النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٩١ -
أمرين (أحدهما) أن مسايرة شهوة العقل فى الفرض والتقدير، قد تدفع
صاحبها منساقا وراء تطلع الفكر ، والعقل طلعة إلى مخالفة بعض الآثار
عن غير بينة ، والإفتاء بغير علم ولا سلطان من كتاب أو سنة (ثانيهما) أن
الإفتاء ابتلاء وامتحان للعالم لا يقدم عليه إلا لإرشاد الناس فى أعمالهم،
وحملهم على الوقوف بها فى دائرة الدين الحنيف .
وإن مالكا فى إفتائه فى المسائل الواقعة كان يتحرز أن يخطىء، ولذلك
كان يقل الجواب ، ولا يكثر، لأنه يعلم أن هذا العلم دين ، ولا يصح أن
يقول فى دين الله من غير حجة، وكان يبتدى. إجابته بقوله: ما شاء أنه
لا قوة إلا بالله وكان يكثر من لا أدرى، وكان يعقب كثيراً فتواه بقوله:
إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين.
ولقد قال عبد الرحمن بن مهدى سأل رجل مالكا عن مسألة ، وذكر
أنه أرسل فيها من مسيرة ستة أشهر من المغرب ، فقال له أخبر الذى أرسلك
أن لا علم لى بها . فقال ومن يعلمها؟ قال الذى علمه أنه (١).
وسأله رجل عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب ، فقال ما أدرى
ما ابتلينا بهذه المسألة فى بلدنا، وما سمعنا أحداً من أشياخنا تكلم فيها ،
ولكن تعود، فلما كان من الغد جاءه، وقد حمل ثقله على بغله يقودها
فقال له مالك سألتنى، وما أدرى ما هى، فقال الرجل يا أبا عبد الله تركت
خلفى من يقول ليس على وجه الأرض أعلم منك ، فقال مالك غير مستوحش:
إنى لا أحسن(٢) .
الأمر الثانى - الذى لابدمن بيانه قبل الانتقال من مجلس درسه
هو كتابة أصحابه عنه ما يفتى به فى النوازل التى تقع، وهل كانوا يقيدون
كل ما يسمعون من فتاوى، وهل كان يملى عليهم ؟
لا شك إن مالكا كان يعتمد فى تحديثه على ما سمعه من الرواة الذين
(١) و(٢) المدارك ص ٠١٥٩
۔۔

- ٩٣ -
تلقى عليهم، وكان يقيده هو ، وقد سقنا لك فى ماضى القول ما يدل على أنه
كان يدون ما يسمعه من أحاديث رسول اللّه سطله من غير أن يتوانى فى
حفظها؛ فكان يستحفظها ويقيدها ، يستحفظها لتغذية عقله بعلمها ، فالحفظ
غذاء العقول ، والفكر هضم المعقول، وأما تقييدها فلخشية أن يشبه على العقل
أن اعتمد عليه وحده .
ويظهر أنه فى الحديث كان يحث أصحابه على أن يصنعوا مثل صفيعه،
وقد كان هو يدون الأحاديث وينشرها عليهم ، وتقرأ عليهم فى حضرته ،
فقد كان تلميذه حبيب يقرأ عليه الأحاديث ، فإن أخطأ فى القراءة استفتح
عليه، ورده إلى الصواب ، وإن تدوين الأحاديث وقراءتها عليه أصون لها،
وأحوط من أن يشبه على الراوى فى لفظ أو معنى .
وأما تدوين فتاويه فى النوازل فالظاهر من مجموع الأخبار الواردة فى
هذا الباب أنه ما كان يحث أصحابه على الكتابة ، وإن كان لا يمنعهم منها،
وقد يستنكر أحياناً أن يكتبوا عنه كل شىء.
((قال ابن المدينى: قلت ليحيى كان مالك على عليك قال كنت أكتب
بين يديه . وقال مصعب تلميذه كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه،
ولكن لا يرد عليه، ولا يراجعه)، (١) .
ومما يدل على استنكاره لكثرة ما يكتبه عنه تلاميذه ما رواه معن
تلميذه إذ قال: «سمعت مالكا يقول إننى بشر أخطىء وأرجع، وكل
ما أقوله يكتب !! )) (٣) وقال أشهب: ((رآنى أكتب جوابه فى مسألة،
فقال لا تكتبها ، فإنى لا أدرى أثبت عليها أم لا، (٣).
والذى يستنبط من مجموع هذه الأخبار أنهكان يستكثر أن يكتب عنه
كل شىء، وأنه ما كان يريد أن يكتب عنه كل ما يفتى فيه ، خشية أن
يرجع عن بعض ما أفتى ، وأنه كان إذا أفتى فى مسألة يطمئن إليها قلبه
(١) المدارك ص ١٧
(٢) و(٣) المدارك ص ١٦٦

-٩٢ -
الممتناناً كاملا أو يعود فيها لنص قاطع فى موضوعها ، أو لحديث صريح
فى حكمها ، لا ينهى عن كتابتها، أما إذا أفتى فى مسألة ، وكان أساس
الفتوى ظناً رجح عنده، وليس يقيناً قطع به فقد كان ينهى عن كتابتها
إن رأی من یکتبها .
هذا هو ما يستنبط من ظاهر هذه الأقوال ، والله سبحانه وتعالى
هو العليم الخبير .
علاقته بالخلفاء والولاة
+ ٤٥ - ولد مالك رضى الله عنه سنة ٩٣، ومات سنة ١٧٩، فأدرك
بهذا العمر المبارك الدولتين الإسلاميتين اللتين اتسعت رقعة الإسلام فى
عهدهما ، واستقرت فيهما أحكامه فى البلاد المتسعة المترامية الأطراف التى
لا تغيب عنها الشمس: إذ من الشرق وصل حكم الإسلام إلى الصين . ومن
الغرب وصل إلى وسط أوربا، وبحر الظلمات ، وكانت الدولتان تحكمان
باسم الخلافة ، وحكمهما ملك عضوض ، وفرق بينهما ، إذ الخلافة شورى
بين المسلمين ، والملك بعض عليه بالنواجذ ويتوارثه الأبناء عن الآباء ،
وتجرى المشاحنة بين الملوك، فيمتشق الحسام ، وتشتجر السيوف ، فلم ير
مالك من الحكم إلا هذا النوع ، وإن خرجت خارجة على الحكام فما هى
أعدل منهم ، ولا أحفظ للحقوق من أفلهم عدلا وأكثرهم ظلماً . فوق ما فى
الخروج من فوضى فى الأمور واضطراب للنظام، وفساد لأحوال الناس،
وهتك للحرمات ، وتعريض الأعراض والأنفس والأموال لشذاب الناس
وشطارهم، وفوضى ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب فى ظلم
منظم سنين .
ومن يعيش فى وسط ذلك الجو اليائس من أن يقوم حكم الشورى على
وجهه الصحيح، كما كان الشأن فى حكم أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله

-٦٤ -
عنهم أجمعين، فلابد أن يرضى بالحال القائمة لا على أنها الحنكم الأمثل
الذى ينبغى أن يكون والذى دعا إليه الإسلام، ولكن على أنها الأمر الواقع
الذى لا سبيل إلى دفعه إلا بالتعرض لضرر أشد، وفساد أعم؛ والنتيجة
غير مستيقنة بل غير مأمونة ، وقد دلت التجارب الواقعة على أن الانتقال
يكون لمن هو أشد ظلماً وأكبر ضرراً، ومن المقرر فى بدائه العقول أن
العاقل إن تردد بين أمرين كلاهما فيه ضرر يختار أهونهما ضرراً وأقلهما
شراً ، وإن تلك الحال كانت توحى إلى مالك الفقيه الوادع الساكن
المطمئن إلى أن يؤثر العافية، ويرضى بالقرار والاطمئنان إلى أن يقضى الله
أمراً كان مفعولا. (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)،
وكما تكونون يولى عليكم .
لذلك قبل مالك أن يسكن وإن لم يكن السكون إقراراً شرعياً منه للحال
الواقعة ، بل كان ذلك اعترافا بوجودها وعدم القدرة على تغييرها ، وعدم
الرضا عن عمل من يسعى فى التغيير ، ما دامت النفوس على حالها .
٤٦ - هذا إجمال نفصله بعض التفصيل: لقد كانت ولادة مالك فى
عهد الوليد بن عبد الملك ، وقد أعقب حكم الوليد ، حكم سليمان أخيه ،
ثم كانت خيرة الله، فاختير عمر بن عبد العزيز خليفة بعد سليمان،
فتفتحت مدارك مالك ، وقد وجد حكم عمر هذا (١) وكان على جانب
عظيم من التقوى والزهادة والحزم والقوة ، فحكم البلاد الإسلامية حكماً.
سلفياً أشبه بحكم عمر بن الخطاب ، وإن كان الفاروق رضى الله عنه قد
عز مثیله ، بل ولم يوجد من بعده مثيل له ، فر أى مالك فى عمر بن عبدالعزيز
صورة صادقة للحاكم الإسلامى، يرعى حقوق الناس ويحمى أنفسهم
(١) ولى عمر بن عبد العزيز سنة ٩٩، ومات سنة ١٠١، فهل قد مات،
ومالك رضى الله عنهما فى نحو الثامنة من عمره، وهى سن تدرك، وإن لم تستطع
الموازنة والفحص .
..

Tt.
وأعراضهم ولهو الهم إلا بحقها ، ويأخذ نفسه بالمحافظة على الزهادة فى مال
المسلمين حتى أنه ليرضى بأن يعيش أدنى معيشة بعد توليه الخلافة، ويأخذ آل
بيته الأموى بما لم يؤخذوا به من قبل ، فيحملهم على رد المظالم إلى أهلها ،
وينتصف للناس منهم ولا يألو جهداً ، حتى يتم له ذلك فى حزم وعزم .
ولقد أعجب به مالك أشد الإعجاب ، وكان يراه صورة عالية للحاكم
العادل ویتبع سیرته ، حتی لینسب إليه أنه روی بعضها وحفظها؛ وروى
عنه بعض تلاميذه ما حفظه .
فقد وجدنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يروى سيرة عمر بن عبد العزيز
ويقول فى صدرها :
(( حدثنى أبى عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنى مالك بن أنس والليث
ابن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن لهيعة، وبكر بن مضر ، وسليمان
أبن يزيد الكعبى. وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم وموسى بن
صالح وغيرهم من أهل العلم ممن لم أسم بجميع ما فى هذا الكتاب من أمر عمر
ابن عبد العزيز على ما سميت ورسمت وفسرت وكل واحد منهم قد أخبر فى
بطائفة فجمعت ذلك كله ، (١) .
وإنك لترجع إلى ذلك الكتاب فتجد المروى عن طريق مالك حظاً
ليس بالقليل مما يدل على عظيم احتفاء مالك بسيرة ذلك الإمام العادل ،
. واعتباره الصورة الصحيحة للحاكم الإسلامى.
٤٧ - ولكن مدة حكم ذلك الإمام العادل كانت كومضة البرق فى
الليل المظلم لم تطل ، بل غاب وشيكا .
وجاء من بعده من خلفاء الأمويين من سلك غير سبيله، ولم يستن
بسنته ، وركب بالأمة الصعب والذلول، فاستحكمت الشهوات وحكمت
الأهواء، وكأن أته جلت قدرته قد أتى بذلك الإمام فى وسط ذلك الجو؟
(١) الكتاب طبيع فى مصر ، وهذا الكلام فى ص ٠١٧
1
(٥٢ - مالك )

