النص المفهرس
صفحات 41-60
- ٤١- فهو قد طلب العلم من أربع نواح تتلاقى كلها فى تكوين العالم الفقيه الذى يعلم الآثار علىوجهها ، وفقه الرأى على وجهه ، ويتصل بروحعصره، ويعرف ما يجرى خوله ، ويبث فى الناس من أبواب العلم ما يرى من الخير ان پېته فیهم . (١) فهو قد تعلم وجوه الرد على أصحاب الأهواء واختلاف الناس وتباين منازعهم الفقهية وغير الفقهية فى عصره، وتلقى ذلك على ابن هرمز، كما أخبر عن نفسه أنه قد أخذ عنه عناً كثيراً لم ينشره بين الناس، وإن وجد أن من الضرورى أن يعرفه . وكأنه بذلك يقسم العلم قسمين علم يلقى على الملأ والجمهور، ولا يختص به أحد، إذ لا ضررفيه لأحد، وكل العقول تقوى على قبوله واستساغته ، وهضمه والانتفاع به . وقسم لا يصح أن يعرفه إلا خاصة الناس فلا يلقى على العامة ؛ لأن ضرره على بعض النفوس أكثر من نفعه، كالرد على أهل الأهواء، فإنه ربما يعسر فهمه على بعض العقول، وربما يفهمونه على غير وجهه، وربما يكون ترديد أقوالهم والرد عليها موجهاً للنفوس المنحرفة إلى ما عليه هؤلاء ، فيكون الضرر حيث کان یرجی النفع ، ولذلك لم يدع إلی کل ما علمه عن ابن هرمز، وإن كان قد تلقاه . (٢) وتلقى فتاوى الصحابة عمن أدركهم ومن لم يدركهم من التابعين، وتابعى التابعين فتلقى فتاوى عمر ، وابن عمر رضى الله عنهما، وعائشة ، وغيرهم من الصحابة ، وتلقى فتاوى ابن المسيب، وغيره من كبار التابعين الذين لم یدر کهم. ولقد كان فقه الصحابة وكبار التابعين من المصادر الفقهية لكثير من تفريعات الفقه المالكى . (٣) وتلقى فقه الرأى على ربيعة بن عبد الرحمن الملقب بربيعه الرأى، ويظهر أن الرأي الذي تلقاه عن ربيعة هذا لم يكن القياس وعلله ومناطاته .- - ٤٢ - من كل الوجوه بل كان أساسه التوفيق بين النصوص المختلفة ومصالح الناس. وما يكون فيه النفع لمجموعهم؛ ولذلك جاء فى المدارك مانصه ! ,قال ابن وهب : سئل مالك: هل كنتم تقايسون فى مجلس ريعة، ويكثر بعضكم على بعض . قال : لا والله، (١). ومن هذا النص نرى أن مالكا ما كان بأخذ فقه الرأى الذی یکثر فيه. القياس والتفريع ، يدخل فى الفقه التقديرى الذى كان كثيراً فى العراق ، والذى كان وليد كثرة الأقيسة، واختبار الأوصاف التى تصلح للتعليل . واذا نرجح أن فقه الرأى عند ربيعة كان أساسه مصالح الناس. (٤) وتلقى أولا وآخراً أحابث رسول اللّه عليه ، وكان يتبع الرواة عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وينتقى الثقات المتفقهين منهم ؛ وقد أوفى فراسة قوية فى فهم الرجال وإدراك قوة عقلهم وفقهم ، ولقد أثر عنه أنه قال رضى الله عنه: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون منه لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله سالم عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد فما أخذت عنهم شيئاً. وإن أحدهم لو اؤ تمن على بيت مال لكان أميناً؛ إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن)) (٢) وسنبين كيف كان مالك يتعرف الثقات عند دراسة روايته ورواته إن شاء الله تعالى . * ٢٦ - جلوسه للدرس والإفتاء: بعد أن اكتملت دراسة مالك للآثار والفتيا ، اتخذ له مجلساً فى المسجد النبوى للدرس والإفتاء، ولاشك أن الذى يجلس فى مجلس هؤلاء التابعين وتابعيهم الذين كانوا يقصدون من مشارق الأرض ومغاربها لابد أن يكون على حظ كبير من العلم، وفي حال من الإجلال والاحترام والتوقير تسمح له بأن يكون مقصد طلاب الفقه (١) المدراك ص ٠١٢١ (٢) الانتقاء لإن عبد البر وتزيين المالك ، وكتاب المدارك . - ٤٣ - والمستفتين ، وموضع ثقتهم، ويكون لكلامه مكان من الاعتبار، وكذلك · كان مالك عندما قصد إلى الدرس والإفتاء، وهو نفسه كان يحاول أن يستواق من رأى شيوخه فيه وإقرارهم بأنه لذلك أهل ، وقد كانت تجرى على لسانه تلك الكلمة الرائعة. « لا خير فيمن يرى نفسه فى حال لا يراه الناس لها أهلا » (١). ولقد قال رحمه الله فى هذا المقام وفى بيان حاله عندما نزعت نفسه إلى الدرس والإفتاء «ليس كل من أن أحب أن يجلس فى المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح، والفضل، والجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلا جاس، وما جلست حتى شهد لى سبعون شيخاً من أهل العلم أنى موضع لذلك، (٢). ((وجاء رجل يسأل مالكا عن مسألة، فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقبل عليه مالك غاضباً، وقال له ((جسرت على أن تفتى يا أبا عبد الرحمن !! يكررها عليه، ما أفتيت حتى سألت: هل أنا للفتيا موضع؟ فلما سكن غضبه، قبل له من سألت؟ قال الزهرى ، وربيعة)). ٢٧ - هذه أخبار صحاح، وأقوال صادقة تدل على أن مالكا ما كان يرى الشخص يصلح الافتاء إلا بعد النضج الكامل، وأنه طبق ذلك القول على نفسه فما أفى حتى نضج واكتمل، وشهد له سبعون من شيوخه الثقات ، ومنهم الزهرى ، وربيعة الرأى . .وماذا كانت سنه عندما تصدى للافتاء ؟ لم تذكر الروايات الصحيحة سنه فى ذلك الوقت ، وإن المنطق يوجب علينا أن نقول إنها من الرجولة ، فما كان الشخص ليبلغ مبلغ الفتيا فى وسط هؤلاء العلماء المستبحرين، إلا إذا كان قد بلغ مبلغ الرجال، وما كان لغلام حدث مهما يكن توقره ، ومهما يكن عقله وذكاؤه أن يجلس مجلس التحديث والإفتاء فى مسجد (١) المدارك ص ١٢٧ (٢) المصدر نفسه . - ٤٤ - رسول الله مشتراه، ووسط شيوخه الذين تلقى العلم عليهم، ونهل من مناهلهم. ولكن المتعصبين من المالكية الذين كتبوا فى المناقب يأبون إلا أن يقولوا إنه جلس للدرس والإفتاء فى سن السابعة عشرة، وكأنهم يريدون .. أن يقولوا أن خوارق العادات قد اقترنت بدراسته وفتواه كما اقترنت بحمله وميلاده ، فقد حسبوا أن أمه حملت به ثلاث سنوات . وقد اعتمدوا فى ذلك على خبر تنسب روايته إلى سفيان بن عيينة ذلك أنه ذكر «أنه كان فى مجلس ربيعة فدارت مسألة، فسأله مالك عنها، فقال له ربيعة كلاما فيه لوم، فانصرف مالك غاضباً، وجلس فى الظهر وحده فجلس إليه قوم ، فلما صلى المغرب اجتمع إليه خمسون أو أكثر، فلما كان من الغد اجتمع إليه خلق كثير قال فجلس للناس ،وهو ابن سبع عشرة، (١). هذا هو الخبر الذى يعتمد عليه فى دعوى أن مالكا قد جلس للإفتاء وهو فى السابعة عشرة . ٢٨ - ونحن لا نستسيغ ذلك الخبر، بل إنا لنضرس عند سماعه ؛ ذلك لأنه لا يتسق مع ما كان عليه الشأن للفتيا فى المدينة، وما كان لها من خطر وقدر، ولأن العلماء الكبار كانوا مقيمين بها مجاورين قبر رسول الله وزائع فيه ، فغريب كل الغرابة أن يتركوا ابن شهاب ونافعاً وغيرهم، وهم كثيرون جداً ويجلسوا إلى ذلك الغلام الحدث ، يتلقون عنه الحديث ويستفتونه. وإنا نجد الشواهد الكثيرة من الأخبار تناقض بشهادتها الصادقة تلك الرواية المزعومة . (١) فهى تذكر أن سبب جلوس مالك للإفتاء انصرافه من مجلس ربيعة مغاضباً، مع أن الروايات الصادقة تقول إنه قبل أن يجلس الدرس (١) راجع الديباج المذهب ، والمدارك. - ٤٥ - والإفتاء استشار شيوخه وخص منهم بالذكر ابن شهاب وربيعة ، فربيعة ممن أجاز له الجلوس للافتاء، ولا يتسق ذلك مع فرض أن جلوسه للافتاء. وانفراده بحلقة خاصة كانا بسبب مغاضبته لربيعة ، وإن كنا نرى أنه ترك ربيعة، ولكنه لم يجلس للافتاء فوره، وإن ذلك لم يكن للوم وجهه ، ولكن الاختلاف بينهما ، ولم يكن ذلك فى السابعة عشرة . (٢) ومن الأخبار الصحاح ملازمته لابن هرمز سبع سنين ، أو ثمانى سنين، وجلوسه إليه مع اختلافه إلى غيره أكثر من ذلك ، ولقد سيق فى . سبب ملازمته لابن هرمز أن أباه سأله عن مسألة فأجاب خطأ ، وأجاب أخوه صوابا ، فلامه أبوه على لهوه، فلزم ابن هرمز ، ولا يمكن أن تكون سن من يسأل فيجب خطأ أو صواباً دون العاشرة ، ولا يلام فى خطئه من كان دون العاشرة ، فإذا كانت سنه العاشرة على الأقل ، ولازم ابن هرمز سبعاً على الأقل ، فتكون سنه عند نهاية الملازمة لابن هرمز سبع عشر سنة على الأقل ، ففى أى وقت تلقى عن غيره، وهو یذ کر أنه لازم بن هرمز سبع سنين لم يخلط به غيره، أم أنه قد تلقى علم ابن هرمز وحده ، وقد صرح بأنه لم ينشر علمه كثيراً، ولم يبته للناس !! إن البداهة والمنطق تنطقان بأنه وأصل دراسته من بعد الملازمة ، أى من بعد السابعة عشرة. (٣) والروايات الصحاح تذكر أنه لم يجلس للافتاء إلا بعد أن استشار سبعين من شيوخه ، وهل يرى المنصف أن سبعين من الشيوخ يجمعون على إجازة الإفتاء وإلقاء حديث رسول الله مت له فى المسجد لغلام حدث فى السابعة عشرة من عمره ؛ إلا إذا كان ذلك الغلام فى حال خارقة . تشبه المعجزات ، ولعل ذلك ما يرمى إليه ناشر و ذلك الكلام ومروجوه، ونحن لا نأخذ به ، فليس وجود مالك وعقله خارقا من خواق العادات ، وإنما هو بشر من البشر، ولدته الأمهات، وكما ولدت غيره، وإن كان نابغة من العلماء، وثقة ضابطاً من الثقات الأبرار الضابطين، وهو إمام دار الهجرة غير منازع فى عصره . - ٤٩ - (٤) والروايات الصحاح تذكر أنه كان فى صحبة ربيعة عند أول لقاء بابن شهاب، وأن ربيعة دفعه إلى ذكر الأحاديث التى استمعوها من ابن شهاب عندما لامهم لعدم كتابتهم ما سمعوا، وهو بلا ريب كان فى ذلك الوقت لم يجلس للافتاء ؛ لأنه ما تلقى مقداراً من الأحاديث يمكن أن يلقيها وتجعله فقيهاً قد اشتهر بالأثر قبل أن يجلس إلى ابن شهاب ، فإن أحاديث مالك رضى الله عنه جزء غیر یسیر منها قدكان فى سنده ابن شهاب رضى الله عنه ، ولأن الأخبار تتضافر علی کثرة تردده على ابن شهاب، حتى فى وقت العيد ، وما ذلك شأن من جلس للافتاء ، وإلقاء الحديث . وإذا كان قد صاحب ربيعة عند أول لقاء ، واعتبره ربيعة حجة دونه، فالمعقول ألا يكون فى ذلك الوقت فى سن الأحداث الغلمان ، وإلا يكن تقديمه تصغيراً لشأنهم وتهويناً لأمرهم، أو تصغيراً لشأن ابن شهاب وتهويناً لأمره، وليس هذا ولا ذاك بمستساغ، وإنما الفرض المستساغ أن يكون مالك فى ذلك الوقت شاباً يصاحب الرجال، لا أن يكون غلاماً صغيراً يصاحب الغلمان والأحداث . ٢٩ - ولقد زكوا بهذا الخبر الذى زعموه صادقا وهو كون مالك جلس الافتاء فى السابعة عشرة خبراً آخر: فقد جاء فى المدارك: ( قال أيوب السختيانى قدمت المدينة فى حياة نافع، ولمالك حلقة . قال مصعب كان لما لك حلقة فى حياة نافع أكثر من حلقة نافع، وفى رواية ربيعة؛ قال شعبة قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة ولمالك يؤمنذ حلقة وكان موت نافع سنة سبع عشرة ( أى بعد المائة ). 1 وقد علق القاضى عياض على ذلك بقوله: ((هذا كله صحيح ، وقد تقدم أن مالكا جلس للناس ابن سبع عشرة سنة ومولده سنة ٩٣ على خلاف فيما قبلها فيأتى موت نافع وسنه نيف وعشرون سنة))(١). (١) المدارك ص ١٢٧ - ٤٧ ٠ ومن هذا ترى أن صاحب المدارك بنى قبول هذه الأخبار على صحة قبول الخبر السابق، وفيه ما فيه، وإن الرواية التى تقول أنه جلس فى حياة نافع، وأن حلقته كانت أكبر من حلقته قد كان فيها شك فى أنه نافع أو ربيعة، وبذلك يسقط الاحتجاج بها، وأن الفرق بين تاريخ وفاة الرجلين كبير ، فنافع توفى فى سنة ١١٧ وربيعة توفى سنة ١٣٦. ومهما يكن من صلة مزعومة بين هذه الأخبار والخبر الأول ، فإن دعوى أنه أفتى بعد وفاة نافع بسنة أقرب إلى القبول من دعوى أنه أقتى فى السابعة عشرة من عمره، لأنه يكون قد أفتى فى سن الخامسة والعشرين ، ولكن لاسند يؤيد ذلك الخبر . ٣٠ - انتهينا من تتبع هذه الأخبار إلى ادعاء أنه جلس للتحديث والإفتاء فى سن السابعة عشرة دعوى غير معقولة فى ذاتها ، ولا تتفق مع المعروف المشهور فى ذلك الزمان، وتتجافى عنها الروايات الصحاح المقبولة المتفقة مع المعروف المألوف . وإنا وإن لم نعرف على وجه التحقيق فى أى سن جلس للتعليم بعد أن تعلم فالذى نستطيع أن نقوله إنه جلس فى سن النضج، وعندما بلغ أشده لا فى معية الصبا وحدائنه، والأخبار تستفيض بأنه جلس للفتوى، وربيعة حى، وليس فى ذلك ما يناهض المعقول ، بل العقل يقبله ؛ ذلك لأن ربيعة توفى سنة ١٢٦ ومالك ولد على أرجح الروايات سنة ٩٣ فتكون وفاةربيعة ومالك فى الثالثة والأربعين ، ومن المعقول أن يكون قد جلس للافتاء قبل ذلك ، بل لا بد أن يكون قد تصدى للفتوى والدرس قبل بلوغه هذه السن. وإن ذلك يزكيه الثابت المحقق، فإن مالكا لم يستمر فى درس ربيعة إلى أن مات، بل تركه مختلفاً معه فى الرأى كارهاً لبعض فتاويه، وإن لم ينقص تقديره لفضله، ولذا جاء فى رسالة الليث إلى مالك ما نصه: ((وكان خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت وسمت قولك فيه ، وقول - ١٨ - ذى الرأى من أهل المدينة: يحيى بن سعيد ، وعبيد الله بن عمر، و کثیر بن فرقد، وغير كثير، من هو أسن منه، حتى اضطرك إلى ماكرهت من ذلك إلى فراق مجلسه وذاكرتك أنت وعبد العريز بن عبد الله بعض ما نعيت به على ربيعة من ذلك ، فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منهما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير ، وعقل أصيل ، ولسان بليغ ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة فى الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة رحمه الله وغفر له وجزاء بأحسن عمله، (١). ومن هذه الجمل يتبين أن مالكا فارق مجلس ربيعة مختلفاً معه فى بعض ما يراه مخالفاً بعض التابعين ، ولا غرابة فى أن يكون له مجلس علم فى حياة ربيعة ما دام كلاهما صار صاحب رأى يخالف به رأى الآخر ، وقد صار مالك فى سن يصلح فيها للافتاء والتعليم فى حياة ربيعة . ولا يمنع الخلاف بينهما فى الرأى من أن يستشيره عندما يجلس الافتاء فإن المودة بينهما لم تنقطع بسبب ذلك الاختلاف، فقد رأيت أن الليث كره من ربيعة ماكره مالك، ومع ذلك أثنى عليه ذلك الثناء الحسن ، ودعا له بالرحمة والغفران وذكر مودته لإخوانه عامة وله خاصة . وخلاصة القول أن مالكا جلس للافتاء فى مسجد رسول الله صل بعد أن اكتمل عقله ونضج فكره ، وفى حياة بعض شيوخه الذين عاشوا إلى أن نضج واكتعل، وإن لم تقم لنا البينات على السن التى جلس فيها بالتعيين الذى لا شك فيه . ٣١ - جلس مالك للتعليم بعد أن نضج، واستوت رجولته فى مسجد رسول اللّه مَ له يفنى، ويروى طلاب الحديث عنه حديث رسول الله سالم وكان مجلسه فى المسجد النبوى الشريف، هو المكان الذى كان يجلس فيه (١) رسالة الليث بن سعد كما فى أعلام الموقعين ، وسنذ كرها ورسالة مالك فى موضعها من بحثنا إن شاء الله تعالى. - ٤٩ - عمر بن الخطاب(١) الشورى، والحكم والقضاء، وكان مالكا رضى الله عنه باختياره ذلك المجلس يتأثر عمر رضى الله عنه فى جلوسه ، كما تأثره فى فتاويه وأقضيته التى رواها ابن المسيب وغيره من التابعين ، وكأن تلك الحال الحسية، توحى إليه دائماً بالأمر المعنوى ، ولذلك المجلس أثر آخر ، فهو مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كان يجلس فيه فى المسجد . وكذلك فعل فى مسكنه، فقد كان يسكن فى دار عبد الله بن مسعود، فقد جاء فى المدارك : « كانت دار مالك بن أنس التى كان ينزل بها بالمدينة دار عبد الله بن مسعود)) (٣) ليقتفى بذلك أثر عبد الله بن مسعود كما كان يجلس فى المسجد مجلس عمر رضى الله عنه . ٣٢ - عاش مالك رضى الله عنه تحف به آثار التابعين والصحابة ، ويتلقى عن التابعين فتاوى الصحابة ، ويخص منهم ذوى الرأى بالعناية ، فيتقبع أخبار عمر وابن مسعود وغيرهما من فقهاء الصحابة ، ويتعرف أقضيتهم وأحكامهم، ويحرص فى دراسته على أن يكون متبعاً، لامبتدعاً، وكان يرى فى أعمال أهل المدينة ومكاييلهم وموازينهم وأحباسهم وأخبارهم ما ينير السبيل أمام الفقيه المقتفى الآثار الذى يستنبط على ضوئها، ويسير علی هديها ، ويقتبس من نورها . ولقد امتد به الأجل ، وبارك الله له فى العمر ، فقارب التسعين عند وفاته سنة ١٧٩ على أرجح الروايات ، وكثر تلاميذه، وانتشر فقهه ، وفاضت الأخبار بذكره وتحدث الناس بعلمه ، ولذلك فضل بيان نخصه، ونحن الآن نذكر مجرى حياته ، وما عرض لها فقط . ولم يلازم مالك المسجد فى درسه طول حياته ، فقد انتقل درسه إلى بيته عندما مرض بسلس البول، كما يذكر بعض الرواة عن مرضه، وقد أتفق (١) المدارك ص ٠١٠٨ (٢) المصدر نفسه . ( ٢ ٤ - مالك) جـ في عجـ ٠ ٥٠- الجميع على أنه مرض ، وانتقل بسبب ذلك درسه من المسجد إلى بيته ، بل لقد انقطع عن الخروج إلى الناس، وإن لم ينقطع عن العلم والحديث والدرس والإفتاء، وقد استمر على ذلك إلى أن قبضه الله إليه. وقد جاء فى الديباج المذهب لابن فرحون ما نصه: ((قال الواقدى كان مالك يأتى المسجد ، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ، ويقضى الحقوق ، ويجلس فى المسجد ، فيجتمع إليه أصحابه ، ثم ترك الجلوس فى المسجد، فكان يصلى وينصرف إلى مجلسه ، وترك حضور الجنائز، فكان يأتى أصحابها فيعزيهم ، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات فى المسجد، ولا الجمعة ، ولا يأتى أحداً يعزيه ، واحتمل الناس حتى مات عليه: وكان ربما قيل له ذلك، فيقول: (( ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره »(١) . وكثرة الرواة على أنه مات سنة ١٧٩ ، وقد قال فيه القاضى عياض إنه الصحيح الذى عليه الجمهور، واختلفوا فى أى وقت منها، والأكثرون على أنه مات فى الليلة الرابعة عشرة من ربيع الثانى منها رضى الله عنه . ٣٣ - معيشته وعلاقته بالحكام : وقبل أن نترك الكلام فى حياته لابد من الكلام فى معيشته ودرسه ، وعلاقته بالحكام ، ومعاملتهم له ومحنته منهم، وهنا نتكلم فى الأمر الأول . ونبدأ فيه بالكلام فى مورد رزق مالك رضى الله عنه: لم تذكر كتب المناقب والأخبار موارد رزق مالك رضى الله عنه (موضحة مبينة، ولکن جاءت أخبار منثورة فى الكتب تكشف عن موارد رزقه، وإن لم یکن کشفها كاملا . لقد ذكر العلماء أن أباه كان يصنع النبال ، فهل كان ابنه على هذه الصناعة كما هو الشأن فى أكثر الأسر ينشأ الناشىء على صناعة أبيه وحرفته؟ (١) الديباج المذهب فى معرفة أعيان المذهب ص ٠٢٢ - الر 1 8 . 2. . ٠ و ـوا ـى 1 4. لم تذكر الكتب أنه تولى هذه الصناعة وسياق الأخبار يتجه إلى غيرها، فإن الأخبار تتضافر على أنه اتجه إلى العلم صغيراً، ولم يكن ذلك جديداً فى أسرته بل كان جده وأعمامه من الرواة العلماء ذوى الشأن فى علم الحديث والأثر، فإذا كان قد اتجه إلى العلم وهو صغير حدث، فلابد أنه لم يتجه إلى هذه الصناعة؛ لأنها تعوقه عن الملازمة التى أخذ بها نفسه، وإن كان ثمة احتمال الجمع بين العلم ، وهذه الصناعة، فليس ثمة خبر يزكى ذلك الاحتمال . ولقد وجدنا كتب المناقب تذكر أن أخاه النضر قد كان يتجر فى البز، وكان مالك يبيع معه (١)، ويتجر فيه، ولا مانع من الجمع بين التجارة وطلب العلم، فإن الوكلاء قد يغنون فى هذا، والنضر نفسه كان من المشتغلين بالعلم وطلب الحديث ، حتى لقد كان مالك ينادى بأخى النضر ، ثم اشتهر حتى صار النضر ينادى بأخى مالك كما ذكرنا من قبل. ونحن نرجح أن مالكا كان مرتزقة التجارة ، ولقد صرحت بذلك كتب الأخبار، فلقد قال ابن القاسم تلميذه ((أنه كان لمالك أربعمائة دينار بتجر بها، فنها كان قوام عيشه » (٢) . ٣٤ - من هذا علمنا مورد الرزق لمائك ، وهو كان مع هذا المورد يقبل هدايا الخلفاء ، ولا يعتريه شك فى حل أخذها، كما كان يشك أبو حنيفة معاصره، إذ أن هذا كان لا يقبل هدايا خلفاء بني العباس، ومن قبل لم يقبل هدايا الأمويين ، وكان يختبر ولاؤه لأبى جعفر المنصور بإرسال الهدايا له ، فإن قبلها كان ذلك دليلا على ولائه، وإن لم يقبلها كان ذلك دليلا على أنه يخفى فى نفسه ما لا يبديه . ماس لم يكن مالك من المتزهدين فى أموال الخلفاء، وإن كان يتعفف عن الأخذ من دونهم ، فقد سئل عن الأخذ من السلاطين فقال: أما الخلفاء فلا شك ، يعنى أنه لا بأس به، وأما من دونهم فإن فيه شيئاً .. (١) المدارك ص ٠١٠٩ (٢) الديباج المذهب ص ١٩. - ٥٢ - ولعله كان يرى أن من دون الخلفاء كانوا يختلسون أحياناً بما يجمعون، فكان فى نفس مالك منه ما منعه عن قبول عطائهم ، أو هداياهم . ولقد كان بعض الناس يستكثر قبوله الهدايا، أو يستكثر بعض هذه الهدايا، حتى إنه ليروى أن الرشيد أجاره بثلاثة آلاف دينار، فقيل له يا أبا عبد الله ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين ! ! فقال: لو كان إمام عدل، فأنصف أهل المروءة لم أر به بأساً)). فهو كان يقبلها ؛ لأنها من إنصاف أهل المروءة ، وحفظ مرومتهم من أن يتدلوا إلى ما لا يليق بأمثالهم، ويظهر أنه كان يقبلها على مضض ، ليحفظ مروءته ، ويدفع حاجته، وما كانت توجيه عليه مكانته الاجتماعية من إيواء الفقراء الطلاب وسد حاجة المحتاجين ، فهو يقبل هدايا الخلفاء بهذه النية ، ويظهر أنه مع ذلك الغرض الحسن كان يرى فيها شيئاً ، ولذلك كان ينهى غيره عن قبول هدايا السلطان، خشية ألا يكون له مثل نيته ، ولقد مثل كثيراً عن هدايا السلطان، فكان يقول لسائله، لا تأخذها، فيقول له أنت تقبلها، فيقول أتريد أن تبوء بأنمى وإنمك، وأحياناً يقول: ((أحببت أن تیکتنی بذنوبی» (١). ٣٥ - وإنه كان فى أول أمره فى عسرة شديدة، حتى إنه كانت تبكى أبنته من الجوع أحياناً. يروى فى هذا « أنه وعظ أبا جعفر المنصور فى اقتفاء الرعية، فقال له: أليس إذا بكت ابنتك من الجموع تأمر بحجر الرحى فيحرك؛ لئلا يسمع الجيران؟ فقال مالك، والله ما علم بهذا أحد إلا الله. فقال له: فعلمت هذا، ولا أعلم أحوال رعيتى !! )، (٢). ويظهر أن هذه العسرة كان سببها انقطاعه لطلب العلم: وإهماله مورد رزقه فى سبيل ذلك الطلب، فقد قال ابن القاسم أفضى بمالك طلب العلم إلى (١) المدارك ص ٢٧٤ (٢) المدارك ص ١١٠ ٠- ٥٣ - نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد (١)، وقد نوحنا إلى شىء من هذا . وفى الجملة لاقى مالك رحمه الله ضيق الرزق وتقتيره، وبسطة العيش ، وتيسيره ، وهو فى الحالين يحمد الله على ما أسبغه من نعم، ورويت بذلك أخبار عسره وأخبار يسره، ولذلك قال القاضى عياض بعد أن ذكر اختلاف الأخبار عنه فى العسر واليسر: «هذه الحكايات المختلفة التى أوردنا منها، ونورد فى اختلاف أحواله فى دنياه، إنما كانت لاختلاف، الأوقات وتنقل الأحوال ، إذا حال المره فى بدايته بخلاف حاله فى نهايته ، فقد عاش رحمه الله نحو تسعين سنة كان فيها إماماً يروى ويفتى، ويسمع قوله نحو سبعين سنة تنتقل حاله كل حين زيادة فى الجلالة ويتقدم فى كل يوم علوه فى الفصل والزعامة، حتى مات، وقد انفرد منذ سنين وحاز رياسة الدنيا والدین دون منازع، فلا تعارض فيما یرویعليك من الأخبار فى اختلاف حاله، والله الموفق)) (٢). ولعله بعد أن علا قدره، وبسطاقه له أسباب الرزق، وكثرت جوائز الخلفاء انقطع عن الاتجار ، والعمل على كسب القوت ، فقد منحه الله من فضله ، ماسهل له الانصراف إلى العلم، والاستغناء عن الاكتساب. ٣٦ - وكان مالك بعد أن أتم الله عليه نعمته، ومنعه الفقر، وأعطاه اليسر فأسبغ عليه رافغ العيش يعيش عيشة فاكهة فى الراحة ، وقد بدأت عليه آثار النعمة فى كل مظهر من مظاهر حياته، فى مأكله وملبسه ومسكنه، وكان يقول ((ما أحب لامرى. أنعم الله عليه ألا يرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم، وكان يقول: ((أحب للقارىء أن يكون أبيض الثياب)) (٣). وقد بدت لهذه النعمة فی ما کله، وملبسه ومسكنه ، کما بينا . (١) الديباج المذهب ص ٢٠ (٢) المدارك ص ١١١ (٣) المدارك ص ١٠٦ - ٥٤ - أما ما کله فقد كان موضععنایته منه ، لا یأ کل جاف العیش، ولا يكتفى بأدنى معيشة منه بل يطلب جيده من غير مجاوزة للحد ، ولاعدوان ، وكان ینال من اللحم قدراً کبیراً ، وإن لم يجاوز حده، فمع رخص اللحم فى بلاد الحجاز كان حريصاً على أن يأكل كل يوم بدر همين لحما، ويسير على ذلك بانتظام ، ومن غير تخلف، وقد قال بعض تلاميذه «لو لم يجد مالك فى كل يوم درهمين يأتدم بهما حماً إلا أن يبيع فى ذلك بعض متاعه لفعل ، وكانت وظيفته فی +ه » . وكان له ذوق فى الطعام بحسن تخير أنواعه، وكان يعجبه المرز، ويقول فيه: (لاشىء أشبه بتمر الجنة منه، لا تطلبه فیشتاء ولا صيف، إلا وجدته، قال الله تعالى: أكلها دائم، وظلها،. وكان يعنى بمليسه، وكان يختار البياض؛ ويظهر أن مافيه من صفاء يجعل النفس فى صفاء وصحو ذهن ، وكان يلبس الثياب الجديدة . وقد جاء فى المدارك « وكان مالك يلبس الثياب العدنية، والخراسانية، والمصرية الغالية الثمن ، وكان يعنى بنظافة ثيابه، كما يعنى باختيارها ، وتخير أجودها وأحسنها وأليقها مهما يكن ثمنها، وقد قال ابن أخيه: «مارأيت فى ثياب مالك حبراً قط )). وأما مسكنه فقد عنى بأثاثه ورثيه. يقصد إلى أسباب الراحة ، فيه نمارق مصفوفة ومطروحة يمنة ويسرة فى نواحى البيت؟ يجلس عليها من يأتيه من قريش والأنصار ووجوه للناس . وکان مع عنایته بملبسه ومسکنه وما كله، یعنی بکلمظاهر حاله ، وبكل ماتطمئن به النفس وتقربه العين ويهدأ به البال ، كان يحب الطيب ، ولقد قال تلميذه أشهب : ((كان مالك يستعمل الطيب الجيد، المسك وغيره)). ولهذا العيش الرافع الذى بدت فيه النعمة : وظهرت فيه وسائل الراحة بمختلف أنواعها ينفق كل ما يصل إلى يده من وظيفة مقررة له ، أو من - ٥٥ - مورد رزقه أیامکان یکتسب، أو من جوائز السلطان ، حتى إنه كان يسكن بکراء ، ولیس له دار یملکها ، ولعله کانت له فى أولی حیاته دار ورثها ثم باعها، وهى التى ذكرنا أنه باع خشب سقفها الإنفاق على نفسه وهو يطلب العلم . ٣٧ - لاشك أن هذه عيشة فى الدنيا راضية ، ولكن قد يقول قائل: إنها لا تتفق مع ما عرف عن رجال الدين من الانصراف عن نعيم الحياة ، وزخرف الدنيا ، وعدم العناية بيهجتها ، وإن ذلك قد ينزع بذلك الرجل المتدين عما ينبغى لمثله من عزوف عن زينة الحياة. وتلك المظاهر المادية ، وإن هذه حياة أقرب ما تكون إلى حياة الأمراء، لاحياة العلماء، وحياة السلاطين لا حياة رجال الدين، الذين جعلوا كل غايتهم المعنى لا المادة ، والروح لا الجسم. هذا كلام يبدو بادى الرأى صحيحاً ، ولكن النظرة الفاحصة لحياة مالك رضى الله عنه وما اكتنفه من أمور ، وما أحاط به من شئون يجعلنا نسقبين أنه ما قصد بهذه المعيشة زخرفها وزينتها وبهجتها ، بل قصد بها على الروح، وسمو النفس، والبعد عن سفساف الأمور، والاتجاه إلى معاليها . ذلك لأن الجسم الذى لا يستوفى كل عناصر التغذية، ويستمد كل أسباب الحياة والنمو من غير إفراط ولاتفريط ، ولا تكون الأعصاب فيه سليمة ، ولا كل عناصر التفكير قويمة ، بل يكون مضطرب النفس ، مضطرب الفكر وكثيراً ما يكون سوء التفكير من سوء التغذية، ونقص الإدراك من نقص الطعام ، وإذا كانت المعدة إذا اكتظت أضرت، فكذلك إذا خلت أخلت ببنيان الجسم والعقل معاً . فما كان مالك يعنى بمأكله الشهوة