النص المفهرس
صفحات 421-440
- ٤٢١ - ٢٤٨ - ولم تكن تلك التوسعة هى الثمرة الوحيدة لجميع فتاوى الصحابة ، بل إن فتاوى الصحابة أمدت أحمد ومن جاء بعده من أصحابه ومج تهدى مذهبه بثروة من الأحكام الفقهية يقيس عليها ، كما أمدته الأحاديث، وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأقضيته، فكثرت الأشباه والنظائر التى تسعفه بالقياس الصحيح ، فيجد حكم النظير المنصوص عليه بفتوى الصحابى إذ يعتبرها أصلا يقاس عليه، كما يعتبر النص النبوى أصلا يقاس عليه ، ويستمد منه العلة والوصف المناسب، ويسير فى القياس والتنظير على أساس سلفى، لا على مجرد الفرض العقلى . وإن فتاوى أصحابه أمدته بنوع آخر من العلم ، فقد أمدته بالطريقة التى كان يعالج بها الصحابة المسائل التى تعرض لهم ، والدعاوى التى تعرض عليهم ، وليس عندهم نص عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرض القرآن لبيان الحكم تفصيلا، ومن طريقة معالجتهم يعرف مناهج الاستنباط ، ومصادر الشريعة ومواردها ، فمن مناهجهم فى معالجة الحوادث واستنباط أحكامها عرف أن القياس حجة ، وأصل من أصول الاستنباط عند عدم النص ، ومن مناهجهم عرف أن المصالح المرسلة سبيل قويم من سبل الاستدلال . إن لم يكن نص، ومن طرائقهم علم أن الاستصحاب حجة ، وأن الأشياء على أصل الإباحة أو على أصل العفو، حتى يقوم الدليل الذى يطلب أو يمنع، ومن طرائقهم عرف أن الذرائع طريق الحكم الصحيح على الشىء طلباً ومنعاً، وأن النظر إلى المآلات واجب، كما أن النظر إلى الفعل فى ذات نفسه واجب أيضاً . وهكذا كان علم أحمد الجامع بفتاوى الصحابة وأقضيتهم مدداً غزيراً لما وصل إليه من فقه ، وكانت فتاوى الصحابة التى جمعها ، وسهل سبيل معرفتها لتلاميذه وأتباعهم فيها الغذاء الصالح الذى عالجوابه المسائل من بعد - ٤٢٢ - إمامهم ، ونمو مذهبه، حتى صار بهذه القوة والمرونة اللتين نراهما واضحتين فى الكتب المدونة فيه قديماً وحديثاً . ٢٤٩ - وترى من هذا البيان كيف كان أحمد العالم بالآثار المحدث يستمد الفقه الصحيح من ثروته الأثرية ، وكيف يستنبط الأقيسة الصحيحة بالبناء عليها، وكيف علم منها خبر المناهج للاستنباط والعلم الدينى النقى الخالى من الزيغ ، وإنك لتنظر فى بقية الأصول ، كالاستصحاب ، والاستصلاح والذرائع فتجد فيها تنمية للفقه وأسباب الخصب والحيوبة فيها . فالاستصحاب هو الذى يضيق سبيل المنع ، ويقصره على النص ، فلا يمنع إلا بنص من الكتاب أو السنة أو آثار السلف الصالح ، وقد طبق ذلك الأصل على العقود فكم بصحتها كلها ، حتى يأتى دليل الشارع بالبطلان ، فكان أوسع الفقهاء فى إطلاق حرية التعاقد ، حتى لقد وجدنا. يصحح عقوداً وشروطاً لم نكن نظن أن من الفقهاء من يجوزها ، ويصحح الالتزام فيها ، لأننا كنا متأثرين بالأقيسة والضوابط التى انتهى إليها الفقهاء القياسيون الذين لم يكن لهم علم أحمد الجامع بالأحاديث والأخبار والأقضية السلفية والفتاوى . ٢٥٠ - ترك أحمد رضى الله عنه لأصحابه وتلاميذه وقاصديه للفتيا، ومريدية الذين كانوا يتيمنون به تلك التركة المثرية من الأحاديث والأخبار والآثار السلفية ومعها مسائله التى انتشرت وذاعت فى حياته ، وإن لم يرد لها ذيوعاً ، بل إنه قاوم هذا الذيوع وحاربه ، وقد كان كلما حارب الذيوع زادت ذيوعاً ، وأقبل الناس على دراستها . وجاء أولئك الأصحاب وتلاميذهم وأخلصوا النية فى جميع علوم ذلك - ٤٢٢ - الإمام، والبناء عليها، والتخريج والاجتهاد مقيدين بأدلته، وإن لم يتقيدوا جميعاً بآرائه بل كان لهم آراء بجوار آرائه، وكانوا منه أحياناً بمنزلة أبى يوسف من أبى حنيفة وأحياناً بمنزلة تلاميذ مالك والشافعى منهما، وهم فى الحالين قد نموا فقهه، وقاموا على تركته العلمية خير قيام ، وأحسنوا التخريج فيها، والاستنباط على ضوئها وبمنهاجها، ولننظر إلى عملهم أولا فى الفتوى والتخريج ثم فى الجمع والترتيب . - ٤٢٤ - الفتوى والاجتهاد والتخريج فى فقه أحمد من بعده ٢٥١ - تصدى تلاميذ أحمد وأصحابه للفتوى والاجتهاد والتخريج، ونقلوا إلى الأخلاف علم إمامهم فى الحديث والأخبار والآثار والمسائل