النص المفهرس

صفحات 1-20

محمدأبو زهرة
١٠
فِيّ
الك
مجم
حياة وعصره - آراؤه وفقهه
ملتزم الطبع والنشرع
دار الفكر العربى

دار الثقافة العربية للطباعة
ت ٩١٦٧٢٤ عابدين

بِسِ ◌ّد الرحمن الرحّمْ
تصدير للطبعة الثانية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل
فلا هادی له .
وأصلى ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
١ - أما بعد: فقد ابتدأنا فى كتاب ( مالك) فى خريف سنة ١٩٤٦،
وبعض الشتاء، وما كنا نعلم ونحن نكتبه ونقدمه للطبع تباعاً حتى تم طبعه
فى ربيع سنة ١٩٤٧ - أن كتاباً كتب قبله يشرح فقهه، ويكشف عصره،
ويبين حياته(١) ولقد كتبنا ذلك الكتاب فى إبانه بعد أن كتبنا فى فقه إمامين
قبله، هما الشافعى وأبو حنيفة رضى الله عنهما، وما كانت كتابتنا فى مالك.
إلادراسة فقهية له؛ لأنه سلسلة من الدراسات الفقهية الأئمة المجتهدين المقررة
فى الدراسات العليا فى كلية الحقوق بجامعة القاهرة .
وإذا كان ذلك هو الباعث على الكتابة فلابد أن تكون دراسة فقهه
هى المقصد الأول ، وغيره له تابع ، فلا يقصد إليه إلا بالقصد الثانى ،
أو بالأحرى يقصد إليه ، ليستعين الباحث على تحليل فقهه بدراسة مقدماته،
وليرد الأمور إلى أسبابها، والظواهر إلى نواميسها .
٢ - وإنه لا يمكن أن يدرس رجل كمالك فى شهرته بالفقه وبالحديث،
(١) ظهر بعد ذلك كتاب بعنوان ترجمة مالك للأستاذ أمين الخولى ، وكان
ظهوره فى صيف سنة ١٩٥١ أى بعد ظهور كتاب مالك بأكثر من أربع سنين،
والكتاب ترجمة دقيقة محققة .
- مصر؟

ے
-٤ -
من غير أن تعرف مناهجه فى الفقه والحديث ، كما لا يمكن أن يدرس قائد
حربى من غير أن نعرف مناهجه فى القيادة، وأساليب القتال ، وكما لا يمكن أن
يدرس زعيم سياسى من غير أن تدرس سياسته، ومناهج تدبيره، وكما لايمكن
أن يدرس مصلح اجتماعى من غير أن تعرف مناهج إصلاحه الاجتماعى،
والبيئة التى دعا فيها إلى ذلك الإصلاح، والمواءمة بين دعوته وبيئته.
ذلك لأننا لا ندرس العالم أو المصلح فيما يشترك فيه مع بقية الناس من
إدراك وفهم وأكل وشرب، ومقام وهشام ، وغير ذلك من شئون بنى
الإنسان ، وإنما ندرس إنساناً خاصاً له مقومات عليا فوق المقومات التى
يشترك فيها مع كل إنسان، وإذا كنا ندرس إنساناً خاصاً، فالاتجاه الأول إلى
هذه الخاصة التى اختص بها فإن اختص بالفقه كان الفقه موضع الدراسة أولا ،
والحياة الإنسانية الخاصة التى مهدت له هذه الخاصة العلمية موضع الدراسة
ثانياً ، وكذلك إذا درسنا قائداً أو سياسياً أو مصلحاً ؛ تكون الدراسة
المعنى الذى اختص به ، ولا تكون المعانى العامة التى يشترك فيها مع كل
إنسان ، ولا تمس تلك المعانى العامة إلا بالقدر الذى يكوِّن تلك الحياة
الخاصة متى مهدت الاختصاص الذى اختص به .
وأى عالم من العلماء يمكنه أن يدرس سقراط من غير أن يتعرض المحاوراته
التى تتبدى منها فلسفته، أو يدرس أفلاطون من غير أن يدرس مثله العليا :
أو يدرس أرسطو من غير أن يدرس مناهجه العدمية والفلسفية.
٣ - وإذا كنا لاندرس العالم المختص بعلم من العلوم إذا اقتصرنا على
دراسة إنسانيته ، فكذلك لا یمکن أن تعد در استنا له کاملة أو على وجهها
الصحيح إذا درسناه عالماً مفكراً، وبينا شعب تفكيره ، من غير تفرقة
بین ما اختص به ومیزه ، وما اشترك فيه مع غيره ، ولم یکن لهفيه لون قائم
بذاته ، ولا طابع اختص به . فلا تعد دراستنا لأبى حنيفة مثلا كاملة ، أو
صحيحة إذا عرضنا لفقه بالقدر الذى نعرض فيه لآرائه فى الخلافة وفى