- ٩٦ -
ليرى الناس قدرته على أن يمدهم بالصالح إن استقاموا، وساروا على الجادة
والله بكل شىء محيط .
رأى مالك أولئك الحكام ورأى خروج الخوارج وانتفاض العلويين
وما ينجم عن ذلك من مضار تلحق بالأمة وينزل بها ، من غير حق يقام،
ولا باطل يدفع ، وتلقى من أفواه شيوخه الذين عاينوا الماضى وشاهدوه،
وسمع منهم أخبار واقعة الحرة، وكيف استبيحت المدينة حرم الرسول
صلوات الله وسلامه عليه، ولم تترك فيها حرمة من غير أن تهتك ، فأذل
أولاد الأنصار، وقيدوا فى الإسار ، ولم يقم حق، ولم يدفع باطل ، حتى
يكون ذلك من كرم الفداء. وعلم منهم ما كان بين عبد الله بن الزبير،
وعبد الملك بن مروان من وقائع استبيح فيها حرم الله، فرميت الكعبة
بالمنجنيق، وكان الحجاز كله مباءة للعبث والفساد، وهو مثابة الناس وبه
مناسكهم والمشعر الحرام؟ ولكنها الفتنة لا تبقي ولا تذر .
لذلك لم يكن يرى مالك فى الخروج على الحكام وإن كانوا ظالمين
إلا ما يسوق إلى الفتن، وإباحة الدماء ، فيكون القاعد خيراً من القائم ،
والقائم خيراً من السائر كما روى عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه.
٤٨ - ولما بلغ أشده، وقارب الأربعين عاين فى بلاد الحجاز فتنة من
الخوارج، فقد حجم أبو حمزة الخارجى فى طائفة منهم . والحجيج بعرفة (٢)
وتهادفوا مع والى مكه حتى ينفر الناس النفر الأخير ، وقد أرسل إليهم
(١) جاء فى الكامل لابن الأثير، وفى هذه السنة ( سنة ١٢٩) قدم
أبو حمزة الخارجي الحج ... فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم
أعلام وعمائم سود على رءوسهم. وهم سبعمائة ، ففزع الناس حين رأوهم ،
وسألوهم، عن حالهم فأخبروهم بخلافهم مروان ، وآل مروان، فراسلهم
عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكة والمدينة وطلب منهم
الهدنة ، فقالوا نحن بهجنا أضن، وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جميعاً آمنون،
بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس .

- ٢٧ -
طائفة من علية الحجيج فيهم ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك : وكان هو
المتكلم بذكرهم العهد، فقال أبو حمزة معاذ الله أن تنقض العهد أو نخيس به،
لا والله لا أفعل، ولو قطعت رقبتى هذه، ولكن تنقضى، أو حتى تنقضى
الهدنه بيننا وبينكم ».
وفى سنة ١٣٠ دخل أبو حمزة هذا المدينة بعد معركة كانت بينه وبين
أهل المدينة،، فقتلوهم ، وكانت المقتلة فى قريش، إذ كانت فيهم الشركة.
فأصيب منهم عدد كثير ، وقدم المنهزمون منهم المدينة فكانت المرأة تقيم
النوائح على حميمها ، ومعها النساء، فما تبرح النساء حتى تأتيهن الأخبار عن
رجالهن ، فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة منهن تذهب لقتل رجلها،
فلا تبقى عندها امرأة لكثرة من قتل (١) ، ثم جاء من أخرجهم منها،
والمدينة فى هذا كله مكان لعبث الجند وعبثهم.
(١) الكامل لابن الأثير الجزء الخامس ص ١٤٥، ولنذكر فى هذا المقام
خطبة أبى حمزة، فهى من عيون الأدب ، فقد قال: ((يأهل المدينة مررت زمان
الأحوال (يعنى هشام بن عبد الملك) وقد أصاب تماركم عامة، فكنتم إليه
تسألونه أن يضع عنكم خراجكم ففعل، فزاد الغنى غنى، والفقير فقراً، فتلتم له
جزاك الله خيراً، فلا جزاكم، ولا جزاء خيراً، واعلموا يأهل المدينة إنا لم تخرج
من ديارنا أشرار ولا بطراً، ولا عبئاً، ولا لدولة ملك أريد أن نخوض فيه .
ولا لثأر قديم قد نيل منا، ولمكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف
القائل بالحق ، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا
داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فأجبنا داعى الله: ((ومن لا يجب
داعى الله، فليس بمعجز فى الأرض، فأقبلنا من قبائل شتى ونحن قليلون مستحفون
فى الأرض، فآوانا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم،
فدعوناهم إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فدعونا إلى طاعة الشيطان . وحكم
بنى مروان، فشتان لعمرو الله بين الغى والرشد، أفيلوا يهرعون، وقد ضرب
الشيطان قبلهم بجرانه ، وغلت بدمائهم مراجله ، وصدق عليهم ظنه ، وأقبل
أنصار الله عز وجل عصائب وكتائب، بكل مهتدى ذى رونق، فدارت رحانا)
A

- ٩٨ -
رأى مالك ذو النفس المحسة الشاعرة بآلام الناس تلك المذبحة فى قريش
قوم النبى عرّ اللّه ، وفى أهل المدينة، ورثة العلم النبوى، وذلك العبث والفساد
فى حرم الرسول المقدس عنده الذى كان لا يسير فيه راكباً قط ، ولاشك
أنه بهذه المشاعر كلها لا يرضى عن الثورة والثائرين ، وخصوصاً أن
النتائج لم تكن خيراً ، إذ لم يصلوا بعد هذه إلى إقامة العدل الذى لا يتأشبه.
ظلم، حتى يقال إن الغاية تبرر الوسيلة، أو أن الذريعة السيئة يصغر إنمها
إزاء النتيجة الطيبة ، فالطريقة إثم ، والنتيجة لا خير فيها ؛ لذلك لم يكن من
يحرض على ثورة أو يعاون ثائرين ، أو يرضى عن فتنة، فلا يعاونها ،
" ولا يعاون عليها.
٤٩ - وليست رغبة مالك رضى الله عنه عن الفتن أو الثورات غريبة
على أهل المدينة ، بل هم كانوا ينزعون نفس هذا المنزع، فإنه من وقت أن
أخرج الحكم الإسلامى من بلاد الحجاز، وصار فى العراق من عهد على ،
ثم صار فى الشام فى عهد الأمويين، ثم آوى إلى العراق ثانية فى عهد العباسيين -
من ذلك الوقت صار أهل الحجاز منصرفين عن السياسة غير معنيين بأمرها ،
ولم يلتفوا إلى داعية إلا يوم أن ثاروا لثارات الحسين رضى الله عنه فى عهد
يزيد بن معاوية، ومن بعد ذلك كانت المدينة لا تلتفت إلى أى نزعة سياسية
إلا إذا هاجمها مهاجم ، فعندئذ يتجرد أهلها للدفاع عن أنفسهم وأموالهم
== واستدارت رحاهم بضرب يرتاب به المبطلون، وأنتم يأهل المدينة إن تنصروا
مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ، ويشف صدور
قوم مؤمنين .
يأهل المدينة، أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يأهل المدينة أخبرونى
عن ثمانية أسهم، فرضها الله عز وجل فى كتابه، على القوى والضعيف، فيها.
تاسع أيس له فيها سهم ، فأخذها لنفسه مكابراً محارباً ، يأهل المدينة بلغنى أنكم
. تنتقصون أصحابى ، قلتم: شباب أحداث، وأعراب حفاة ، هم والله مكتهلون فى
شبابهم ، غضة عن الشعر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم».

- ٦٩-
وأعراضهم لا لتأييد قوم، ولا لنصرة دولة، ولكنها الرغبة فى الفرار
والاطمئنان، كما رأيت فى حالهم مع أبى حمزة، ولذلك كانت المدينة فى العصر
الأموى وأشطر من العصر العباسى، كسائر بلاد الحجاز ، مثابة للشعراء
والعلماء والزهاد الذين انصرفوا إلى الله سبحانه وتعالى، ولا ينالون من
الدنيا إلا ما يقويهم على عبادة الرحمن ، وفهم القرآن ، ودراسة الحديث.
الشريف والفتوى فى الدين إن تهيأت لهم الأسباب، وتوافرت لهم
المؤهلات ، وكذلك كان مالك رضى الله عنه، أخذ من هذه البيئة وجهتها،
وقوت الأحداث فى نفسه النزوع إليها ، وتأيد لديه بالدليل سلامة نظرتها ،
واستقامة جادتها ، فالتزمها إلى النهاية .
٥٠ - لزم مالك رضى الله عنه الجماعة، ولم ير الخروج على الطاعة ، فلم
يدع إلى ثورة، ولم يؤيدها ، ومن الحق أن نقرر أنه لم يدع إلى الولاة وخلفاء
عصره، ويناصرهم، بل كان يرى أن يلتزم الحياد، لا يدعو إلى أحد ،
إن ثارت ثورة أو استيقظت فتنة، وذلك يتفق مع منطقه وتفكيره ،
فهو إن كان يلزم الجماعة والطاعة لايرى أن سياسة السلطان فى عصره هى
الحق الصراح الذى يتفق مع أحكام الإسلام، وهدى القرآن ، بل يرضى
بالطاعة ، لأن فيها إصلاحاً نسبياً ، وقد يكون فيها إصلاح بالموعظة الحسنة،
وقول الحق فى إبانه ، والهداية والإرشاد ، وإن صلاح الحاكم يتبع فی أ کثر
الأحيان صلاح المحكومين ، فعلى العلماء أن يصلحوا الناس ، ويرشدوهم ،
فإن صلحوا جاء صلاح الحاكمين تبعاً لصلاحهم ، ومهما يكن رأيه فى طريقة
الإصلاح، فهو لا يناصر أحداً عند الفتن ، لأن الفريقين فى إثم ، فلا يعاون
أحدهما على الآخر ، وكذلك أجاب عندما مثل عن قتال الخارجين على
الخليفة ، فقد قال قائل : أيجوز قتالهم؟ فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن
عبد العزيز، فقال: فإن لم يكن مثله، فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم
بقتقم منكليهما (١).
(١) نجي الإسلام .

- ٧٠ -
ولسنا ندرى فى أى دولة قال هذا، أفى الدولة الأموية أم فى الدولة
العباسية ، ولعل الأقرب أن ذلك كان فى عصر الدولة العباسية، لأنه عصر
نضج مالك؛ ولا يصح أن يفهم من هذا أنه يوالى الأمويين دون العباسيين ،
فإن منطقه الذى سار عليه فى حياته لاينطق بهذا، ثم هو قد وضع الصورة
المثالية بين يدى سائله، فقال: إن كان الخليفة مثل عمر بن عبد العزيز فى
تقواه وعداله، وإقامة الحدود؛ ورفقة بالناس فليقاتلوا. وإلا فليذروهم فى
غيهم يعمهون .
٥١ - وإن قول مالك هذا فى قتال الخارجين على الخليفة يذكر نابموقف
البصرى وأعظ البصرة وفقيهها فى العصر الأموی(١). فقد سئل فى الخارجین
على عبد الملك بن مروان . فقال: ((لا تكن مع هؤلاء ولاهؤلاء، فقال رجل
من أهل الشام : ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد ، فغضب وخط بيده،
ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد !! نعم، ولامع أمير المؤمنين.
ألاترى أن الرأى متفق بين هذين الرجلين ، وأن كلامهما فى الخارجين
متحد فى المعنى ، وإن اختلف اللفظ .
والحق أن دراسة رأى مالك فى الحكام فى عهده، ودارسة رأى الحسن
فى حكام بنى أمية فى عهده، تنتهى بنا إلى اتحاد النهج عند هذين الإمامين
الجليلين ، لاتحاد النفس والمعدن والسبب ، فكلاهما عاش فى أحوال
سياسية كثيرة الاضطراب ، كثيرة الفتن ، وفى ضجة الفتنة لا يسمع قول
۔۔
الحق، ويكون الشح هو المطاع، والهوى هو المتبع، ويكون الأجدر بالمؤمن
أن يأتى إلى سيفه فيدقه على حجر، ويلجأ إلى شعاف الجبال أو يرعى الغنم،
كما ورد فى الحديث الشريف، فإن لم يكن له غنم يرعاها، ولم يستطع الذهاب
إلى شعاف الجبال ، عاش فى وسط الناس ، ولم يخض فيما يخوضون فيه ، بل
يتجه إلى الدين يدرسه، وإلى آثار السلف الصالح يتبعها، ويعلنها فى خاصته
ومن يجدون فى أنفسهم حاجة إلى الاستماع إليه .
(١) مات الحسن البصري سنة ١١٠ هـ بعد أن عمر أكثر من تسعين سنة.