والأحكام ، ثم جاء من بعدهم من جمع الموروث ونظمه ورتبه وضم أشتاته وألف بين متفرقه ، ومنهم من سار على منهاج الإمام وتلاميذه فى الفتوى والتخريج على أقوال الصحابة ثم على أقوال الإمام ، والمسائل المأثورة عنه، ومنهم من اقتصر على الجمع والترتيب وضبط القواعد، ومنهم من جمع بين الاجتهاد والتخريج والإفتاء والترتيب وضبط الأحكام ، وتأصيل الأصول ، وكل له فضل فى تنمية المذهب، أو تهذيبه وجمعه ، وتذليل سبله . ولنتكلم فى هذا المقام على التخريج والاجتهاد والفتوى، ثم نتكلم من بعد على الجمع والترتيب وبيان الوجوه ، ومن المقرر الثابت الذى يلاحظه الدارسون لتاريخ الفقه أنه كلما شدد فى شروط الإفتاء فى مذهب ومنعه من غير القادرين كان ذلك سبيلا لتنمية المذهب ، وتوجيه فروعه إلى النواحى المنتجة فى الحياة ، فإذا كانت الروح العامة فى مذهب من المذاهب لا تسوغ الإفتاء والتخريج والاجتهاد فيه إلا لمن بلغ درجة الاجتهاد المطلق كانت الفتوى مجدية على المذاهب ، فتنميه وتغذيه ، وتعطيه أرسالا من الأحكام الجديدة الحية المستمدة من روح الشرع الإسلامى ومقاصده وغايته ، ومن قانون الحياة المستمر فى تغيير أطواره وتقلب أحواله ، حتى ينتى إلى النهاية التى قدرها مكون الأكوان. ورب السموات والأرض . - ٤٢٥ - وإذا كانت الفتوى تسند فى مذهب لمن يبلغ أدنى درجات البحث والدراسة ، ويقيد بالمذهب لا يعدو نصوصه، فإن الفتوى لا تعطى المذهب نماء ولا تزيد مسائله شيئاً، فكلما كان التشديد فى انتقاء المفتى كان الإطلاق فى الإفتاء ، والفائدة فى الفتوى ، وكلما كانت السهولة فى اختيار المفتى كان التقييد فى الإفتاء، وقلت الفائدة العائدة على المذهب من الفتوى . ولقد كان المذهب الذى شدد صاحبه وأتباعه فى انتقاء المفتى، وبلوغه درجة من العلم تصل به إلى الاجتهاد المطلق، أو تقاربه مع المذهب الحنبلى، فقد شدد أحمد وأتباعه فى شروط المفتى، فكانت الجدوى فى الفتوى ، وكان النماء المستمر فى ذلك الفقه الحى النامى . ولقد روى عن الإمام أحمد رضى الله عنه نص فى شروط المفتى ، فقد روى عنه أنه قال : (لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتيا، حتى يكون فيه خمس خصال. (أولها) أن تكون له فية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ، ولا على كلامه أود . ( والثانية ) أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة . ( والثالثة) أن يكون قوياً على ما هو فيه ، وعلى معرفته . ( والرابعة ) الكفاية، وإلا مضغه الناس . ( والخامسة) معرفة الناس(١). ونرى من هذا أن أحمد يلاحظ نفسية المفتى، ويلاحظ سمته، واحترام الناس له فوق ملاحظة العلم والكفاية التامة من ناحية الدراسة والبحث والإدراك السليم لأحوال الناس . وقد فصل فى مقام آخر العلم الذى يجب أن يحصله المفتى ليكون (١) أعلام الموقعين ج٤ ص١٧٣ - ٤٢٦ - أهلا لمنصب الإفتاء وليبلغ درجته. فقال فى رواية ابنه صالح ((ينبغى للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة ، عالماً بالسنن ، وفى رواية أبى الحارث لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة ، وقال فى رواية ابن حنبل ينبغى لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فإنه لا يفتى ، وقال فى رواية يوسف ابن موسى أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس ،(١). ونستطيع أن نجمع من هذه الروايات المختلفة غير المتعارضة العلم الذى كان يطلب أحمد من المفتى أن يحصله ، فهو يطلب منه أن يكون على علم بالكتاب الكريم والأسانيد الصحيحة والسنن النبوية وأقوال الصحابة ، وأقوال التابعين ، وإن كان مخيراً فيها بل عليه أن يحصل كل ما تكلم فيه الفقهاء، ليكون على خبرة قامة بمعالجة الحوادث ، والطب لها بالدواء الناجع ، ويستعين بحلول السابقين للوقائع بعد دراسة هذه الحلول ومعرفة دليلها، والانتها. إلى موافقتها لدليلها، لا لقائلها ، فيفتى بها إفتاء المجتهد الموافق لا المقلد التابع . ٢٥٢ - ونرى من هذا أن أحمد رضى الله عنه يشترط فى المفتى أن يكون مجتهداً اجتهاداً مطلقاً، وكأنه أراد بهذا أن يبين ما يجب أن