م
- ٥ -
علم الكلام ، ومقدار علمه بالقرآن والتفسير، فإن تلك النواحى كانت فى
هامش حياته العلمية ، ولم تكن فى صلبها ، ومن ثم سوى بينها وبين الفقه
فى الدراسة فقد أهمل خاصته ؛ ولم يوضح جوهره.
كما لا تعد دراستنا للشافعى الفقيه صحيحة كاملة إذا درسنا فقهه بالقدر
الذى ندرس به علمه باللغة والشعر ومقامه منهما .
٠ ٤ - إنما دراسة الفقيه دراسة لمنهاجه الفقهى أولا بالذات؛ ولحياته
وبيئته ثانياً وبالعرض ، أو على وجه التبعية.
ومن اقتصر فى دراسته على حياته وإنسانيته وصلته بالعلوم المختلفة ،
فهو لم يبين شخصيته الخاصة ، وقد تفيد من هذه الدراسة فائدتين :
(إحداهما) ما تفيده كتابة سير العلماء والعظماء من التأسى والاقتداء
بهم فى الصبر والجلد وقوة الاحتمال والإخلاص إلى آخر ما هنالك من
مزايا تفيد الناشئة، وتضع بين أيديهم المثل الكاملة للرجولة الناضجة
العاملة المثمرة ، والانسانية العالية وطريق علوها .
(والثانية ) أن يكون الكتاب تسجيلا لأخبار وحوادث ؛ وتقصياً
وتتبعاً؛ ونحن نرى أن هذه الفائدة التاريخية لا تتحقق كاملة فى تاريخ
رجال العلم إلا إذا درس ما اختص به الرجال ، وإن الاقتصار عليها، وإن
أفاد قصصاً تاريخياً،وخصوصاً إذا كان دقيقاً قد تحرى فيه السكانب الصواب
تحرياً تامة - لا يعد دراسة علمية الرجال الذين تدرس حياتهم ، ويكون
لهم منهاج فى العلم أو الفن .
٥ - فمن ذا الذي يقول إنك تكون قد درست شاعراً من غير أن
تعرف مناهجه الشعرية ؛ وقوة قوافيه أو لينها، أو موسيقاها بشكل عام،
ومن غير أن تعرف أخيلته الشعرية ، وصوره البيانية، وإن عرضت
لمجموع ما عرض له من شئون الحياة فلكى تعرف الأصل والثمرة والمقدمة
والنتيجة والابتداء والانتهاء.

-٦ -
ولو أنك عرضت لأخيلته الشعرية بمقدار ماتعرض لمعرفته بالفقه.
أو بالنحو، أو الاشتقاق والتصريف أو لعلوم الطبيعة والعقائد، لا تكون
قد درسته شاعراً، وإن تحريت الصدق والدفة ، ورد كل خبر إلى
مصدره ، والتثبت من الروايات وخصها خصاً كاملا، إن ذلك بلاشك
علم مفيد ولكنه ليس الدراسة العلمية لرجال العلم والفن ، الذين كان لهم
أثر واضح فى علمهم وفنهم، والذين كان لهم منهاج اختصوا به.
٦ - من أجل هذا نقرر أمرين لامرية فيهما عند أهل العلم والتحقيق،
أولهما : أن دراسة رجال العلم الذين اختصوا بباب من أبوابه ، وشادوا
بنيانه ، أو كان لهم عمل فى إقامة دعائمه هى من نوع علومهم ، فدراسة
مالك الفقهية دراسة متعرف لمداركه الفقهية ، والأثر الذى تركه فى العلم ،
والمناهج التى سلكها ، والغايات التى كان يرمى إليها ـ هى من دراسة الفقه،
لأنها دراسة للنتائج الفقهية التى وصل إليها، وتسلمتها الأخلاق غرساً
صالحاً عملوا على إنمائه ، وتولته البيئات المختلفة بالتحويل والتوجيه، وذلك
لب العلم ومعناه، وفيه فوق ذلك دراسة لأدوار العلم وحضانة العصور
المختلفة لنظرياته(١).
الأمر الثانى الذى نقرره أنه لا يدرس فقيهاً إلا من تمرس بالدراسات
الفقهية وتتبع أدوار الفقه، ودرس من دراسة مقارنة بين الفقهاء، ليعرف
مکان کل واحد من صاحبه ، ولیستطع أن یبین ما اختص به كل واحد
منهما، وما انفرد به كما يستطيع أن يشير إلى ما يجتمع فيه مع غيره ،
وبذلك يتميز العمل العلمى الذى قام به ذلك الفقيه، وتلقته الأجيال عنه .
وليس المقصود من ذلك أن يتعرف رأى الفقيه فى كل مشكلة وفى
(١) وقد وضحنا طرق الدراسة للأدوار العلمية التى تعترى نظريات العلم فى
تمهيدنا لكتاب الشافعى الذى طبعناه الطبعة الأولى فى ربيع سنة ١٩٤٥.

