بعد قبوله لها صاتحين: لا حكم إلا الله، وزعموا أنه كفر بقبوله التحكيم ، وأن عليه أن يتركه، وأن يتوب بعد هذا الكفر ، وقد بغوا علي على فقاتلهم، و کانوا سبب ضعف قي ته, - ١٨٦ - ولما جاءت الدولة الأموية كانوا شوكة تقض مضاجعها، وتوالى خروجهم . وجملة آرائهم أنه لا يوجد بيت أولى من بيت بالخلافة، وأن الخليفة يختار اختياراً حراً من المسلمين جميعاً ، والأولى ألا يكون له عصبية، حتى يسهل خلعه، وبكفرون من يرتكب ذنباً . وهم فرق مختلفة، ويتفاوتون مغالاة واعتدالا فى أعمالهم وتفکیر م ، وأشدهم غلواً الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق الحنفى، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية الإباضية أتباع عبد الله بن إباض ، وهم يرون أن مخالفيهم ليسوا كفاراً ولا مشركين، بل هم كفار نعمة، وأن دماء مخالفيهم حرام ، وأنه يجوز شهادتهم، وما زالت بقية من الإباضية بالمغرب ، وبين الإباضية والأزارقة فرق مختلفة منهم النجدات أتباع نجدة بن عويمر اليمنى من قبيلة بنى حنيفة، والصفرية أتباع زياد بن الأصفر، والعجاردة أتباع عبد الكريم ابن عجرد . ومن الخوارج من خرجوا عن الإسلام ببعض آرائهم. وهم فرقتان: (إحداهما) اليزيدية أتباع يزيد بن أنيسة ، وقد زعم أن الله سيرسل رسولا من العجم ينزل عليه كتاب ينسخ الشريعة المحمدية. (وثانيتهما) الميمونية أتباع ميمون العجردى، وقد أباح نكاح بنات الابن، وبنات أولاد الأخوة والأخوات ، لعدم ذكرهن فى المحرمات فى زعمه، وروى عن هؤلاء الميمونية أنهم أنكروا سورة يوسف، ولم يعدوها ... من القرآن ١٤٧ - هذه إشارة موجزة إلى الفرق السياسية ، وهناك فرق اعتقادية وهى الفرق التى أثارت مسائل تتصل بالاعتقاد . ومنها المرجئة، وهى فرقة كانت تخلط بالسياسة أصول الدين، والنحلة التى امتازت بها تقابل رأى الخوارج فى المسألة التي أثاروها، وهي مسألة == ٨٨٧ سم مر. تكب الذنب أهو مخلد فى النار، أم غير مخلد، فقد قالوا إنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ولقد كان المعتزلة، يطلقون كلمة مرجئة على كل من لايحكم بأن صاحب الكبيرة مخلد فى النار، ولذا قيل عن أبى حنيفة أنه مرجئ، وجعله الشهر ستانى من مرجئة السنة الذين يرجون عفو الله المذنبين، لا الذين يستبيحون المنكرات . ومن الفرق الاعتقادية الجبرية، أو الجهمية، وهم الذين قالوا إن الإنسان ليس له إرادة فيما يفعل، والله سبحانه وتعالى هو الفاعل لكل ما يجرى على يديه إن كان خيراً أو كان شراً ، وأنه فى أفعاله كالريشة يحركها الهواء ، وقد شاع القول بالجبر فى العصر الأموى ، وقيل : أول من جهر به الجهم بن صفوان ، ولذلك يسمون الجهمية . ومن الفرق أيضاً القدرية ، وهم الذين يقولون إن الإنسان يخلق أفعال نفسه الاختيارية، ومنهم من سموا فى التاريخ الإسلامى باسم المعتزلة، وقد كان لهم شأن كبير فى الفكر الإسلامى فى عصر العباسيين ، إذ هم الذين تولوا الرد على الزنادقة لما انتشرت الزندقة ، وأهم مبادئهم خمسة مبادىء هی : ١ - التوحيد، وفسروه بأن الله سبحانه وتعالى واحد فى ذاته ، وفى صفاته فلا يشاركه أحد من المخلوقين فى أى صفة ، ولذلك نفوا رؤية الله تعالى . ٢ - العدل من الله سبحانه وتعالى: ولذلك اقتضت حكمته أن يخلق الناس أفعالهم، ليكون الثواب والعقاب، والتكليف بوجه عام. ٣ - الوعد والوعيد من الله سبحانه بأن يجازى المحسن بإحسانه ، ومن أساء يجزيه سوءاً، ولا يغفر لمر تكب الكبيرة كبير ته , - ١٨٨ - ٤ - أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين المؤمن والكافر قد يسمى مسلما فاسقا ولكن لا يسمى مؤمناً قط ، وهو مخلد فى النار . ٥ - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فقد قرروا وجوبهما على المؤمنين نشراً للدعوة الإسلامية، وهداية للضالين، وكل بما يستطيع، فذو السيف بسيفه، وذو اللسان بلسانه ، والله سبحانه وتعالى هو الهادى . ------- ----------- ---------------------------------------*-*-*-* القسم الثَّانى آراؤه وفقهه - ١٩٠ - آراؤه ١ - كان مالك محدثاً، وفقيهاً، ولم يجعل لنفسه وصفاً سوى ذلك، لأنه ما كان يرى علماً غير علم الكتاب والسنة، وما عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فكان المحدث الفاحص للرجال الناقد الممحص لما يتلقى الذى يعمل على التوفيق بين المأثور عن النبى صلّه، وبين كتاب الله سبحانه وتعالى، وكان فى الفقه الإمام الذى يرجع إليه ، ويهتدى بهديه، وتوزن الآراء على رأيه ، يستنبط من كتاب الله تعالى، ثم من السنة، ثم من أقوال السلف، وأقضيتهم ويخرج عليها ، ويدرس ما يحد من الوقائع على ضوء ما علم ، بعقل فاهم ، وبصيرة نافذة ، ولم يكن معنياً بمدارسة الذين يبثون علماً غير معتمد على على السلف ، فلم يدارس أهل الأهواء ، ولم يذاكر أحداً من الفرق المختلفة، ولم يذكر آراءهم، بل كان يمر على كلامهم مر الكرام على لغو الكلام ، ويذرهم فى غيهم يعمهون ، على حسب . اعتقاده فيهم . وإنه فى الواقع لم يكن بالمدينة علم إلا ذلك الذى أحبه مالك ، وهو علم الحديث، وعلم الفقه على أساس تلك التركة المثرية التى خلفها أصحاب النبي صَ لّه وتابعوهم، فكانت بمنجاة مما يثيره الدخلاء فى الإسلام وغيرهم من منازع ، ومثارات فكرية قد يتيه فيها عقل الأريب ، ويضل بها من لم يكن قوى الإيمان ؛ إذ كانت تلك الحركات بالبصرة والكوفة كثيراً ، وبدمشق وغيرها دون ذلك ، وسلمت منها مدينة الرسول . ولكن أخبار أولئك كانت تصل إلى الحجاز ، ولعل منهم من يذهب إلى الحج ويتكلم بنحلته هذه، ولذلك أثر عن مالك كلام يتصل بهم، بعضه فى النهى عن مسالكهم ، وكلام فى عدهم من المؤمنين ، وكلام يتناول. - ١٩١ - بعض الموضوعات التى كانوا يتناولونها ، ولكن يتناولها على طريق السلف، لا على طريق البدعة . من أجل هذا أثر عن مالك كلام فى العقائد فى بعض موضوعات قد أثارتها الفرق المختلفة، فتكلم فيها مالك على طريقة سلفية ، لا على طريقة علماء الكلام التى بنيت على النظر العقلى المجرد. ٢ - وقد كانت مسائل الخلافة تشغل العصر الذى عاش فيه مالك، فقد فتح عينه فى الدنيا ، فبلغته أخبار ما كان بين عبد الملك بن مروان ، وعبد الله بن الزبير من دماء ، وكيف آن الملك، أو الأمر إلى ابن مروان بعد أن خضبت البلاد الإسلامية بدماء المسلمين ، وامتلأت بنجيعهم، ورأى خروج الخوارج ، وعرف الکثیر من آرائهم، ورأى خروج بنی على من فاطمة رضى الله عنهم أجمعين، ورأى الدولة العباسية ، وهى تنتزع الملك من الأمويين ، وتبين بطلان استمساكهم به ، ثم رأى العباسيين ، وهم ينازعون فى الملك بنى عمهم العلويين ، وهم جميعاً آل بيت واحد. وصلت إلى مالك أخبار هؤلاء ، وشهد المدينة تقع تحت سلطان الخوارج مرة ، وتحت سلطان محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية مرة أخرى، وانهم فى الثانية بأنه أفتى بجواز الخروج، وتحلة أيمان المبايعين . وإذا كان مالك يتأثر طريق السلف الصالح دائماً ، والسلف منهاج بين فى هذا الأمر الذى كان يجرى فيه التنازع ، فلابد أن يكون قد تناول ذلك المنهاج بالدراسة على طريقته ، ولكنه كان حريصاً كل الحرص على ألا يثير فتنة أو يخوض فيها ، ويظهر أن إعلان قوله ، وله تلك المنزلة الدينية فى قاصى البلاد الإسلامية ودانيها - كان يخشى منه التحريض على الفتنة، وأن يأخذ منه دعاتها ذريعة لبثها بين الناس، وهو كان يرى أن الفتنة كيفما كان باعتها ، شر من الحكم الباطل كيفما كان القائم به . ولذلك لم تؤثر عنه = ١٩٢ - أقوال كثيرة فى الإمامة يستبين الباحث منها رأيه بوضوح وجلاء، وكان المأثور قليلا يشير ولا يصرح ، وعلينا مهما تكن قلته دراسته فى موجز من القول . ولذلك ندرس كلامه فى العقائد أولا ، ثم رأيه فى الخلافة ثانياً. كلامه فى العقائد ٣ - أبر عن مالك رضى الله عنه أنه كان يتمثل دائماً بقول الشاعر: وخير أمور الدنيا ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع(١). وکان یروی قول عمر بن عبدالعزيز ، ويحفظه ، ویذ کره فی کثیر من المناسبات فى فضل السنة ، وذلك هو قول هذا الإمام العادل: ((من رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لکتاب الله ، واستكمال اطاعة الله ، وقوة علی دین الله ، وليس لأحد بعد تبديلها ، ولا النظر فى شىء خالفها ، من اهتدى بها ، فهو مهدى ، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً )). كان مالك يحدث بهذا الكلام المأثور ، وإذا حدث به ارتج سروراً." وتصديقاً له(٢). ٤ - من أجل هذا بغضت إليه أقوال الفرق الإسلامية فى العقائد، لأنها أثارت أموراً لم يثر السلف الصالح، وليس من مصلحة المسلمين إثارتها، ولأنها قامت فى دراستها على النظر العقلى المجرد ، وسلكت سبیل الجدل. والمراء ، ولم يسلك السلف الصالح ذلك المسلك ، والعقل من غير هداية دينية يسير فى متاهة ، يضل السائر فيها ، ويكون كخاطب ليل ، ولذلك باعد (١) الانتقاء لابن عبد البر، والمدارك للقاضى عياض. (٢) المدارك ص ٠٢٠٠ ٠ - ١٩٣= بينه وبين هذه الفرق ، ولم يسلك طريقها، ولقد قال فى ذلك أبو طالب المكى: (( كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين. وألزمهم لسنة السالفين ، من الصحابة والتابعين ) . وكان إذا سئل عن السنة لم يدخلهم فى سلكها ، ولذلك قال له رجل : من أهل السنة يا أبا عبد الله ؟ قال ((الذين ليس لهم قلب يعرفون به، لا جهمی ، ولا رافضی ، ولا قدری ». ولذلك عندما سئل عن بعض المسائل التى خاضت فيها الفرق المختلفة لم يجب إلا بقليل من القول، حتى لا ينساق إلى الجدل كما يجادلون، وإلى الخوض فيما يخوضون ، وكانت إجابته القصيرة على طريقته فى الاعتماد على المأثور ، والابتعاد عما لا يجد نصاً عليه من كتاب أو سنة ، ولم يتجاوز ذلك السمت الذى رسمه لنفسه ، وقيدها به . قال سفيان بن عيينة سأل رجل مالكا، فقال: ((الرحمن على العرش استوى، كيف استوى ، فسكت مالك ملياً ، حتى علاه الرحضاء(١)، وما رأينا مالكا وجد من شىء وجده من مقالته ، وجعل الناس ينتظرون ما يأمر به، ثم سرى عنه فقال: «الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإنى لأظنك ضالا .. فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذى لا إله إلا هو، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، والكوفة والعراق ، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له(٣) . وكذلك كانت دراسته يقف عند مدلول النص ، ولا يتجاوز المعنى الواضح فى لفظ جاء القرآن أو السنة خاصاً بالعقائد ، وقد سئل عن مسائل جرت فى عصره كانت إجابته فيها على ذلك النحو . (١) الرحضاء بضم الراء وفتح الحاء العرق الشديد. (٢) المدارك ص ١٩٨. (م ١٣ - مالك) - ١٩٤ = وقد جرى فى عصره كلام أن الإيمان يزيد وينقص، وحقيقته أهو قول وعمل ، أم اعتقاد فقط، وعن أفعال الإنسان، وعن مرتكب الكبيرة، وعن رؤية الله تعالى، أتكون يوم القيامة، أم لا تكون، وعن خلق القرآن ، وسئل عن ذلك كله فى درسه ، فكانت إجابته فيها على طريقته فى الوقوف عندما يقف عنده السلف ، وهو فهم النص الظاهر لا يتجاوزونه، ولا يثيرون حوله المنازعات العقلية التى لا يهتدى المفكر فيها إلى رأى . ١ - كلامه فى الإيمان ٥ - كان يرى مالك أن الإيمان ليس اعتقاد أو قولا فقط ، ولكنه اعتقاد وقول وعمل، فكان يقول الإيمان قول وعمل ، ويروى أن الطاعات من الإيمان ، فالقيام بالصلاة من الإيمان ، ويستشهد على ذلك بأن الصلاة. كانت إلى بيت المقدس ثم صارت إلى بيت الله الحرام، فخشى بعض المؤمنين أن تكون صلاتهم الماضية إلى ضياع، فقال تعالى: ((وما كان الله ليضيع إيمانكم، فدل ذلك بلفظه البين على أن الصلاة إيمان ، وهى فعل ، فالإيمان قول وفعل ، وهكذا تجده يأخذ بظاهر اللفظ ، من غير تمحل لما وراء ذلك من غير بيان من السنة المبينة للكتاب. وإذا كان الإيمان قولا وعملا، فقد كان يزيد بالعمل، ولذلك أثر عنه رضى الله عنه أنه كان يرى زيادة الإيمان، اصريح الآيات الدالة على ذلك، لأن ذلك نتيجة منطقية لاعتباره العمل من الإيمان ، وكان ينهى عن تفكير من لا يقول هذا. أخبره زهير بن عباد أن بالشام صنفين من الناس اختلفوا فى الإيمان صنف قال الإيمان يزيد وينقص ، وطائفة قالت الإيمان واحد ، إيمان أهل الأرض وأهل السماء واحد، وقال له: فما ينبغى للطائفتين أن يقولوا؟ قال يقولون : نحن مؤمنون ، ويكفون عماسوى ذلك من الكلام فإن النبى ( ١٤ - ٦٠,) - ١٩٥ = عَّ الي قال: ((أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوا عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وقال ، قال تعالى: ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا)، فقال له زهير إن الطائفين عادى بعضهما بعضاً ، فاسترجع . وكان مالك يرى الإيمان يزيد ، ويراه ينقص ، لأن ما يزيد ينقص ولكنه وجد أن آيات القرآن ذكرت الزيادة فقط ، فكف عن القول بنقصانه، فقد جاء فى المدارك، أن غير واحد سمع مالكا يقول: ((الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص وبعضه أفضل من بعض ، قال أبو القاسم، كان مالك يقول الإيمان يزيد وتوقف عن النقصان ، وقال ذكر الله زيادته فى غير موضع، فدع الكلام فى نقصانه، وكف عنه)) (١). وجاء فى الانتقاء (سمثل مالك بن أنس عن الإيمان ، فقال قول ، وعمل، قيل أيزيد وينقص، قال قد ذكر الله سبحانه فى غير آى من القرآن أن الإيمان يزيد ، قيل له أينقص قال دع الكلام فى نقصانه ، وكف عنه ، قبل فبعضه أفضل من بعض ؟ قال نعم )،(٢) . ونرى من هذا أنه كان فى دراسته لحقيقة الإيمان ، وزيادته ونقصانه الرحل النقلى الذى يقف عنده المنقول ، ولا يسير وراء العقل فى متاهات يضل سالكها ، فليس العلم عنده لشهوة العقل ، ولكن لو أجب الدين والعمل. ٢ - كلامه فى القدر وأفعال الإنسان ٦ - يتصل الكلام فى القدر بإرادة الإنسان ، وهل هو مختار فی کل ما يعمل اختياراً حراً ، حتى يكون مسئولا عنه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر ، وقد شاع الكلام فى القدر فى آخر عصر الراشدين ، وكثر وذاع فى العصر الأموى ، حتى نشأت فرقتان متعارضتان إحداهما الجبرية، وعلى (١) المدارك ص ٢٠٢ (٢) الانتقاء ص ٠٠٠٣٢ ٫٠٠ - ١٩٦ - رأسها الجهم بن صفوان، الذى يرى أن الإنسان ليست له إرادة فيما يعمل، وأن الفعل وإن نسب إليه ليس له فيه اختيار ، والأخرى القدرية وعلى رأسها غيلان الدمشقى وغيره، وهؤلاء يرون أن إرادة الإنسان حرة تمام الحرية فى أعمالها التى كلفتها، فتجزى بما فعلت ، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأن الإنسان يخلق أفعال نفسه بإرادته الحرة ، وقد توسطت جماعة من المسلمين ، فجعلت الأفعال بخلق الله سبحانه وتعالى ، فالإنسان لا يخلق شيئاً ، ولكن الانسان كسبها ، والإقدام علی ا کتسابها ، وبهذا كان التكليف . ولقد جاء الكلام فى القدر على لسان كثيرين من علية المسلمين فى ذلك الوقت ، فينسب إلى الحسن البصرى رضى الله عنه ، وينسب إلى الإمام زيد بن على زين العابدين ، وبعض العترة النبوية الشريفة على جدها أفضل الصلاة والتسليم . ولقد كان مالك يبغض القدريين الذين يدعون أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، وكان يكف عن كلامهم وينهى عن مجالستهم، وقد قال (,ما رأيت أحداً من أهل القدر إلا أهل سخافة وطيش وضعة )) . وقال كان عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس، وهو رأس الخطايا، وما أبين هذه الآية حجة على أهل القدر ، وما أشدها عليهم: ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها . ولكن حق القول منى، لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ،(١). ولقد أداه ذلك البغض الشديد لهم إلى الظن السيء بهم ، واعتقاده أنهم يشوهون جمال الدين ، ولقد نقل بعضهم عنه أنه كان ينهى تلاميذه عن مناكحتهم والسير وراء جنازاتهم ، والصلاة عليهم، فقد جاء فى المدارك مانصه : (١) الانتقاء ص ٣٤ ٠٠. - ١٩٧ - ((سئل مالك عن أهل القدر أيكف عن كلامهم؟ قال نعم، إذا كان عارفاً بما هو عليه، ويأمره بالمعروف ، وينهاه عن المنكر ، ويخبرهم بخلافهم، ولا يتواضع فى القول ، ولا يصلى عليهم. ولا يشهد جناتزهم. ولا أرى أن يناكحوا . قال الله عز وجل: (( ولعبد مؤمن خير من مشرك، ولا يصلى خلفهم. ولا يحمل عنهم الحديث . وإن وافيتموهم فى ثغر. فآخر جوهم منه»(١) . والحق أننا نجزم بأن مالكا كان يبغض القدريين الذين يقولون إن الإنسان يفعل بإرادته الخاصة ما هو مسئول عنه . ولكنا لا نستطيع الجزم بأن مالكا كان يرى فيهم أنهم مشركون . وأنهم خارجون على الملة لا تجوز منا كحتهم . أو الصلاة خلفهم . أو الصلاة عليهم . فإنى أحسب أنهم لم ينكروا أمراً عرف من الدين بالضرورة . وهم إذا كانوا قد قالوا إن الإنسان مختار مريد لما يفعل . فإنما ذلك بقوة أودعها سبحانه وتعالى إياه)). لا بقوة ذاتية من عند أنفسهم. وإن صح ذلك النقل عن مالك رضى الله عنه فتعليله أنه بلغته أقوالهم شائهة غير محررة . وهو لم يتسع صدره لتلك الأقوال التى توقع المسلمين فى حيرة دينية ، واضطراب فى فهم حقائق الإسلام فتذهب نورانيته . ولم ينقل عن مالك ما يوافق فيه الجبرية ، لأنه كان يرى أن الخوض فى هذا من بدع المبتدعة التى تشوه جمال الإيمان ، وتجعل النفس فى بلبال واضطراب، فما كان رحمه اللّه يشغل نفسه إلا بما يحدى. (١) المدارك ص ٢٠٦ - ١٩٨ - ٣ - رأيه فى مرتكب الكبيرة ٧ - كانت مسألة مرتكب الكبيرة من المسائل التى خاض فيها المسلمون فى عصر مالك خوضاً شديداً ، وكانت أساساً لخروج الخوارج على علىّ رضى الله عنه من قبل، وكان رأيهم فيها الشعار الذى خالفوا به جماعات المسلمين ، وقد شغلت عقول كثيرين من المسلمين فى العصر الأموى ، فالخوارج جملة يكفرون مرتكب الذنب، والإباضية منهم يرون أنه كافر نعمة لا كافر إيمان ، والمعتزلة، وعلى رأسهم واصل بن عطاء الذى عاصر مالكا رضى الله عنه يرون أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين المؤمن والكافر ، وهو مخلد فى النار إلا أن يتوب توبة نصوحاً، فيتوب الله عليه، ولا يمتنعون أن يطلقوا عليه وصف المسلم الفاسق، والحسن البصرى يرى أن مرتكب الكبيرة منافق يعلن الإسلام، ولا يصل إلى قلبه لأن العمل دليل ما فى القلب ، والمرجئة يرون أن مرتكب الكبيرة مؤمن بكل معانى الإيمان ، ولكنهم فريقان فريق معتدل يرونه مؤمناً عاصياً يرجى عفو الله عنه ، فرحمة الله وسعت كل شىء، وإن عذبه فيما ارتكب ، وفريق قال لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، ففتحوا الباب على مصراعيه المذنبين الإباحيين ، فعطلوا الشرائع تعطيلا . وأكثر المسلمين على أن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق ، فإن شاء اللّه .... عفا عنه، وإن عذبه فبذنبه ، وعلى هذا الرأى أبو حنيفة وغيره ، ولذاك اتهم بالإرجاء ، وقال عنه الشهر ستانى إنه من مرجئة السنة . ويظهر أن ذلك الرأى هو رأى مالك رضى الله عنه. فإنه يروى أن حماد بن أبى حنيفة شرح رأيه. وهو رأى أبيه لمالك فى مرتكب الكبيرة فقال: لا بأس به ، وهذا نص ما جاء فى المدارك عن بعض الرواة : قال سمعت ابن أبي حنيفة يقول لمالك : إن لنا رأياً نعرضه عليك، - ١٩٩ - فإن رأيته حسناً مضيناً عليه ، وإن رأيته سيئاً سكتنا عنه، لانكفر أحداً بذنب، المذنبون كلهم مسلمون))(١). وروى عنه أنه كان يقول: «إن العبد إذا ارتكب الكبائن كلها يعد ألا يشرك بالله شيئاً ، ثم نجا من هذه الأحوال رجوت أن يكون فى أعلى الفردوس ، إن کبیرة بين العبد ور به هو منها على رجاء ، و کل هوی لیس هو على رجاء إنما يهوى به فى نار جهنم)،(٢). ونرى من هذا أنه يقرر أن رجاء عفو الله سبحانه وتعالى يكون لمرتكب الكبائر، إذا أقلع عنها وتاب إلى ربه منها، ويقرر أنه إن كانت التوبة نصوحا يدخل الجنة ، ويكون في أعلى الفردوس ، ومثل ذلك أن تكون الكبیرة بينه وبين الله أو بينه وبين نفسه لم يجاهر فيها بالعصيان ، فإنه يرجى له الغفران، وتوبته من قريب، وإن الذين لارجاء فيهم م أهل الأهواء الذين كانت كبائرهم فى عقائدهم ، وما يثير ونه بين المسدين من أفكار تفتتهم على لب دینهم ، وسامی أغراضه . ولكنه مع هذه الآراء يقيم بينه وبين المرجئة محاجزات ، فإن من المرجئة أولئك الذين يكتفون من الإيمان بالاعتقاد وأنه لا يضر معه معصية ، ولا يشترطون التوبة لرجاء العفو، ويبالغون فى الاستهانة بالكبائر مهما عظم جرمها وهو يقول عنهم:(( إن المرجئة أخطئوا، وقالوا قولا عظيما)، قالوا وإن أحرق الكعبة ، وصنع كل شىء فقيل له ما ترى فيهم؟ قال: قال الله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإخوانكم فی الدین ،. وهكذا نرى الفقهاء رأيهم فى مرتكب الكبيرة متجد، أو على الأقل متقارب لا يستهينون بالكبائر، ولا يمنعون رحمة الله. (١) المدارك ص٢٥٦ (٢) المدراك ص ٢٥٧ F ٤ - خلق القرآن ٨ - أثار الجعد بن درهم مسألة خلق القرآن. وقالها الجهم بن صفوان، واعتنقها القدرية والمعتزلة ، وأخذوا ينشرونها بين المسلمين . وليس فى قولها، ولا فى إعلانه زيغ فى الدين. لأن كونه مخلوقاً للخلاق العليم. لا يمنع أنه تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه. ولكن المؤمنين المتبعين للسلف الصالح لا يخوضون فى مسائل لم يثرها السلف ، وكانوا يخشون أن يكون السير فيها ضلالا فى الفكر ، وإفساداً للعقيدة ، وخصوصاً أن الذين أذاعوا هذه المقالة قرنوا بها نفى صفة الكلام عن الله سبحانه وتعالى تنزيهاً له عن مشابهة الحوادث، تعالى الله علواً عظيما. اقترنت المقالتان ، فظن المتورعون عن سلوك غير مسالك السلف الصالح، الظنون بالقائلين ، وتوهموا أن يكون من وراء ذلك ففى تنزيل القرآن الكريم، فردوا المقالتين، واستنكروها، وتوقفوا، ولم يخوضوا، ورموا من خاض بالزيغ ، ولذلك أثر عن أبى حنيفة الامتناع عن الخوض. وأثر عن مالك مثله ، واستنكار ذلك الخوض ، وأن يعاقب من يخوض . فكان يقول: ((القرآن كلام الله، ومن قال القرآن مخلوق يوجع ضربا، وحبس حتى يتوب)). ٥ - رؤية الله ٩ - أثار المعتزلة مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى، وقالوا إنها مستحيلة ، لأنها تقتضى أن يكون الله سبحانه وتعالى فى مكان. والله سبحانه وتعالى ليس له مكان . لأن الذى يحل فى المكان الأجسام، والله تعالى منزه عن الجسمية . وعن كل شىء من صفات الحوادث ، إذ هو واجب الوجود، فلا يتصف إلا بما يليق بواجب الوجود، ولقد قال تعالى : , لیس کثله شىء، وهو السميع البصير، فلو کان پری لکان جمما ، وكانت