يكون عليه المفتى الأمثل ، ولكن هناك درجات أخرى فى الإفتاء دون هذه المرتبة. ولقد قسم ابن القيم درجات المفتين إلى أربع درجات تبعاً لتقسيم درجات الاجتهاد، ولنذكر هذه الدرجات التى تعرض لها ابن القيم . هذه الدرجات الأربع هى: ١ - المجتهد المطلق، وهو العالم بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة (٢) الكتاب المذكور من ١٧٨ - ٤٢٧ - رسوله بزي وأقوال الصحابة، وهو يجتهد فى أحكام النوازل ، ويقصد فى استخراجها إلى ما يوافق الأدلة الشرعية حيث كانت ، وقد يقع منه تقليد أحياناً . ويقول ابن القيم ( لا ينافى اجتهاده تقليداً لغيره أحياناً فلا تجد أحداً من الأئمة، إلا وهو مقلد من هو أعلم منه فى بعض الأحكام ، وقد قال الشافعى رضى الله عنه فى موضع من الحج: ((قلته تقليداً لعطاء))). وعندى أن التقليد فى هذه الحالة ليس منشؤه الاتباع المطلق من غير تفكير ، بل لأنه فكر، ووافق قوله قول عطاء ، أو لأنه اجتهد وفكر وتعارضت بين يديه الأمارات ، فاستأنس بقول سابق وارتضى ما يوافقه، ولقد قال ابن القيم فى هذا النوع أنهم هم الذين يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ للناس استفتاؤهم ، ويتأدى بهم فرض الاجتهاد . ومن المقرر عند جمهور الحنابلة أن هذا الفريق من المجتهدين لا يصح أن تخلو الأمة منه فى عصر من الصور، وقد ذكر ابن عقيل إجماع الأولين والمتأخرين إلى عصره من الحنابلة على ذلك، وقد قال فى هذا الصنف ابن القيم ما نصه : هم الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ، وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم فى دينه ، وهم الذين قال فيهم على بن أبى طالب كرم الله وجهه: ((لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته)). ٢٥٣ - والدرجة الثانية مجتهد مقيد فى مذهب قد اختار صاحبه إماماً له ، اجتهد فى معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه ، وأصوله ، وتمكن فى هذه المعرفة، والتخريج على أقوال الإمام وأصوله، وقياس ما لم يردعن الإمام نص فيه على ما ورد عنه فتوى فيه، ولا يكون مقلداً للإمام فى الحكم ولا فى الدليل . ولكن كان اختياره للإمام، لأنه قد استقام اجتهاده فى نظاره - ٤٢٨ - أكثر ما وصل إليه من فتاوى، وراجع أصوله ومآخذه ، ومصادر الفتاوى فارتضى كل ذلك عن بينة واقتناع بالدليل ، لا عن جهل وتقليد ، ومجرد اتباع ، ويقول ابن القيم فى هذا القسم : ((وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضى أبو يعلى، والقاضى أبو على ابن موسى فى شرح الإرشاد الذى له)). (( وقد ادعى بعض الحنابلة أن القاضى أبا يعلى، وغيره كانوا مجتهدين مستقلين من النوع الأول ، لا من النوع الثانى، وقد قال ابن القيم أيضاً : إن منهم من وصل إلى درجة الاجتهاد المستقل المطلق، وإن لم يصل إلى قدرة أحمد ، ومنهم من كان دون ذلك ، وقال هؤلاء فى أشباههم فى المذاهب الأخرى ما نصه : ((ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم، واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لأئمتهم فى كل ما قالوه وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر ، وإن كان منهم المقل والمستكثر .. وهذا القسم يتقيد فى اجتهاده بأصول الإمام ، ولا يتقيد تقيداً مطلقاً بأقوال الإمام فى الفروع، واختياره لأقوال الإمام من قبيل موافقة الدليل لا من باب الاتباع المجرد، وتقييد نفسه بأصول ذلك الإمام من قبيل اقتناعه باستقامتها فى الاستنباط، وسلامتها فى الاتدلال ، لا عن تقليد مقيد . ٢٥٤ - المرتبة الثالثة مرتبة المجتهد فى المذهب الذى عرف الأقوال فى المذهب بدليلها، وأتقن معرفة الفتاوى وأصولها ولا يتعدى هذه الأقوال وتلك الفتاوى ، وإذا وجد نص إمامه لا يعدل عنه إلا غيره ، وإذا لم يجد نصاً لإمامه فى المسألة ، اجتهد فى تخريجها على الفروع المشابهة لها من غير - ٤٢٩ - أن يتجه إلى المصادر الأولى للشرع الإسلامى التى كانت أصول إمامه التى تقيد بها ، بل يشابه الفرع بالفرع ، كأن الفرع الذى أفتى فيه الإمام هو الأصل الذى يستخرج الحكم منه، ويقاس عليه ولا يتجاوز