- ٧ -
كل مسألة ويتقبع الفروع فرعاً فرعاً، فما كان ذلك دراسة مجدية، وما حاولها
أحد. إنما المقصود أن تدرس مناهجه، والقضايا الكلية التى وصل إليها،
والتى كانت الضابط للفروع التى انفرعت عنها .
وإن ذلك بلا شك يقتضى أن نتعرف من بعض الفروع والقواعد التى
لاحظها الإمام عند الحكم فى هذه الفروع والأفيسة الضابطة لمتفوق الأحكام
التى أثرت عنه، فإن أولئك العلية من الأمة كانت تؤثر عنهم فروع، وقد
حاول المجتهدون فى المذهب أن يردوا هذه الفروع إلى الأقيسة التى قدرها
الإمام ، وكشف عنها التناسق بين كل طائفة من الفروع المختلفة مما يدل على
أن فكرة واحدة رابطة بين آحادها لم ينص عليها الإمام ولكن لاحظها.
ولذلك تدوس الفروع المأثورة عن الإمام بالقدر الذى يكشف عن
المناهج، ولقد أغنى الشافعى الباحثين عن هذا المجهود فقد عنى بأن يبين فى
كتاب قائم بذاته مناهجه كلها كاملة غير منقوصة .
٧٠ - على هذا النحو درسنا مالكا وقدمناه للناس ، وجعلنا دراسته
قسمين ، القسم الأول هو ما سميناه القسم التاريخى ، وهو يتبع حياته ناشئاً
يدرج فى مدارج الحياة، وشاباً يستوى للعلم، وكهلا قد تبدت مواهبه ،
واستقامت مناهجه، وشيخاً يفيض بنور المعرفة على كل من حوله، ويقصد
إليه العلماء من أقصى الأرض وأدناها ، وتزخر مجالسه بطلبة العلم الذين
جاءوا إليه من كل فج عميق ، ثم كان فى هذا القسم بيان الينابيع العلمية التى
استقى منها، والبيئات التى أظلته، والمناهج الفكرية التى عاصرته، والتوجيهات
الفكرية التى وجهته .
أما القسم الثانى فهو آراؤه فى المسائل الفكرية التى ثارت فى عصره ، ثم
دراسة فقهه ومناهجه فى الفقه والحديث ، والنظر فى آرائه فى غير الفقه
والحديث نظر عارض عابر، لأن تلك الآراء لم تكن العلم الذى اختص به
ولم تكن الخاصة التى امتاز بها، وأفضنا القول فى كل أصل من أصوله الفقهية،

- ٨ -
والأدوار التى مر عليها فى العصور المختلفة من بعده، وبذلنا فى ذلك أقصى
جهدنا، لأنه الغاية من الدراسة والباعث عليها ، وهو الدراسة العلمية لذلك
الفقيه والمحدث حقاً .
: ولقد صححنا فى هذه الدراسة خطأ وقع فيه الدارسون الذين يمرون
على كل شىء من النواحى العلمية مراً عابراً ، ولا يعنون فى مثل مالك بدراسة
الفقيه والمحدث، وذلك الخطأ هو ما شاع على الأفلام وفى بعض الكتب من
أن مالكا فقيه أثر لا فقيه رأى ، فبينا أن جرأة مالك على الرأى لم تكن
أقل من جرأة أبى حنيفة(١)، وإن كان مقدار القياس فى فقهه أقل منمقدار
الأقيسة فى فقه أبى حنيفة، وزكينا فى ذلك كلام ابن قتيبة فى المعارف عندما
عد مالكا فى ضمن فقهاء الرأى ولم يضعه فى فقهاء الحديث ، وإن كان فى على
الحديث النجم اللامع ، بل هو بحق أول من وطأه ، وثبته ومهده.
L
٨ - هذه إشارات إلى منهاجنا فى الدراسة وقد بينا ذلك المنهاج فى
صلب الدراسة، وأتبعناه فى دراستنا الأئمة الأربعة وغيرهم ، والقارى.
الكريم يراه فى مالك دراسة عملية موضحة لمزايا ذلك الإمام الجليل فى
الفقه والحديث .
ولم تكن فى دراسقنا لهذا الإمام وغيره من المتكلفين ، لأن الله سبحانه
وتعالى قال لرسوله الكريم: ((قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من
المتكلفين ، ولأننا لا نكتب بحمد الله ليقال بحث واستقصى، واستوعب
وأحصى، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، بل نكتب ما نكتب
لنسد فراغا، ولينتفع بما فكتب أهل العلم. إن واتقنا القوة لسد الفراغ.
وأسعفنا التوفيق من الله، وجعل من كلامنا ما ينفع الناس.
(١) ووجه جرأته أنه كان يروى الحديث أحياناً ثم يرده لضعفه بسبب
مخالفته للمناهج التى سار عليها، ورآها الفقه القويم. وأبو حنيفة لم يعرف أنه
روى حديثاً ، وضعف مخالفته لقياس صح عنده .

