النص المفهرس

صفحات 21-40

-
- ٢١ -
بذلك قد جمعت آراء مالك بالنص، وجمعت ما يصبح أن يكون استنباطاً من
فتاويه ، فهى بهذا الاعتبار صورة للذهب المالكى كما رواه وكما فهمه
أصحاب مالك الذين ساروا على منهاجه ، وكان لهم فى آرائه فضل اجتهاد.
وإذا كانت المدونة قد كتبت بهذه الطريقة وقد تلقاها بالقبول العداء
فى مذهب مالك ، فإن من حق الذين جاءوا من بعدهم أن يتعرفوا سبب ذلك
الاطمئنان، وإن ذلك يحتاج إلى دراسة متقصية ناقدة فاحصة كاشفة، ونرجو
أن يوفقنا الله جلت قدرته إلى هذه الدراسة .
٨ - هذا من ناحية الأمر الأول، ومن ناحية الأمر الثانى، وهو أصول
المذهب المالكى التى قيد مالك رضى الله عنه نفسه بها عند استنباطه ، نجد
أن مالكا لم ينص على أصوله نصاً صريحاً واضحاً متصل الإجراء، كما فعل
من بعده تلميذه الشافعى ، إذ دون أصول الاستنباط التى قيد نفسه بها،
ولكن مع ذلك يستطيع القارئ. المتقبع باستقراء الموطأ، أن يعرف أصول
مالك التى كان يجتهد فى دائرتها وعلى الطرائق التى تسنها له لا يعدوها ، وكذلك
دراسة المدونة دراسة فاحصة تكشف عن كثير ، وإنه فى الرسائل التى
كان يكاتب بها المجتهدين المعاصرين يعلن تلك الأصول، كما تدل على ذلك
رسالة الليث بن سعد إليه ، فإنها كانت مناقشة بين هذين الإمامين الجليلين
فى أصول الاستنباط، ولقد وفقنا الله للعثور على بعض رسالة مالك التى
كانت رسالة الليث جوابها .
ومهما يكن ما تكشف عنه هذه المصادر من أصول لمالك . فإنها تشير
ولا تعبر، وإن كانت الإشارة واضحة جلية ، وهى مجملة لا تنفصل، وإن
لم يكن فيها إبهام، ولذلك لا نستطيع عند تعرف هذه الأصول الاقتصار
عليها، بل لابد من الاستعانة بأقوال العلماء الذين حاولوا تعرف هذه
الأصول من بعده، ولكنا سنرجع إلى هذه المصادر لاختبار هذه الأقوال،
ومعرفة قربها من مذهب مالك وطريقته ؛ وإن ذلك من غير شك يحتاج

سط
- ٢٢ -
إلى مجهود نضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يمدنا بالعون فيه.
٩ - هذا هو الأمر الثانى، أما الأمر الثالث، وهو مقام مالك رضى الله
عنه من الرأى والاجتهاد بجوار مقامه من علم الحديث والأثر، واستمساكه
بآثار الصحابة رضى الله عنهم ،فقد وجدنا أن كتاب تاريخ الفقه فىعصر نا.
يعدون مالكا رضى الله عنه فقيه أثر لا فقيه رأى ، وسايرناهم فى بعض
كتاباتنا السابقة فى هذا المقام ، وقلنا إن طريقة فقهاء المدينة فى الاستنباط
تقابل طريقة فقهاء العراق . وإن أهل المدينة يعتمدون على الأثر فى أغلب
استنباطاتهم ، وإن العراقيين يغلب على فقههم الرأى ، ولكنا عند دراسة
مائك خاصة وجدناه فقيه رأى كما هو فقيه أثر ، وأن ما يقال عن فقه المدينة
فى كتابات بعض المعاصرين لا ينطبق تمام الانطباق على فقه مالك الذى
طبع به الفقه المدنى فى عصره، وإن كان الرأى الذى ارتضاه مالك ليس
هو الرأى الذى اختاره أبو حنيفة وأصحابه وسائر العراقيين من كل الوجوه.
فالفرق بينهما فرق فى طريقة الاستنباط بالرأى ، لا فى مقداره.
وتلك قضية قد لمجناها فى دراستنا السابقة، وخصناها فى هذه الدراسة،
فوجدنا أن ما أدركناه بلمح النظر، هو ما انتهينا إليه بعد ترديد البصر.
ويظهر أن ذلك كان فهم المتقدمين لمالك رضى الله عنه ، فهم قد قرروا
مع ذكرهم مقامه فى الحديث وخص الرواية أنه فقيه له رأى وأنه قد يدرس
الحديث ويحكم بضعف روايته عندما يزنه بالأصول الفقهية المستخلصة من
الكتاب والسنة، وما تطابق عليه عمل أهل المدينة من لدن وفاة رسول الله
مَالٍ إلى وقت مالك رضى الله عنه، فلقد وجدنا الشافعى رضى الله عنه
يخالفه فى كتابه « اختلاف مالك، فى كثير من الأمور أخذ بها مالك،
وخالف فيها عن بيئة بعض المرويات من الأحاديث ، ووجدناه فى كتابه
((إبطال الاستحسان، يشتد على المالكية وغيرهم فى اعتمادهم على الرأى
الذي لم يكن أساسه قياساً قد حمل فيه على النص ، ووجدناه فى كتابه