الطعام فقط ، وإن كان ذلك غير إثم ، بل كان يعنى بطعامه، لتكون له سلامة التفكير ، والجلد على طلب العلم ، - ٥٢ - وقوة الاحتمال، والظهور أمام الناس غير ضعيف، ولامتخاذل، ولامتماوت، كما يصنع الزهاد الذين لم يفهموا لب الإسلام . لقد كان أزهد الزهاد محمد منّ الله، يتخير أطيب الطعام من غير حرص على طلبه، ولا شهوة فى ابتغائه . وعناية مالك بملبسه ومسكنه كانت أيضاً لأجل الروح ، لا لأجل المادة ولذلك كان بحض أهل العلم على العناية بملابسهم. ذلك لأن العناية بالملابس توجد فى النفس صفاء وقراراً واطمئناناً . وهذه أمور من شأنها أن تجعل التفكير يسير فى طريق ليس فيه عوج ولا أمت ولا اضطراب . والعناية بالملبس والمسكن من شأنهما تنمية العزة فى النفس، وإبعاد : الذلة والاستحذاء أمام الناس، فالملبس الحسن والمسكن الحسن والأساس. الحسن تجعل النفس لا تشعر بهوان، ولاصغار . ولقد كان مالك يلاحظ ذلك كل الملاحظة عن بينة وبصر بالأمور، فلقد روى عنه أنه قال المهدى: حدثى ربيعة أن نسب المرء داره)). فالدار ذات المظهر الحسن، والأثاث والرقى تكسب الإنسان شرف نفس كما يكسبه النسب الشريف (١). ٣٨ - درسه: كان درس مالك أول الأمر فى المسجد، ثم صار درسه : فى بيته ، والسبب فى الانتقال من المسجد إلى البيت هو مرضه الذى لم يكن يعلنه، لأنه لا يقدر أن يتكلم بعذره (٢). فقد ذكرنا أنه فى بدء حاله كان (١) لقد كان مالك يعنى بالتجمل فى مظهره، فلم يبدأ أمام أحد فى لبه المتفضل قط ، فقد جاء فى المدارك: ((كان مالك إذا أصبح لبس ثيابه وتعمم، ولا يراه أحد من أهله ولا أصدقائه إلامتعما ، لا بساًثيابه، ومارآه أحد قط أكل و شرب حيث يراه الناس، المدارك ص ٠١١٢ (٢) لم يخبر أن مرضه سلس البول إلا يوم وفاته ، وقال: « لولا أنى فى آخر يوم ما أخبرتكم، مرضى سلس بول ، كرهت أن آتى مسجد رسول الله بغيروضوء، وكرهت أن أذ کر علی فأشكر ربى)). - ٥٧ - يجلس فى المسجد، وبحضر الجمعة والصلوات ، ويشهد الجنائز ويعود المرضى، ويقضى الحوائج، ثم اقتصر على حضور الجمعة ، والتعزية ، ثم انقطع إلى بيته أنقطاعاً تاماً، والظاهر أن تغير حالة كان تابعاً لتغير حال المرض وحال الجسم، والسن ، فلما كانت وطأة المرض خفيفة، ولم تثقله السنون كان يحضر الجمعة ويعزى الناس ، فلما اشتد المرض وثقلت السنون لزم بيته ودرسه ، وكان الناس يحضرون إليه من كل فج عميق فهو قد انقطع فى بيته ، ولم ينقطع عن الناس . ٣٩ - وقد التزم مالك فى درسه الوقار والسكينة، والابتعاد عن لغو القول وما لا يحسن بمثله ، وكان يرى ذلك لازماً لطالب العلم ، يروى أنه نصح بعض أولاد أخيه ، فقال له « تعلم لذلك العلم الذى علمته السكينة والحلم والوقار))، وكان يقول: «حق على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، أن يكون متبعاً لآثار من مضى، وينبغى لأهل العلم أن يخلوا أنفسهم من المزاح، وبخاصة إذا ذكروا العلم، وكان يقول , من آداب العالم ألا يضحك إلا تبسماء. وقد أخذ نفسه بذلك الأدب أخذاً شديداً ، حتى إنه مكث يلقى دروساً، ويروى أحاديث أكثر من خمسين سنة فما عدت له إلا ضحكة أو ضحكتان ، أو نحو ذلك ، فكان له بهذا السمت والوقار والسكينة والخشبة طوال تلك السنين ، ولم يأخذ عليه أحد لغواً فى قول، أو مزحة ، أو تندراً بنادرة، بل كان فى درسه ، الجدكله، والهدوء، والسكون. وما كان ذلك فيه جفوة فى نفسه ، أو ختونة فى طبعه ، بل كان يأخذ نفسه بذلك احتراماً المدرس والحديث. قال بعض تلاميذه ((كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد منا، يتبسط معنا فى الحديث، وهو أشد تواضعاً - ٥٨ -. منا له، فإذا أخذ فى الحديث (أى حديث رسول الله مية) تهيبنا كلامه، كأنه ما عرفنا، ولاعرفناه)). ٤٠ - ولأجل ذلك السمت الحسن ، ولخشية الله وإخلاصه فى طلب العلم وتعليمه، وتقواه وورعه ، ولبعده عن اللغو والتأثيم ، ولما خصه الله به من قوة الروح وعزة النفس كان ذا هيبة شديدة ، إذا تكلم لايراجع ، وإذا أفتى لا يسأل من أين هذا . قال الواقدى فى مجلس درسه ((كان مجلسه مجلس وقار وعلم، وكان رجلا مهيبا نبيلا ، ليس فى مجلسه شىء من المراء واللغط ، ولا رفع صوت وإذا سئل عن شىء، فأجاب سائله، لم يقل له من أين هذا)). وقد لازمته هذه الهيبة طول المدة التى ألقى فيها دروسه : قال بعض معاصريه : ((دخلت المدينة سنة أربع وأربعين ومائة، ومالك أسود الرأس واللحية ، والناس حوله سكوت لا يتكلم أحد هيبة له (١). ٤١ - وكان مع أنه النبيل ذو السمت الحسن فى عامة أحواله فى درسه، سواء أكان للافتاء فى المسائل ، أم للتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يعطى نفسه عند التحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم سمتا أحسن ومظهراً أروع، فكان إذا حدث توضأ وتهياً ، ولبس أحسن ثيابه، ولم يكن يجلس على المنصة إلا إذا حدث حديث رسول الله تستطيع. ويحكى تلميذه مطرف حاله عندما انتقل درسه إلى بيته ؛ فيقول : (( كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية ، فتقول لهم : يقول لكم الشيخ أتريدون الحديث أم المسائل، فإن قالوا المسائل خرج إليهم ، فأفتاه . وإن قالوا الحديث قال لهم اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل ، وتطيب ولبس ثيابا جدداً ، ولبس ساجة وتعمم، وتلقى له المنصة ؛ فيخرج إليهم (١) المدارك ص ٠١٨٧ - ٥٩ - قد لبس ، وتطيب ، وعليه الخشوع ويوضع عود ، فلا يزال يبخر ، حتى يفرغ من حديث رسول الله عَ ليه (١). ٤٢ - هذه صفة درس مالك ، وهذه حاله عند الدرس ، ولقد بارك الله له فى العمر. وزاده بسطة من العقل وأنار بسيرته، فكانت تنفذ فى كل شىء، وكلما تقدم به العمر ازداد فهما وإدراكاً، وجلالا وإقبالا، وتسامعت وبذكره البلاد الإسلامية من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب ، وقصده العلماء والطلاب لسماع الحديث ، وللاستفتاء فى المسائل التى كانت تقع ، فيعرفهم حكمها ، ويبين أصله من الشرع الإسلامى، وازدحمت على بابه الوفود، وخصوصاً فى موسم الحج، ولهذا الازدحام كان له حاجب كالملوك، وكان له من تلاميذه ومريديه حرأس يشبهون الشرطة ، بل لقد ذكرت كتب المناقب أنه كان له حبس ، يحبس فيه من يشذ، أو يتنكت الجادة المستقيمة . وكان إذا سمع أحداً يحدث بحديث على غير وجهه حبسه، فإذا سئل فيه قال يصحح ما قال ثم يخرج)،(٢). ٤٣ - ولما كان درسه بالمسجد كان يستمع إليه من شاء، وليس لأحد أن يخرجه، إلا إذا خالف أدب الاستماع، وأخل بما يحب فى درس مالك، أما فى بيته ، فكان يختص بدرسه أولا أصحابه، ثم يأذن بعد ذلك للعامة يجيئون، ويحدثهم، لعل الذى كان يدفعه إلى ذلك هو أنه يريد أن يخاطب كل طائفة بما تطيق من العلم ، فأصحابه الملازمون له يدركون من مسائل الفقه ، ويحفظون من الأحاديث طائفة يستطيع أن يعلو بهم فيعطيهم من العلم قدرهم ، أما العامة فإنما يدركون الحظ الأقل من العلم ، فيحدثهم بما يفيد فى شئون دينهم ، ولا يزيد عن طاقتهم، فإن العلم الذى لا يفقه السامع (١) المدراك ١٧١، والديباج المذهب ص٢٣ و الساجة لباس للرأس كلباس الملوك. (٢) المدارك ص ١٩١، والديباج المذهب ، وتزبين المالك السيوطى. : - ٦٠ - يقتنه عن دينه، إذ يدركه على غير وجهه فيضل ، أو يبنى عليه ما ليس ذا صلة به ، فیفسد . وقد كان فى موسم الحج مقصد الناس من كل فج عميق، كما نوهنا، ولذلك كان يأمر حاجبه فى هذا الموسم بأن يأذن أولا لأهل المدينة ، فإذا انتهى من التحديث إليه أذن للناس كافة، وربما أذن لبعض الأقاليم ، ثم لغيرهم ، إذا كان الازدحام ببابه شديداً . . وقد جاء فى المدارك. قال الحسن بن الربيع: كنت على باب مالك ، فنادى مناديه: ليدخل أهل الحجاز ، فما دخل إلا هم ، ثم نادى فى أهل الشام ، ثم فى أهل العراق، فكنت آخر من دخل ، وفينا حماد بن أبى حنيفة. ٤٤ - ولا نريد أن نترك الآن الحديث فى درسه قبل أن نشير إلى أمرين، سيكون لها شأن عند الكلام. أحدهما - أن الإمام مالكا كان يعنى فى درسه بأن يجيب عما يقع ولا يفرض ما لم يقع ، وكان تلاميذه يجتهدون أحياناً فى أن يحملوه على الإجابه عن أمور لم تقع ، لأن الشغف العقلى، وتطبيق الأصول التى أخذوها قد يدفعهم إلى السير وراء الفرض والتقدير ، فلا يطاوعهم، ولا ينساق وراء فروضهم وتقديرهم، بل يقف عند حد الواقع الذى يجب على المفتى ! أن یتعرف حکمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا . سأله رجل عن مسألة فرضية فقال له: سل عما يكون، ودع مالا يكون، وسأله آخر مرة أخرى فلم يجبه ، فقال لم لا تجيبنى، فقال لو سألت عما ينتفع به لأجبتك . وقال ابن القاسم تلميذه: «كان مالك لا يكاد يجيب، وكان أصحابه يحتالون أن يجىء رجل بالمسألة التى يحبون أن يعلوها. كما أنها مسألة بلوی ، فیجیب فيها ، . وإن مالكا فى امتناعه عن مسايرة الفرض والتقدير، كان يلاحظ