-٩ -
ولأننا رغبنا فى البعد عن التكلف والغرور والزهو ، بمقدار ما تبلغه
الطاقة البشرية النازعة إلى العلو، قد اتجهنا أولا إلى ما يسهل الحصول عليه من
المصادر ، فإن لم يسعفنا السهل الميسر ببغيتنا وحاجتنا، اتجهنا إلى طلبها فى
الصعب العسير ، ولذلك لم نتجه إلى المخطوط من الكتب إذاوجدنا حاجتنا
فى مطبوع موثوق به تلقاه العلماء بالقبول ، ولا نتجه إلى المخطوط إلا عند
الحاجة إليه . أو عندما يكون أوثق، ولقد استعنا بطائفة من المخطوطات
كترتيب المدارك للقاضى عياض ، والطبقات لابن رجب . وغيرهما .
وكان اتجاهنا إلى الب، لا إلى الشكل ، وعنايتنا بالجوهر لا بالعرض؛
وبالحقيقة لا بتزيينها؟ ولم يكن همنا أن يشعر الناس بعظيم جهدنا، إنما كان
همنا أن ينال أهل العلم فائدة من عملنا.
٩ - ولقد وجدنا علماء أفاضل من قبل ومن بعد يعنون أشد العناية
بأن يشعر القارئ، عند قراءة ما يكتبون بعظيم جهدهم، فيذكروا المسألة
الواحدة ، أو للخبر الواحد مصادر مختلفة ما بين مخطوط ومطبوع ، ليعلم
القارىء مقدار جهدهم واستیثاقهم، والخبر فى ذاته مستفيض مشهور ،حص،
ومصدر واحد يغنى فيه كل الغناء، ولقد نهجوا فى ذلك منهاج كتاب الفرنجة
الذى عنوا بالدراسات الإسلامية ، ولعل الذى يبعثهم على ذلك هو غربتهم
عن العلوم الإسلامية وعدم قدرتهم على الاستنباط الصحيح فيها ، وإن وضع
بعض علمائنا استنباطهم موضع التقدير، بل عدوا استنباط غيرهم ليس
بشىء ، وإن اختص بهذا العلم طول حياته.
ولقد نهج ذلك المنهاج المتكلف شبابنا الذين يكتبون ، فظنوا أنه كلما
عنى أحدهم بالإكثار من المصادر كان ذلك دليلا على أنه يفهم نظام البحث
الحديث، وأنه مجدد فيما يكتب، وأن كتابته قد بلغت الذورة وبلغت الغاية.
بل وصلت إلى النهاية، حتى لقد وجدنا بعضهم يجتهد فى أن يأتى للأمثال
الفقهية بمصادرها ، فيأتى للمثل الواحدة بعدة مصادر مخطوطة وغير مخطوطة

: .
- ١٠ -
والمثل مذكور فى الكتب المتداولة المشهورة التى هى أوثق أحياناً من
المخطوط ، لأن التداول فى ذاته محصها، وربما كان المثل فى ذاته غير
ذى جداء .
١٠ - لم نتكلف بحمد الله ذلك التكلف، وإن عنينا برد كل مسألة
إلى مصدرها وكل فكرة إلى ينبوعها ، غير مقصرين فى بيان المصدر من كل
الوجوه، وخصوصاً إذا كنا نأخذ منه استنباط لم نعلم أن أحداً سبقنابه،
ولكنا لا نعدد المصادر إلا إذا كانت الفكرة غريبة . فنؤنسها فى ذهن.
القارىء بذكر الكثرة التى رددتها. لكيلا يظن القارئ. أن ما نبنى عليه قولنا
غريب شاذ، وقد بغض الله سبحانه وتعالى إلينا الشاذمن الأقوال، كما بغض
إلى مالك رضى الله عنه شواذ الفتيا، فلنا نستطار بالغريب ، ولكنا نتثبته
حتى نستأنس به ، ونستطيع أن نؤنسه فى عقول القارئين.
وإنما لترجو أن يكون الناس قد وجدوا فيما كتبنا عن مالك الإمام الفقيه
المحدث ما يفيد ويجدى ، فإن وجدوا فهو توفيق من الله وهو من فضله،
وعونه الذى لا نستطيع من دونه شيئاً ، وإن لم يجدوا فهو من تقصير نا ، أو
قصورنا ونحمد الله على أننا قصدنا الخير، وأردنا النفع، وما قصدنا التطاول
إلى مقام أحد، ولا إلى الغض من علم عالم، أو عمل عامل ، فلكل عالم
فضله ، ولكل عمل ثمرته.
وفقنا الله إلى حسن القصد، وقصد السبيل. إنه نعم المولى ونعم
النصير ؟
١
يوليو سنة ١٩٥٢
محمد أبو زهرة

بسم اللّه الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين.
أما بعد : فقد كان موضوع دراستنا الطلبة الشريعة بقسم الدكتوراه هذا
العام (١) أمام دار الهجرة مالكا رضى الله عنه .
وقد قصدت إلى دراسة حياته . فدرست نشأته، وأسرته، ومعيشته ،
ونزوعه العلى ، والمثل السامية التى جعلها هدفه المقصود، وغرضه المنشود
فإن دراسة هذه النواحى هى دراسة للينابيع التى أمدت حياته الفكرية،
وشخصيته العلمية بالمدد المغدق الغزير ، وهى التى تكون أصل الاستعداد
لتلقى كل ما يلقى فى النفس من بذور صالحة تؤتي أكلها، وتثمر الأجيال
ثمراتها، حتى إذا أتممت بيان شخصه اتجهت إلى بيان شيوخه، والبيئة العلمية
فى المدينة ، وكل ما أحاط بتلك النفس القوية فغذاها ، وبذلك العقل
المدرك فوجهه .
وفى سبيل بيان البيئة عنيت بذكر حال العصر الذى عاش فيه. فذكرت
الزوابع السياسية التى كانت تهز النفوس المؤمنة ، والموجات الفكرية التى
كانت تجرى فى الظاهر وفى الباطن فتؤثر فى القلوب ، وكيف تدرنت ببعض
غير صالح منها نفوس لم يكن لها معاذ من إيمان قوى ، ولقد عصم الله من
ذلك قلوب المؤمنين . ولما يسر الله لنا بيان ذلك، اتجهنا إلى الثمرة التى أثمرها
ذلك الغراس الجید ، وهی آراؤه وفقه.
ولقد عنيت بيان آرائه السياسية، فى وسط تلك المنازع المتناحرة والأهواء
(١) عام ١٩٤٦ - ١٩٤٧ الدراسى.