- ٧١ -
ولقد اتحدت نفس الحسن البصرى ، ونفس مالك رضى الله عنه ، فكلا
الرجلين كانت نفسه نفس تقی ورع يخاف الله سبحانه ، وكلاهما كان ذاسمت
حسن، وذا عقل قوى نافد، وبصر بالأمور ، وما يحيط به، وكلاهما كان
يرى أن الموعظة الحسنة فى إبانها أجدى من الثورة والدعوة إلى الفتنة ،
كلاهما كان ينطق بهذه الموعظة عندما يجد فى الآذان إصغاء ، وفى القلوب
وعباً، ولذلك اتحد موقفهما من الفتن ذلك الاتحاد ، ولعل مالكا كان يقبع
سيرة الحسن ، وقد كان على علم بها إذ أنه مات ومالك فى نحو الثامنة عشر
من عمره (١)، وقد كان سعيد بن المسيب في موقفه من الخلفاء كالحسن ،
فاقتدى مالك بهما .
(١) نجد من الحق فى هذا المقام أن نشير بكلمة إلى موقف الحسن من الأمويين:
لقد اعتزل الحسن السياسة عملا، ولم يعتزلها فكراً، فلقد كان رأيه فى بنى أمية
سيئا ما عدا عمر بن عبد العزيز، ولكنه لم ير الخروج عليهم ، ولم يدع الناس
إلى الوقوف فى وجههم ، وإن كانوا ظالمين وذلك لما يأتى :
. (١)) لأنه يرى أن الخروج قد يعطل الحدود ويهدم عمود الإسلام. ولذا قال
فيهم: (( هم يلون من أمور ناخما، الجمعة والفيء والثغور والحدود. والله لا يستقيم
الذين إلا بهم، وإن جاروا وإن ظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر ما
يفسدون » .
((ب)) ولأنه رأى أن كثرة الخروج تحل الدولة الإسلامية ، وتجعل بأس
المسلمين بينهم شديداً . فيكلب فيهم عدوهم ، ويجرؤ عليهم خصومهم.
((حـ) ولأنه رأى الدماء تهرق فى الخروج من غير حق يقام ومظلمة تدفع،
والناس يخرجون من يد ظالم إلى أظلم .
( د)) ولأنه وجد أن الطريق المعبد لإصلاح هذا الفساد إصلاح حال المحكومين؛
إذ رأى الفساد عم الإثنين ، وتعذر عليه إصلاح الحاكم، واعتقد أنه إذا صلح
حال الشعب تبعه حتما صلاح الحاكم. سمع مرة رجلا يدعو على الحجاج ، فقال له
(( لا تفعل رحمك الله؛ إنكم من أنفسكم أوتيتم، إننا نخاف إن عزل الحجاج أو
مات أن تليكم القردة والخنازير ، فقد روي أن التي صلى الله عليه وسلم قال :=

- ٧٢ -
ولا نجد الرجلين الحسن ومالكا يفترقان إلا فى أمر واحد من ناحية
الرأى السياسى ؛ ذلك أن الحسن البصرى كان مع اعتزاله السياسة عملا ،
كان يميل إلى على بن أبى طالب ، ويرى أنه كان على حق فى قتال معاوية ، وكان
معاوية على الباطل، بل يرى أنه كان باغياً، ولا ينزل بعلى عن مرتبة الخلفاء الثلاثة
الذين سبقوه (١)، وإن كانوا على تفاوت فى أقدارهم، ولقد كان من العشرة
الذين شهد لهم التى عَطِّ بالجنة. أما مالك رضى الله عنه، فجملة أخباره
لا تنی. عن أنه كان يميل إلى علی رضی الله عنه ، بل إنه يصرح بأنه لم یکن
فى منزلة أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، من حيث الحكم الصالح
والرشد، فإن هؤلاء الثلاثة فى منزلة دونها سائر الحكام، وعلى رضى الله عنه
كأكثر الصحابة لا يعلو عليهم فى نظره .
٥٢ - وإن ذلك يحتاج إلى أن نبينه ببعض الشرح والتفصيل:
لقد سأله أحد العلويين فى مجلس درسه ((من خير الناس بعد رسول
اللّهِ سَ الِ؟ قال: أبو بكر، قال: ثم من؟ قال مالك: ثم عمر ، قال: ثم
من؟ قال : الخليفة المقتول ظلماً عثمان . وقد روى مصعب تلميذه أنه سئل
مالك: من أفضل الناس بعد رسول اللّه عليه، فقال مالك: أبو بكر، قال:
ثم من؟ قال ثم عمر، قال: ثم من؟ قال: عثمان ، قيل: ثم من ؟ قال :
هنا وقف الناس ، هؤلاء خيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمر
أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر عمر، وجعلها عمر إلى ستة ، فاختاروا
عثمان فوقف الناس ها هنا، وفى رواية وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه)).
1
= ((عمالكم كأعمالكم، وكما تكونون يولى عليكم). ولقد وصلنى كتابك تذكر
ما أنتم فيه من جور العمال، وأنه ليس ينبغى لمن عمل المعصية أن ينكر العقوبة ..
وما أظن الذى أنتم فيه، إلا من شؤم الذنوب والسلام، ملخص من كتاب تاريخ
الجدل للؤ لف ص ٠٣٤٦
(١) راجع تاريخ الجدل ص ٣٤٥

- ٧٣ -
وفى رواية ابن وهب: «أفضل الناس أبو بكر وعمر، قلت: ثم من؟
فأمسك، قلت: إني امرؤ أقتدى بك فى دينى، فقال عثمان)) (١).
ومن هذه الروايات المختلفة بدين أمران: (أحدهما) أن مالكا كان
يضع أبا بكر وعمر وعثمان فى مرتبة دونها سائر الناس ، وإن كانت الرواية
الأخيرة التى ذكرها ابن وهب تدل على أنه كان يتردد فى ضم عثمان إلى
الشيخين ، واذلك أمسك عندما سأله عنه .
(الأمر الثانى) أنه يجعل علمياً رضى الله عنه فى سائر الصحابة ، فلا يمتاز
عنهم فى شىء .
٥٣ - وإن مالكا رضى الله عنه يخالف بذلك إمامين آخرين عاصرأه
أحدهما أسن منه ومات قبله ، وهو أبو حنيفة، وثانيهما أصغر منه، وهو
تلميذه الشافعى ، فإن أبا حنيفة لا يعد علياً كسائر الناس ، بل يرفعه إلى
مرتبة الراشدين من الخلفاء، ويقدمه فى الترتيب فى الدرجات على عثمان
رضى الله عنه، والشافعى يعلن محبته لعلى، ويحكم على خصومه بأنهم بغاة
ويعتمد فى استنباط أحكام البغاة على ما كان يفعله على رضى الله عنه مع
الخارجين عليه ، والذين بغوا على حكمه، حتى لقد اتهم بأنهشیعی،وحوسب
على ذلك ، وتعرض للتلف، ولكنه كان يذكر مناقب أبى بكر، ويفضله على
على رضى الله عنه، ولذلك لم يكن رافضياً.
ولماذا رأى مالك عدم ذكر علىّ فى مقام المفضلين، بل كان يقف بعد
عثمانويقول («هنا يستوى الناس)، فما كان على کسائر الناس ، فهل جهل ذلك
الإمام الجليل مناقبه، وسابقاته فى الإسلام ، وجهاده وحسن بلائه ، ومقامه
من النبي صلى الله عليه وسلم !! لا نظن أنه جهل شيئاً من ذلك، أو أنكره،
إنما هو يعرف علياً رضى الله عنه، ويعرف مقامه. ولكنه عندما كان يجيب
عن المسألة كان يجيب فيما يتعلق بالخلافة . والخلفاء، ولعل لجوابه بعض
المبررات، وإن كنا لانوافقه فى جوابه، وإن أقصى ما نتلمسه له هو ما يأتى:
(١) الروايات المذكورة كلها مأخوذة من المدارك ص ٢٠٤
٠

- ٧٤ -
(١) أن علياً فى نظره كان يطلب الخلافة ويسعى إليها، وذلك يغض
منه، ولا يجعله فى مرتبة من لم يطلبها، واذلك جاء فى بعض الروايات عنه
((وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه، فالطلب يدل على الرغبة، ومع
الرغبة الاتهام ، وعدم الطلب يدل على الزهادة ، ومع الزهادة النزاهة ،
وعدم الاتهام .
(ب) أن خلافة أبى بكر كانت بتأمير النبى صلى الله عليه وسلم، وخلافة
عمر كانت باختيار أبى بكر الذى أمره النبى صلى الله عليه وسلم ، وعثمان
اختاره الستة الذين فوض إليهم عمر ، وجعل الشورى لهم، أما على فقد
اختاره قتلة عثمان ، فلم يكن اختياره ، كاختيار من سبقوه.
وقد جاءت الإشارة إلى ذلك فى إحدى الروايات السابقة ، وهو فى هذا
القول يضرب على نغمة معاوية والأمويين .
(جـ) أن مالكا فى دراسته للأمور كان رجلا واقعياً، يحكم على الأعمال
لا غيرها ، وعهد على رضى الله عنه فى الخلافة كان كله حروباًواضطرابات،
وقد كان مالك يبغضها .
ومهما تكن المبررات التى تدفع إلى ذلك الحكم على سيف الإسلام أخى
رسول الله وزوج ابنته، ومن كانت منه العترة النبوية عليها السلام، فإن
ذلك الحكم يدل على نزعة أموية ، وإن لم يرض عن أعمالهم ، وعدم تقدير
كامل لعلى، وإن لم يعرف أنه قدح فيه، أو ذكره بغير الخير.
٥٤ - ولقد لاحظ بعض المعاصرين له أنه لم يرو أحاديث كثيرة
عن على وابن عباس، حتى لقد أنهم بأن الدافع لذلك نزعة أموية، ولكنه
سئل عن ذلك فأجاب بأنه لم يلق أصحابهما ، ولم يتلق عنهم، وهو یروی عمن
التقى بالصحابة الذين كثر ذكرهم فى رواياته ، وقد كان السائل الرشيد ، فقد
جاء فى شرح الموطأ الزرقانى ما نصه :
(, قال الرشيد لمالك: لم تر في كتابك ذكراً لعلى وابن عباس. فقال لم

- ٧٥ -
يكونا بلدى، ولم ألق رجالهما. فإن صح هذا، فكأنه أراد ذكراً كثيراً،
وإلا ففى الموطأ أحاديث عنهما (١))).
وإن كونهما لم يكونا ببلده أى المدينة إن أراد فى سنى حياتهم الأخيرة
فذلك صحيح لا ريب فيه ، لأن علياً رضى الله عنه وكرم الله وجهه كانت
خلافته فى العراق ، وبه دفن ، وابن عباس كانت مدرسته فى سفيه الأخيرة
بمكة ، وبها ألقى دروسه، وخصوصاً تفسير القرآن الكريم، وبذلك كان
الرواة عن على وابن عباس بهذين البلدين كثيرين ولكن أكثر حياة على
كانت بالمدينة، إذ أنه فى مدة الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه كان يعيش بها ،
فليس من المعقول ألا يكون له أحاديث قد تلقاها عنه رواة بالمدينة ، إلا إذا
كانوا قد غلبتهم النزعة الأموية فقالوا الرواية عنه إرضاء أو دفعاً لأذى
الأمويين الذين لا ينالون جهداً فى إخفاء مآ ثر على كرم الله وجهه، وهم الذين
ناوموه العداوة ، حياً واستباحوا دماء ذريته من بعده.
٥٥٠ - وخلاصة القول أن مالكا رضى الله عنه كان من لا يخوضون
فى السياسة ، وكان لا يحرض على الثورات ، ولا يرضى عن الفتن ، ولا يألو
نصحاً للولاة والخلفاء، ويأخذ عطايا الخلفاء ، وكان لا يخلو من نزعة تقربه
من الأمويين ولا تدفعه إلى عمل أو قول ؛ وإن كان من آثارها أن كان رأيه
فی علی متفقاً فى الجملة مع رأيهم ..
محته
٥٦ - ومعُ بعد مالك عن الثورات والتحريض عليها، وعن الفتن
والخوض فيها ، نزلت به محنة فى العصر العباسى فى عهد أبى جعفر المنصور،
وقد اتفق المؤرخون على نزول هذه المحنة به، وأكثر الرواة على أنها نزلت
به سنة ١٤٦، وقيل سنة ١٤٧ (٢)، وقد ضرب فى هذه المحنة بالسياط، ومدت
(١) مقدمة شرح الموطأ الزرقانى ص ٩.
(٢) المدارك ص ٠٢٩٦
٦

- ٧٦ -
يده حتى انخلعت كتفاه، وقد اختلفوا فى سبها ، على أقوال كثيرة
نذكر منها ثلاثة :
أولها - وهو أضعفها، أن مالكا كان يجاهر بمخالفة ابن عباس فى
نكاح المتعة، ويقول إنه حرام، وقد جاءت هذه الرواية فى كتاب «شذرات
من ذهب)، ففيه ما نصه: ((قيل إنه حمل إلى بغداد وقال له ما يقول فى نكاح
المتعة ، فقال هو حرام ، فقيل له فى قول ابن عباس فيها ، فقال : كلام غيره
فيها أوفق لكتاب الله، وأصر على القول بتحريمها ، فطيف به على ثور
مشوها ، فكان يرفع القذر عن وجهه ، ويقول يا أهل بغداد ، من لم يعرفنى،
فليعرفنى ، أنا مالك بن أنس ، فعل بى ما ترون لأقول بجواز نكاح المتعة،
ولا أقول به ، ثم بعد ذلك لم يزده اللّه إلا رفعة)) (١).
وهذا الخبر لم يذكره الثقات، وهو فوق ذلك يخالف المشهور المستفيض،
وهو أن مالكا لم يدخل بغداد قط ، ولم ينتقل من بلاد الحجاز.
وإن متن الخبر ذاته يجعله غير معقول فى نفسه، وذلك لأن الفقهاء أجمعن
على أن المتعة باطلة إلا الشيعة ، فأبو حنيفة والأوزاعى ومن سبقهما من
فقهاء التابعين أجمعوا على ذلك الرأى ، فقد انعقد الإجماع بين فقهاء الجماعة
على بطلانه. وأبو جعفر أ كيس من أن يعاقب فقيهاً له مكانة مالك على أمر
مشهور معروف متفق عليه، قد انعقد عليه الإجماع، إلا ما كان من الشيعة
الإمامية من إباحتها . وقد كان أبو جعفر يرى أن الشيعة هم الشوكة التى
تقض مضاجعه، فهو لا يمكن أن يعاقبه ليعلن صواب رأى لجماعة يرى
خفضهم ، ولا يغضب عامة الفقهاء وسائر المسلمين بالعقاب فى أمر يعد من
البدهيات عندهم، وإلا أثار السخط عليه، وكان الظلم واضحاً، والأذى بيناً،
وما كان أبو جعفر كذلك .
(١) شذرات من ذهب، فى أخبار من ذهب - الجزء الأول ص٢٩٠.

- W -
وثانى الأسباب - التى يذكرها المؤرخون فى إنزالى المحنة بهذا الفقيه
العظيم، أن مالكا رضى الله عنه كان يقدم عثمان على علىّ رضى الله عنهما،
فأغرى الطالبيون به والى المدينة، وهذه الخبر جاء فى المدارك ففيه ما نصه :
(قال ( أى ابن بكير ): ما ضرب مالك إلا فى تقديمه عثمان على على ،
فسعى به الطالبيون حتى ضرب فقيل لإبن بكير خالفت أصحابك ، هم يقولون
فى البيعة، قال أنا أعلم من أصحابى، (١).
وهذا الخبر فوق مخالفته المشهور، ومخالفة أصحاب رأويه له - فى مته
ما يدل على بطلانه، إذ أن العلويين كانوا فى ذلك الإبان مبغضين إلى الخليفة
وواليه ، لأن سنة ١٤٦ وهى سنة المحنة كانت السنة التالية لخروج محمد
ابن عبد الله النفس الزكية بالمدينة، وقتله، فما كان للطالبين شأن، وما كان
أبو جعفر ليؤذى فقيهاً لمثل هذه الفتيا فى ذلك الزمان ، فيضربه من أجلها.
وثالث الأسباب التى تذكر ، وهو المشهور ، أنه كان يحدث بحديث :
(( ليس على مستكره طلاق))، وأن مروجى الفتن اتخذوا من هذا الحديث
حجة لبطلان بيعة أبى جعفر المنصور، وأن هذا ذاع وشاع فى وقت خروج
محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية بالمدينة، وأن المنصور (( نهاه عن
أن يحدث بهذا الحديث ، ثم دس إليه من يسأله عنه ، فحدث به علىرءوس
الناس، فضربه، ولقد ظن ابن جرير المؤرخ مالكا كان بتحديثه بهذا
الحديث، يحرض على بيعة محمد بن عبد الله، فقد روى أن مالكا أفى
الناس بمبايعته ، فقيل له فإن فى أعناقنا بيعة المنصور ، فقال: إنما كنتم
مكرهين، وليس لمكره بيعة، فبايعه ( أى محمد بن عبد الله) الناس عند
ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته)، (٢).
٥٧ - ونحن نختار أنه ضرب لتحديثه بهذا الحديث فى وقت خروج
(١) المدارك ص ٠٢٦٩
(٢) تاريخ ابن كثير جـ ١٠ ص ٠٨٤
.

-٧٨-
محمد بن عبد الله بالمدينة، لا لأنه كان يحرض بذلك التحديث ، بل الذى
نعتقده أنه حدث بهذا الحديث ورواه، ونقله الناس عنه ، فوجد الناس فيه ..
ما يدل على أنه يجوز أن يتحللوا من بيعة المنصور زاعمين أنها كانت بالغلب
والإكراه ، ووجد الكائدون لمالك فى ذلك فرصة للكيد له ، فأخبروا
والى المدينة بذلك فكانت المحنة، ولقد وجدنا فى الأخبار ما يصرح بذلك،
فإنه جاء فى الانتقاء لابن عبد البر: « لما دعى مالك بن أنس، وشوور ،
وسمع منه، وقبل قوله شنف له الناس (١)، وحسدوه ، ونعتوه بكل شىء،
فلما ولى جعفر بن سلمان على المدينة ، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده ،"
وقالوا لا يرى إيمان بيعتكم هذه بشىء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت
ابن الأحنف فى طلاق المكره أنه لا يجوز».(٢).
فهذا يدل على أنه وجد من الكائدين من صوروا مللكا بصورة التأثر.
بتحديثه بهذا الحديث، ويظهر أنه فى كهولته كان له خصوم من الناس
من أهل العلم، ينفسون عليه ما وصل إليه من تقدير الخاصة والعامة له .
وعندى أن سبب المحنة ليس هو التحديث بالحديث وحده ، بل التحديث
به فى وقت الفتن، واستخدام الثائرين لذلك الحديث ، لتحريض الناس
على الخروج مستغلين مكانة مالك فى العلم والإفتاء ، ووجد الذين يسعون
بالعلماء وأهل الفضل فى ذلك سبيلا للكيد بمالك فكادوا له، فهى مالك عن
التحديث به ، فلم يفعل .
٥٨ - وسوق السجب على ذلك النحو الذى يتفق مع قول الأكثرين،
وهو الذى يتفق مع ما عرف عن مالك طول حياته من أنه لم يخض فى فتنة،
ولم يحرض على خروج ، وقد شرحنا ذلك فيما أسلفنا من قول ، ولكنه
فى الوقت نفسه لا يستطيع أن يمتنع عن التحديث إرضاء لأحد، ولا اتباعا
لهوى أحد ، فهو يرى أن ذلك كتمان للعلم ، وقد نهى الله سبحانه و تعالىعن
(١) شنفوا له أى تنكروا.
(٢) الانتقاء ص ٤٤