- ٢٣ -
((جماع العلم، يحمل على المالكية فى أخذهم بعمل أهل المدينة، وتركهم
بعض المروى، وهكذا ، وليس ذلك كله إلا على أساس أن مالكا رضى
الله عنه مع أنه الحدث الراوى الفاحص الناقد كان فقيها أكثر من الرأى».
وجعل له اعتباراً ومكاناً .
ولقد وجدنا ابن قتيبة فى كتابه المعارف ، يعد مالكا من أصحاب
الرأى(١) فيضعه مع ابن أبى ليلى وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن
تحت عنوان (( أصحاب الرأى)).
ولعله نظر إلى إكثار مالك من الرأى ، وإن كان العالم فى الحديث
الذى عد فى الرعيل الأول من رجاله ، وبذلك تنهار النظرية التى تقرر أن
سبب الإكثار من الرأى هو قلة العلم بالحديث ، فما كان علم مالك بالحديث
قليلا ، بل كان كثيراً ، ولكن الحوادث التى وقعت ، والمسائل التى سئل
فيها كانت أكثر بقدر كبير جداً ، فكان لابد من الرأى ، ولابد من
الإكثار منه، ما دام يفتى ويستفتى، ويجىء إليه الناس من الشرق والغرب
سائلين مستفتين .
ولم يكن متحاه فى الرأى منحى فقهاء العراق ، بل كان منحاه أن يتعرف
المصالح فى كل أمر لم يرد فيه كتاب ولا سنة ولا أثر ، فالمصلحة عنده
مقیاس ضابط لکل ما هو شرعی ، وما هو غير شرعی ، ما دام لم یکن نص
من كتاب أو سنة شاهدة بالتحريم ، أو أثر مرجح له ، وهو بهذا يفهم
الشرع الإسلامى فهماً يجعله قريباً من مصالح الناس ، أو يجعله واضحاً فى
هذه المصالح، وأنه لم يجىء فقط إلى الزهاد فى صوامعهم، أو طلاب المثل العليا
الخالية الذين يعيشون فى كمالهم النفسى وحده ، بل جاء إلى الناس كافة ، يحد
الناس فيه المثل العليا السامية، ويجدون فيه احتراما المصالح البريئة الواقعة.
(١) المعارف ص ٠٢١٨

- ٢٤ -
١٠ - وعلى ضوء هذه الحقيقة ندرس مالكا رضى الله عنه، وسنجد
فيه، الفقيه الذى اتسع فقهه، واستطاع أن يساير العصور المختلفة ،
والحضارات المتباينة، حتى إنا لنجد آراء فى المذهب المالكى تتفق مع أعظم
ما وصل إليه الغرب من آراء فى الفقه. ذلك بأن ذلك المذهب الجليل أشتق
فقه الرأى فيه من الحياة الإنسانية وقام على أساس جلب أكبر قدر من
المنافع، ودفع أكبر قدر من المضار(١).
هذه خطوط رسمناها، تكشف للقارىء عن منهجنا فى دراستنا لذلك
الإمام الجليل ، وإنا نضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يمدنا بالعون والتوفيق،
والله الهادى إلى سواء السبيل.
حياة مالك ( ٩٣ - ١٧٩)
١١ - مولده ونسبه : اختلف العلماء فى السنة التى ولد فيها مالك
رضى الله عنه فقيل إنه ولد سنة ٩٠، وقيل سنة ٩٣، وقيل سنة ٩٤، وقيل
سنة ٩٥، وقيل سنة ٩٦، وقيل سنة ٩٨(٢) ولكن الأكثرين على أنه ولد
سنة ٩٣، ولقد روى أن مالكا قال: ((ولدت سنة ثلاث وتسعين))(٣).
إنا نختار ذلك التاريخ لشهرته .
ولقد ذكر كتاب المناقب والسير أن أمه حملت به ثلاث سنين ، وقيل
إنها حملت سنتين. والمشهور عندهم أنها حملت به ثلاثاً، ويظهر أن أساس
(١) هو بذلك يتفق مع فلاسفة الأخلاق والقانون الذين يقررون أن
مقياس الفضيلة هو المنفعة . فالخير ما كان فيه نفع بأكبر قدر ولأكبر عدد
مكن . والشر عكسه ؛ وسنجلى ذلك بعض البيان فى دراستنا إن شاء الله تعالى.
(٢) راجع الانتقاء لابن عبد البر، وتزيين المالك السيوطى ، ووفيات
الأعيان لابن خلكان ، والديباج المذهب لابن فرحون ، وترتيب المدارك
(٣) تزبين المالیك ص ٧
القاضى عياض.

- ٢٥ -
هذا الخبر هو ما رواه الواقدى ، فقد قال : سمعت مالك بن أنس يقول :
قد يكون الحمل ثلاث سنين ، وقد حمل ببعض الناس ثلاث سنين ، يعنى
نفسه » .
٠
فكانت هذه مادة الذين يريدون أن يقرأوا حياة الإمام بالعجائب
والغرائب، لبيان أنه صنف من الناس ممتاز، اقترنت مميزاته بمولده ؛ إذأنه
ا۔
حمل به ثلاث سنين ، على حين يحمل بكل مولود تسعة أشهر، فليس كمن
يولدون كل يوم ، فكانت هذه منقبة اقترنت بميلاده، كما كانت حياته من
بعد كلها مناقب .
وإذا كان لمالك رأى فقهى ، وهو جواز بقاء الحمل فى بطن أمه ثلاثاً،
وإن ذلك الرأى أستمده من أخبار بعض الأمهات أو من أقوال نسبت إلى
. بعض نساء السلف الصالح، فلسنا نستطيع أن نأخذ به، لأن الطب يقرر أن
الحمل لا يمكن أن يمكث فى بطن أمه أكثر من سنة، والاستقراء مع
المراقبة الدقيقة يجعلنا نؤمن بأن الحمل لا يمكن أن يمكث فى بطن أمه أكثر من
تسعة أشهر .
وإذا کان مصدر تلك الرواية التی اشتهرت واستفاضت قول مالك هذا
فإن من الحق علينا أن نرفضها، وأن نقرر أن أمه حملت به كسائر الأمهات
وليس فى ذلك غض من مقامه، ولا نقص من إمامته، ولا نقض لأمرمقرر
ثابت فى التاريخ، لأن الذين يختلفون فى وقت ميلاده ذلك الاختلاف
الكبير لا يمكن أن يكون قبولهم لتلك الرواية الشاذة فى حكم العقل والطب
ومجرى العادة أساسه أمر مقرر ثابت .
١٢ - وقد ولد مالك بالمدينة، ورأى آثار الصحابة والتابعين كمارأى
وعاين قبر النبي صَّالله، والمشاهد العظام وفتح عينيه بنور الحياة ، فوجد
التقديس للمدينة وما بها، وكانت مهد العلم، ومبعث النور ، ومنهل العرفان،
١
ئ

- ٢٦ -
فالطبع فى نفسه تقديسها، ولا زمه ذلك التقديس إلى أن مات ، وكان له أثر
فى فكره وفقهه وحياته ، فكان لا يطأ أديمها بداية قط ، وكان لما عليه أهل
المدينة مكان من الاعتبار فى اجتهاده، بل كان عمل أهل المدينة أصلا من
أصول استنباطه على ما نبين ذلك فى موضعه من القبول إن شاء الله تعالى.
١٣ - ونسب مالك رضى الله عنه ينتهى إلى قبيلة يمنية وهى ذو أصبح،
وهو مالك بن أنس بن مالك أبى عامر الأصبحى اليمنى، وأمه اسمها العالية
بنت شريك الأزدية ، فأبوه وأمه عربيان يمنيان ، فلم يحر عليه رق قط
ولكن يثار هنا أمران بالنسبة لأبويه ، لا تتركهما حتى تجليهما ببعض القول
(أحدهما) أن هناك رواية تثبت أن أمه كانت مولاة وأن اسمها طليحة
وكانت مولاة لعبيد الله بن معمر، وقد ذكر هذه الرواية القاضى عياض فى
ترتيب المدارك ولم يدحضها ، وإن ذكرها بصيغة تدل على أن المشهور غيرها
وهو الرواية الأولى أى أنها يمنية أزدية، وهذا ما نرجحه ، فإنا لا ترك
"المشهور إلى غير المشهور، إلا إذا قامت بينات ترجحه، أو كانت ثمة دلائل
تشهد له .
( وثانيهما ) أن بعض كتاب السير ادعى أن مالكا وأسرته كانوا من
الموالى، وذكروا أن جده الأعلى أبا عامر كان من موالى بنى قيم، وهم البطن
الذى كان منه أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فهو على هذا الادعاء قرشى
بالولاء، وقد جاء ذكر عمه وكنيته أبو سهيل فى البخارى على أنه من
الموالى، فقد جاء فى كتاب الصوم: (( عن ن شهاب قال حدثنى بن أبى أنس
مولى التيميين أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة رضى الله عنه يقول : قال
رسول الله وبخلقية: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب
جهنم، وسلسلت الشياطين، وقد قال ابن حجر فى فتح البارى إن ابن
أبى أنس هو أبو سهيل نافع بن أبى أنس مالك بن أبى عامر(١).
(١) راجع فتح البارى والبخارى بها مشه + ٤ ص ٨٠

- ٢٧ -
فهذا يدل على أن ابن شهاب الزهرى شيخ مالك كان يعتبر مالكا من
.والى بنى قيم. إذ اعتبر عمه كذلك، ولقد أذكر مالك رضى الله عنه ذلك
وبين أن نسبه عربى خالص ليس فيه ولاء، ويظهر أن الذى روچ خبرهذا
الولاء محمد بن إسحق صاحب السيرة، ولذلك لم يقبل روايته، وطعن فى
صدقه ، لأن من مبادئه المقررة أن من كذب فى أحاديث الناس لا تقبل
روايته، وإن كان لا يكذب فى العلم، ومهما يكن ما فى هذا الادعاءمن بطلان،
فإن له أصلا ، وذلك أنه كان بين جد مالك وبين عبد الرحمن بن عثمان
أبن عبيد الله حلف لاولاء، والحلف قد يكون بين العرب الأحرار، والولاء
لا يكون إلا بين عربى ومولى، وخبر ذلك الحلف أن مالكا جد الإمام قال
له عبد الرحمن بن أخى طلحة بن عبيد الله التيمى هل لك إلى مادعانا إليه
غيرك فأبيناء، أن يكون دمنا دمك وهدفتنا هدنتك ، فأجابه إلى ذلك، فكان
بينها ذلك الحلف الذى يرمى فى مغزاه إلى التعاون على النصرة،دون سواها.
ولقد قال أبو سهيل عم مالك فى بيان نسبهم « نحن قوم من ذى أصبح
قدم جدنا المدينة فتزوج فى التيميين ، فكان معهم ونسبنا إليهم ، وهذا يدل
على أن الحلف كان مع أبى عامر لا مع ابنه مالك .
ومهما يكن فالكلام يستفاد منه أن الحلف الذى عقد كان نتيجة طبيعية
العلاقة التى ربطت الفريقين ، فهى علافة الصهر ، ربطت بينها، ثم أثمرت
ذلك التناصر الذين وثقوا عروته .
١٤ - وفى أى وقت نزل المدينة أبو عامر جدمالك الأعلى الذي أرتبط
برابطة المصاهرة ببنى تيم ، تم ارتبط من بعد ذلك بهم برابطة الحلف
والتناصر؟ ذكر بعض المؤرخين أنه نزل بالمدينة فى حياة التى تتم ، وأنه
نزل بها بعد غزوة بدر ، وأنه حضر مع النبى صلوات الله وسلامه عليه كل
الغزوات ما عدا بدراً، فقد قال القاضى بكر بن العلاء القشيرى: ((أن
أبا عامر جد أبى مالك رحمه الله من أصحاب رسول اللّه من الجي وشهد المغازى
١

٠٠.
- ٢٨ -
كلها خلا بدراً ، وإينه مالك جد مالك كنيته أبو أنس من كبار التابعين ،
ذكره غير واحد يروى عن عمر، وطلحة، وعائشة وأبى هريرة وحسان
ابن ثابت رضى الله عنهم، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان رضى الله عنه
ليلا إلى قبره، وكفنوه)،(١).
هذا ما ذكره كثيرون من كتاب مناقب مالك، وبعضهم يذكر ذلك من
غير أن يذكر سواه، وبعضهم يذكره، ويذكر الرواية الأخرى ، وهو
أن أبا عامر هذا إنما نزل المدينة بعد وفاة الرسول بتق فهو لهذا تابعى
مخضرم لأنه لم يلق الرسول فی حیاته ، بل التقی بأصحابه ودرسعلیهم، فهو
لهذا تابعى، ولأنه عاش فى حياة النبى ، وكان يمكن أن يلقاه ، اعتبر
مخضرماً غیر صحابى .
ولم يذكر ابن عبد البر فى الانتقاء أنه صحابى ولم يذكر أنه جاء المدينة
بل ذكر أن الذى جاء إليها هو مالك بن أبى عامر هذا، فقد قال: قدم مالك
بن أبى عامر المدينة من اليمن متظلما من بعض ولاة بنى تيم بن مرة ، فعاقده
وصار معهم)).
ويفهم من حوى هذه الرواية أن أسرة أبى عامر كانت باليمن، وأن أول
من قدم المدينة منها هو جد مالك لا أبو عامر ، فبين أيدينا إذن ثلاث
روايات إحداها أن أبا عامر حضر فى عصر النى صَّةٍ، وشهد المغازى كلها
ماعدا بدراً ، وثانيها أنه حضر المدينة ولكن بعد انتقال النى عَطّم إلى
الرفيق الأعلى ، وأنه صاهر بنى قيم كماروى عن أبى سهيل عم مالك ، وثالثها
أن أول من قدم هذه الأسرة هو مالك بن أبى عامر لا أبو عامر نفسه.
٧
ونحن نختار الرواية الثانية ، لأنها تتفق مع المروى عن أبى سهيل ، وهو
أعلم الناس بأسرته، فهو يذكر أن جده حضر إلى المدينة وصاهر بنى تيم، ولأن
كونه صحابياً وإن كان مشهوراً لدى المالكية لم يقبله المحققون من المحدثين،
(١) تزبين الماليك ، والديباج، ومقدمة شرح الموطأ الزرقانى .

-٢ -
وقد قال فى ذلك السيوطى فى كتابه تزيين المالك: ((قال الحافظ شمس الدين
الذهبى فى تجريده: ولم أر أحداً ذكره فى الصحابة ، ونقل الحافظ بن حجر
فى الإصابة كلام الذهبي، ولم يزد عليه، (١).
١٥ - نشأته: نشأ مالك فى بيت اشتغل بعلم الأثر ، وفى بيئة كلهنا
الأثر والحديث، أما بيته فقد كان مشتغلا بعلم الحديث، واستطلاع الآثار
وأخبار الصحابة وفتاويهم ، فجده مالك بن أبى عامر كان من كبار التابعين
وعلمائهم، روى - كما نوهنا - عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
وطلحة بن عبيد الله وعائشة أم المؤمنين، وقد روى عنه كما قيل بنوه أنس
أبو مالك الإمام ، وربيع، ونافع المكنى بأبى سهيل، ويظهر أن أكثرهم
عناية بالرواية أبو سهيل هذا ، ولذا عد من شيوخ ابن شهاب الزهرى، وإن
كان مقارباً له فى السن، بل لقد مات بعده ، فقد جاء فى فتح البارى :
« أبو سهيل نافع بن أبى أنس بن مالك بن أبى عمر، شيخ إسماعيل بن جعفر،
وهو من صغار شيوخ الزهرى ، بحيث أدركه تلامذة الزهرى، وهو أصغر
منهم كإسماعيل بن جعفر، وقد تأخر أبو سهيل فى الوفاة عن الزهرى ، (٢)
ويظهر أن أنساً أبا مالك لم يكن اشتغاله بالحديث كثيراً فلم يعرف أن
مالکاروی عنه ، ولو كان له شأن فیه لکان أول من یروی عنهم من العلماء،
ولقد ذكر فى بعض الكتب روى عن مالك عن أبيه عن جده عن عمر بن
الخطاب عن النی مټ ټ أنه قال: « ثلاث يفرح هن الجسد، فیر بو عليهن:
الطيب، والثوب اللين ، وشرب العسل ، ولكن المحققين من علماء الحديث
قالوا إن هذا الخبر لايصح عن مالك فهو ضعيف (٣). ولقد أورد الخطيب
(١) راجع تربين المالك ص؛ ومقدمة شرح الزرقانى للموطأ ج ١ ص ٣.
(٢) فتح البارى الجزء الرابع ص ٨٠ .
(٣) راجع تزيين المالك ص ٥

- ٣٠ -
البغدادى هذا الخبر وظاهر كلامه أنه لم يرو عنه غيره (١) .
وإذا كان لمينسب إلى مالك أنه روى عن أبيه غير الخبر الذى يشك فى.
نسبته إليه ، فالظاهر أن ما لكا لم يرو عنه شيئاً. وإذا كان لم يرو عنه ، فلأنه
لم يكن فى مقام من علم الحديث يسمح بأن يكون شيخاً لإبنه ، فلم يكن إذن
من المشتغلين بالعلم والحديث.
١
ومهما يكن حال أبيه من العلم ففى أعمامه وجده غناء ، ويكفى مقامهم
فى العلم لتكون الأسرة من الأسر المشهورة بالعلم، ولقد اتجه من قبل مالك
من إخوته أخوه النضر ، فقد كان ملازماً للعلماء يتلقى عليهم . ويأخذ عنهم
حتى أن مالكا لما لازمهم كان يعرف بأخى النضر، لشهرة أخيه دونه ،
فلما ذاع أمره بين شيوخه صار أشهر من أخيه، وصار يذكر النضر ، بأنه
أخر مالك رضى الله عنهما.
١٦ - هذه أسرة مالك، وهى توعز إلى الناشىء فيها بأن يتجه إلى
طلب الحديث والفتيان إن كان عنده استعداد لهما، فإن الناشئ. تتغذى
مواهبه ومنازعه من منزع بيته وما يتجه إليه فتترعرع تحت ظلها المواهب
وتتجه المنازع .
ولقد كانت البيئة العامة للبلد الذى عاش فيه، وأظلته سماؤه ، وأفلته
أرضه، توعز بالعرفان، وتنمى المواهب، فلقد كانت بيئته مدينة الرسول
عليه الصلاة والسلام، ومها جره الذى هاجر إليه، وموطن الشرع، ومبعث
النور ومعقد الحكم الإسلامى الأول، وقصة الإسلام فى عهد أبى بكر وعمر.
وعثمان، وقد كان عهد عمر هو العهد الأول الذى انفتقت فيه الفرائح
الإسلامية، تستنبط من هدى القرآن والرسول أحكاماً تصلح لتلاك المدنيات
والحضارات التى أظلها الإسلام بسلطانه، ومد عليها بجرانه ، وكانت كلمة الله.
می العلیا فی أمرها ، وفى توجيهها .
(١) راجع تزبين المالك ٥

- ٣٢ -
ولقد استمرت المدينة فى العصر الأموى موقل الشريعة، ومرجع العلماء؛
حتى الصحابة أنفسهم ، وإنه ليرى أن عبد الله بن مسعود كان يسأل عن
الأمر وهو بالعراق فيفتى به، فإذا جاء إلى المدينة ووجد ما يخالفه عاد إلى
العراق لايخط عن راحلته حتى يرجع إلى من أفتاه فيخبره، ولقد كان عبدالله
ابن عمر يستشار من عبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان ، المتنازعين
على الأمرة، فكتب إليهما: ((إن كنتما تريدان المشورة، فعليكما بدار
الهجرة ، السنة » .
ولقد نشأ مالك وللمدينة تلك المكانة لم تزايلها حتى لقد كان عمر بن
عبد العزيز رضى الله عنه يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب
إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى، ويعمل بما عندهم، وكتب إلى أبى بكر
ابن حزم أن مجمع له السنن، ویکتببها إليه ،فتوفی ( وقد کتب له ابن حزم
كتباً ) قبل أن يبعث بها إليه (١) ..
هذه هى المدينة فى وقت نشأة مالك ، كانت مهد السنن، وموطن الفتاوى
المأثورة، اجتمع بها الرعيل الأول من علماء الصحابة، ثم تلاميذهم من بعدهم،
حتى جاء مالك فوجد تلك التركة المثرية من العلم والحديث والفتاوى ،
فنمت مواهبه تحت ظلها وجنى من ثمرتها ، وشدا بما تلقى من رجالها.
١٧ - فى ظل هذه البيئة الخاصة والعامة نشأ مالك، وقد حفظ القرآن
الكريم ، فى صدر حياته كما هو الشأن فى أكثر الأسر الإسلامية التى
يتربى أبناؤها تربية دينية، ولابدأن تكون الأسر كذلك فى مدينة الرسول،
والعهد قريب، إذ كان من القرون الأولى التى تعد خير القرون، كما ذكر
الرسول صلوات الله وسلامه عليه .
ولقد اتجه بعد حفظ القرآن الكريم إلى حفظ الحديث ، فوجد من
(١) ترتيب المدارك بدار الكتب رقم ٩٦٧٣ تاريخ - القسم الأول من
الجزء الأول ص ٠٣٢

- ٢٣ -
بيئته محرضاً، ومن المدينة موعزاً ومشجعاً؛ ولذلك اقترح على أهله أن يذهب
إلى مجالس العلماء ليكتب العلم ويدرسه، فذكر لأمه أنه يريد أن يذهب
فيكتب العلم، فألبسته أحسن الثياب وعممته، ثم قالت: ((اذهب فاكتب
الآن، وكانت تقول: « اذهب إلى ربيعة فتعلم علمه قبل أدبه(١)).
t
ويظهر أنه لهذا التحريض من أمه جلس إلى ربيعة الرأى أول مره ،
فأخذ عنه فقه الرأى وهو حدث صغير على قدر طاقته حتى لقد قال بعض
معاصريه: ((رأيت مالكا فى حلقة ربيعة ، وفى أذنه شنف ، وهذا يدل
على ملازمته الطلب من منذ صغره. وكان حريصاً منذ صباه على استحفاظ
ما يكتب، حتى أنه بعد سماع الدرس وكتابته يقبع ظلال الأشجار يستعيد
ما تلقى، ولقد رأته أخته كذلك، فذكرته لأبيها فقال لها: « يا بنية إنه
يحفظ أحاديث رسول الله (صطيم».
ولكن طلب العلم من مجالس العلماء المختلفة لا يكون الملكة
١٨
العلمية التى ينشأ عليها الناشىء ، بل لابد من أن يلازم عالما من بينهم، وأن
يختصه بكثرة الملازمة وقتاً يتم فيه تحصيله وتكوينه ، حتى إذا تخرج عليه ،
اتجه إلى الدراسة حراً، بعد أن يكون عنده من العتاد العلمى ما يمكنه من
الاستقلال الفكري ».
ولقد قال أبو حنيفة عندما سئل كيف تعلم ودرس ؟: « كنت فى معدن
العلم والفقه . فجالست أهله. ولزمت فقيهاً من فقها ئهم،.
وكان مالك فى معدن العلم والفقه حقا . ولقد جالس العلماء ناشئا
صغيراً . ولكن هل لزم فقيها من فقهائهم وعالما من علمائهم ؟ إن تلك
الملازمة أمر لابد منه، إن كانت ملازمته لا تمنع من مجالسة غيرهمن العلماء
فى وقت النضج .
(١) المدارك ص ١١٥، والديباج المذهب ص ٢٠، وربيعة هو ربيعة
الرأى .

٢٠
- ٢٢ ٠
لقد ذكر هو أنه لازم أحد أولئك العلماء فى عصره، فقد جاء فى
المدارك: « كان لى أخ فى من ابن شهاب ، فألقى أبى يوما علينا مسألة،
فأصاب أخى، وأخطأت . فقال لى أبى ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت،
وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين (وفى رواية ثمانى سنين) لم أخلطه بغيره ،
وكنت أجعل فی کی تمراً ، وأناوله صبيانه، وأقول لهم إن سالکم أحدعن
الشيخ ، فقولوا مشغول. وقال ابن هرمز يوماً لجاريته من الباب فلم تر إلا
مالكا، فرجعت فقالت ما ثم إلا ذلك الأشقر ، فقال أدعيه فذلك عالم
الناس ، وكان مالك قد اتخذ تيانا(١) محشواً للجلوس على باب بن هرمز يتقى
به برد حجر هناك، وقيل بل من يرد صخر المسجد ، وفيه كان مجلس
ابن هرمز، (٢) .
١٩ - هذا الخبر يدل على ثلاثة أمور:
(أحدهما) أن مالكا رضى الله عنه فى صدر حياته العلمية، وقد أخذ
يخط طريقه للعلم، بحيث كان يسأل ويجيب قد اتجه فى معدن العلم إلى عالم
اختصه بطول ملازمته ، بل قصر نفسه عليه أمداً طويلا لم يخلطه فيه بغيره
من العلماء کما جاء على لسانه ، وأن ذلك الاختصاص لم يبدأ فى أول طلب
العلم، بل بعد أن بلغ مبلغ من يختبر، فيسأل فيخطىء أو يصيب ، ولا يكون
ذلك دون العاشرة .
(ثانيها) أن تلك الملازمة قد ذكر أن مدتها كانت سبع سنين ، وفى
رواية أنها ثمان ، ويظهر أن هذه المدة كانت هى المدة التى لم يخلطه فيها بغيره
من العلماء أى لم يتلق فيها عن أحد سواه، ويظهر أنه كان يلازمه بعدها
(١) فى القاموس التيان كرمان السراويل، ولعل المراد أنه كان يحشر بعض
الثياب بقطن ومجلس عليه يتقى به برد الحجر .
(٢) المدارك القسم الأول ص ١١٦، وقد نقل عنه هذا الديباج المذهب
لابن فرحون .
(٢ ٣ - مالك)

- ٣٤ -
ملازمة يخلط فيها بغيره من العلماء ، ويأخذ عنهم، أى لا يلازمه ملازمة
اختصاص كالأولى ، وبذلك نوفق بين هذه الرواية وروايات أخرى ؛ فقد
ورد فى هذه الروايات أن الاتصال كان لمدد أطول من ذلك، فقد روى عنه
أنه قال: ((جلست ابن هرمز ثلاث عشر سنة، وروى ست عشرة سنة ،
فى علم لم أبته لأحد من الناس ، قال ، وكان من أعلم الناس بالرد على أهل
"الأهواء، ولما اختلف فيه الناس ، (١) .
ولقد روى عنه أنه قال: «إنه كان الرجل ليختلف إلى الرجل ثلاثين
سنة يتعلم منه ، فظننا أنه يعنى نفسه مع ابن هرمز ، وكان ابن هرمز استحلفه
ألا یذکر نفسه فی حدیث ،.
قفى الجمع بين هذه الروايات المختلفة نقول إنه فى الرواية الأولى التى تذكر
أن المدة كانت سبع سنين أو ثمانى كان يذكر الملازمة التامة، ولذا صرح
فيها بأنه لم يخلط به غيره .
وفى الرواية الثانية كان يختصه بملازمة أكثر من غيره وإن كان يخلط
به غيره ولذا عبر فيها بجالست ابن هرمز ثلاث عشرة سنة .
والمدة الثالثة لا نقبلها، لأن مالكا نضج فى العلم مبكراً فما كان يختلف
تلميذاً طول هذه المدة)، وبهذا يكون التوفيق بين الروايات المختلفة التى
وردت فى مدة تلذته لابن هرمز هذا، وهى مأخوذة مما تشير إلى العبارات
المختلفة لمتن هذه الروايات. وتتفق تمام الاتفاق مع النظام الذى يأخذ به
نفسه من يريد النبوغ، والحصول على الحظ الأكبر من العلم مع استقلال
الفكر ، يلازم عالماً من العلماء ثم يخلط به غيره مع اختصاصه بفضل من
الاختلاط ، ثم يختلف إليه بعد ذلك من وقت لآخر .
( الأمر الثالث): أن مالكا متأثراً كل التأثر بما تلقاه عن ابن هرمز
فهو من الشيوخ الذين وجهوا ميوله إلى وجهتها، ولقد كان مالك يتخذه من
(١) المدارك القسم الأول ص ٧١.

- ٣٥ -
بين العلماء أسوة صالحة، ولذلك جاء فى بعض الروايات أن مالكا فى
إكثاره من لا أدرى، التى كان يجيب بها فيما لا يعلم، غيره متكلف
ولا متعمل - إنما كان يقتدى بابن هرمز هذا، فقد جاء فى المدارك: قال
مالك: «سمعت بن هرمز يقول: ينبغى أن يورث العلم جلساءه قول
لا أدرى ، حتى يكون ذلك أصلا فى أيديهم يفزعون إليه ، فإذا سئل أحدهم
عما لا يدرى قال لا أدرى ... قال ابن وهب: «كان مالك يقول فى أكثر
ما يسأل عنه لا أدرى)).
ومن ذلك ترى مقدار تأثر مالك بصحبة ذلك العالم الجليل صبياً ، ويافعاً،
وشاباً مكتمل المدارك والقوى .
٢٠ - وما ذلك النوع من العلم الذى تلقاه مالك عن ذلك العالم الجليل
الذى وجه نفسه وفكره ذلك التوجيه؟ لم يذكره مالك بصريح اللفظ ، ولم
يذكر أكثر عليه بل لم يذكره فى إسناد أحاديثه كثيراً كما أوصاه بذلك هو
ورعاً وتديناً ، خشية على نفسه من أن يدخله الوهم فى أحاديث رسول الله
صَّ لّ، وأن ينقل عنه ذلك الوهم .
ولكن ما عجزنا عن أخذه بصريح القول قد نأخذه بإشارته وإيمائه ،
فلقد قال مالك فيه ، فيما نقلناه فى مطوى الروايات السابقة: ((كان من أعلم
الماس بالرد على أهل الأهواء وما اختلف فيه الناس ».
فهذه العبارة تفيد أنه كان يتلقى عليه اختلاف الناس فى الفتيا والفقه ،
ويتلقى عنه الرد على أهل الأهواء، وهذا هو السر فى أنه لم ينشر كل علمه
بين الناس وقد ذكر ذلك ، فإن مالكا كان يقتصر فيما يلقيه على تلاميذه على
الحديث ، والفتيا فى المسائل الفقهية ، ولا يعدو هذين الأمرين .
وما كان يحب الجدل فيما أثاره المعتزلة والجبرية والمرجئة والخوارج من
أمور تتحير فيها المدارك، وتختلف حولها العقول، ولم يكن ذلك عن جهل
بأقوالهم، بل كان عن علم وبينة ، لأنه رأى أن الخوض فيها لا يقتهى فيه
الخائض إلى بر السلامة ، ولا يصل إلى غاية .

- ٣٣ -
: ولقد جاء فى المدارك: « أخبر بعض نقاد المعتزلة قال أتيت مالك بن
أنس ، فسألته عن مسألة من القدر بحضرة الناس، فأوماً إلى أن أسكت،
فلما خلا المجلس قال أسأل الآن، وكره أن يجيبى بحضرة الناس ، فزعم
أنه لم تبق له مسألة إلاسأل عنها وأجابه، وأقام الحجة على إبطال مذهبهم،(١).
وترى من هذا أن مالكا ما كان يلقى فى درسه كل ما يعلم ، بل يلقى خير
ما یعلم، ومایری فیه خیراً للناس ، وعلماً بالدين يتوارثونه.
٢١ - كانت المدينة مهد العلم حقاً وصدقاً، فكان بها فى عصر مالك من
التابعين عدد يجد فيهم مالك الناشىء المعين الذى لاينضب، والمنهل العذب
المستساغ الذى لا كدرة فيه ولا اعتكار ، لازم ابن هرمز تلك الملازمة التى
لم يخلطه فيها بغيره، وقد أخذ عنه اختلاف الناس والرد على أهل الأهواء،
وأورثه هذا الرغبة فى طلب الحقيقة من غير تكاف لمراء أو جدال ، ثم
اتجه إلى الأخذ من الينابيع الأخرى ، مع مجالسة ينبوعه الأول .
وقد وجد فى نافع مولى بن عمر رضى الله عنهما بغيته ، فجالسه مع
مجالسة ابن هرمز وأخذ عنه علماً كثيراً ...
ولقد قال رضى الله عنه: «كنت آتى نافعاً نصف النهار، وما تظلنى
الشجرة من الشمس أتحين خروجه ، فإذا خرج أدعه ساعة ، كأنى لم أره ،
ثم أتعرض له فأسلم عليه ، وأدعه، حتى إذا دخل ، أقول له كيف قال ابن
عمر فى كذا وكذا ، فيجيبى، ثم أحبس عنه، وكان فيه حدة)) (٢).
وهذا الخبر يدل على عظيم ما كان يبذله مالك فى طلب العلم، ففى تلك
البلاد الحارة يخرج فى الظهر إلى منزل نافع ، وهو فى البقيع خارج المدينة
(١) المدارك ص ٧١ من القسم الأول من الجزء الأول.
(٢) الديباج المذهب ص ١١٧.

- ٣٧ -
ترقب خروجه من منزله، ثم يصطحبه إلى المسجد ، حتى إذا استقر نافع
واطمأن ألقى عليه أسئلة فى الحديث والفقه ، فأخذ عنه حديثا كثيراً ، وتلقى
عليه فتاوى ابن عمر، ولابن عمر مكانته من فقه الأثر ، والتخريج عليه ،
واستنباط الأحكام على ضوء الحديث النبوى الشريف.
٢٢ - وأخذ مالك عن ابن شهاب الزهرى، كما أكثر من الأخذ عن
نافع وقد بدت عليه العناية التامة باستحفاظ الحديث ، والحرص عليه فى
جودة فهم، وحسن ضبط .
ولقد روى عنه أنه قال: «قدم علينا الزهرى، فأتيناه، ومعنا ربيعة ،
تحدثنا نيفاً وأربعين حديثاً، ثم أتيناه فى الغد، فقال : انظروا كتابا حتى
أحدثكم. أرأيتم ما حدثتكم به أمس؟ قال له ربيعة ههنا من يرد عليك
ما حدثت به أمس، قال: ومن هو ؟ قال ابن أبى عامر ، قال هات : حدثته
بأربعين حديثاً منها، فقال الزهرى: ما كنت أرى أنه بقى أحد يحفظ هذا
غیری » (١).
وهذه الرواية تدل على أنه التقى بابن شهاب ، وقد كبر قدره فى العلم ،
وشدأ فيه ، واشتهر بالضبط والحفظ ، حتى لقد اعتمد عليه ربيعة شيخه فى
رد اللوم الذى وجه إلى جماعتهم لإعمالهم الكتاب، وحتى إنه ليصاحب
شيخه فى الحضور ويجلس بجواره فى التلقى .
ولقد كان مالك حريصاً على الانتفاع من رواية الزهرى ، كما انتفع من
قبل بعلم ابن هرمز،، وعلم نافع وروايته ، فكان يذهب إلى بيته يترقب
خر وجه ، کما کان يذهب إلى بيت نافع بالبقيع وفىالهجیر ،فیترقبخروجه ،
ويذهب إليه حيث يتوقع فراغه ؛ ليكون التلقى فى جو هادىء، وحيث
لا صخب للجماعة، فقد روى عنه أنه قال : شهدت العيد، فقلت هذا يوم
(١) المدارك ص ١١٩، والانتفاء لابن عبد البر ص ١٨