-: ١٢ -
المتضاربة . والآراء التى كانت تسمو ببواعثها، وغاياتها ولكن عند العمل
لتحقيقها تتوالد الفتن ، وتكثر المحن، وتسود الإحن .
فقد وجدنا ذلك الإمام التقى ، يتجه إلى الواقع العملى ، فيعمل على
إصلاحه راضياً من غير ترك المثل العالية فى الحكم ، بل يقررها فى غير دعوة
إلى انقلاب ، خشية من ذرائع الشر، ويدعو الحكام إلى الصلاح
والإصلاح بالحسنى والموعظة الحسنة .
ثم بينت أقوالا له فى العقائد، وعنيت بذلك، لأن آراءه كانت صورة
صادقة لما يعتقد أهل التقى الذين لم يخوضوا غمرات الجدال مع الفرق
المختلفة من جهمية وقدرية، ومرجئة، وأسماء أخرى ، فإذا كان التاريخ قد
دون آراء المعتزلة بنحلهم، والقدرية، والجهمية ، وغيرهم ، فمن حق
الأجيال أن تعرف صورة صادقة حية لما كان عليه الذين امتنعوا عن الجدل
فى العقائد، وعدوه بدعاً لا يتبع، ونقصاً من الإيمان لا يرتضى، ولا تجد هذه
الصورة واضحة جلية ، كما تجدها فى مالك الذى كان يقول : كلما جاء رجل
أجدل من رجل نقص مما نزل به جبريل)).
ولقد حتى علينا بعد أن بينا ما بينا نتجه إلى الغرض الأول من بحثناوهو
أن نبين فقهه وقد كان أول ماعنينا به فى هذه الناحية السند التاريخى لنقل ذلك
الفقه، فبينا ذلك السند من رجال ، وكتب، وقوته وصحته، ثم اتجهنا إلى
بيان الأصول، التى استنبط بها، وكيف كشف فقهاء ذلك المذهب الغطاء
عن هذه الأصول ثم بينا كثرة الأصول، وخصبها ، وقوة الحياة فيها،
ومسايرتها للزمان ، حتى إذا بلغنا من ذلك بتوفيق الله ما نحسب أنه الغاية،
اتجهنا إلى بيان نمو المذهب، وأسباب نموه واتساع أفق الاجتهاد والتخريج
فيه ، وعمل المتقدمين والمتأخرين ، حتى كانت ثمرة ذلك تلك الثروة الفقهية
الغزيرة الحياة .
وإنا نسارع فنقرر أمرين كانا بارزين فى فقه مالك رضى أله عنه :
:

X
تمهيد
١ - جاء فى ترتيب المدارك للقاضى عياض: ((قال الليث بن سعد
لقيت مالكا فى المدينة فقلت له: إنى أراك تمسح العرق عن جبينك ! ! قال
عرقت مع أبى حنيفة ، إنه الفقيه، يامصرى. ثم لقيت أبا حنيفة وقلت له:
ما أحسن قبول هذا الرجل منك فقال أبو حنيفة: مارأيت أسرع منه بجواب
صادق ، وفقد تام)).
هذه رأى إمام العراق فى إمام دار الهجرة، وذاك رأى إمام الحجاز فى
شيخ الكوفة ، وفقيه العراق ، كلاهما يعلم مكان صاحبه من الفقه والنظر ،
وينصفه فى آرائه وفكره، ويضعه فى مكانه من العلم .
وبهذا الاتجاه المستقيم ، تحاول أن ندرس كل إمام من الأئمة ، ندرس
الإمام غير متعصبين له، ولا متحاملين عليه، ولا نسلك مسلك الذين خلفوا
من بعد عصر الاجتهاد، فلا تقبعهم فى مثارات التعب التى أثاروها، لأنا
لانحسب أن فضل الإمام مشتق من نقص غيره، وبخسه حقه، إنما فضله
ذاتى مشتق من مواهبه ودراساته وإخلاصه فى طلب الحق ، واجتهاده فى
الوصول إليه، ولكل حظه من ذلك، وأنهم رضى الله عنهم لحرصهم على
طلب الحق ، واحتسابهم النية فى البحث عنه، كان يرجع كل واحد منهم
عن رأيه إن وجد أن الحق فى غير ماقال، ولقد كان مالك رضى الله عنه
يقول: « ينبغى للقاضى ألا يترك مجالسة العلماء، وكلما نزلت به نازلة ردها
إليهم وشاورهم)).
ولقد أوصى والياً من ولاة المدينة، فقال له: ((إذا عرض لك أمر فانئد،
وعاير على نظرك بنظر غيرك ، فإن العيار يذهب عيب الرأى ، كما تظهر النار
عيب الذهب ،.

= ١٣ -
أحدهما: أن مالكا رضى الله عنه كان فقيه رأى، كما هو فقيه أثر، وأنه
يكثر الرأى فى فقهه، كما يكثر الأثر ، وأن المتقدمين كانوا يعتبرونه من فقهاء
الرأى، وأن المأثور من فقهه ومناهجه شاهد بصدقهم، ولا ترد شهادة الواقع
الملموس بظن متلس .
ثانيهما : أن الرأى عند مالك تنوعت وسائله، ولكنه يتهى إلى أصل
واحد ، وهو جلب المصلحة ورفع الحرج، وعلى ذلك يصح رد الفقه
المالكى إلى الكتاب والآثار، والمصلحة ورفع الحرج، ولذلك فضل من
البيان فى بحثنا .
هذا وإنا نحمد الله سبحانه وتعالى على أن يسر لنا ماصعب ، وقرب لنا
ما بعد، ونضرع إليه تعالت قدرته أن يجعل فيه نفعً للناس ، وأن يديم علينا
نعمة التيسير ، وهو وحده ولى التوفيق؟
ذو الحجة سنة ١٣٦٥ هـ نوفمبر سنة ١٩٤٦م
١٠
محمد أبو زهرة
!

i
- ١٥ -
ولقد كان أبو يوسف يوافق أبا حنيفة فى الأخباس ، وبعض مسائل
يخالف فيها مالكا ، فلما التقى به وأطلعه على الآثار وما عليه أهل المدينة .
اختار رأى مالك، وقال: «لورأى صاحبى ( أى أبو حنيفة) مارأيت
لرجع كمارجعت)).
٢ - وإذا كنا قد اعتزمنا أن ندرس إمام دار الهجرة غير متعصبين
ولا متحاملين ، فمن الحق علينا أن نطرح أفوال المتعصبين جانباً إلا ما كان
منها يكشف عن ناحية من نواحى الإمام الفكرية، فإننا فى هذه الحال
لانترك أقوالهم بل نفحص لبها، ونأخذ ما يستقيم مع الفكرة ويتسق به
البحث، ونترك المبالغة والإغراء، وبذلك نستخلص الحق ما تأشب به
واختلط ، كما يستخلص الذهب ما اختلط به من مواد غريبة عنه ، وإن تم
بينه وبينها المزج والاتحاد، وفى هذا السبيل فرد بعض الأقوال ونقبل بعضها،
كما يفعل الصيرفى ، إذ يرد الزيوف من النقود، ويقبل النافقة الرائجة ، وليس
لنا بد من أن نقرأ عند دراسة سيرة الإمام أقوال المتعصبين ، ذلك أن ذلك
السيرة هى نثير فى كتب المناقب ، وكتب المناقب كتبت بعقلية متعصبة شديدة
التعصب تبالغ فيمن ترفعه إلى درجة لا يستسيغها العقل ، ويمجها كما يمج الفم
كل ما لا يتفق على الذوق السليم، وتبالغ فى الحط من شأن غيره، وإذا كانت
السيرة قد كتبت بتلك العقلية ، ولا يوجد سواها ، فلا بد للدارس من أن
يخوض فيها خوضاً، وأن يختار منها ما يكون مادة نقية خالصة برى فيها
القارىء صورة واضحة الامام فى فكره وفقهه، وكيف تلقى معاصروه
استنباطه، وكيف مازج بين فكره وعصره، وكيف أخذ من معاصريه
من وافق طريقته ومن خالفها ، وبذلك يرى القارى. فى الفقيه أنه ثمرة من
ثمرات عصره وبيئته، وأنه وجه بيئته وعصره، وأثر فيهما، فهو نتيجة لجيله
مؤثر فيه، أو مقدمة لجيل وهو وليد الجيل الذى سبقه.
٣ - وإنا إذا أخذنا على كتب المناقب غلوها فى المدح، وتقديم الإمام
؟
4

- 11-
على غيره، وجهدنا فى تذليل الصعوبات التى تقف محاجزة بيننا وبين إدراك
الإمام كما هو ذاته ، فإنه من الحق علينا ، ونحن ندرس إمام دار الهجرة، أن
نعترف بأن الكتب التى ألفت فى مناقب الإمام مالك لم تكن فى غلوها
كالكتب التى كتبت فى مناقب أبى حنيفة أو الشافعى رضى الله عنهما،
ولم تصل إلى ما وصلت إليه هذه الكتب فى الإغراق والتحامل على غيره،
فلن تجد فى كتاب ترتيب المدارك للقاضى عياض ، أو فى الديباج المذهب
لابن فرخون أو فى مقدمة الزرقانى لشرح الموطأ ، أو فى المناقب للزواوى.
إغراقاً ومبالغة كالذى تجده فى مناقب أبى حنيفة المكى. أو فى مناقب الشافعى
لفخر الدين الرازى. وإن وجدت مبالغة أحياناً ففى دائرة محدودة ، ولعل
أساسها أخبار وصلت إليهم غير صحيحة، وبعض العقول يستسيغها ويقبلها.
وللقارىء أن يسأل لم كانت كتب المناقب لأبى حنيفة والشافعى مملوءة
بالإغراق والمبالغة ، والطعن فى غيرهما ، وقد خلت كتب مالك من الطعن
فى غيره تقريباً ، وقلت المبالغة فى مدحه؟ وإن الجواب الذى يحضرنا فى
ذلك هو أن المعركة الجدلية التى جرت فى القرن الرابع وما وليه فى العراق
وراءه منبلاد المشرق جلها أو إن شئت فقل كلها، كان بين الشافعية والحنفية
ولم يكن المالكية فى أغلب العصور فيها شأن ؛ تلك المجادلة قد أرثت نيراناً
بين أهل المذهبين كان من نتيجتها تلك الكتابات المتعصبة المادحة بإغراق،
والقادحة بمثله ، أما المالكية الذين اختصوا بالأندلس والمغرب وشمال
إفريقية ، وصافبوا المذهب الشافعى فى مصر ، وكثير من البلدان، فقد عكفوا
على دراسة مذهبهم هادئين ، فلم يندفعوا فى مدح كاذب . وإن بالغوا ، ولم
ينساقوا فى تعصبهم إلى قدح شائن فسلموا من الثانى، ولم يغرقوا فى الأول
كثيراً .
لذلك لم تجد صعوبة كبيرة فى تمحيص الأخبار التى اشتملت عليها
كتب المناقب المالكية، وإنما الصعوبة فى استخلاص صورة متناسقة، واضحة