كتمان العلم، وقد كان يحرض تلاميذه على أن يفشوا فى العلم ولا يكتمره كما
جاء فى المدارك وغيره، فالقضية بالنسبة لتحديثه بهذا الحديث، قد اختلفت
فيها نظره، ونظر الولاة ، فنظر الولاة وأبو جعفر من ورائهم إلى أن فى
التحديث به فتنة، أو تحريضاً عليها وقد استغله دعاتها لذلك ، ونظر مالك
إلى أن التحديث به إنشاء للعلم، وما يبالى شيئاً وراء ذلك ، فهو إذا كان قد
أزه درسه عن أن يكون موضع تفريخ للفتن فهو قد نزه نفسه أيضاً عن
أن يحين فى التحديث عن رسول الله صَ لّه، أو يرضى بالدنية، فيكتم علم
الله إرضاء الحكام.
وقد يقول قائل إن ابن جرير الطبرى يصرح بأن مالكا أفتى الناس
بمبايعة محمد بن عبد الله بن حسن، وأنه أفتى بأن بيعتهم لأبى جعفر كانت
بالإكراه، ولابن جرير مكانته فى التاريخ.
وإنا نرى أن ابن جرير قد فهم ذلك من تحديثه بالحديث ، أو لعله
صرح بالتخريج على الحديث بأن كل بيعة أو يمين كانت بالإكراه تكون
باطلة ، وذلك فى معنى الإفتاء بلا ريب بيطلان بيعة المنصور ، وجواز
بيعة غيره، ثم إن التحديث بالحديث بلا شك يؤدى إلى هذه الفتيا .
إنما القضية التى هى موضع نظر هل حرض مالك على الخروج، وخاض
فى الفتنة؟ الجواب عن ذلك لا، بلا ريب بدليل قول ابن جرير نفسه:
((ولزم مالك بيته ، فهو قد انقطع عن الناس، لكيلا يخوض فى الفتنة.
٥٩ - والخلاصة أن سبب المحنة ذكره للحديث فى وقت خروج محمد
ابن عبد الله، واستغلال الخارجين لذلك الحديث ، وسعاية الكائدين له ،
ولذلك كانت المحنة بعد مقتل محمد سنه ١٤٦، إذ مقتله كان سنة ١٤٥.
ولكن من الذى أنزل المحنة بذلك الإمام الجليل ؟ الأكثرون من
الرواة على أنه جعفر بن سليمان والى المدينة ، ولکن أ کان بتحريض من

- ٨٠ ٠
أبى جعفر المنصور؟ أم هو رأى ارتآه الوالى من تلقاء نفسه ؟ تميل الأخبار
- التى اشتمل عليها كتاب المدارك إلى أن الذى فعل ذلك الوالى من غير علم
أبى جعفر، لأن ذلك كان بعد الفتنة ، وبعد أن اجتمت جذورها ، و یذ کر
ابن عبد البر فى الانتقاء أن أبا جعفر هو الذى نهى عن التحديث بالحديث،
وأنه دس له من یسمع منه، فرآه قد حدث به .
والظاهر من مجموع الأخبار أن الذى تحمل - كبر المحنة فى ظاهر الأمر،
هو ألوالى، وأن كل الظواهر تشير إلى أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه، و نحن
لا نستطيع أن ننفى أن يكون ذلك بعلم ورضا من المنصور الداهية الذى
كان على علم بما يجرى داخل دولته، وخاصة ما بين كبارها . وإن الذى
كان على علم بداخل بيت مالك، حتى كان يعرف أنه كان يأمر خادمة
بإدارة الرحى، حتى لا يسمع الجير أن صوت ابنته من البكاء جوعا، ما كان
يجهل بما يجرى، ولكنها السياسة تحمل بعض الناس إثم الفعل وتجعل
المسيطرين فرصة البراءة .
٦٠ - ويظهر أن أهل المدينة عندما رأوا فقيهها وإمامها ينزل به ذلك
النكال سخطوا على بنى العباس وولانهم، وخصوصاً أنه كان مظلوماً ، فما
حرض على فتنة ، وما بغى ، ولا تجاوز حد الإفتاء، ولم يفارق خطته قبل
الأذى ولا بعده ، فلزم درسه بعده أن أبل من جراحه ورقنت . واستمر
فى درسه لا يحرض ولا يدعو إلى فساد ، مكان ذلك ممازادهم نقمة على الحاكمين،
وجعل الحكام يحسون بمرارة ما فعلوا، وخصوصاً أبا جعفر الداهية،
والفرصة لديهم سانحة ، فإنه لم يكن فى ظاهر الأمرضارباً ولا آمراً بضرب،
ولا راضياً عنه، لذلك عندما جاء إلى الحجاز حاجاً أرسل إلى مالك
يعتذر إليه .
والفسق الخبر، كما جاء على لسان مالك رضى الله عنه لنعرف منه مقدار
إجلال أبى جعفر له، وعظم مالك فى سماحته، كما كان عظيما فى مهابته :
رضى الله عنه، وها هو ذو الخبر: