النص المفهرس

صفحات 81-100

٤
(( لما دخلت على أبى جعفر، وقد عهد إلىّ أن آتيه فى الموسم، قال لى: "
والله الذى لا إله إلا هو ما أمرت بالذى كان، ولا علمته، إنه لا يزال أهل
الحرمين بخير ما كنت بين أظهر هم، وإنى أخالك أماناً لهم من عذاب ، ولقد
رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة ، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن ، وقد أمرت
بعد والته أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب (١)، وأمرت بضيق
محبسه والاستبلاغ فى امتهانه ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف مالك
منه . فقلت : عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، قد عفوت عنه لقرابته
من رسول اللّه مَ له، وقرابته منك، قال: فعفا الله عنك ووصلك)) (٢).
وإن ذلك السياق ليدل على عظمة مالك متسامحاً ، كما بينا ، ويدل فوق
ذلك على أن أبا جعفر قد أبلغ فى الاعتذار ، ولم يتحفظ فيه ، وأنه كان
يعرف قدر مالك ، وتأثيره فى نفوس أهل الحجاز ، وأنه قد استبان له من
جملة أحواله أنه لا يحرض على فتنة، ولا يدعو إليها، ولا يشجع الخارجين
أو يمالتهم، ولذلك اعتبره أماناً لهم من عذاب ، وأنهم أسرع الناس إلى فتن
لولا اقتداؤهم بمالك، وسلوكهم مثل سبيله فى ابتعاد عن الفتن ودعاتها.
وعظه الخلفاء ووصاياه لهم
×
X X
٣ ٦١ - كان مالك لا يرى أن حكم الخلفاء الذين عاصروه هو حكم
١٩ الإسلام، ولكنه لم ير جواز الافتقاض عليهم ليأسه من الإصلاح عن
طريق الانتقاض، ولأن الفتن التى بلغه خبرها، والتى شاهدها لم تنقل الأمر
من فساد إلى صلاح، بل كانت تحوله من فساد إلى أفسد .
ومع هذا الرأى لم يقطع صلته بالخلفاء والأمراء، بل كان يرى من
الواجب عليه إرشادهم وإصلاحهم ، لأنه رجل ينظر إلى وقائع الأمور ،
(١) القتب الأكاف الصغير على سنام البعير .
( ٢ ٦ - مالك)
(٢) المدارك ص٠٢٩٣

- ٨٣ -
ولا يقف عند الصور المثالية وحدها، وقد وجد أن وعظ هؤلاء يذهب
ببعض ما يقعون فيه ، ويقلل من شرهم ، وربما حملهم على الصلاح المطلق،
وصار منهم مثل عمر بن عبد العزيز.
لذلك كان يدخل على الأمراء والخلفاء، ويعظهم ويرشدهم ، ويدعوم
إلى الخير . وكلما كبر فى نظر الناس، زادت رغبته فى الموعظة ، وكان يحث
العلماء على إرشاد الخلفاء والأمراء، وقول الحق لهم ما استطاعوا إلى ذلك
سبيلا ، فكان يقول :
«حق على كل مسلم أو رجل جعل الله فى صدره شيئاً من العلم والفقه
أن يدخل إلى ذى سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر ، حتى يتبين دخول
العالم عن غيره فإذا كان ، فهو الفضل الذى لا بعده فضل(١) .
ولقد قال له بعض تلاميذه: ((الناس يستكثرون أنك تأتى الأمراء،
فقال إن ذلك بالحمل من نفسى، وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغى)).
فهو يحمل نفسه عناء الذهاب، ويغلظ عليها، ليأمرهم بالمعروف وينهاهم
عن المنكر ، وكان يؤثر إرشادهم على التحريض عليهم، وكان يقول :
((لولا أنى آتيهم ما رأيت للنى سَّ اللّه فى هذه المدينة سنة معمولا بها)).
٦٢ - وكانت له مع الخلفاء مواعظ حسنة مأثورة يلقيها عليهم عندما
يجيئون إلى الحجاز فى موسم الحج، ومن ذلك قوله لهارون الرشيد: (ولقد
بلغنى أن عمر بن الخطاب كان فى فضله ، وقدمه ، ينفخ لهم على الرمادة النار
تحت القدر، حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضى الناس منكم بدون هذا).
وقال مرة لبعض الولاة: ((افتقد أمور الرعية، فإنك مسئول عنهم،
فإن عمر بن الخطاب قال : والذى نفسى بيده لو هلك جمل بشاطىء الفرات
ضياعا، لظننت أن الله يسألنى عنه يوم القيامة)).
(١) المدارك ٠٢٥٤

- ٨٣ -
ولقد كان أبو جعفر يطلب منه أن يبدى رأيه فى ولاته على الحجاز،
وقال له فى ذلك :
((إن رابك ريب من عامل المدينة، أو عامل مكة، أو أحد من عمال
الحجاز فى ذاتك ، أو ذات غيرك، أو سوء أو شر بالرعية، فا كتب إلىّ
بذلك أنزل بهم ما يستحقون)، (١).
وهو يعد شيخاً للخلفاء الذين جاءوا من بعد المنصور، ولذلك كان
لنصائحه فى نفوسهم موضع وأثر.
ولقد دخل مالك على المهدى، فقال: أوصنى ، فقال: أوصيك
بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول الله والتع وجيرانه، فإنه
بلغنا أن رسول اللّه عَّ اتّم قال: «المدينة مهاجرى، وبها قبرى، وبها مبعثى،
وأهلها جيرانى، وحقيق على أمنی حفظى فى جيرانى ، فمن حفظهم كنت له
شهيداً وشفيعاً يوم القيامة ،.
وعلى أثر هذه الوصية أخرج المهدى عطاء كثيراً ، وطاف بنفسه على
دور المدينة، ولما أراد الزوج دخل عليه مالك ، قال له : إنى محتفظ
بوصيتك التى حدثقى بها ، ولئن سلمت ما غبية عنهم.
٦٣ - ولقد كان يحترم نفسه إذا لقيهم ليكون لموعظته أثرهاووقعها،
فإن مقام القول من مقام قائله .
يروى أنه قدم المهدى المدينة ، فجاءه الناس مسلمين عليه ، فلما أخذوا
مجالسهم استأذن مالك فقال الناس: اليوم يجلس مالك آخر الناس ، فلما
دنا ونظر إلى ازدحام الناس، قال يا أمير المؤمنين أين يجلس شيخك مالك؟
فقال : عندى يا أبا عبد الله، فتخطى الناس حتى وصل إليه ، فرفع المهدى
ركبته المنى ، وأجلسه بجواره .
(١) هذا الخير وما سبقه من المدارك .
٦