طريقه. وهؤلاء يسمون أصحاب الوجوه ، لأنهم يخرجون ما لم ينص عليه على أقوال الإمام ، ويسمى ذلك وجهاً فى المذهب ، أو قولا فيه، ويقول ابن القيم فى هؤلاء مندداً بطريقتهم ، واقتصارهم عليها ، والدعوة إليها : ((هؤلاء لا يدعون الاجتهاد، ولا يقوون بالتقليد، وكثير منهم يقول اجتهدنا فى المذاهب ، فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا، وكل منهم يقول ذلك عن إمامه ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره ومنهم من يقلد فيوجب اتباعه ويمنع من اتباع غيره ، فيالله العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلدهم أعلم من غيره وأحق بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه ، وقعد بهم عن الاجتهاد فى كلام الله تعالى ورسوله ◌َ بِّل ، واستنباط الأحكام منها ، وترجيح ما يشهد له النص مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان، وتضمنه لجوامع الكلم، وفصله للخطاب، وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطرابات فقعدت بهم هممهم عن الاجتهاد فيه، ونهضت بهم إلى الاجتهاد فى كون إمامهم أعلم الأئمة وأولاها بالصواب وأقواله فى غاية القوة ، وموافقة السنة والكتاب والله المستعان . ٢٥٥ - والقسم الرابع أو الدرجة الرابعة فى نظر ابن القيم، هم الذين تفقهوا فى مذهب الإمام الذين ينتسبون إليه وحفظوا فتاويه وفروعه ، وأقروا على أنفسهم بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يوماً ما ، فعلى سبيل التبرك والفضيلة، لاعلى وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا حديثاً صحيحا مخالفا لقول من انتسبو إليه أخذوا بقوله وتركوا الحديث، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابه رضى الله عنهم قد أفتوا بفتيا ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم ، وتركوا فتاوى الصحابة قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قلد ناه فلا تتعداه ولا نتخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منا، ومن هؤلاء كل متكلف متخلف قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين ، وقصر عن درجة المحصلين . ٢٥٦ - هذه هى أقسام المفتين التى ذكرها ابن القيم ودرجاتهم، وتراه جعلهم أربعاً ، أولاها مجتهد مطلق ، والثلاث الباقية من طبقة المجتهدين فى المذهب، والأولى للمنتسبين، والثانية للخرجين ، والثالثة للناقلين . ولقد نقل عن أبى حمدان من فقهاء الحنابلة فى كتاب أدب المفتى أن طبقات المفتين خمس لا أربع. أولاها : طبقة المجتهدين المستقلين المطلقين الذين لا ينتسبون إلى إمام قط بل يحلقون فى سماء الاستنباط الفقهى من الكتاب والسنة والآثار ، وسائر المصادر الفقهية لا يعتمدون على أصول إمام ، ولا على فروعه . وثانيها : المجتهد المنتسب لإمام لكنه لا يتقيد بالفروع التى استنبطها الإمام ولا بالأدلة المنسوبة إليه ، ولكنه يتقيد بأصول الإمام لا يعدوها، فهؤلاء يصلون فى المسائل إلى حلول تخالف حلول إمامهم . ولكنهم مقیدون بأصوله . وثالثها : أن يكون الفقيه مجتهداً مقيداً بالمذهب يستقل بتقريره بالدليل، ولا يخالف إمامه فى الأدلة ولا الأصول، ولكنه يخرج على فروع إمامه ، ويبنى عليها ، وما لم ينص عنه حكمه فى مذهبه يخرجه على ما نص عليه . وقد قالوا إن مثل هذا يتأدى به فرض الكفاية فى الفتوى. أى أنه يفتى عندما لا يكون سواه. ولا يتأدى به إحياء العلوم الشرعية التى منها استمدت الفتوى. وهؤلاء منهم أصحاب الوجوه أى الذين يخرجون على أقوال الإمام وجوها أخرى لم يؤثر عنه حكم فيها. - ٤٣١ - ورابعها : أن يكون فقيه النفس لا يصل إلى مرتبة المجتهدين المنتسبين ولا أصحاب الوجوه، ولكنه فقيه النفس حافظ لمذهب الإمام عارف لأدلته قائم لتقريرها ، بيد أنه لا يخرج على فروع أمامه ، ولكنه يحرر ويزيف ويرجح ، ويمهد ويقرر، وينقح الأقوال المختلفة، ويختار من بينها، ويجوز لهؤلاء التخريج على فروع الإمام، والفرق بينهم وبين القسم الأول، إنما هو فى تحرير المذهب ، وتمهيده، وكأنهم فريق من القسم السابق أو أن القسم السابق يختلف المجتهدون بطريقه قوة وضعفا وعملا . خامسها : الحافظون للمذهب ، والفاهمون له فى واضحات المشاكل، وهؤلاء يفتون بالنصوص فقط، ولا يفتون بغيره قط . ٢٥٧ - هذه الأقسام ذكرها ابن حمدان كما قلنا ، ونقلها ابن تيمية فى مسودة الأصول، وهى تنفق فى الجملة مع الأقسام التى ساقها ابن القيم . وقد اتفقوا على أن الفتوى لا تجوز من غير أصحاب هذه الطبقات ولا شك أن الطبقة الأخيرة فتاويها لا تنمى المذهب، ولا تزيده، أما الطبقات الثلاث التى تسبقها وهم المنتسبون وأصحاب الوجوه وفقهاء النفس، فإن فتواهم تزيد المذهب وتنميه، إذ أن المنتسبين ما يصلون إليه يزيد به المذهب الذى انتسبوا إلیه فروعا ، وأقوالا و توجیهات،وقد كان من هؤلاء عدد لا يحصى فى المذهب الحنبلى، منهم أصحاب أحمد الذين التقوابه ، ومنهم تلاميذهم كالخلال وغيره وممن جاء بعدهم كأبى عقيل وأبي يعلى وغيرهم ، ثم جاء محر العلم ابن قيمية فأوفى على الغاية، وتفجرت ينابيع فكره، وأقت بأطيب الثمرات، وكذلك جاء من بعده تلميذه الناقد الإسلامى الألمعى ابن القيم . وكان من المخرجين وأصحاب الوجوه من لا يحصون فى ذلك المذهب الجليل وكأن الله عوضه عن عدد العوام الذين يعتنقونه بعدد عظيم من العلماء ذوى القدم الراسخة فى البحث والاستنباط والتخريج . - ٤٣٢ - ٢٥٨ - والآن نعود إلى الفتوى والتخريج والنقل، إن العلماء فى هذا المذهب قرروا أن الفتوى لا تجوز إلا من مجتهد ، وكلمة مجتهد لا تشمل إلا الطبقات الأولى ولا تشمل الطبقة الأخيرة ، لأن عملها الحفظ ، وفهم واضحات المسائل ، دون الوصول إلى حل فى مشكلاتها . ولقد جاء فى التحرير الحنبلى: ويمنع عندنا وعند الأكثر من الإفتاء من لم يعرف بعلم، أو كانت حاله مجهولة ، ويلزم ولى الأمر منعه، وقال ربيعة: (بعض من يفتى أحق بالسجن من الراق)). وحكى ابن تيمية فى مسودة الأصول عن ابن حمدان أنه قال: ((من اجتهد فى مذهب إمامه، فلم يقلده فى حكمه ودليله ، ففتياء به عن نفسه ، لا عن إمامه ، فهو موافق له فيه لا متابع له ، فإن قوى عنده مذهب غيره أفتى به ، وأعلم السائل مذهبه إمامه » . وترى من هذين النقلين الحنبليين أن الفتوى لا تكون إلا من مجتهد، ولو فى المذهب ، ولا تجوز من غيره إلا عند الضرورة كأن يكون فى حال لا مفتى فيها من المجتهدين . ٢٥٩ - ولقد تكلم الحنابلة تابعين لإمامهم فيمن يفتى بقول غيره، أو بقول إمامه مقلداً له من غير نظر إلى الدليل، وإلى الأحوال المقترنة بالواقعة وملابساتها بل بنقل قول إمامه فيها من غير نظر إلى الدليل والملابسات التى لابست واقعة الفتوى القديمة ، وواقعة الفتوى الجديدة ، وقد اختلفوا فى ذلك على رأيين ، فقال بعضهم يجوز ذلك ، ويكون المستفتى مقلداً لذلك الإمام الذى حكى قوله متبعاً للفتيا به ، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى، والقول الثانى أنه لا يجوز له أن يفتى السائل إلا ما يستقيم لديه الدليل المبنى على أصول إمامه، سواء انتهى إلى موافقة إمامه أم إلى مخالفته، لأن السائل يريد أن يقلده هو، وأن يعتمد على اجتهاده ، وقد فصل ابن القيم فى ذلك تفصيلا حسناً ، ففرق بين حال السائل إن كان - ٤٣٣ - يطلب حكم الله ورسوله والحق فيها، وحال السائل إن كان يريد حكم المسألة عند الامام، فإن كان يريد حكم الله، فلا يسوغ له أن يفتى إلا بما يستقيم مع الدليل، وإن كان يريد حكم المسألة عند هذا الإمام ، فلينقل له قص هذا الإمام وأمره عند الله)). وتلك الحال الأخيرة هى حال المستفتى الذى لا يجد فقيها مجتهداً دائماً، فإنه يتعرف رأى الإمام فى القضية ، لأنه لا يستطيع الاعتماد على رأى للفتى ، إذ ليس للمفتى رأى يعتمد عليه . ٢٦٠ - هذه نقول نقلناها عن العلماء فى المذهب الحنبلى ، وترى أنهم اتفقوا فى عصرهم الأول على أن المجتهد المطلق لا يصح أن يخلو منه زمان ، وأن المجتهدين المنتسبين كان فيهم عدد كبير منهم، وأن المجتهدين المخرجين وأصحاب الوجوه كأنوا أكثر من الأولين، وأنمى عدداً ، وبهؤلاء نما المذهب الحنبلى نمواً كبيراً ، وكثرت المسائل فيه كثرة عظيمة ، وساير الأزمنة فى الأقاليم المحدودة التى انتشر فيها ، وكان فيه علماء فى كل عصر يعالجون مشاكله، ويدرسون أحواله، ويفتون بحكم الله تحت ظل كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال الأئمة، والمأثور عن إمامهم من أدلة وأصول، وما يفتون من فتاوى ، ويخرجون من تخريجات يضاف إلى المذهب ويدرس . ولقد كان تشديد الأكثرين منهم فى ألا تكون الفتوى إلا من مجتهد من أصحاب الوجوه، أو التخريجات على الأقل ، أو فقيه الناس ، سبباً فى زيادات كثيرة ودراسات للواقعات والنوازل جعلت فروع المذهب فيها حياة وخصب لأنها مستمدة من وقائع الحياة ، ولم تكن معتمدة فقط على فروض الخيال والتصور . ٢٦١ - ولقد أكثروا من نسبة الأقوال إلى الأمام ما دام لذلك وجه من النسبة، ولولم يقلها بالنص، ولقد قرروافيما قرروا أن إذا أفى فى مسألة، وذكر علة الفتوى ، فكل مسألة توجد فيها هذه العلة تعدمن مسائله، وتنسب (٢٨٢ - ابن حنبل) - ٤٣٤ - إلى مذهبه ويعتبر ذلك كمسألة منصوص عليها، لأن الحكم يتبع العلة، حيث توجد العلة يوجد الحكم، وكان النص نصاً عاماً يشتمل على كل ما يندوج تحته ، وهو كل ما تحققت فيه العلة . هذا ويجب التنبيه إلى أن مذهب أحمد قد انقسم بسبب تخريج أتباعه، وكثرته إلى قسمين: قسم منقول، وقسم مخرج ، فالمنقول ما يكون مننص الإمام ، أى أن يفتى فى الوقائع بما أفتى به الإمام فى مثلها ، والقسم الثانى المخرج، وهو ما كانت الأحكام قد خرجت على أقوال الإمام بأن بنيت على قاعدة عامة قد قررها ، أو أصل من الأصول التى ذكرها، وقيد نفسه بها، أو قياس فرع غير منصوص على حكمه بفرع آخر نص الإمام علی حكمه . وإذا كانت الروايات فى المذاهب كثيرة، والأقوال المنسوبة لأحمد كثيرة والمخرجة على أصوله وفروعه كثيرة جداً ، فإن المذهب يحتاج إلى ترتيب ، ووضع نظام الترجيح، وبيان المردود والمقبول ، وكان ذلك عمل رجاله . ٦ ,٠ هـو 5- م - ٤٣٥ - ٣ - عمل رجال المذهب فيه ٢٦٢ - قام رجال المذهب الحنبلى بأعمال جليلة أفادت طالبيه ، وعبدت طرائف الوصول إليه، جمعوا المروى عن أحمد ، وعنوا به عناية كبيرة، ورجحوا بين الرويات المختلفة ، ثم خرجوا عليه ، ورقبوا بين الأقوال المختلفة من حيث قوتها ، ثم وضعوا ضوابط عامة ترجع إليها أشتات الفروع ، ولم يكتفوا فى ذلك بل خاضوا فى علم الأصول التى بنى عليها الفقه الحنبلى . وقد شرحنا عند الكلام فى نقل الفقه الحنبلى ، وكيف نقله أصحابه ، ورجحوا بين رواياته ، وكيف فروا عباراته الدالة على رأيه الفقهى ، وكيف كونوا من هذا النثير المتفرق بينهم مجموعة فقهية متناسقة ذات منطق فقهى متسق متميز بخواص ومزايا تجعله كائناً فكرياً مستقلا، لا يندمج فی غيره، ولا یفتح فيه . وقد بينا فى الفصل السابق عمل المفتين والمخرجين فى مذهبه ، وكيف بنوا عليه ونموا المذهب المأثور بالفتاوى فيما لم ينص عليه بعقد المشابهة بينه وبين منصوص أو باستخراج الحكم من الأصول التى كان أحمد حريصاً على اعتبارها المصدر المعتبر للفقه الإسلامى. ٤ ٢٦٣ - ولقد سمى العلماء ما اهتدى إليه المتبعون لمذهب أحمد من أحكام لم يكن له رضى الله عنه فيها نص ، وإنهم ليقسمون الفتاوى والأقوال فى مذهب أحمد إلى ثلاثة أقسام : (القسم الأول ) الروايات ، وهى الأقوال المنسوبة لأحمد رضى الله عنه سواء اتفقت أو اختلفت مادام القول منسوباً إليه، والحكم المذكور عنه صريح فى عبارته المنقولة مهما اختلفت الرواية بشأنها . -٤٢٩- (القسم الثانى ) التنبيهات ، فهى الأقوال التى لم تنسب إليه عبارة صريحة دالة عليها، بل فهم القول عن الإمام ما تومىء إليه العبارة ، بما يفهم من الكلام کسیاق حديث يدل على حكم يسوقه ومحسنه أو يقويه، وهى فى حكم المنصوص عليه، وإن لم يكن منصوصاً عليه بصريح اللفظ، أو بدلالة العبارة ، بل بلازم النص أو بالإشارة. (القسم الثالث) الأوجه، وهى ليست أقوال الإمام بالنص فلم يقلها بالعبارة ولا بالإشارة ، بل هى أقوال المجتهدين والمخرجين فى المذهب من مثل قياس مسألة غير منصوص على حكمها فى المذهب على مثلها المنصوص عليه ، فإنها تعد من مذهب الحنابلة، وقعد وجهاً من الأوجه فيه على الصحيح، ولقد جاء فى تصحيح الفروع ما نصه : (« أعلم أن الصحيح من المذهب أن ماقيس على كلامه مذهب له، وهو مذهب الأثرم والخرقى وغيرهما من المتقدمين ، وقاله ابن أحمد وغيره فى الرعابتين وآداب المفتى، والحاوى وغيرهم ، وقيل ليس بمذهب له ، قال ابن حامد عامة مشايخنا مثل الخلال وأبى بكر عبد العزيز، وأبى على وإبراهيم وسائر من شاهد ناهم لا يجوزون نسبته إليه، وأنكروا على الخرقى مارسمه فى كتابه من حيث إنه قاس على قوله ... وقال فى الرعاية الكبرى وآداب المفتى: إن نص الإمام على علته، أو ما إليها كان مذهباً، وإلا فلا، إلا أن تشهد أقواله، أو أفعاله أو أحواله للعلة المستنبطة بالصحة والتعيين ... وقال الموفق فى الروضة ، والطوفى فى مختصره وغيرهما إن بين العلة فذهبه فى كل مسألة وجدت فيها تلك العلة كمذهبه فيما نص عليه، وإن لم يبين العلة فلا، وإن أشبهتها إذ هو إثبات مذهب بالقياس ولجواز ظهور الفرق له لوعرضت عليه ، (١) مصرى (١) مقدمة تصحيح الفروع ص. - ١٢٧ - ونرى من هذا أن الفقهاء الحنابلة قد اختلفوا على ثلاثة أقوال فى حكم المسائل التى قيست على مسائل عرفها غير الإمام وأفى فيها: أتنسب إليه أم لا تنسب ؟ فالمتقدمون ينسبونها إليه، وقيل إنها لا تنسب إليه، وفصل بعضهم فقال إن كانت العلة منصوصاً عليها أو ثبت من أفعاله وأحواله كونها العلة ، فإن الحكم المقيس ينسب اليه ، وإن لم تعرف العلة من أقواله ولا أفعاله ولا أحواله فإنها لا تنسب إليه . ويلاحظ أن الخلاف بين أولئك الفقهاء ليس فى كونها من المذهب أو ليست من المذهب ، وإنما الخلاف فى كونها قولا منسوباً للإمام أو ليست بقول، ومهما يكن أمر الصواب فى هذا الخلاف فإنه لم يختلف أحد فى أن ذلك الحكم يعد من المذهب، وبالتخريج، لا بالنقل، عند من يمنع النسبة ويكون بالنقل لا بالتخريج عند من يجوز النسبة . ٢٦٤ - هذا الخلاف فى التخريج بالقياس، أما استنباط أحكام المسائل التى لا يعرف للإمام حكم فيها ولاشبيه، فإنها تكون من المذهب بالتخريج، ولا تكون منسوبة إليه على أنها أقوال منقولة عنه ، لأنه لم يقلها ، ولم يومى. إليها بإيماء ولا بإشارة، فلا تنسب إليه على أنها قول له، ولكن تكون مخرجة على مذهبه ، لأنها من أصوله ولقد قالوا فى الفرق بين القول والتخريج إن القول يكون منسوبا إلى الإمام على أنه قول له ، وأما التخريج فإن الحكم يستخرج من الأصول الكلية ، فإذا أخذ الحكم من أصل كلى فهو مخرج قولا واحداً ، وإذا نص الإمام على حكم، أو عرف من أفعاله فهو له قولا واحداً، والخلاف فى النسبة جرى فى الحكم الذى يقاس على فرع على النحو السابق . ويخرج التلاميذ ومن بعدهم أوجها ، كمابينا. ولقد قال ابن تيمية فى مسودة الأصول ما نصه : - ٤٣٨ - ((وأما الأوجه فأقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من كلام الإمام أحمد، أو إيمانه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه ... وإن كانت مأخوذة من نصوص الإمام أحمد، ومخرجة منها (١) فهى روايات مخرجة له، أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبها من المسائل إن قلنا ما قيس على كلامه مذهب له، وإن قلنا لا فهى أوجه لمن خرجها وقاسها » . ٢٦٥ - ومن هذه النقول يتبين أن أقوال المخرجين تكون أوجها فى المذهب لأصحابها، ولكن غير منسوبة على أنها أقوال للإمام أحمد، وتكون من مذهبه بالتخريج ، لا بالنقل ، وقد بينا الفرق بينهما . وقد أجاز العلماء القياس على مسائل الإمام، ولو أدى القياس إلى الحكم فى مسألة منصوص عليها، وكان القياس منتهياً إلى ما يخالف المنصوص(٢)، وكأنهم بهذا يجيزون القياس واستخراج أحكام منصوص عليها، ولو أدى القياس على فرع آخر إلى خلافها ، والذين قالوا إن القياس على الفرع ينسب المقيس إلى الإمام قال إنه فى هذه الحال يكون أحمد قد نسب إليه قولان أحدهما بالنقل ، والثانى بالتخريج ، والذين قالوا إنه لا ينسب القول إلى الإمام يقول إنه يكون وجها فى المذهب منسوباً لصاحبه . وهذا يدل على أن التخريج فى المذهب كان متسع الأفق غير مقصور على أحكام المسائل التى لا يكون للإمام رأى منقول فيها ، بل يكون أيضاً فيما يكون هناك رأى مأثور عنه، ولو أدى إلى مخالفته، ولكن هذه المخالفة يجب أن تكون مستمدة من أصول المذهب، أو من قواعده، أو من المناهج التى وضعها الإمام للاستدلال وبين الفقيه المستند الذى استند إليه، (١) أى تكون تطبيقا لها وتفريما عليها، ففرق بين التخريج عليها والتخريج منها. (٢) راجع المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل . - ٤٣٩ - ويكون ذلك كله من المذهب، بل يكون قولا له إذا كان مأخوذاً بالقياس على فرع من الفروع المأثورة عنه على الخلاف الذى بينا . وإن ذلك دفع العلماء إلى توسيع آفاق الاستنباط، فوضعت الضوابط والقواعد التى أخذت من أشتات الفروع وجاز البناء عليها ، وكانت هذه القواعد مستقاة من استقراء للفروع المختلفة، وكانت مثمرة ثمرتين: إحداهما أنها كانت تنسيقاً للذهب عبده وقر به وجمع أشتاته ، وثانيتهما أنها سهات التفريع فيه، والتخريج منه، والبناء عليه، ولها فضل من القول. سنعرض له . ٢٦٦ - كثرت الأقوال فى المذهب الحنبلى كثرة عظيمة ، واتسعت آفاق البحث فيه، فآراء مختلفة الرواية عن الإمام، وأقوال كثيرة فى مسائل مختلفة منسوبة إليه ، وأقوال كثيرة مستمدة من إشارات أو إيماءات فهمها أصحابه ومن جاء بعدهم من أقواله وأفعاله وأحواله ، وأوجه مختلفة لأصحابه ومن جاءوا بعدهم فكانت تلك الكثرة سواء أكانت أقوالا منسوبة إلى الإمام، أو مخرجة على أقواله وبلغت درجة النسبة إليه، أم كانت أوجها لأصحابه حافزة عزائم المجتهدين على أن يوازؤوا بينها من حيث قوة النسبة، ومن حيث صحة الرواية ، ومن حيث قوة الدليل ، ومن حيث كثرة المناصرين، فوجدت ترجيحات وتصحيحات ، وانتهى المتأخرون إلى ترجيحات وتصحيحات قرروها ، ولقد قال فى ذلك علاء الدين القدسى , اعلم أن مرجع الصحيح والترجيح فى المذهب إلى أصحابه ، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون ، فالاعتماد فى معرفة الصحيح فى المذهب على ما قالوه )). ولقد ساق بعد ذلك أسماء المصححين والمرجحين وكتبهم ، والاعتماد عليها ، وإن سياق كلامه، وغيره يستفاد منه أنه بعد طبقة هؤلاء المرجدين، أو المصححين ليس لأحد أن يصحح غير تصحيحهم ولا أن يختار غير. - ٤٤٠ - ترجيحهم ، وإن ذلك بلا ريب تضييق من المتأخرين ، ولم يكن من المتقدمين ما يسوغه ، ولذلك ثار ابن تيمية كشأنه فى كل تقييد لا يستمد سنده من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، ولذا قال: ((ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح من مذهبه فى عامة المسائل ». ولقد تبع نجم الدين الطوفى ابن تيمية فى ذلك ، وأفاض فى بيان هذا المعنى فى كتابه شرح مختصر الروضة وبين أنه لا يصح أن يمنع باب الترجيح والنصحيح فى المذاهب عامة ، وفى مذهب أحمد خاصة، وقال فى ذلك : ((إن بعض الأئمة كالشافعى ونحوه نصوا على الصحيح من مذهبهم إذ العمل من مذهب الشافعى على القول الجديد ، وهو الذى قاله بمصر ، وصنف فيه الكتب كالأم ونحوه ، ويقال إنه لم يبق من مذهبه شىء لم ينص على الصحيح منه إلا سبع عشرة مسألة تعارضت فيها الأدلة ، واخترم قبل أن يحقق النظر فيها بخلاف الإمام أحمد ونحوه ، فإنه كان لايرى تدوين الرأى، بل همه الحديث وجمعه بخلاف الإمام وإنما نقل المنصوص عنه أصحابه من أجوبته فى سؤالاته وفتاويه ، فكل من روى منهم شيئاً دونه ، وعرف به كمسائل أبى داوود، وحرب الكرمانى، ومسائل أحمد بن حنبل، وابنى صالح وعبد الله، وإسحاق بن منصور. والمروذى وغيرهم وهم كثير ؛ وروى عنهم أكثر منهم ، ثم انتدب لجمع ذلك أبو بكر الخلال في جامعه الكبير ، ثم تلميذه أبو بكر فى زاد المسافر ، فحوى الكتابان علماً جماً من علم الإمام أحمد رضى الله عنه من غير أنه يعلم منه فى آخر حياته الأخبار بصحيح مذهبه فى تلك الفروع ، غير أن الخلال يقول فى بعض مسائله هذا قول قديم لأحمد رجع عنه ، لكن ذلك يسير بالنسبة إلى ما لم يعلم حاله منها ، ونحن لا يصح لنا أن تجزم بمذهب إمام، حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موته ولا سبيل لنا إلى ذلك فى مذهب أحمد، والتصحيح الذى فيه ، إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده ،