النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
مجلسه ولا يبادر بالجواب إذا سئل، وإذا دعاه السلطان لا يذهب إليه إلا
بعد استشارته ويروى أنه لم يجلس للفتيا، إلا بعد استئذانه ، وقد ذكرنا
ذلك عند الكلام فى جلوسه للدرس والإفتاء .
ومن أدبه معه ما يروى أنه جلس ابن شهاب وربيعة ، ومالك فألقى
ابن شهاب مسألة، فأجاب فيها ربيعة وصمت مالك ، فقال له ابن شهاب لم
لا تجيب ؟. قال قد أجاب الأستاذ، فقال ابن شهاب لا تفترق حتى تجيب،
فأجاب بخلاف جواب ربيعة ، فقال ابن شهاب: أرجعوا بنا إلى قول
مالك)، (١) .
وهذا خبر يدل على عظيم احترام مالك لربيعة ، وأنه على خلق عظيم
كريم، لم ير أن يناقض شيخه فى مجلسه ، ويدل أيضاً على نضج مالك فى
الفقه، حتى إنه ليرى الرأى فيعدل إليه ابن شهاب عما كان قد اختاره
ووافق عليه .
٩٦ - شب مالك عن الطرق، وأخذ يمحص آراء شيخه بالموازين
التى استقامت فى نفسه، وقد تلقى طائفة كبيرة من العلم من نواح مختلفة ،
ولم يقتصر فيها على ما أخذه من شيخه ربيعة ، فكان لابد أن يكون له
منهاج يخالف منها جه يقاربه أو يباعده، ويتلاقيان فى النهاية أو لا بتلاقيان،
وإن اتحدت الغاية فى كل الأحوال ، وعندئذ أخذ یناقش شيخه، ثم انتهى
إلى مخالفته ، بل إلى مفارقة مجلسه .
لقد رأى شيخه يخالف فتاوى السابقين ، فضاق بذلك ذرعاً ، فإنه
وإن كان قد أخذ فقه الرأى ، وسلك سبيله ، لم يرد أن يسلك غير سبيل
السابقين فيما أفتوا فيه، وأثر عنهم .
ولم يكن هو وحده الذى لاحظ ذلك ، بل كان ثالث ثلاثة ، والآخران
(١) المدارك ص ٠١٤٦

- ١٢٢ -
عبد العزيز بن عبد الله (١) والليث بن سعد فقيه مصرَ، وقد كان الثلاثة
يكرهون من ربيعة ما يكره مالك، وقد ذكر ذلك الليث فى رسالته إلى مالك
كما ذكرنا ، ولنقل العبارة وإن كان سبق نقلها وها هى ذى :
«كان من خلاف ربيعة لبعض من مضى ماعرفت وحضرت وسمعت ..
حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه ، وذاكرتك أنت وعبدالعزيز
أبن عبد الله بعض ما نعيب به على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما
أنكرت، تكرهان منه ما أكرهه .....
فهؤلاء اشتركوا فى استنكار مخالفة ربيعة لمن مضى، ومنه نفهم أنهم لم
يستنكروا طريقته فى الرأى ، فهم يحمدونه إذا لم يكن للصحابة السابقين رأى
فى المسالة المعروضة، أما إن كان لهم رأى فهم يستنكرون حينئذ أن
يكون لربيعة رأى بجوار رأيهم ، ويكرهون منه ذلك ، وإن كان له
احترامه ومودته .
٩٧ - فارق مالك مجلس ربيعة ولزم بيته، ولم يكون لنفسه مجلساً
أول الأمر ويظهر من مساق حياته أنه قبل مفارقة ربيعة قد غلب عليه
حديث ابن شهاب ، وكان يجمع بين الجلوس فى مجلسهما ، ولكن غلب
عليه الجلوس فى مجلس ابن شهاب حتى كره من ربيعة المخالفة لمن مضى من
التابعین ، ففارقه. فصار فى المدة التى لايكون فيها فى مجلس ابن شهاب
يلازم بيته ، ويجمع ما تفرق مما حصل وقيد فى أوراق ، حتى أشميع بين
إخوانه أنه يضع كتاباً ، ولذاك روى عن عبد العزيز بن عبد الله رفيقه
فى مجلس ربيعة أنه قال: ((كنا نجالس ربيعة، فلما اعتزل مالك مجلسه؛
ولزم بيته، بلغنا أنه يضع شيئاً من الكتب، فكنت إذا لقيته أمزح معه ،
(١) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلبة أخى الماجشون تونى ببغداد
سنة ١٦٤ فى خلافة المهدى ، وصلى عليه المهدى ، ودفن بمدافن قريش لأنه
كان من موالى بنى المنكدر التیمیین .

- ١٢٣ -
فأقول قد خلا لك الجو ، فو الله مازال يوماً بعد يوم يعلو أمره ، حتى
ساد وراس ».
أخذ علم ربيعة ، وقد كان علم رواية ودراية كما ذكرنا ، ويغلب عليه
الدراية وأخذ علم غيره كنافع، وابن شهاب ، وتغلب عليهما الرواية ،
فجاء علمه مزيجاً من الرواية والدراية بقدر متناسب ، ولذلك لما أخذ
مجلسه كان للحديث والمسائل فكان الفقيه والمحدث معاً، ومقامه فى الأمرين
مقام عظيم ، ويظهر أن شهرته بالرأى فى عصره لم تقل عن شهرته بالحديث
واقتفاء الأثر ، ولذلك عندما فارق ربيعة ، ويحيى بن سعيد الأنصارى
المدينة ، وقد كانا مثلين للرأى فيها، اعتبر مالك فقيه الرأى الذى حل محلهما.
وقد جاء فى الانتقاء : ((أخبرنى من سمع ابن لهيعة يقول: قدم علينا أبو
الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يقيم عروة بن الزبير ( يعنى قدم إلى
الفسطاط ) فقيل له : من للرأى بعد ربيعة بالمدينة ، فإن يحيى بن سعيد
بالعراق فقال الغلام الأصبحى،(١) .
٩٨ - هؤلاء هم شيوخ مالك رضى الله عنهم قد درس عليهم اختلاف
الناس، وفقه الرأى، وتلقى عليهم أحاديث رسول الله سله، فتخرج
عليهم فى الفقه والحديث ، فكان المحدث الحافظ الضابط ، والفقيه الثاقب
النظر، المستنير فى بصيرته ، لا يندفع إلى مغالاة فى الرأى ، ولا ينقبض
حول النصوص لا يعدوها، بيد أن العالم لا يتخرج فقط على الشيوخ ، بل
إن دراسته المستقلة هى الينبوع الأكبر الذى يكوّن شخصيته العلمية .
/ ٣ - دراسته واختباراته الخاصة
٩٩ - لا يزال الرجل عالما ما دام يطلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد
جهل، هكذا فهم السلف الصالح من العلماء حقيقة العلم، ودفعهم الإخلاص
(١) الانتقاء وهامشه ص ٢٦ والمدارك ص ١٢٣ والمناقب الزواوى ص١٢
٠
1

- ١٢٤ -
لله فى طلبه ، ودفعهم اعتقادهم أن هذا العلم دين إلى ألا يقفوا فى سيل
المعرفة عند غاية ، ولذلك كانوا بعد تخرجهم على أعيان الشيوخ . وكبار
العلماء يشدون الرحال ، بقصدون طلب الحديث والعلم فى شتى البلاد ،
ومختلف الأمصار ، يتذا كرون الفتيا، ويتبادلون الأحاديث ، كل يدلى
الآخر بما عنده ، وكل يعرف ما عند الآخر، وبحد الفقيه فى الرحلة إلى
الأمصار صوراً مختلفة الألوان التعامل ، وذلك يفتق ذهنه، ويجعله مرناً
يدرك حاجات الناس ، فيشبعها، ويستنبط الأحكام غير متجافية عن
الحلال منها .
ولكن مالكا لم يعرف أنه غادر بلاد الحجاز ، فأقصى رحلته ما يكون
منها فى ربع بلاد الحجاز يذهب إلى مكة حاجاً أو معتمراً، ولقد كان
يدعوه الخلفاء إلى الرحلة إلى بغداد ، فيعتذر ويستشهد بالحديث :
((والمدينة خيرلهم لو كانوا يعلمون)) فلا يرى خيراً له فى مزايلة المدينة ،
ومفارقة جوار رسول الله مت له .
ويظهر أن مقامه بالمدينة كان يغنيه عن الرحلة إلى غيرها ، إذ يجد كل
مزايا الرحلة فى ذلك المقام الكريم ، فإن جل العلماء كانوا يزورون المدينة،
وكلهم كانوا يجيئون حجيجاً ، فيلتقى بهم مالك فى الحج، أو يلتقى بهم عند
زيارتهم المدينة، وتعرف آثار النبى الكريم بت يه فيها، وآثار الصحابة
والتابعين؛ وما تركوا فيها من أقضية وفتاوى يتوارثها الأخلاف عن
الأسلاف ، وبالتقائه بأولئك العلبة من العلماء يتعرف أعراف الناس
المختلفة، ويتذاكر معهم فى الأقضية والفتاوى ، ويلقى عليهم من أحاديث
رسول الله صَ لّه، ويستمع إليهم، إن كانوا يستقيمون على شروطه فى
العلم والاستماع، وينقل عنهم ما سمع إن كانوا لذلك أهلا .
وفى الجملة إن مالكا بعد أن تخرج على العلماء لم يقف علمه عند ذلك ،
بل نماه ، ونقحه باتصاله العلمى المستمر بعلماء عصره ، سواء أكانوا
فقهاء أم كانوا غير فقهاء ، وقد كان ذلك الاتصال من ثلاث نواح: الناحية

- ١٢٥ -
الأولى باتصاله بهم فى موسم الحج ، وفى رحلتهم إلى المدينة ، والثانية ،
بمجالسته علماء المدينة المستمرة ، والثالثة بكتبه .
١٠٠ - أما اتصاله بالعلماء فى موسم الحج ومناظرانه وأخذه منهم ،
وإدلائهإ ليهم فقد كان مستمراً فى مواسم الحج ، وفى أوقات زيارة المدينة،
فهو يلتقى بأبى حنيفة، ويتناظر ان مناظرة علمية بريئة، ويقول فيه إنه لفقيه؛
ويقول الآخر فيه مثل ذلك، ويلتقى بالليث بن سعد، وبالأوزاعى ،
وبأبى يوسف ، ومحمد، وغيرهم ؛ وهو فى كل هذه المقابلات يأخذ ويعطى.
ولننقل لك خبراً ينى عن ذلك كان بينه وبين حماد بن أبى حنيفة ، فقد
جاء فى المدارك :
((قال حماد بن أبى حنيفة أتيت مالكا ، فرأيته جالساً فى صدر بيته ،
وأصحابه بخنبتى الباب ، كل واحد منهم له مجلس فقمت على باب البيت،
فقال من أنت ، فقلت فلان أسأله عن مسألة؛ قال أدن ، فدنوت ، حتى
أقعدفى بين يدى فراشه ؛ فلما رأى ذلك أصحابه قاموا جميعاً من مجالسهم ،
فخرجوا عن البيت ؛ فقال لى ما كان أبوك يقول فى كذا ، فأخبرته ؛
فقال وما كانت حجته، فأعلمته ؛ وجعل يسألنى عن أشياء من مذهب
أبى حنيفة ، وعن حجته ؛ ثم قال سل ؛ فسألته؛ فأجابى: فدا خرجت عاد
أصحابه إلى مجالسهم)،(١).
وترى من هذا أنه بعد أن بلغ ذلك الشأن ، وصار ياته مقصد الطلاب.
والعلماء من كل مكان ، وصارت له الرياسة فى الفقه والحديث كان لاينى
عن البحث والتحرى ، حتى إنه لينتهز فرصة وجود ابن أبى حنيفة،
فيدفيه منه ، ويقربه إليه، ويسأله عن فتاوى فى مسائل قد تكون موضع
دراسة عنده ، وتخير فى الجواب عنها، وقد كانت عادته ألا يجيب إلا إذا
(١) المدراك ص ١١٨

- ١٣٦ -
استقام لديه الدليل والحجة الشرعية ، وكثيراً ما كان يطلب من السائل أن
ينصرف، فيفكر فى المسألة ؛ حتى يهتدى إلى وجه ؛ وقد ذكر أنه كان
يفكر فى بعض المسائل سنين .
ويظهر أنه كان حفیاً بأن یعرف فقه العراقیین الممتازین کابن أبى ليلى،
وابن شبرمه، وأبى حنيفة، وقد ظهرت كتب لأبى يوسف يغلب على الظن
أن مالكا كان حياً عند ظهورها، ككتاب الخراج ، وكتاب اختلاف
أبن أبي ليلى، والرد على سير الأوزاعى ، فإن وفاة الرجلين كانت متقاربة ،
إذ الفرق بين وفانيهما لا يتجاوز أربع سنين ، وإذا كانت قد ظهرت فىحياته،
فلابد أن يكون قد اطلع عليها ما دام معنياً بمعرفة رأى أبى حنيفة ، وقد
ذكرنا فى مطلع كلامنا أنه کان يراه فقيهاً أی فقيه ، حتى لقد قال للیث ، وقد
عرق من مناظراته : إنه الفقيه يا مصرى .
١٠١ - كان لمالك مجلس على يلتقى فيه بالنابهين من العلماء المقيمين
بالمدينة سواءأ كانوا من أهلها أم وفدوا عليها، واتخذوها مقاماً طلباً للمعلم
والتثبت فيه ، وقد كانوا كثيرين، وكانوا يفدون إليها لطلب الحديث ،
ويخصون فى كثير من الأحيان مالكا بالطلب ، فلابد أنه كان يذا كرهم
ما عندهم من الفقه ، وقد لازمه محمد بن الحسن ثلاث سنوات فى أول
خلافة المهدى ، ومحمد راوية الفقه العراقى، وقد علمت شغف مالك بمعرفة
آراء أبى حنيفة ومن لهم مثل تقاه وفقهه ، فلا بد أن يكون مالك قد خص
محمداً هذا بتعرف ما عنده ، مما ورثه من علم أبى حنيفة وأصحابه ، ومن
سبقه من فقهاء العراق وقضاته .
ولعناية مالك بمذاكرة المسائل الفقهية كان له مجلس خاص من فقهاء
المدينة ومن ينزل بها من العلماء ولا يحضره العامة ، فقد جاء فى المدارك :
( قال ابن المنذر، كانت لمالك حلقة بجالسه فيها فقهاء المدينة، ولم يكن يوسع

- ١٢٧ -
لأحدهم، ولا يرفعه، بل يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس،(١).
وترى من هذا أنه كانت له مجالسة لهؤلاء الفقهاء يتذاكرون فيها .
ما عساه يكون مبهماً، ولمالك الصدارة فى هذه المذاكرة ، ولكنها على أى.
حال ليست كمذاكرة الشيخ لتلاميذه ، بل مذاكرة النظراء.
١٠٢ - ننتقل إلى الناحية الثالثة من نواحى دراسة مالك ومذاكرته
العلماء لتجديد علمه ، وهى الاتصال بالعلماء بالمكاتبة والمراسلة ، وقد
وجدنا رسالتين من هذه الرسائل تسجلان بعض البحوث الفقهية، وتكشفان
عن نوع المساجلات التى كانت بين مالك وغيره من الفقهاء ، ولننقلهما
إليك، وإحدى الرسالتين هى من مالك إلى الليث، والأخرى جوابها من
الليث إلى مالك .
رسالة مالك إلى الليث بن سعد (٢).
من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام عليكم ، فأفى أحمد الله إليك
الذى لا إله إلا هو، أما بعد، عصمنا الله وإياك بطاعته فى السر والعلانية،
وعافانا وإياكم من كل مكروه :
وأعلم رحمك الله أنه بلغنى أنك تفتى الناس بأشياء مختلفة، مخالفة لما
عليه الناس عندنا، وببلدنا الذى نحن فيه. وأنت فى أمانتك وفضلك،
ومنزلتك من أهل بلدك ، وحاجة من قبلك إليك ، واعتمادهم على ما جاءهم
منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتقبع ما نرجو النجاة باتباعه، فإن الله
تعالى يقول فى كتابه: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ...
الآية (وقال تعالى: ((فبشر عبادى الذين يستمعون القول ، فيقبعون أحسنه ...
الآية)، فإنما الناس تبع لأهل المدينة: إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن،
f
(١) المدارك ص ١٧١
(٢) نقلها من المدارك ص ٠٣٤
/

- ١٢٨ -.
وأحل الحلال ، وحرم الحرام، إذ رسول الله تط اله بين أظهرهم يحضرون
الوحى والتنزيل ، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله،
واختار له ما عنده ، صلوات الله وسلامه عليه، ورحمته وبركاته.
ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ، من ولى الأمر من بعده بما
نزل بهم ، فما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ، ثم
أخذوا بأقوى ما وجدوا فى ذلك ، فی اجتهادهم ، و حداثة عهدهم ، وان
خالفهم مخالف، أو قال : امرؤ غيره أقوى منه وأولى ، ترك قوله،
وعمل بغيره.
ثم كمان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ، ويتبعون تلك
السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولا به ، لم أر لأحد خلافه ؛
للذى فى أيديهم من تلك الوراثة التى لا يجوز انتحالها ولا ادعاؤها، ولو
ذهب أهل الأمصار يقولون : هذا العمل يبلدنا ، وهذا الذى مضى عليه
من مضى منا لم يكونوا فيه من ذلك على ثقة ، ولم يكن لهم من ذلك
جاز لهم .
فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك لنفسك، وأعلم أنى أرجو ألا
يكون قد دعانى إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله وحده، والنظر لك
والضن بك ، فأنزل كتابى منزلته ، فإنك إن تعلمت تعلم أنى لم آلك
نصحاً ، وفقنا الله وإياك لطاعته، وطاعة رسوله فى كل أمر، وعلى
كل حال والسلام عليك ورحمة الله .
وجاء فى المدارك عقب الرسالة : كتب يوم الأحد لسبع مضين من
صغر (١) أتينا بها على وجهها لفوائدها، وهى صحيحة مروية .
(١) ولكن لم تبين السنة بعد ذكر الشهر ..

- ٢٢٩ -
رسالة الليث إلى مالك(١)
وقد نقل القاضى عياض فى المداركبعض مقدمة الرد الذی رد به الليث ،
ولم يجىء بالرسالة كاملة ، ولذلك ننقلها كاملة من إعلام الموقعين لابن القيم ،
وها هى ذى :
سلام عليكم ، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله إلا هو.
أما بعد ، عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة فى الدنيا والآخرة : قد
بلغنى كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذى يسرفى ، فأدام الله ذلك لكم،
وأتمه بالعون على شكره، والزيادة من إحسانه، وذكرت نظرك فى الكتب
التى بعثت بها إليك، وإقامتك إياها، وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا،
فجزاك الله عما أقدمت منها خيراً، فإنها كتب أنتهت إلينا عنك ، فأحببت
أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها(٢).
وذكرت أنه قد أنشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ، ما أتانى عنك
إلى ابتدائى بالنصيحة ، ورجوت أن يكون لها عندى موضع، وأنه لم يمنعك
من ذلك فما خلا ، إلا أن رأيك فينا جميلا ، وإلا لأنى لم أذا كرك مثل هذا ،
وإنه بلغك أنى أفتى بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وإنى يحق على
الخوف على نفسى لاعتماد من قبلى على ما أفتیتهم به . وأن الناس تبع لأهل
المدينة التى بها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن وقد أصبت بالذى كتبت به
من ذلك ، إن شاء الله تعالى ، ووقع منى بالموقع الذى تحب ، وما أجد أحداً
ينسب إليه العلم أكره الشواذ الفتيا ، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة
الذين مضوا. ولآخذ بفتياهم فيما اتفقوا عليه منى، والحمد لله رب العالمين
لا شريك له .
(١) إعلام الموقعين = ٣ م ٧٢
(٢) لم يجىء فى رسالة مالك التى نقلناما شىء من هذا، فيظهر أن القاضى عباس
لم يذكرها كاملة ، ولم تجدها فى غيره، حتى نكلها منه.
(م.٩ - مالك)

حـ ١٢٠ -
.وأما ما ذكرت من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ونزول
القرآن بها عليه بين ظهرانى أصحابه ، وما علمهم الله منه، وأن الناس
صاروا به تبعاً لهم به ، فكما ذكرت .
وأما ما ذكرت من قوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم
جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، ذلك الفوز العظيم، فإن
كثيراً من أولئك السابقين خرجوا إلى الجهاد فى سبيل الله ابتغاء مرضاة الله،
فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس ، فأظهروا بين ظهر انيهم كتاب الله،
وسنة نبيه ، ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن، والسنة ، وتقدمهم
عليه أبو بكر وعمر ، وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن
أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ، ولا غافلين عنهم ، بل كانوا
يكتبون فى الأمر اليسير لإقامة الدين ، والحذر من الاختلاف بكتاب الله
وسنة نبيه ، فلم يتركوا أمراً فسره القرآن ، أو عمل به النبى صلى الله عليه وسلم
أو انتمروا فيه بعده إلا علموهموه، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على عهد أبى بكر، وعمرو عثمان،
ولم يزالوا عليه، حتى قبضوا ، لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد
المسلمين أن يحدثوا اليوم أمراً ، لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم.
مع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا بعد الفتيا
فى أشياء كثيرة، ولو لا أنى قد عرفت أن قد علمتها لكتبت بها إليك ، ثم
اختلف التابعون فى أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سعيد بن المسيب، ونظراؤه أشد الاختلاف ، ثم اختلف الذين كانوا من
بعدهم، خضر تهم بالمدينة، ورأسهميومئذ ابنشهاب وربيعة بن أبىعبدالرحمن.
وكان من خلاف ربيعة لبعض من قد مضى ما قد عرفت وحضرت،
وسمعت قولك فيه ، وقول ذوى الرأى من أهل المدينة يحيى بن سعيد ،

مے
وعبيد الله بن عمر ، وکثیر بن فرقد، وغیر کثیر من هو أسن منه ، حتى
اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه . وذاكرتك أنت وعبد العزيز
ابن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك ، فكنما من الموافقين فيما
أنكرت، تكرمان ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير،
وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مسقبين ، وطريقة حسنة فى الإسلام،
ومودة صادقة لإخوانه عامة ، ولنا خاصة ، رحمه الله، وغفر له ، وجزاه
بأحسن من عمله.
وكمان يكون من ابن شهاب ، اختلاف كثير إذا لقيناه ، وإذا كاتبه
بعضنا فربما كتب إليه فى الشىء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع،
ينقض بعضها بعضاً ، ولا يشعر بالذى مضى من رأيه فى ذلك .
فهذا الذى يدعوني إلى ترك ما أفكرت تركى إياه .
وقد عرفت أيضاً عيب إنكارى أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين
الصلاتين ليلة المطر (١).
(١) الجمع بين الصلاتین هو صلاة صلاتین یتعاقب وقتاهما فى يوم واحد فى
وقت صلاة واحد، واعتبار ذلك أداء، لا قضاء، وهو قسمان: جمع تقديم،
وجمع تأخير، لجمع التقديم أن تصلى صلافان فى وقت أولاهما، وجمع التأخير
الصلاة فى وقت أخراهما ، وقد أجمع المسلمون على أن جمع الظهر والعصر فى عرّفة
جمع تقديم سنة ، وجمع المغرب والعشاء فى المزدلفة جمع تأخير سنة ، واختلفوا
فى الجمع فى غير هذين الموضعين فى هذين الزمنين . فأجاز الجمهور الجمع عند
وجود مسوغاته. وقد اختلفوا فيها ، ومنع أبو حنيفة وأصحابه الجمع مطلقاً فى
غير الأمرين السابقين ، والذين أجازوا الجمع اتفقوا على أن من مسوغاته
السفر ، واختلفوا فى حدوده وصورته .
واختلفوا فى الجمع فى الحضر لعذر المطر، فأجاذه الشافعى فى صلاة الليل
وصلاة النهار، ومنعه مالك فى صلاة النهار، وأجازه فى صلاة الليل، فأجازه =

- ١٣٢ -
ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله، لم يجمع منهم
إمام قط فى ليلة مطر ، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد ،
ويزيد بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص ، ومعاذ بن جبل. وقد بلغنا أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن
جبل، ويقال «يأتى معاذ يوم القيامة بين يدى العلماء برقوة(١)، وشرحبيل
ابن حسنة ، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح.
وكان أبو ذر بمصر ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبى وقاص ،
وبحمص سبعون من أهل بدر ، وبأجناد المسلمين كلها . وبالعراق ابن
مسعود وحذيفة بن اليمان ، وعمران بن الحصين، ونزلها أمير المؤمنين على
ابن أبى طالب كرم الله وجهه فى الجنة ، وكان معه من أصحاب رسول الله
صَّةٍ، فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط .
ومن ذلك القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم
يزل يقضى بالمدينة به، ولم يقض به أصحاب رسول الله و الله بالشام،
وبحمص ، ولا بمصر ، ولا بالعراق ، ولم يكتب به إليهم الخلفاء
= فى الجمع بين المغرب والعشاء، ومنع الليث بن سعد الجمع لعذر المطر مطلقاً،
ليلا أو نهاراً، وقد ساق أدلته، ومن الإنصاف أن نسوق دليل مالك والشافعى:
استدل الشافعى بقول عباس رضى الله عنه: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
بين الظهر والعصر ؛ والمغرب والعشاء فى غير خوف ؛ ولا سفر؛ وفسره
الشافعى بأن ذلك كان فى حال المطر ؛ وقد أخذ مالك رضى الله عنه بهذا الحديث
وبالعمل معاً ؛ فوجد أن العمل كان على الجمع بين المغرب والعشاء فقط فى وقت
المطر، ولذلك كان ابن عمر إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمع معهم؛
فرد مالك بالعمل بعض الحديث ، وأخذ بعضه ، وقد نقده الشافعى فى تفريقه
بين صلاة الليل وصلاة النهار؛ وقال إنه خصص الحديث بالقياس، وذلك
لا يجوز. والحق أن ما لمكا يسير على أصله، وهو أن عمل أهل المدينة بخصص
حديث الآحاد ، بل يرده إذا كان بإجماع
(١) رقوة معناها خطوة أى أن معاذاً رضى الله عنه يتقدم العلماء بخطوه.

- ١٣٣ - ٠
الراشدون ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى. ثم لما ولى عمر بن عبدالعزيز؛
وكان كما قد علمت فى إحياء السنن ، والجد فى إقامة الدين ، والإصابة فى الرأى
والعلم بما مضى من أمر الناس ، فكتب إليه زريق بن الحكم ، إنك كنت
تقضى بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ، ويمين صاحب الحق؛ فكتب إليه
عمر بن عبد العزيز: إناكنا نقضى بذلك بالمدينة ، فوجدنا أهل الشام على
غير ذلك ، فلا نقضى إلا بشهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين (١)،
(١) مسألة القضاء بشاهد واحد ويمين صاحب الحق . واعتبار ذلك بينة
كاملة من المسائل التى اختلف فيها الفقه المدنى والفقه العراقى . وهى موضع
اختلاف بين الفقهاء عامة من بعد. فقد قال مالك ، والشافعى ، وأحمد ، وداوود ،
وأبو ثور ، والفقهاء السبعة المدنيون من قبل يقضى بالشاهد الواحد ويمين
صاحب الحق فى الأموال ، وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى ، والليث
ابن سعد . وجمهور أهل العراق لا يقضى بيمين صاحبالحق وشاهد واحد فىشىء .
وحجة من اعتبر الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق حجة كاملة فى الأموال
آثار وردت عن ابن عباس. وأبى هريرة وزيد بن ثابت وجابر. وقد خرج
مسلم حديث ابن عباس ونصه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين
مع الشاهد، ولم يخرجه البخارى . وقد روى مالك مرسلاً عن جعفر بن محمد
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليين مع الشاهد، والمرسل حجة عنده.
وحجة الذين لم يأخذوا تقوم على الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى:
((فإن لم يكونا رجلين فرجل وامر أنان من ترضون من الشهداء، وهذا يقتضى
الحصر ، أى لا بينة أقل من ذلك فالإنيان بينة أقل نسخ القرآن. والقرآن
لا ينسخ بحديث غير متواتر أو مشهور، وأما السنة فما أخرجه البخارى ومسلم
عن الأشعث بن قيس . قال كان بينى وبين رجل خصومة فى شىء . فاختصمنا
إلى النبى صلى الله عليه وسلم . فقال شاهداك أو يمينه. فقلت إذن يحلف ولا يبالى.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم
هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان) .

مـ
- ١٣٤ -
ولم يجمع بين المغرب والعشاء قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه فى منزله
الذى كان فيه تخناصر ساكناً .
ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون فى صدقات النساء أنها متى شاءت أن
تتكلم مؤخر صداقها تكلمت، فدفع إليها ، وقد وافق أهل العراق أهل
المدينة على ذلك ، وأهل الشام وأهل مصر، ولم يقض أحد من أصحاب
رسول الله صَّ له ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر، إلا أن يفرق
بينهما موت، أو طلاق، فتقوم على حقها(١).
ومن ذلك قولهم فى الإيلاء إنه لا يكون عليه طلاق، حتى يوقف ،
وإن مرت الأربعة الأشهر ، وقد حدثنى نافع عن عبد الله بن عمر ، وهو
الذى كان يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر أنه كان يقول فى الإيلاء
التى ذكر الله فى كتابه: لا يحل للمولى إذا بلغ الأجل ، إلا أن یفیء، کما أمر
الله أو يعزم الطلاق)) وأنتم تقولون إن لبث بعد الأربعة الأشهر التى سمى الله
فى كتابه ، ولم يوقف لم يكن عليه طلاق ، وقد بلغنا أن عثمان بن عفان ،
وزيد بن ثابت، وقبيصة من ذؤيب، وأباسلمة بن عبدالرحمن بن عوف -
قالوا فى الإيلاء إذا مضت الأربعة الأشهر فهى تطليقة بائنة ، وقال سعيد
ابن المسيب. وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وابن شهاب
(١) فى هذه المسألة يذكر الليث اختلاف الفتاوى الناشىء عن العرف عنده.
فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون بأن مؤخر الصداق لا يحل أجله
إلا أن يفرق بينهما بطلاق أو وفاة . والمذكور أنها إن اشترطت تقديم الممر
كله وجب تقديمه، وإن شرط عليها تأخيره كله حق له تأخيره ، وإن سكت
كان العمل على أن يكون مؤخراً إلى أقرب الأجلين الطلاق أو الوفاة وبذلك
يكون القضاء .
..

٩ -٠٠
- ١٣٥ -
إذا مضت الأربعة الأشهر فهى تطليقة، وله الرجعة فى العدة(١).
ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول إذا ملك الرجل امرأته ،
فاختارت زوجها ، فهى تطليقة وإن طلقت نفسها ثلاثاً ، فهى تطليقة، وقضى
بذلك عبد الملك بن مروان ، وكان ربيعة بن أبى عبد الرحمن يقوله ، وقد
كاد الناس يحتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن له فيه طلاق ،
(١) الإيلاء أن يحلف الرجل ألا يأتى زوجته مدة أربعة أشهر أو أكثر،
أو يطلق يمينه، ويتركها أربعة أشهر أو أكثر، والأصل فيه قوله تعالى: الذين
يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر. فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن
عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم، ولقد اتفق الفقهاء على أنه إن مضت أربعة
الأشهر من غير أن يغشى زوجته يكون التفريق بينهما ، ولكن أتطلق
بانقضاء الأربعة الأشهر نفسها أم يوقف. فإما فاء إلى زوجته، وإما طلق ؟ قال
مالك والليث والشافعى وأحمد وأبو ثور وداود إنه يوقف. فإما فاء ؛ وإماطلق،
وهو قول على وابن عمر. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثورى إلى أن الطلاق
يقع بانقضاء أربعة الأشهر وهو قول ابن مسعود وجماعة من التابعين ، والسبب
فى ذلك الاختلاف اختلافهم فى تأويل قوله تعالى , فإن فاءوا فإن الله غفور
رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم، ففهم المتوقفون أنه لابد من
فترة يتوقف فيها إما إلى الفيء، وإما إلى عزم الطلاق . فلا يقع الطلاق بنفس
مضى المدة. وقال الحنفية ومن معهم إن مدة الفى· هى مدة الإيلاء نفسها ،
كالعدة إذ مدة الرجعة هى مدة العدة وإذا انقضت العدة فلا رجعة وكذلك إذا
انقضت المدة ، فلا فى ، والطلاق الذى يقع بالإيلاء رجعى عند مالك والشافعى
وعندأبي حنيفة بائن ، وقد رأيت فى رسالة الليث اختلاف الصحابة فى ذلك . ومن
قال إنه بائن لاحظ المصلحة المقصودة . وهى دفع الضرر عن المرأة . ومن قال
إنه رجعى لاحظ الأصل فى الطلاق، وهو أن يكون رجعياً، لتدارك الأمر
عند الندم ، فعاء بعد الإيلاء ووقوع الطلاق بسببه یندم عما كان منه ،فیراجعها
وإن عاد كان الطلاق وهكذا فلا يكون الضرر .

وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها الرجعة ، وإن طلقت
نفسها ثلاثا بانت منه ، ولم تحل له ، حتى تنكح زوجاً غيره ، فيدخل بها
ثم يموت، أو يطلقها إلا أن يرد عليها فى مجلسه، فيقول: إنما ملكتك
واحدة فيستحلف (١) ، ويخلى بينه وبين امرأته .
ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول. إيما رجل تزوج أمة ثم
اشتراها زوجها ، فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات ، وكان ربيعة يقول ذلك،
وإن تزوجت المرأة الحرة عبداً، فاشترته ، فمثل ذلك(٢) ..
وقد بلغنا عنكم شيئاً من الفتيا مستكرها، وقد كنت كتبت إليك فى
بعضها ، فلم تجبنى فى كتابى، فتخوفت أن تكون استثقات ذلك ، فتركت
الكتاب إليك فى شىء ما أنكرت، وفيما أوردت فيه على رأيك.
(١) من ملكت طلاق نفسها. قال ابن حزم لا تملك شيئاً، لأن ما جعله الشارع
بيد الرجل لا يجوز أن تجعله بيد المرأة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعى
والأوزاعى وجماعة من فقهاء الأمصار لها الخيار . فإن اختارت زوجها بقيت ،
وإن اختارى الطلاق فى المجلس طلقت، وطلاقها إن كان واحدة فهى رجعية عند
مالك والشافعى وبائنة عند أبى حنيفة ، وقال الحسن البصرى إن اختارت زوجها
فواحدة ، وإن اختارت نفسها فثلاث وجمهور العلماء على غير ذلك وإن طلقت
نفسها ثلاثاً جاز عند مالك ، إلا أن يناكرها .
وعند الحنفية لا يقع إلا واحدة وأصله ما روى عن ابن مسعود أن رجلا
فوض لامرأته أمر الطلاق فطلقت نفسها ثلاثاً فقال تقع واحدة ، وسأل عمر
عن ذلك فقال مستنكراً فعل الناس: « يعمدون إلى ما جعل الله فى أيديهم:
فيجعلونه بأيدى النساء لفيها التراب، وأقر ابن مسعود على فتواه.
(٢) اتفق الفقهاء على أن الزوجة إذا ملكت زوجها أو العكس يفسخ
النكاح. ولعل هذا هو المراد من التطليق ثلاثاً .

- ١٣٧ -
وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالى حين أراد أن يستسقى
أن يقدم الصلاة قبل الخطبة فأعظمت ذلك؛ لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة
يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنامن فراغه من الخطبة، فدعا حول رداءه،
ثم نزل فصلى(١) .
وقد استسقى عمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن حزم،
وغيرهما ، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة ، فلستمتر الناس كلهم
فعل زفر بن عاصم ، واستنكروه .
. ومن ذلك أنه بلغنى أنك تقول فى الخليطين (٢) فى المال إنه لا تجب
عليهما الصدفة ، حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة ، وفى
كتاب عمر بن الخطاب إنه تجب عليهما الصدقة ، ويترادان بالثسوية ، وقد
كان ذلك يعمل به فى ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره ، والذى
حدثنا به يحيى بن سعيد، ولم يكن بدون أفاضل العلماء فى زمانه، فرحمه الله،
وغفر له ، وجعل الجنة مصيره.
ومن ذلك أنه بلغنى أنك تقول : إذا أفلس الرجل ، وقد باعهرجل سلعة ،
(١) قال مالك والشافعى الخطبة تقدم وتؤخر كالعيدين، وقا الليث وأبو
داوود تقدم كالجمعة . وقال أبو حنيفة ليس الاستسقاء من سفته الخطبة .
(٢) قال مالك وأبو حنيفة إن الشريكين لا تجب عليهما زكاة ، حتى يكون
لكل واحد منهما نصاب بملکه وقالالشافعى واللیثإن المنال المشترك حكمه حكم
مال رجل واحد ، وسبب اختلافهم الإجمال الذى فى قوله صلى الله عليه وسلم:
(( ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة)) فإن هذا القدر يمكن أن
يفهم منه أنه إنما يخصه الحكم إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه
أنه يشمل الحالين حال ما يكون لمالك واحد أو الإثنين، أو أكثر، ولكن لما
كان الأساس فى اشتراط النصاب الرفق بالناس ، وجب أن يكون المراد بالنصاب .
أن يكون لمالك واحد، وهو الأظهر، ولذلك كان قول أبي حنيفة ومالك
آولی بالآخذ .!
منخدمة
٠
سعد۔۔

!
- ١٣٨ -
فتقاضى طائفة من ثمنها ، أو أنفق المشترى طائفة منها أنه يأخذ ما وجد من
متاعه ، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئاً ، أو أنفق
المشترى منها شيئاً ، فليست بعينها(١).
ومن ذلك أنك تذكر أن النبى عدّ له لم يعط الزبير بن العوام إلا لفرس"
واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين ، ومنعه
الفرس الثالث، والأمة كلهم على هذا الحديث : أهل الشام، وأهل مصر ،
وأهل العراق، وأهل أفريقية لا يختلف فيه إثنان ، فلم يكن ينبغى لك ،
وإن كنت سمعته من رجل مرضى أن تخالف الأمة أجمعين(٢).
(١) إذا حكم على رجل بالتفليس، وكان قد اشترى عيناً لم يقبض البائع منها
كاملا بل قبض بعضه، فقال مالك إن شاء أن يرد ما قبض ، ويأخذ السلعة كلها ،
وإن شاء حاص الغرماء فيها ، وقال الشافعى : بل يأخذ ما بقى من سلمته بما بقى
من الآن ، وقال جماعة من أهل العلم منهم الليث وداود وإسحاق وأحمد إن قبض
من الثن شيئاً، فهو أسوة بالغرماء. وإذا باع المشترى بعض العين فالك يرى
أن البائع أولى به والليث يرى أنه أسوة بالغرماء.
(٢) بالنسبة لسهم الفرس اختلف الفقهاء فى موضعين أولهما أيكون للفارس
عن فرسه سهمان أم سهم واحد ؟ قال أبو حنيفة يأخذ الفارس سهمين سهما
لفرسه، وسهما لنفسه، وقال مالك والأوزاعى والليث وغيرهم يأخذ الفارس
ثلاثة أسهم سهماً لنفسه وسهمين لفرسه . ويحتجون بأثر عن ابن عمر ، وقال
أبو حنيفة لا أجعل لبهيمة أكثر ما للإنسان .
ولكن هل يسهم أفرسين وأكثر ؟ قال أبو حنيفة ومالك لا يسهم لأكثر
من فرس واحد ، وقال الليت والأوزاعى وغيرهما يسهم لفرسين ولا يسهم
لأكثر من ذلك ، ويقول الأوزاعى: على ذلك أهل العلم، وبه عملت الأثمة .
وقد رأيت أدعاء الليث أن الأمة جميعاً أخذت به، أهل الشام ؛ ومصر ؛
وأفريقية والعراق جميعاً قد أخذوا بذلك ، وهذه دعوى أنكرها عليها وعلى
الأوزاعى أنصار الرأى الأول، وقد قال فى الردعلى الأوزامى أبو يوسف
١

- ١٣٩ -
وقد تركت أشياء كثيرة، أشباه هذا ، وأنا أحب توفيق الله إياك ،
وطول بقائك ، لما أرجو للناس فى ذلك من المنفعة، وما أخاف من
الضيعة ، إلا إذا ذهب مثلك مع استئناسى بمكائك ، وإن ناءت الديار فهذه
منزلتك عندى ، ورأيى فيك فاستيقنه ، ولا تترك الكتاب إلى بخبرك،
وحالك، وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل
بك ، فإنى أسر بذلك .
كتبت إليك، ونحن صالحون معافون، والحمد لله: نسأل الله أن يرزقنا،
وإياكم شكر ما أولينا ، وتمام ما أنعم به علينا ، والسلام عليك ورحمة الله .
١٠٣ - هاتان رسالتان خالدتان فى تاريخ الفقه الإسلامى سفناهما
مع طول الثانية منهما ، للدلالة على الاتصال العلى بين مالك وغيره من
العلماء، يكتب إليهم مرشداً ، ويكتبون إليه مسترشدين ومخالفين ، وهم فى
خلافهم يبينون وجه الحق الذى يرونه ، و نواحى الأدلة التى يتجهون إليها ،
وإنه بهذا الاتصال العلمى مع بعد الديار وتنائيها مستفيد فوائد جمة ، إذ
يعرف ما عند غيره من علم بالآثار ، فقد يكون أولئك الذين ابتعدوا عنه
قد عثروا على قول مأثور اصحابى حل فى بلدهم لم يعثر عليه هو فى المدينة ،
إذ أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا غزاة مجاهدين
= ولم يبلغنا عن الرسول ولا عن أحد من أصحابه أنه أسهم الفرسين إلا حديث
واحد وكان الواحد عندنا شاذاً لا نأخذ به ، وأما قوله بذلك عملت الأئمة .
وعليه أكثر أهل العلم فهذا مثل قول أهل الحجاز وبذلك مضت السنة ، وليس
يقبل هذا . . فمن الإمام الذى عمل بهذا. والعالم الذى أخذ به ، حتى ننظر أهو
أهل لأن يحمل عنه مأمون هو على العلم أولا. وكيف يقسم الفرسين ،
ولا يقسمهم لثلاثة من قيل ماذا ، وكيف يسهم للفرس المربوط فى منزله ، لم
يقاتل عليه، وإنما قاتل على غيره .. )) راجع الرد على سير الأوزاعى لأبى
يوسف ص ٠٤٠

- ١٤٠ -
فاتحين الأمصار ناشرين الدين وهدايته، وخرج كثيرون من فقهاء الصحابة
من المدينة بعد أن قبض الله عمر بن الخطاب إليه، ففتحت لهم أبواب
المدينة يخرجون منها إلى الأمصار ، ويثوبون إليها ، وقد يطلع من تلك
المكاتبات على نوع من الفكر لم يتجه إليه ، وأعراف للبلاد لم يعرفها ،
فكان ذلك الاتصال بالكتابة دراسة مستمرة بينه وبين الفقهاء الذين
فأت ديارهم ، وتباعدت عنه أفطارهم .
١٠٤ - وفى الرسالة الثانية أمور تكشف لنا عن نواح كثيرة نوهنا
عنها، وهى تبينها ، فقد ذكرنا أن الشخصيتين البارزتين اللتين كان لهما
التأثير فى فقهمالكرضى الله عنه هما ربيعة بن أبى عبد الرحمن، و ابن شهاب
الزهرى ، وقدصر حت الرسالة بذلك ، فهى تقول فى بعض أجزائها عن الطبقة
التى خلفت التابعين : ((ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم، خصرتهم بالمدينة
وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبى عبد الرحمن)) ، ألا
ترى ذلك صريحاً فى أن هذين الرجلين مما أكبر أساتذة مالك .
والرسالة تكشف لنا عن أن أولئك العلية من الفقهاء كانوا يعتبرون
ما كان عليه الناس فى عهد أبى بكر وعمر وعثمان ، أيام كان المسلمون
يجمعون إجماعا لا تجوز مخالفته ، ولا يحل لمن يجيئون بعد ذلك أن يغيروا
ويبدلوا فيما استقر عليه رأى أولئك، فهى تقول فى ذلك: ((إذا جاء أمر
عمل فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على
عهد أبى بكر وعمر وعثمان ، ولم يزالوا عليه ، حتى قبضوا . لم يأمروهم
بغيره ، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا أمراً لم يعمل به سلفهم
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .
والرسالة تبين أن أولئك الأثريين من الفقهاء الذين جمعوا مع الأثر
الرأى والقياس الفقهى كانوا يرون أن من أساس الدراسة الفقهية دراسة
آراء الصحابة والتابعين، ولذلك كان أكثر ما يحتج به الليث على مالك
هو أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم، وإن مالكا إذ كان يدعو إلى
١