- ٤× -
كان هكذا مالك مع الخلفاء لا يجلس إلا بجوارهم، ولكنه فى المسجد
عند الصلاة يجلس حيث ينتهى به المجلس ، ولم يقتصر فى نصائحه على المخاطبة،
بل ينصحهم أيضاً بالمكاتبة، برسائل يرسلها إليهم ، وتنقل من ذلك رسالته
إلى بعض الخلفاء ؛ وقد جاء فيها :
( أعلم أن اللّه تعالى قد خصك من موعظنى إياك بما نصحتك به قديماً،
وأتيت لك فيه ما أرجو أن يكون الله تعالى جعله لك سعادة ، وأمراً جعل
سبيلك به إلى الجنة، فلتكن - رحمنا الله وإياك - فيما كتبته إليك ، مع
القيام بأمر الله، وما استرعاك الله من رعيته، فإنك المسئول عنهم صغير ثم
و کبیر هم وقد قال النبى ◌ّ : كلكم راع و کلكم مسئول عن رعيته . وروى
فى بعض الحديث أنه يؤتى بالوالى ، ويده مغلولة إلى عنقه ، فلا يفك عنه
إلا العدل، وكان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يقول: ((والله إن
هلكت سخلة (١) بشط الفرات ضياعا لكنت أرى الله تعالى سائلا عنها عمر.
وحجعمر عشر ستین، وبلعنى أنه ما كان ينفق فى«جه إلا إثنى عشر ديناراً ،
وكان ينزل فى ظل الشجرة ، ويحمل على عنقه الدرة ، ويدور فى الأسواق
يسأل عن أحوال من حضره، وغاب عنه، ولقد بلغنى أنه وقت أصيب
حضر أصحاب التى سَّ اللّه ، فأثنوا عليه، فقال المغرور من غرر تموه ، لو
أن ما على وجه الأرض ذهب لافتديت به من أهوال المطلع ، فعمر رحمه
الله تعالى كان مسدداً موفقاً، مع أنه قد شهد له النبى ◌ٍ بالجنة، ثم مع
هذا خائف، لما تقلد من أمور المسلمين ، فكيف بمن قد علمت ، فعليك بما
يقربك إلى الله، وينجيك منه غداً، واحذر يوماً لا ينجيك فيه إلا عملك،
وليكن لك أسوة بمن قد مضى من سلفك ، وعليك بتقوى الله ، فقدمه
حيث هممت ، وتطلع فيما كتبت به إليك فى أوقاتك كلها ، وخذ نفسك
يتعاهدها، والأخذ به ، والتأدب عليه ، وأسأل الله التوفيق والرشاد
إن شاء الله تعالى)) (٣).
1
(١) المخلة ولد الشاة
(٢) المدارك ض ٢٧١

- ٨٥ -
٦٤ - وكان أخشى ما يخشاه مالك على الولاة والخلفاء المدح الكاذب
الذى يجىء على ألسنة من يعيشون حولهم، فإن ذلك المدح يزين لهم أعمالهم
فيجعل الشيء حسناً فى نظرهم، والقبيح جميلا ، فيرضون عنها ، فلا تتسع
نفوسهم لإرشاد مرشد، ولا هداية هاد، ولا وعظ واعظ، ولا شىء يويق
الملوك فى السيئات يحترحونها أكثر من التزكية الكاذبة ، وتبرير كل عمل
يعملونه من غير نقد ناقد، ولا خص فاحص! فتمرأ نفوسهم الاستحسان،
ويصمون آذانهم عن كلمة الإرشاد والتنبيه.
فكان مالك يغضب من يثنى على الولاة فى حضرتهم ، ويحذر الولاة من
هذا الصنف من الناس .
ومن ذلك ما يروى من أن الوالى كان مرة عند مالك ، فأثنى عليه بعض
الحاضرين، فغضب مالك وقال إياك أن يغرك هؤلاء بتنائهم عليك ، فإن
من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، أوشك أن يقول فيك
من الشر ماليس فيك ، فاتق الله فى التزكية منك لنفسك، أو ترضى بها من
أحد بقولة يقولها لك فى وجهك ، فإنك أنت أعرف بنفسك منهم فإنه بلغنى
أن رجلا مُدح عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال: قطعتم ظهره أو عنقه،
لو سمعها ما أفلح، وقال صلى الله عليه وسلم: «أحثوا التراب فى وجوه
المداحين »(١) .
وهكذا تراه لم يحرض على الفتن ، وقرب من الولاة والخلفاء لير شدهم،
ولم يعلن الرضا عن أعمالهم ، وكان ولاة المدينة بين يديه ، كالتلاميذ بين
يدى الأستاذ، وتنسب له مواعظ قيمة ، منها رسالته الرشيد ، وسنتكلم
عنها وعن نسبتها عند الكلام فى كتبه .
(١) المدارك ص ٢٦٠