- ٢٨ -
خلو فيه ابن شهاب ، فانصرفت من المصلى، حتى جلست على بابه، فسمعته
يقول لجاريته: «انظرى من الباب، فنظرت، فسمعتها تقول: «ولاك .
الأشقر ، مالك قال أدخليه ، فدخلت ، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى
منزلك ! ! قلت: لا، قال : هل أكلت شيئاً، قلت: لا ، قال: أطعم ، قلت:
لا حاجة لى فيه، قال: فما تريد، قلت تحدثنى ، قال لى هات ، فأخرجت
ألواحى، حدثنى بأربعين حديثاً، فقلت زدنى. قال حسبك، إن كنت
رويت هذه الأحاديث، فأنت من الحفاظ، قلت قد رويتها، فجبذ الألواح
من يدى ، ثم قال حدث ، تحدثته بها، فردها إلىّ وقال: قم فأنت من
أوعية العلم » .
ولقد ذ کر أنه کان اشدة حرصه على حفظ حديث ابن شهاب مجلس
ومعه خيط ، فإذا حدث بحديث عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه عقد
عقدة حتى يعرف من عدد العقد عدد الأحاديث ، ومقدار ما علق بذاكرته
منها، ولقد جاء فى المدارك: (( كان ابن شهاب إذا جلس، يحدث ثلاثين
حديثاً ، فحدث يوماً وعقدت حديثه ، فأنسيت منها حديثاً ، فلقيته، فسألته
عنه، فقال: ألم تكن فى المجلس قلت: بلى ، قال فمالك لم تحفظ، قلت
ثلاثون ، إنما ذهب عنى منها واحد، فقال: لقد ذهب حفظ الناس:
ما استودعت قلى شيئاً قط فنسيته، هات ما عندك ، فسألته ، فأنبأنى ،
فانصرفت )) (1) :
۔۔
٢٣ - ولقد لازم مالكا منذ صباه الاحترام التام لأحاديث رسول
اللّه صَّ اللّه فهو لا يتلقاها إلا وهو فى حال من الاستقرار والهدوء توفيراً لها
وحرصاً على ضبطها ، ولذلك ما كان يتلقاها واقفاً، ولا يتلقاها فى حال
ضيق ، أو اضطراب، حتى لا يفوته شيء منها.
(١) المدارك ص ١٢١

- ٣٩ -
جاء فى المدارك: «سئل مالك، أسمع عن عمرو بن دينار، فقال:
رأيته يحدث والناس قيام يكتبون، فكرهت أن أكتب حديث رسول
اللّه عَلٍّ، وأنا قائم)).
وسيط
ومر مالك بأبي الزناد وهو يحدث ، فلم يجلس إليه ، فلقيه بعد ذلك
فقال له :
ما منعك أن تجلس إلىّ، قال : كان الموضوع ضيقاً، فلم أرد أن
أحدث حديث رسول الله بخيرٍ وأنا قائم، وروي أن القصة جرت له مع
أبى حازم ،.
٢٤ - هذه مقطتفات من أخبار مالك فى طلب العلم، وما قصدنا أن
تحصى فى هذا المقام شيوخه ولا ما أخذه عن كل شيخ، ولا ما كان يطلبه
فى رجال الحديث ، فذلك له موضعه من القول عند الكلام فى مصادر عليه
ولكن يجب علينا التنبيه فى هذا المقام ، إلى ثلاثة أمور، تشير هذه الأخبار
إلى بعضها، وتصرح ببعضها، وها هى الأمور الثلاثة :
أولا - أن العلم فى ذلك الإبان كان يؤخذ بالتلقى عن الرجال من
أفواههم لا من كتب مسطورة قد دون فيها العلم، ولذلك أرهفت ذاكرات
الطلاب ، إذ كان كل اعتمادهم عليها، فكانوا يحرصون على ألا يذهب عنهم
شىء سمعوه ، فهذا مالك يضبط عدد الأحاديث بعقد الخيط ، فإذا ند عنه
حديث عاد إلى استماعه، لا تمنعه من ذلك مرارة الرد وحز اللوم، ثم هو
يستمع إلى نيف وأربعين حديثاً، فلا يذهب إلا النيف ويبقى الأربعون ،
ويسمع ثلاثين حديثاً، فلا يند منها إلا واحد. وإن ذلك فوق دلالته على
قوة الحافظة الواعية عنده ، حتى وصفه ابن شهاب بأنه من أوعية العلم -
يدل على مقدار عناية القوم بالحفظ ، وحرصهم على الضبط ، وفى ذلك
تزكية للقلب ، وتقوية لموأهب النفس .

- ٤٠ -
ثانيها - أنها تدل على أن العلماء قد ابتدموا يقيدون العلم ويدونونه ،
وإن لم يكن الاعتماد على ما دون وما كتب ، فهذا ابن شهاب يحرض تلاميذه
على أن يكتبوا ما يستمعون خشية أن يضيع عليهم ما استمعوا إليه، وهذا
مالك يذهب إليه والألواح فى يده يكتب فيها ما يسمع ويضبط ، ولا يمنعه
ذلك من حفظ ما كتب ووعيه ، حتى إن ابن شهاب يحبذ منه الألواح ، ثم
يختبره فيما ألقاه عليه فيجده قد وعاه كاملا غير منقوص .
ثالثها - أن مالكا كان دموباً على طلب العلم قد صرف نفسه إليه فى
جد ونشاط وصبر لا تمنعه شدة الحر والجو اللافح من أن يخرج من منزله.
ويترقب أوقات خروج العلماء من منازلهم إلى المسجد ولا تمنعه حدة بعضهم
من أن يأخذ عنهم ويتحمل فى ذلك غلظة اللوم أحياناً ويتجنب بهدوئه
وكياسته ورفقه أن يثير حدتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وقد أنقطع
بكل وقته إلى العلماء، فهو يلازمهم فى الغداة وفى العشى ، فيروى أنه كان
يلازم ابن هرمز من بكرة النهار إلى الليل، ولا يستجم فى وقت تحسن فيه
الراحة إن وجد فى ذلك الوقت فرصة للطلب لا يجدها فى غيره فهو يذهب
إلى ابن شهاب فى وقت العید بعد الصلاة قبل أن يذهب إلى بيته ، لأنه يجد
أنه فى ذلك الوقت يكون ابن شهاب فى هدأة الخلوة عن الناس ، فيحسن
الاستماع إليه والاستفادة منه .
وإذا كان لم يدخر جهداً فى طلب العلم فهو أيضاً لم يدخر فى سبيله مالا
حتى لقد قال ابن القاسم (( أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته،
فباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا من بعد، (١).
٢٥ - وقبل أن نترك الحديث فى حياة مالك وهو طالب علم نذكر
العلوم التى عنى بطلبها ذاكراً إجمالياً ، وقد أشارت إليها الأخبار التى سقناها
فيما مضى .
(١) المدارك ص ١١٥
ود.