- ١٧ -
بينة ، من بين أخبار غير متناسقة وغير متماسكه ، بل هى تثير غير مضبوطً،
وإن كانت فى جملتها أو فى الأكثر الغالب صحيحة غير مردودة وفوقذلك
لا نجد فى المادة التى بين أيدينا من الأخبار ما يحلى بشكل بيّن متناسق من
غير اضطراب، حياة الإمام الأولى وبيته ..
" لقد وجدنا عند دواسة أبى حنيفة رضى الله عنه فى كتب الأخبار
ما يعطينا صورة عن أبويه، وبيته ، واستطعنا أن نستخلص من سيرته
حياته الأولى، وكيف كان يعيش ، أما مالك رضى الله عنه فلم نجد صورة
لمعيشة أهله جلية كاملة غير مضطربة الأخبار، وكذلك حياته الأولى،
وما كانت عليه، ثم كيف وجه إلى التعليم. وإن ذلك له أثره فى دراسة
ذلك الإمام الجليل ، فإنه إذا كانت النواة هى أصل الشجرة الوارفة الظلال،
فكذلك الحياة الأولى الساذجة هى أصل لتلك الحياة العلمية المقسعة الآفاق .
ولكن إذا كنا لم نجد ذلك الإمام مالك منصوصاً فى موضع معين ، فقد
نجده أو نجد ما يدل عليه، أو يشير إليه مبعوثاً فى بطون الأخبار، وما كان
عليه أهل المدينة ؛ ولعل حياة أهل المدينة ومدن الحجاز بشكل عام فى
العصر الأموى والعصر العباسى قد كانت حیاة ساذجة ، لا تعقد قيها ،
ولا اختلاف بين أهليها ، فإن المدينة من يوم أن انتقلت الخلافة منها إلى
غيرها ، أخذت تتجه فى بعض أحوالها إلى البداوة ، حتى صارت أقرب
إليها فى هذه الأحوال، ولولا أنها مزار المسلمين وبها أحد المساجد الثلاثة
التى تشد الرحال إليها ، كما ذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه،
الكان شأنها والبدو سواء، ولكنها مهاجر النبى . فجعل الله لها تلك
المنزلة الخالدة .
1
٦٠
٤ - وإن استطعنا أن ترسم صورة عن حياة مالك، فإنا نجدها حياة
رقيبة لا تعقد فيها ولا مغايرة، عاش فى المدينة أشطر عمره كلها ، ولميغادرها
إلا حاجاً ، ولم يعرف أنه انتجع غيرها من البلدان ، أو قصد إلى المدائن
(م ٢ - مالك)
٠٠٠

- ١٨ -
دارساً متتبعاً، ولم يعرف بحبه للسفر والارتحال كتلميذه الشافعى، أو
کقرینه التعمان أبى حنيفة رضى الله عنهم ، بل كان مكتفياً بجوار الرسول
صلوات الله وسلامه عليه .
وهو فى هذا المهاجر الكريم يأتى إليه الناس أفواجاً أفواجاً فى موسم
الحج، وغير موسم الحج، زائرين قبر الرسول ، متفسمين نسيم الوحى فى
منزل الوحى، وفى مهبط الشرع فى تلك البقعة الطيبة المباركة مقتفين آثار
الرسول الكريم فى ذلك الوادى المقدس .
وفى أشتات الناس الوافدين من كل فج عميق ، يرى مالك أعراف
الناس وأحوالهم واختلاف مشاربهم، وتباين أجناسهم، وتضارب منازعهم،
وبحد فى ذلك مادة للدراسة الفقهية تجىء إليه تسعى من غیر عناء، ومن غير
:
أن يركب متن السفر والانتقال، ولعلك فى هذا تجد سبباً لتلك الحال
الغريبة، أو التى تبدو بادى الرأى غريبة، وهى أن مذهب مالك الذى لزم
المدينة لا يعدوها ، مذهب خصب يتسع فى أصوله لمختلف البيئات والأزمنة،
لأنه وإن عاش فى ظل المدينة وحدها، كانت تلك المدينة الطيبة المباركة ظلا.
ظليلا تجىء إليه الوفود من شتى البلاد زائرين أو مجاورين، فيجد مالك فى
أحوالهم المادة التى تغذى فقه الفقيه ، وتمده بالعلم الغزير ، ويعرف منها
ما يصلح للناس، وما يطب به لأدواتهم ، وما يستقيم مع معاملاتهم.
٥ - وإن مقام مالك رضى الله عنه بالمدينة لم يفد مذهبه بتلك الفائدة
وحدها، بل أفاده أخرى زادته خصباً، ونشرته من غير داعية يدعو إليه ، ذلك
أن طلاب العلم كانوا يجدون فى ملازمة درس مالك مجاورة للرسول صلوات
الله وسلامه عليه، فأقبلوا عليه أيما إقبال ولزموه أتم ملازمة، ثم فارقوه
إلى بلادهم فنشروا فتاويه ومسائله، وكانوا رسله إلى تلك البلاد البائية ،
يتصلون به فيما يعرض عليهم من مسائل، بالكتب يكتبونها، وبالمذاكرة
إن جاءوا إليه فى موسم الحج، فانتشر بذلك مذهبه فى حياته ، فكان في
:

- ١٩ -
مصر وبلاد المغرب ، ومالك حى ، قد بارك الله له فى العمر .
وقد استفاد المذهب من ذلك فائدتين محتقتين ثابقتين : ( إحداهما) أنه
كان يحاول مع تلاميذه أن يواثم بين أعراف الناس وفقهه ، (وثانيهما)
تشعب مسائله، وكثرة فتاويه، فإن اتساع البلاد التى انتشر فيها، وأخذ أهلها
بأصوله، وتطبيقه على كل ما يحدث لديهم من أحداث، وسع مسائل
الاستنباط ، وكثرت الفروع التى استنبطت ، وبذلك كانت لديه وأصحابه
أشتات من الأمور الواقعة اجتهد فى تعرف أحكامها فأغنتهم عن الفرض
والتقدير ، ووضع الأحكام لأمور فرض وقوعها ، وإن لم تقع فعلا .
واذا كان الفقه العراقى قد اتسع ونما بالفرض والتقدير ، ففقه مالك
أغنته الوقائع فى البلاد المترامية الأطراف، المختلفة الأعراف عن
الفرض والتقدير ، وتصور ما لم يقع على أنه واقع ، والفرق بينهما هو
كالفرق بين الأمر الثابت الواقع، والأمر المفروض المتوقع ، فالأول
يستفيد منه الاستنباط اتصالا بالحياة الواقعة ، والثانى يستفيد منه الاستنباط
الضبط المنطق وحسن التصوير لمناحى الاجتهاد ، ولعل هذا أخص ما بين
فقه أبى حنيفة وفقه مالك من افتراق، ولذا يبدو فى فقه الأول حسن
الضبط والانسجام بين مسائله، والاتساق فى استنباطه، ويبدو فى الثانى.
اتصاله اتصالا وثيقاً بالحياة الواقعة ، ومصالح الناس .
٦ - ولئن تركنا حياة مالك ، وما أحاط بها، وكيف أثر ذلك فىفقهه
وكان هو المقدمة التى أنتجت هذه النتائج المثمرة الفنانة الظلال ، ثم اتجهنا
إلى دراسة الفقه ، لنجدن ثلاثة أمور تواجهنا :
(الأمر الأول ) كيف دون ذلك الفقه ، وكيف جمع وتناقلته الأجيال
المتعاقبة .
و ( ثانيهما) أصول ذلك المذهب، وكيف استفبطت ، وكيف كان يقيد
الإمام نفسه بها .

عـ ٢٠ هـ
و (ثالثها) تحقيق قضية قد تناولتها الأفلام ، وذكرناها فى بعض
ماكتبنا فى غير هذا المقام ، وهى مقدار استمساك مالك بالأثر إذا تعارض
مع الأصول، أو بعبارة أدق أكان مالك لا يعد فقيه رأى قط ، أم له مجال
يقارب أو يباعد أهل العراق فى مقدار الأخذ بالرأى وإن كان الرأى مختلفاً
فى طرائقه ومسالكه .
ولنتكلم فى كل واحد من هذه الأمور الثلاثة كلمة تبين مسلكنا عند
دراسته وتكشف عن منهجنا عند بيانه .
٧ - أما عن الأمر الأول وهو كيف دون مذهب مالك ، فإن لهذا.
المذهب كتابين بعدان أصلين يرجع إليهما ، وهما جامعان لفقهه جمعاً تاماً
فى الجملة، وهذان الكتابان هما الموطأ، والمدونة الكبرى .
أما الموطأ فهو كتاب لمالك جمع فيه الصحاح من الأحاديث والأخبار
والآثار وفتاوى الصحابة والتابعين ، وذکر الرأى الذى يرتئیه إذا كان لرأيه
فيما يسوقه مجال واعتبار، وهو كتاب صادق النسبة إلى مالك روى عنه بعدة
طرائق اتحدت فى مجموعها، وإن اختلف رواتها ، وهو إن كان كتاب
حديث وآثار، هو فى لبه كتاب فقه، يتضمن مع ما يسوقه مالك من
أحاديث قد فقدها ومحص رواتها رأيه فى فقهها، ومنحاه فى الاستدلال وطرائق
الاستنباط منها ، وسنبين ذلك كله فى الكلام فى كتب المذهب المالكى .
وأما المدونة فهى وإن لم يكتبها مالك رضى الله عنهكما كتب الموطأ
ولكنها کتبت من بعده ، وكان أساس کتابتها کما فى أخبار روايتها ، أن
بعض أصحاب مالك رأى كتب محمد صاحب أبى حنيفة ، ودرسها فأراد
أن يستخرج فتاوى مالك فى مثل مسائلها، وذاكر أصحابه فى ذلك ، فما
وجدوه منصوصاً عليه فى المروى عن مالك ذكروه . وما لم يجدوا له فتوى
رواها أصحاب مالك عنه اجتهدوا فيها بالقياس على ما أثر عن مالك، ومجموع
هذه الفتاوى دوّن ، فكان المدونة الكبرى التى رواها سحنون ، وهى
۔