- ٨٦ -
علم مالك
٦٥- شرحنا فيما مضى من القول حياة مالك بن أنس رضى الله عنه،
وتتبعنا أدوار تلك الحياة المباركة منذ ابتدأ غلاماً تتفتح نفسه للحياة ،
وتتطلع لنور العلم، ثم يافعاً وشاباً يطلب العلم ويغشى مجالس العلماء ثم رجلا
مكتملا قد بلغ أشده، وصار مقصد طلاب العلم والفتوى ، وصار غرضاً
لذوى الأهواء والحسد ينالونه بالوقيعة والوشاية ، وشرحنا المحنة التى نزات
به، وأسبابها، وعلاقته بذوى السلطان وكيف كانت ، وكنا فى ذلك نسرد
الوقائع مرتبة لمستبين منها صورة كاملة لأدوار حياة ذلك العالم، ونحن فى
سبيل تعرف هذه الوقائع كنا نمحص الأخبار ، وتنقدها نقد الصير فى
المدينار والدرهم .
وفى هذا المقام نذكر على مالك رضى الله عنه ومصادره ، وكيف تكون
علم ذلك العالم الجليل ، والأسباب التى تهيأت له ، فكان منها ذلك الخبر
الثبت الثقة. الذى كان ملاذ طلاب العلم نحو خمسين سنة أو تزيد ، تجى.
إليه الوفود من أقصى المشرق والمغرب طالبين الحديث أو الإفتاء.
٦٦ - بلغ مالك رضى الله عنه من علم السنة الذروة، وبلغ من الفقه
درجة صار فيها فقيه الحجاز الأوحد ، وبذلك جمع بين الحديث والفقه ،
فهو فى المحدثين إمام ، ويعد أول من دون علم الحديث ، وكتابه الموطأ أول
صحيح مجموع مدون للحديث. وهو فى الفقه الفقيه الثاقب النظر الذى يجمع
فقهه بين الكمال الدينى، ومراعاة مصالح الناس ، ففيه سمو الدين،وروحانيته،
وملاحظة الجانب الإلهى، كما هو تنظيم لمصالح الناس وحياتهم الواقعية، وإن
ذلك الفقيه المحدث أشد الفقهاء مراعاة المصالح الدنيوية فى فقهه ، واذاك
كان من المقرر أن المصالح المرسلة أصل قائم بذاته من أصول الفقه عنده.
ولقد نال من ثناء العلماء حظاً لم ينله عالم قبله، فقد أثنى عليه فقهاء الرأى،

- ٨٧ -
كما أثنى عليه علماء الحديث، وهو معتبر من كلا الفريقين ، وقد نقلنا لك
فيما سلف مقالة أبى حنيفة فقيه العراق والرأى فيه، كما ذكرنا كلمته فى
أبى حنيفة؛ والآن ننقل لك قدراً يسيراً من مقالات العلماء الذين عاصروه،
والذين جاءوا من بعده باعتباره محدثاً، وفقيهاً مفتياً، وعالماً مستبحراً.
٦٧ - لقد قال أبو يوسف صاحب أبى حنيفة، وقد كان يعد قريناً
لمالك رضى الله عنه من حيث الزمان: ما رأيت أعلم من ثلاثة: مالك، وابن
أبي ليلى ، وأبى حنيفة، ولقد كان أبو حنيفة وابن أبى ليلى شيخيه ، فوضعه
معها دليل على أنه يجعله فى صف شيوخه .
ولقد قال عبد الرحمن بن مهدى: أئمة الحديث الذين يقتدى بهم أربعة :
سفيان الثورى بالكوفة، ومالك بالحجاز ، والأوزاعى بالشام ، وحماد بن
زيد بالبصرة، ووازن بين الثورى والأوزاعى ، فقال الثورى إمام فى
الحديث، وليس بإمام فى السنة، والأوزاعى إمام فى السنة ، وليس بإمام
فى الحديث، ومالك إمام فيهما (١). ولعل إمامة مالك فى الحديث والسنة
سبيها أنه كان فقيها ، فكان يحفظ أحاديث رسول الله ستێ ويعرف معها
فتاوى الصحابة والتابعين ، لكيلا يشذ فى فتياه عن سلف الأمة .
وقال معاصره سفيان بن عيينة: ((رحم الله مالكا ما كان أشد انتقاءه
للرجال))، وقال فى تفضيله على نفسه: ((ما نحن عند مالك، إنماكنا نقبع
آثار مالك ، وننظر الشيخ إذا كتب عنه مالك كتبنا عنه))، وكان يقول :
((كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولا يحدث إلا عن ثقات الناس،
وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس ، (٢).
(١) مثل ابن الصلاح عنى معنى هذا الكلام، فقال: السنة هنا ضد البدعة ،
فقد يكون الإنسان عالما بالحديث، ولا يكون عالما بالسنة . ونحن نرى أن
المراد بالسنة العلم بأقضية الصحابة وفتاويهم، وكذلك العلم بأقضية التابعين وفتاويهم.
(٢) الانتقاء لابن عبد البر ص ٠٢١

- ٨ -
وقال الليث بن سعد: «علم مالك علم تقى ، أمان لمن أخذ عنه من
:
الأنام ».
وقال الشافعى: ((إذا جاءك الأثر عن مالك فشد به ... ، وإذا جاء
الخبر فمالك النجم ... ، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم ... ، ولم يبلغ أحد
فى العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته ، ومن أراد الحديث الصحيح
فعليه بمالك ..
وقال أحمد بن حنبل: ((مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام
فى الحديث والفقه ومن مثل مالك، متبع لآثار من مضى ، مع عقل
وأدب)).
وهكذا تجىء شهادات(١) العلماء بغزارة علم مالك ، ونزاهته فى علمه ،
وتقواه فيه، وإمامته فى الحديث والفقه معاً، مما لم يتوافر لغيره من العلماء ،
فهو إن ارتآی فی الأحكام رأیاً فعن بينة رأى ، وإن أخذ بقياس ، فعلى
أساس من السنة والاتباع أقام قياسه .
٦٨ - وقد تهيأت الأسباب ليكون مالك بهذا القدر من العلم فمواهبه
وصفاته الشخصية ، وشيوخه ودراساته ، وعصره وبيئته ، كل هذا هيأ له
أسباب العلم، فاغترف من بحاره، ولنذكر فى كل واحد من هذه الأسباب
کلمة تکشفه و تجلیه .
١ - مواهبه وصفاته
٦٩ - لقد أتى الله مالكا من الصفات والمواهب ما جعل منه محدثاً
وفقيهاً يأخذ سمته فى الاتجاه المستقيم ، والسير فى ضوء القرآن والسنة ،
وآثار السلف الصالح.
(١) راجع شهادات العلماء الكثيرة لمالك فى تزيين المالك السيوطى،
والمناقب الزواوى ، والانتقاء، والديباج، والمدارك .
:

- ٨٩ -
(١) لقد آتاه الله حافظة تعى، فإذا استمع إلى شىء استمع إليه فى
حرص ووعاء وعياً تاماً ، حتى إنه ليسمع نيفاً وأربعين حديثاً مرة واحدة،
فيجىء فى اليوم التالى، ويلقى على من استمعها منه وهو الزهرى أربعين،
ولا يصل منه إلا النيف ، ويسمع فى جلسة واحدة ثلاثين حديثاً ، لا يقيدها
فى كتاب، فلا يغيب عنه إلا حديث واحد ، فيذهب إلى الزهرى، فيسأله
عنه، فلا يجيبه إلا بعد اللوم، وهكذا كان حافظا واعيا، حتى لقد قال له
الزهرى: أنت من أوعية العلم وإنك لنعم المستودع للعلم)».
ولعل الحفظ وشدة الوعى على ذلك النحو كان ينميه اعتماد الناس على
ذاكرتهم فى ذلك الزمان ، فما كان العلم يؤخذ من الكتب ، بل كان يتلقى
من أفواه الرجال وكانت أحاديث رسول الله صَ يٍ غير مدونة فى كتاب
مسطور، بل كانت فى القلوب ، فلما أخذ الطلاب يدونون ما يلقى عليهم
من شيوخهم من حديث، أخذ الاعتماد على الذاكرة يقل ، وابتدأ
التدوين ، ولعل ذلك كان فى صدر حياة مالك ، فقد كان يقيد ما يسمع
أحیانا فى مجلس شیخه، وأحيانا بعد أن يترك مجلسه ، وعلى أى حال كان
يقيد كل ما يسمع .
ولقد كان ابن شهاب يتهم تلاميذه بسوء الحفظ ، فقد قال مالك:
((حدثنى ابن شهاب بأربعين حديثا ونيف ، منها حديث السقيفة حفظها ،
ثم قلت أعدها علىّ، فإنى نسيت النيف على الأربعين ، فأبى ، فقات ألا
كنت تحب أن يعاد عليك قال بلى، فأعاد، فإذا هو كما حفظت . ثم قال
ابن شهاب : ساء حفظ الناس ، لقد كنت آتى سعيد بن المسيب ، وعروة ،
والقاسم، وأبا سلمة، وحميداً، وسالماً ، وعد جماعة، فأدور عليهم ، فأسمع
من كل وأحد من الخمسين حديثا إلى المائة ثم أنصرف ، وقد حفظت كله
من غير أن أخلط حديث هذا فى حديث هذا(١))).
تى.
(١) المدارك ص ٠١٢١

- ٩٠ -
وهذه الرواية تدل بلا شك على أن الاعتماد على الحافظة وحدها قد
قواها ونماما ، فلما بدأ الناس بالكتاب ، أخذ الاعتماد عليه يحل محل
الاعتماد عليها ، فأخذت تضعف شيئا فشيئا .
ولا شك أن الحافظة القوية جعلت من مالك وعاء علم ، كما ذكر
ابن شهاب الزهرى ، ولقد كان هو يعتمد على الذاكرة ، ثم ينتقل بعد
الدرس إلى كتابة ما حفظ، حتى أنه ليستظل تحت الشجرة يكتب ما حفظ
بعد مزايلة مجلس الدرس فيدون ما علق بذهنه .
وإذا كانت الحافظة القوية أساساً للنبوغ فى أى علم، لأنها تمد العالم
بغذاء لعقله يكون أساساً لفكره، فهى ألزم المواهب للمحدث ، وخصوصاً
فى تلك الأزمنة التى كان فيها الحفظ هو الأساس الأول، والكتاب
بالمحل الثانى .
ولذلك كان مالك بهذه الذاكرة القوية وبغيرها من الصفات التى
سنبينها ، المحدث الأول فى عصره الذى كان يشار إليه بالأصابع كأنه النجم
الثاقب ، كما قال تلميذه الشافعى، ولقد كان مالك يحفظ كل ما يلقى عليه ،
ويدونه فى مذكرات خاصة ، ولا يلقى على تلاميذه منه إلا ما يرى فيه
مصلحة الناس، وما يستقيم مع مقاييس نقده فى الفحص ، وتمييز الصحيح
من غير الصحيح ، کما سنبین ، حتى أنهم وجدوا بعد هو ته صندوقین من
الكتب ، قد دونها ولم يعلنها ، حتى لقد قال بعض أبناء تلاميذه: (( وجدنا
فی تر که مالك صندوقین فیها کتب ، فجعل أبى يقر ؤها ويبكى ويقول : رحمك
الله إن كنت تريد بعلمك وجه الله تعالى، لقد جالسته الدهر الطويل،
وما سمعته يحدث بشىء مما قرأناه)) (١). وقال أحمد بن صالح: ((نظرت
فى أصول مالك فوجدتها شبيها بإنى عشر ألف حديث ، وهو حديث أهل
المدينة فى ذلك الوقت، فلم يحدث مالك إلا بثلثها أو ربعها» .
(١) المدارك ص ٠١٦٤

مے
- ٩١ -
ولقد قال الشافعى: « قيل لمالك : عند ابن عيينة أحاديث ليست عندك،.
فقال: إذن أحدث بكل ما سمعت، إنى إذن أحمق. إنى أريد أن أضلهم
إذن ، ولقد خرجت منی أحاديث لوددت أنى ضربت بكل حديث منها
سوطا ولم أحدث بها ، (١) .
فالك كما يروى تلاميذه، وكما يحكى عنه ، كان يحفظ كل ما يسمع ،
ويدون كل ما يحفظ ، ولكنه لا يحدث الناس إلا بما يرى المصلحة فى
إنشائه للناس ، ونشره بينهم ، وما يستقيم مع مقاييسه فى النقد والفحص .
٧٠ - (ب) والصفة الثانية التى أتصف بها مالك رضى الله عنه،
وكانت أساساً لنبوغه ، وهى أساس لكل نبوغ ، هى الصبر والجلد،
والمثابرة، ومغالبة المعوقات فى الوصول إلى الغاية ، وقد رأيت مما سقناه
لك فى حياته ، كيف كان صبوراً مثابراً ، مغالباً كل الصعاب ، غالب
الفقر ، حتى أنه يبيع أخشاب سقف بيته فى سبيل العلم ، وكان يذهب فى
الهجير إلى بيوت العلماء، ينتظر خروجهم، ويتبعهم حتى المسجد ، وكان
يجلس على باب دار الشيخ فى شدة البرد ، ويتقى برد المجلس بوسادة يجلس
عليها ، فهو فى طلب العلم المجاهد الذى لا يعوقه حر ولا قر ، بل يصل
الغاية فى لافح الحر ، وفى قارس البرد .
وكان يصير على ما يبدر من حدة الشيوخ؛ ويتلقاها بصدر رحيب ،
لأن ما يجنيه من علمهم يذهب بغضاضة الحدة ، ولاذع القول، ومرارة
اللوم ، ولو کان من غير مبرر أحيانا .
وكأنه يرى أن المجاهدة فى طلب العلم ما يثبته ويمكنه فى النفس ،
ككل شىء فى هذا الوجود، فما يجىء بيسر وسهولة لا تكون له النفاسة
التى توحى للنفس باستحفاظه ، وما يجىء بمشقة يكون نفيساً، فيستحفظ ،
(١) المدارك .

- ٩٢ -
ولذلك كان رضى الله عنه يقول: ((لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم، حتى
يضربه الفقر ، ويؤثره على كل حال)، (١).
وكان يأخذ تلاميذه بذلك ، فيحثهم على احتمال المشاق فى طلب العلم
بالقول وبالعمل .
((قال معصب الزبيرى: كان حبيب يقرأ لنا من ورقة إلى ورقتين
ونصف ولا يبلغ ثلاثاً ، والناس فى ناحية لا يدنون، ولا ينظرون ، فاذا
خرجنا، وخرج الناس، يعرضون كتبهم بكتبنا، وجئنا يوم إلى أبينا ،
لنقيم عنده، ونصير بالعشى إلى مالك، فأصابنا سماء يوما، فلم ناته تلك
العشية ولم ينتظرنا، وعرض عليه الناس ، فأتيناه بالغد، فقلنا يا أبا عبدالله
أصابنا أمس سماء ، شغلتنا عن الحضور فاردد علينا. قال لا : فمن طلب
هذا الأمر صبر عليه،(٢) .
فهو كان يرى أن الصبر وقوة الإرادة هما العدة لطلب العلم ، فمن لم
يتذرع بهما لا يصل إلى غاية منه، ولا يدرك شأواً.
٧١ - (ح) والصفة الثالثة التى كانت من أسباب إدراكه للحقائق،
وفهمه للحديث، وكتاب الله تعالى ، وهى الإخلاص فى طلب العلم ،
أخلص فى طلبه ، فطلبه لذات الله، لا يبغى به علواً ولا استكباراً،
ولا مراء، ولا جدالا ، ونقى نفسه من كل شوائب الغرض والهوى فى.
دراسته ، وأخلص فى طلب الحقيقة واتجه إليها من غير عوج ، ولا أمت
فى سبيله ، والإخلاص فور يشرق فى النفس فيضىء الفكر، ويسير على
هدى مستقيم، فالاتجاه المستقيم الخالى من شوائب الغرض والهوى والشهوة
يكون معه فيض روحانى يدرك به الباحث الأمور من غير التواء ، ولا
امتراء، إذ أنه لا شىء يعكر صفو الفكر ، ويكون كالغيم على الحقائق
يمنع العقل من إدراكها ، أكثر من أنغماس النفس فى الشهوات واستيلاء
(١) تزبين المالك ص ١٥.
(٢) المدارك ص ٠١٧٤

- ٣) -
الهوى على الإدراك ، واستغراق الأحاسيس المختلفة للمدارك ، فإنها تجعل
العقل يعمى عن الحقائق ، فتعمه البصيرة ، ولا تنفذ إلى الأمور .
ولقد كان يدفعه إلى الإخلاص أن العلم الذى يطلبه كان يتصل بالدين،
وهو قربة يتقرب بها إلى الله، وإنما الأعمال بالنيات، فلا يحتسب له
من الخير إلا بمقدار إخلاص النية ، واحتسابها لربه، ولذلك كان يقول
رضى الله عنه: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه)).
وكان يدفعه إلى الإخلاص أنه كان يعتقد أن نور العلم لا يؤنس إلا س
امتلأ قلبه بالتقوى والإخلاص، ولذلك أثر عنه رضى الله عنه أنه كان
يقول: ((العلم نور لا يأنس إلا بقلب تقى خاشع)، فالإخلاص وترك ملاذ
الدنيا وشهواتها ينير السبيل لطالب العلم فى نظره، ولذلك كان يقول:
((ما زهد أحد فى الدنيا إلا أنطفه الله بالحكمة)).
وقد قال لتلميذه ابن وهب يوصيه: ((إن كنت تريد بماطلبت ما عند الله
فقد أصبت ما تنتفع به، وإن كنت تريد بما تعلمت الدنيا ، فليس فى
بدك شىء ، (١) .
٧٢ - ولإخلاصه فى طلب العلم النزم أموراً، وابتعد عن أمور، فالتزم
السنة والأمور الظاهرة الواضحة البينة، ولذلك كان يقول: ((خير الأمور
ما كان منها ضاحياً بيناً، وإن كنت فى أمرين أنت منهما فى شك فخذ بالذى هو
أو ثق)»، والتزم الإفتاء فيما يقع من المسائل دون أن يفرض، خشية أن يضل ،
وأن يبعدعن سنة رسول سيج، وأن يندفع إلى المغالاة فى الأمور، وفرض
غير المعقول، والتزم الأناة فى الإفتاء، وكان يفكر التفكير الطويل العميق،
ولا يسارع إلى الإفتاء، فإن المسارعة إلى الإفتاء قد تجر إلى الخطأ، ويقول
ابن القاسم تلميذه: «سمعت مالكا يقول: إنى لأفكر فى مسألة منذ بضع
عشرة سنة ما اتفق لى فيها رأى إلى الآن ، وكان يقول ربما وردت علىّ
(١) هذا وما سبقه من المدارك ص ٢١٩ وما سبقها .

-- ٤) -
مسألة فأسهر فيها عامة ليلتى . وقال ابن عبد الحكم : كان مالك إذا سئل عن
المسألة ، قال للسائل أنصرف حتى أنظر، فينصرف ، ويتردد فيها، فقلنا له
فى ذلك فبكى، وقال: إنى أخاف أن يكون لى من المسائل يوم وأى يوم،
وكان يقول: ((من أحب أن يجيب عن مسألة، فليعرض نفسه على الجنة
والنار ، وكيف يكون خلاصه فى الآخرة (١). ولقد سأله سائل، وقال
مسألة خفيفة، فغضب، وقال مسألة خفيفة سهلة !! ليس فى العلم شىء
خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: ((سنلقى عليك قولا ثقيلا، فالعلم كله
ثقيل . وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة (٢) .
وكان لإخلاصه للكتاب والسنة يتحرز عن أن يقول هذا حلال ،
وهذا حرام ، من غير نص منهما، وأما فيما يراه من غير الكتاب والسنة،
فيذكر رأيه من غير أن يقطع بحرمة، وكثيراً ما كان يعقب كلامه بقوله
إن نظن إلا ظناً، وما نحن بمسقيقتين . ولقد روى عنه أنه قال فى اقتفاء
خطة السلف، واستنكار صنيع فقهاء عصره: ((ما شىء أشد علىّ من أن
أسأل عن مسألة من الحلال والحرام ، فإن هذا هو القطع فى حكم الله، ولقد
أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا ، وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة فكان
الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام ، والفتيا،
ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب
وعلياً وخيار الصحابة كانت تتردد عليهم المسائل ، وهم خير القرون الذين
بعث فيهم النبى معَ ◌ٍّ، وكانوا يجمعون أصحاب النبي صَّامٍ. ويسألون،
ثم حينئذ يفتون ، وأهل زماننا هذا قد صار همهم الفتيا، فبقدر ذلك يفتح
لهم من العلم، ولم يكن من أمر الناس ، ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدى
بهم، ويعول أهل الإسلام عليهم أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام،
ولكن بقال أنا أكره كذا، وأما حلال وحرام فهذا الإفتراء على الله
(١) الديباج المذهب ص ٠١٣
(٢) المدارك ص ٠١٦٢
!

- ٩٥ -
((قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق، فجعلتم منه حراما وحلالا»؛ لأن
الحلال ما أحله الله ورسوله )، (١) .
ولإخلاصه المطلق للفتوى فى دين الله تعالى كان يقول لا أحسن ،
ولا أدرى إذا أعمل فكره ولم يصل إلى شىء ، وقد اشتهر عنه ذلك ،
واستفاضت به الأخبار ، وقد سئل عن اثنتين وعشرين مسألة فأجاب عن
اثنتین فقط ، وأعلن فى الباقى أنه لا يحسنها . أو لا يدريها. ولقد كان يجيته
المستفتى من أقصى الأرض ، وهو يحسب أنه جاء إلى من لا يعجزهسؤال
: ويلمح مالك ذلك ، فيسأله، فإذا كان مالك لم يعرف وجه الحق على اليقين
قال: لا أحسن ، وما يبالى اعتقاده فيه . وخاب ظنه، أو تحقق.
وما كان قوله لا أدرى عن عجز مطلق، كما يتوهم بعض الناس ،
ولكن يقول لا أدرى عندما يكون الذى وصل إليه ظناً لا ينبغى إعلانه،
أو لم يجد لهذه المسألة شبيهاً فيما سمع من فتاوى الصحابة وما أثر عمن يقتدى
بهم، فهو الفقيه الثاقب النظر، ولكنه مع ذلك التقى الذى يخشى الإفتراء
على الله تعالى. وما أحسن ما وصفه به بعض تلاميذه فى تأبيه الفتيا أحياناً،
وهو الفقيه الكامل: ((إن الفقه عماله، وما رفعه الله إلا بالتقوى)).
٧٣ - ولقد دفعه إخلاصه إلى التزام ما سبق، وهو بعض من كثير،
ودفعه أيضاً لأن يبتعد عن كثير مما يراه لا يليق بالعالم المخلص الذى يطلب
العلم لذات الله ولدين الله، فقد ابتعد كل الابتعاد عن الجدل، لأن المجادلة
نوع من المنازلة ، ودين اللّه أعلى من أن يكون موضعاً لنزال المسلمين،
ولأن الجدل بدفع فى كثير من الأحوال إلى التعصب للفكرة من غير أن
يشعر المجادل ، والتعصب فى موضوع تكون نظرة المتعصب فيه نظرة جانبية
لا تدرك الأمر من عامة وجوهه، بل تدركه من وجه واحد، إذ المتعصب
لا يرى إلا من ناحية واحدة، وكان يرى أن العلم أجل من أن يكون
(١) المدارك ص ١٥٨

- ٩٩ -
موضع جدال ومسابقة؛ لأنه يكون الغرض منه أن ينال العالم إعجاب
السامعين ، ومن يدفعه إلى القول الرغبة فى الإعجاب يقول الحق والباطل،
والصدق والكذب، ثم كان يرى أن الجدل لا يليق بكرامة العلماء ؛ لأن
السامعين ينظرون إليهم ، وهم يتغالبون فى القول ، كما ينظرون إلى الديكة،
وهى تتنافر ، ولقد جابه بهذه الحقيقة الرشيد وأبا يوسف ، عندما قال
الرشيد له ناظر أبا يوسف ، فقد قال له تلك الكلمة الرائعة: إن العلم ليس
كالتحريش بين البهائم والديكة» (١).
من أجل هذه المعانى ومنافاة الرغبة فى الجدل لحسن المقصد كان ينهى
مالك عن الجدال فى الدين ، فكان يقول: (( الجدال فى الدين ليس بشىء))
ويقول: «المراء والجدال فى الدين يذهب بنور العلم من قلب العبد، ويقول:
((إن الجدال يقسى القلب، ويورث الضغن، ورأى قوما يتجادلون عنده ،
فقام ونفض رداءه وقال: ((إنما أنتم فى حرب، وقيل له: رجل له علم
بالسنة أيجادل عنها؟ فقال: ((لا، ولكن ليخبر بالسنة فإن قبل منه،
وإلا سكت)، (٢).
وكان يرى أن شيوع الجدل بين علماء المسلمين يفسد عليهم أمور دينهم،
فما يدرون ما يقال ، أهو الحق الذى لا مجال للريب فيه، أم هى قولة الخصم
التى يغلب بها، وإن ذلك يؤدى بهم إلى الجهل بالسنة وأحكام الدين،
ولذلك كان يقول: «كلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به
جبريل)) (٣) .
٧٤ - ولكن مع نهيه عن الجدل ، وتحاشيه له أثرت عنه مناظرات
بينه وبين العلماء ، كمناظراته مع أبى يوسف ومناظرات أخرى مع بعض
(١) المدارك ص ٠٢٧٩
(٢) هذه الأقوال مأخوذة من المدارك ص ١٩٧، ١٩٨.
(٣) مناقب مالك للشيخ عيسى الزواوى .
أ

- ٩٧ -
صے
الخلفاء الذين لهم نزعة علمية أو لهم فى العلم مكان كأبى جعفر المنصور ، وقد
يدو بادى الرأى أن ذلك يتناقض مع ما أثر عنه من نهيه من الجدل .
والحق أنه لا يمكن للعالم المتصدى للفتوى أن يبتعد عن أى مناظرة ،
وخصوصاً فى زمن اختلفت فيه منازع الفقهاء باختلاف الصحابة الذين
انتهى علمهم إليهم ، وباختلاف البيئات الإقليمية، والفكرية وباختلاف
المنازع العقلية والنفسية ، ولقد كان مالك يلتقى بكثيرين من مروجى علم
هؤلاء الفقهاء، وإذا كان يلتقى بالفقهاء فى موسم الحج ، فلا بد أن يجرى
بينهم حديث فى الفقه، وأن تختلف أنظارهم مع نظره، وأن يبين كل
وجهة نظره لصاحبه ، وهذه بلا شك مناظرة بريئة ، الغرض منها الوصول
إلى الحق، وما كان لعالم قط أن يتحاشاها، ومن ذلك النوع ما أثر عن
مناظراته مع أبى يوسف ، وأبى جعفر المنصور وغيرهما من العلماء،
والمتفقهين .
ولننقل الك ثلاث مناظرات موجزة كانت بينه وبين غيره ، وهى
لاتخرج عن سؤال وجواب؛ وهاهى ذى :
(١) كان أبى يوسف لا يرى الترجيع فى الآذان ، ومالك براء ، فسأل
أبو يوسف عن حديث فيه ، فإنه لا تثبت عبادة بغير نص أو حمل على نص،
وقال له رحمه الله: ((يؤذن بالترجيع، وليس عندكم عن النبى معَ اللّ فيه
حديث، فالتفت مالك إليه، وقال: «ياسبحان الله ما رأيت أمراً أعجب
من هذا ينادى على رءوس الأشهاد فى كل يوم خمس مرات ،يتوارثه الأبناء
على الآباء، من لدن رسول اللّه مَ له إلى زماننا هذا، يحتاج فيه إلى فلان عن
فلان ، هذا أصح عندنا من الحديث)) (١).
(ب) وسأله أبو يوسف عن مقدار الصاع ، فقال خمسة أرطال وثلث،
(١) المدارك ٢٨٥، وتزيين المالك ص ١٤.
(م ٢ - مالك)

- ٩٨ ٠
فقال أبو يوسف . ومن أين قلتم ذلك ؟ فقال مالك لبعض أصحابه:أحضر وا
ما عندكم من الصاع ، فأتى أهل المدينة، وعامتهم من أبناء المهاجرين
والأنصار ، وتحت يد كل واحد منهم ضاع يقول : هذا صاع ورثته عن
أبى عن جدى صاحب رسول الله بشرم، فقال مالك: هذا الخبر الشائع عندنا
أثبت من الحديث، فرجع أبو يوسف إلى قوله ، (١) .
١. (جـ) (( قال عبد الملك بن الماجشون: سأل رجل من أهل العراق مالكا
صدقة الحبس (٢)؛ فقال مالك إذا أَبِّدَتْ مضت، فقال العراقى: إن
شريحاً قال لا حبس عن فرائض الله، فضحك مالك ، وكان قليل الضحك ثم
قال رحم الله شريحاً لم يدر ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
هنا)، (٣).
هذه صورة من مناظرات مالك ، وهى لا تتجاوز توضيح الأمر وبيان
وجهة نظره، وإن استطاعت المناظرة لا تتجاوز ذلك المنحى الذى يتجه
فيه إلى بيان الحق ، وتعرفه ، لا إلى الماراة ، وحب الغلب ، وهذا فرق
ما بين المناظرة والجدل عند أهل البحث والنظر، ولذلك نقول إن نهيه عن
الجدل لا يتعارض مع ما أثر عنه من مناظرات ، وهى على ذلك النحو، ولقد
كان يروى عمر بن عبد العزيز قوله: « من جعل دينه غرضاً للخصومات،
فقد أكثر الفعل . (٤).
٧٥ - ولقد دفعه إخلاصه للعلم والفقه إلى أن يبتعد عن الإ كثار من
التحدیث ، فقد کان لا يحدث بکل ما يعلم ، و کان یعد من یکثر من التحديث
ومن يحدث بكل ما يعلم أحمق ، وقد نقلنا شيئاً من هذا فى بيان حفظه ووعيه
لما يسمع .
وكان يبتعد أيضاً عن الإكثار من الإفتاء ، فقد علمت أنه كان لا يفنى
(١) المدارك ص ٠٢٨٥
(٣) المدارك ص ٠٢٨٠
(٢) صدقة الحبس هى الوقف .
(٤) مناقب مالك الزواوى .

٠٠
إلا فيما يقع من الأمور ، ويتجنب الإفتاء فيما يتوقع أو يفترض منها ، ويعد.
ذلك من الفتنة .
وكان لا يجيب عن كثير من المسائل خشية أن تؤدى كثرة الإجابة
إلى الفرض والتقدير، وخشية أن تؤدى الكثرة إلى الخطأ ، وقد سأله سائل
عن ست مسائل فأجاب عنها، ثم سأله بعدها فقال: أكثرت . وأخرجه
من حضرته ، وكان يقول إذا أكثرت أصحابه من السؤال: « حسبكم ، من
أكثر أخطأ)). ولعل امتناعه عن الكثرة له سبب آخر غير ما ذكرنا،
وهو خشية الإملال، أو أن يقول غير مقبل ، فلا يجيد ، أو خشية الإجهاد.
فيؤدى ذلك إلى أن يشبه عليه فى الحديث ، وإلى أن يقول غير الحق ، وهذا
يفسر لنا تقليله من الحديث فى مجلس واحد .
قال الشافعى (( استأذنت على مالك، وكنت أريد أن أسمع منه حديث
السقيفة فقلت إن جعلته أولا خشيت أن يستطيله، ولم يحدثنى، وإن جعلته
آخراً خشيت ألا أبلغه ، فجملته بين عشرة أحاديث فأخذت أسأله ، فلما
مرت عشرة قال: حسبك ، فلم أبلغه)).
وترى من هذا السياق أنه كان يبتعد عن الإكثار خشبة الإملال وأن
يقع فى الخطأ بسببه وذلك من أبلغ الإخلاص.
٧٦ - ولقد كان مالك رضى الله عنه انزاهته وإخلاصة للحق والعلم
لا يجيب عن مسائل تتصل بالقضاة ، فيقول تلميذه ابن وهب : سمعته يقول
فيما يسأل عنه من أمر القضاة: هذا من متاع السلطان ، وسمعته يعيب كثرة
الجواب من العالم فهو ما كان يتعرض لأحكام القضاة بنقد ولا تمحيص،
وهذا موقف يختلف فيه مع أبى حنيفة، وكلاهما فى مسلكه كان مخلصاً ،
ولكن الإخلاص أنتهى بأمرين مختلفين ، بل متضادين عند الرجلين ،
فإخلاص أبى حنيفة للفقه دفعه لآن بنقد قضاء ابن أبى ليلى فى درسه؟ حتى

- ٢٠٠ ٠
أضطر هذا إلى الشكوى منه الولاة والأمراء، وحتى صدر الأمر مرة بالحجر
على أبى حنيفة من الفتوى .
دفع الإخلاص مالكا رضى الله عنه إلى ألا يتعرض لأحكام القضاة،
بل يقول هذا من متاع السلطان، لأن التعرض لأحكام القضاة بالنقد على
ملاً من التلاميذ والأصحاب بحرىء الناس على عصيانها، أو على الأقل
يذهب بما تستحق من مهابة وإجلال، اتجتث المنازعات من جذورها،
ولكيلا تفتح على الناس باب الطعن فى الأحكام بالحق وبالباطل.
وهكذا بدفعه الإخلاص لأن يترك القضاة وأحكامهم ، ويعد ذلك من
:
متاع السلطان، ولكنه إن استشير أشار ، وإن استفتى من قبل السلطان أفتى.
أما أبو حنيفة فقد دفعه إخلاصه لأن يقول ما يراه الحق فى أحكام
القضاة؛ لأنه إن سكت كان ذلك من كتمان العلم والحقيقة، وقد أخذ على
العلماء عهد لیبینن للناس ولا يكتمون ، وإذا كان الخطأ فى حكم قضائى، فهو
أحرى بأن ينقد؛ لأنه ظلم وقع، فوجب أن يستنكر وأن ينبه إلى من وقع منه،
والله ولى السرائر نتيجتان متعارضتان قد دفع إلى كل منهما الإخلاص،
وأن الذى ترتضيه هو موقف إمام دار الهجرة ، وقد بينا أننا لم نرتض موقف
إمام العراق من أحكام القضاء فی کلامنا فی تاريخ حياته .
٧٧ - هذا هو إخلاص مالك رضى اللهعنه، وما جمله الله به من صفات،
ولننتقل إلى صفة رابعة هى من المواهب التى أعطاها الله مالكا ، وهى قوة
الفراسة والنفاذ إلى بواطن الأمور ، وإلى نفوس الأشخاص ، يعرف
ما تكنّ نفوسهم من حركات جوارحهم، ومن لحن أقوالهم .
ولقد كان الشافعى صاحب فراسة أيضاً ، فقيل له فيها ، فقال أخذتها من
مالك ، ولكن الفراسة لا تؤخذ ولكن تنعى ، ولعل الشافعى أراد بما قال
أن مالكا نماها، لا أنه أخذها منه، فإن الفراسة ترجع إلى الإحساس ونفاذ
البصيرة والتفبه الشديد، والتقبع لحركات الأعضاء ، وما يقترن بها من أمور