النص المفهرس
صفحات 401-420
- ٤٠١ - وهناك وجه ثان فى المذهب الحنبلى، فيما إذا أصاب ماء الغسل شيئاً آخر، وهذا الوجه خلاصته أن الماء إذا كان ماء الغسلة الأولى يجب تطهير الشىء منه بغسله ستاً ، وإن كان ماء الثانية يكون تطهير الشىء منه بغسله خمساً، وهكذا الثالثة والرابعة يكون تطهيره بقدر الباقى ، وعلة ذلك القول أن الماء المنفصل بعض من الماء المتصل بالشىء، والشىء يطهر منه بست، فكذاك ما ينزل عليه نوعه . وإذا كان المحل المراد تطهيره قد طهره بالتراب ، فالماء الذى يغسل به بعده لا يجب تطهير ما يصيبه بالتراب ، وهذا خلاف القول الأول . وترى من هذه الأمثلة الثلاث تشديد الحنابلة فى اشتراط السبع فى كل النجاسات على الظاهر وتشديدهم فى الماء الذى ينزل من الغسل ، وتشديدهم فى إلحاق الخنزير بالكلب ، مع أن النص وارد فى الكلب وحده ، وتشديد بعضهم فى اشتراط الثمانى بدل السبع. وقد نسبوا ذلك إلى أحمدرضى الله عنه. ولقد شددوا أيضاً ، فجعلوا الغسل سبعاً إحداهن بالتراب يشمل كل أجزاء الكلب كيده ورجله وشعره ، وغير ذلك من أجزائه لأن حكم كل جزء من أجزاء الحيوان هو حكم سائر أجزائه، وقد خالفهم فى ذلك غيرهم؛ لأن الحديث جاء فى ولوغ الكلب على غير القياس ، فلا يقاس عليه غيره ، ولا يقاس على لعابه سائر أجزائه. (د) ومن الأمثلة الدالة على تشدد الحنابلة فى الطهارة أنه إذا كان مع شخص إزاءان أحدهما نجس والآخر طاهر، واشتبها عليه، ولم يكن معه ماء غير ما فى الإناءين . فإنه يريق ما فى الإناءين ويقيمم، وقد خالفوا فى ذلك جمهور الفقهاء ، فأبو حنيفة يوجب أن يتحرى، وما يصل إلى اجتهاده يتبعه. وكذلك الشافعى؛ لأن الظاهر أن التحرى ينتج الإصابة لأنه يبنى تحريه على أسباب مرجحة، ولأن التحرى إذا أوصله إلى ترجيح الطهارة فى أحدهما والنجاسة فى الآخر ، (م ٢٦ - ابن حنبل) - ٤٠٢ - فقد ترجح جانب الطهارة بهذا التحرى ، فلم يصيرا سواء، فيجب التوضؤ منه، ولا يصح التيمم ، لأنه لا ضرورة إلى الماء ، وقال ابن الماجشون من المالكية يتوضأ من كل واحد منهما وضوءاً ويصلى. أما الحنابلة فقد تشددوا وأوجبوا إراقة ماء الإثنين؛ وعللوا ذلك بأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحرى ، وإذا كان أحدهما طاهراً بيقين، فقد عارضه أن الآخر نجس بيقين، وبعد أن حكموا بأن التحرى غير صحيح وأن الواجب الإرافة والنيم ذهب فرط تشددهم فى باب الطهارة إلى أن يشترط بعضهم على مقتضى إحدى الروايات عن أحمد أن التيمم قبل الإراقة غير صحيح؛ لأنه إن تيعم قبل الإراقة فقد تيمم ، ومعه ماء طاهر بيقين، فلم يجز له التيهم مع وجوده، فإن خلطهما أو أراقهما جاز له التيمم ؛ لأنه لم يبق معه ماء طاهر . والرواية الثانية عن أحمد أنه يجوز التيمم قبل ذلك، واختارهما أبو بكر ، وقال صاحب المغنى فيه، إنه الصحيح، لأنه قادر على استعمال الطاهر ، فأشبه ما لو كان بجوار بثر لا يمكن أن يستقى منه(٤). (٥) ومن الأمثلة على تشددهم أن بعضهم يحكمون بأن الأوانى التى يستعملها المجوس وعبدة الأوثان ، ونحوهم لا تستعمل قبل تطهيرها بخلاف أو انى أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنها طاهرة تستعمل من غير حاجة إلى تطهير واجب . والذى قال قبلهم ذلك القول أى وجوب تطهير الأوانى التى يستعملها الوثنيون هو القاضى أبو ليلى، وحجته أن آفيتهم لا تخلو من أطعمتهم، وذباتحهم فى حكم الميتة ولا تخلو آنيتهم من وضعها فيها . وقال أبو الخطاب من الحنابلة حكم آنيتهم حكم آنية أهل الكتاب وثيابهم وأوانهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تتيقن نجاستها، وهو مذهب الشافعى وسائر الأئمة، (١) المنى =١ س ٥٢ - ١٠٣ - لأن التى تربّ توضأ هو وأصحابه من مزادة مشرك، ولأن الأصل الطهارة فلا تزول إلا بالشك . وإن الحنابلة يرجعون قول الفاضى الذى يقرر أنها لا تستعمل قبل غسلها، لأن ظاهر كلام أحمد بدل عليه ، فقد روى أنه قال فى المجوس : لا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ، لأن الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة فى أطعمتهم. وترى من هذا كيف يتشدد الحنابلة فيغلبوا جانب النجاسة على جانب الطهارة مع أن الأصل هى الطهارة وذلك من النشدد والمبالغة فى الاحتياط. (و) ومن الأمثلة التى تدل على تشددهم فى أمور الطهارة انفرادهم من بين المجتهدين بوجوب غسل اليد عند القيام من النوم بالليل ، فإنه قد اختلفت الرواية عند الحنابلة بوجوب ذلك فروى عن أحمد وجوبه وهو الظاهر عنه. واختيار أبى بكر، والحجة فى ذلك قول الفى تَ ◌ّ: (( إذا استيقظ أحدكم من قومه ، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثاً ، فإن أحدكم لا يدرى أين باقت يده)، وأمره يقتضى الوجوب ونهيه يقتضى التحريم، وعبارة (( لا يدرى أين باقت يده)) تدل على أن الحديث وارد فى القيام من قوم الليل ولا يصح قياس غير الليل عليه لوجهين: ( أحدهما ) أن الحكم ثبت غير معلل، فلا يصح تعديته. (وثانيهما) أن الليل مظنة النوم والاستغراق فيه، فاحتمال إصابة يده النجاسة ولا يشعر بها أكثر من احتمال ذلك فى نوم النهار ، ولذا قال أحمد رضى الله عنه فى رواية الأثرم: (( الحديث فى المبيت بالليل، فأما النهار فلا بأس به(١) ) . هذه هى الراوية الأولى ، أما الرواية الثانية فهو أن غسل اليد عند القيام (١) المغنى ج١ ص ٨١ ١٠٤ - من قوم الليل مستحب، وليس بواجب، وهذا رأى جمهور الفقهاء، والحديث محمول على طلب الاستحباب لا الوجوب . (ز) ومن الأمثلة التى تدل على انفراداتباع أحمد بالتشدد فى الطهارة أنهم أنفردوا من بين فقهاء المذاهب الأربعة بوجوب المضمضة والاستنشاق فى الوضوء فإن فقهاء المذاهب الثلاثة اتفقوا على أن المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء لا من فرائضه، لأن فرائض الوضوء قبينها الآية الكريمة : (( يا أيها الذين آمنوا إذا قتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)). ولكن الحنابلة قرروا أن المضمضة والاستنشاق واجبان فى الوضوء وجوبهما فى الغسل، لأن الفم والأنف من الوجه فيجب غسلهما فى الوضوء، وذلك بالمضمضة والاستنشاق ولأن النبى يُؤم قال؛ ((من قوضاً فلميستنشق، وروت عائشة عن النى ◌ُّ أنه قال ((المضمضة والاستنشاق)) من الوضوء الذى لابد منه ولأن كل من وصف وضوء النى ور قم مستقصياً ذكر أنه تمضمض واستنشق ، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما، لأن فعله يكون بياناً وتفصيلا للوضوء المأمور به . وهذه هى الرواية التى يرجحها الحنابلة ، ومقتضاها وجوب المضمضة والاستنشاق ولا وضوء بغيرهما، وهناك رواية أخرى تجعلهما مسنونين فى الوضوء وواجبين فى الغسل، وهذا رأى أبى حنيفة وأبى ثور ، ورأى مالك والشافعى أنهما مسنونان فى الوضوء والغسل معاً، لأنهما من الفطرة، والفطرة السنة . وترى من هذا كيف كان الراجح فى المذهب الحنبلى أشد المذاهب فى هذا الباب من الطهارة المعنوية . - ٤٠٥ - (ح) ومن الفروع التى تدل على تشدد أحمد فى الطهارة أنه أفتى بوجوب الوضوء من أكل لحم الإبل (( أى أن أكل لحم الإبل سواء أ كان نيئاً أم كان مطبوخاً ، أو كان شواء ، ناقض للوضوء ، لا تصح الصلاة إلا بعد الوضوء، وقد خالف فى ذلك المذاهب الإسلامية الأخرى المشهورة ، وقد استدل أحمد على ذلك بما رواه بإسناده أن النبى تُومٍ قال. « توضئوا من لحوم الإبل ، ولا تؤضئوا من لحوم الغنم)). وقد رد الجمهور الاستدلال بهذا الحديث، وقالوا إنه نسخ بقول الرسول على : (( الوضوء مما يخرج لا مما يدخل، ومما روى أبو داود عن جابر أنه قال: ((كان آخر الأمرين من رسول اللّه ◌َ ع ترك الوضوء مما مست النار)). وقد رد الحنابلة الحديث الأول بأنه موقوف على ابن عباس ، وحديث الوضوء من لحوم الإبل أصح، فيقدم عليه، وأما الحديث الثانى، فقد قال فيه المغنى : وحديث جابر لا يعارض حديثنا ، لصحته وخصوصه أى لكون الحديث الذى يروونه صحيحاً، وكونه خاصاً، وحديث جابر عام والعام محمول على الخاص ، ثم قال : ((فإن قيل منحديث جابر متأخر، فيكون ناسخاً ، قلنا لا يصح النسخ به لوجوه أربعة : (أحدها ) أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن . (الثانى) أن أكل لحوم الإبل إنما فقض الوضوء لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض، وإن كان نيئاً، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت نسخ الأخرى . ( الثالث) أن خبر جابر عام والعام لا ينسخ به الخاص، لأن من شروط . - ٤٠٦ - النسخ تعذر الجمع، والجمع بين الخاص والعام يمكن بتنزيل العام على ماعدا محل الخاص . (الرابع) أن خبر النقض صحيح مستفيض ثبتت له قوة الصحة والاستفاضة والخصوص، وغيره ضعيف ... )) (١). وترى من هذا أن أحمد انفرد من بين الأئمة بإثبات أن لحم الإبل ، ينقض الوضوء . أما ألبانها فقد روى عنه بشأنها روايتان إحداهما أنها تنقض الوضوء لما روى من أن النى ولم قال توضئوا من لحوم الإبل وألبانها ، وفى لفظ أن النبى ◌ُ لِّ سئل عن ألبان الإبل فقال توضتوا من ألبانها . والرواية الثانية أن ألبان الإبل لا ينقض تناولها الوضوء ... ولقد بين المغنى فى سرد كلامه الحكمة فى نقض الوضوء من لحم الإبل فقال: ((وخص ذلك بلحم الإبل، لأن فيه من الحرارة ، والزهومة ما ليس فى غيره » . وقد قال بعض الحنابلة إن لحم الإبل من شأنه أن يوجد فى القلب قسوة، وأن العرب كانوا يفرطون فيه وكان يصحب أكله الشراب ونحوه قبل تحريمه، فكان من الواجب أن يجدد الوضوء إذا أقبل على الصلاة ليكون ذلك حداً فاصلا، بين شهوة البطن، وبين عبادة الله سبحانه وتعالى. ٢٣٦ - وبعد فإن هذه فروع قد وجدنا أحمد وأتباعه قد انفردوا بأحكام مشددة فى النجاسة والطهارة وأمثالها كثيرة . وبذلك يحق لنا أن نحكم بأن المصريين وغيرهم من سواد الشعوب الاسلامية من حقهم أن يجعلوا الحنبلية وصفاً لكل متشدد فى دينه ، نزها فى عبادته، متحريا الحق ما أمكن التحرى، والله الموفق. (١) المغني =١ س ١٧٩ وما وليها . - ٤٠٧ - نمو المذهب الحنبلى ٢٣٧ - قال فيلسوف التاريخ الاسلامى ابن خلدون فى مذهب أحمد من حيث قلة أتباعه فى البلاد الاسلامية : «فأما مذهب أحمد فقاده قليل، لبعد مذهبه عن الاجتهاد ، وأصالته فى معاضدة الرواية والأخبار، بعضها ببعض (١))) . وترى من هذا أن فيلسوف المؤرخين يضرب على نغمة الذين أنكروا على أحمد وصف الاجتهاد، وعدوه من علماء الحديث ، لا من الفقهاء، لهذا الاعتبار فهو وإن كان لا يخرجه من زمرة الفقهاء يصف فقهه بأن الاجتهاد فيه قليل ، وأنه يغلب عليه الرواية والأخبار ، فيعاضد بعضها ببعض ، ويوثق ضعيفها بقويها، أو يجمع بين طرائق الضعيف من الأخبار، ويزكى بعضها ببعض، ويجعل منها خبراً قوياً، أو على الأقل غير ضعيف . وقد ذكرنا أن هذه القضية غير مسلمة ، وبينا أن أحمدرضى الله عنه كان فقبها وكان مجتهداً، وكان اجتهاده مبنيا على أسس سليمة من السنة المروية . والآثار الصحاح الثابتة من أقضية الصحابة والتابعين ، فكان يبنى على ما علم من أخبار ، ويقيس عليها فيفتى فى الوقائع التى يبتلى بها الناس بمثل الفتوى التى أثرت عن الصحابة فى مثلها، إن كان بينهما وجه من التشابه يشركهما فى حكم واحد ، فإن لم يجد تشابها بين الواقعة وما عنده من علم السلف، اتبع الصحابة فى طريق دراستهم للمسائل ، ومنهاج فتاويهم فهو يتبعهم فى الفتوى والمنهاج، فله اجتهاد حسن قويم استمده من ينبوع الأثر، فأمده علم غزير بالآثار السلفية ومعانيها ، وطرائق الوصول ، (١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٤ ٠ - ٤٠٨ - ومنهاج استنباط المسائل فيها جاء فقهه كما ذكرنا أثراً شبيها بالأثر ، وليس ذلك بناقص من قدره بوصفه فقيها مجتهداً ، فليس الفقه هو الفتاوى المنطلقة من القيود السلفية، بل هو الإفتاء على ضوء من عمل النبى معَ ◌ّه وأصحابه عندما كانوا يجتهدون آراءهم . وعلى ذلك نقرر أن ابن خلدون لم ينصف أحمد عندما أشار بقلة اجتهاده، وكثرة رواياته ، ليفهم أنه كان محدثا أكثر مما كان فقهياً، أو نقهه فقه رواية، لا فقه دراية . ولقد أخطأ ابن خلدون مرة ثانية عندما حكم بأن قلة التابعين له سببها قلة اجتهاده فان هذه القضية فى ذاتها غير سليمة ، فان العامة لا يختارون من يقلدون اختياراً منشؤه الموازنة بين الأدلة ، ومعرفة مقدار فقه الفقيه . فما كان تقليد عامة أهل مصر أو أهل الشام للشافعى منشؤه الموازنة الصحيحة بين مقدار اجتهاد الشافعى واجتهاد غيره ، وكذلك يقال فى مالك ، وأبى حنيفة . إنما كثرة المقلدين وقلتهم ترجع إلى أمور سياسية ، أو اجتماعية سهلت نشر المذهب، أو صعبت ذلك، فذهب أبى حنيفة ما ساد فى العراق فى القديم إلا لكثرة أصحابه بالعراق، ومقام بعضهم فى الخلافة الاسلامية، وجعل القضاء على أسسه فى الخلافة لما ساد التقليد ، وكثر المقلدون من العلماء، وهكذا تجد كل مذهب انتشر كانت هناك أحوال وملابسات سهلت ذلك الانتشار فى هذا الاقليم ، ولم تكن هذه الأحوال فى غيره ، فقل نشر المذهب فيه ، ولم تكن قوة الدليل ، أو كثرة الاجتهاد من عوامل شيوع المذهب سلبا أو إيجابا . وإذ كان مذهب أحمد لم ينتشر كغيره من المذاهب ، فذلك لملابسات - ٤٠٩ - لم يكن مقدار اجتهاده ذا تأثير فيها، وما كان لمثل ابن خلدون أن يقحم مقدار الاجتهاد فى ذلك المقام . ٢٣٨ - وإذا كان لأحمد رضى الله عنه طريقة فى الاجتهاد تجعل الباحث يظن بادى الرأى أنه كان أقل من غيره فهو أنه ما كان يفتى إلا فيما يقع من مسائل غير معنى بتدوينها، ولا بالتخريج عليها، وكان فى ذلك كالك، وإن كان أصحاب مالك كافرا يتجهون إلى التفريع ، ويتحايلون ليجيبهم إلى ما يفترضون من مسائل أحيانا . فأحمد رحمه الله كان يفتى فيما يسأل عنه ، ولكنه كان لا يفتح باب التفريع؛ لأنه يعتقد أن الفتوى ابتلاء للمفتى، لا يصح أن يتوسع فيها، ولا يستدرج فى الإجابة عن حكم ما وقع إلى ما يمكن أن يقع ، وقد كان الحنابلة من بعده ينهجون مثل نهجه فى الجملة ، وإن كانت كثرة الحوادث أغنتهم عن الفرض والتقدير والتفريع كما سنبين. ولقد كان ابن رجب الحنبلى فى كتابه جامع العلوم والحكم عند كلامه فى تفسير الحديث التاسع(١) من الأربعين النبوية: ((قال الميمونى: سمعت أبا عبد الله يسأل عن مسألة، فقال وقعت هذه المسألة بليتم بها بعد، وقد انقسم الناس فى هذا أقساماً ، فمن أتباع الحديث من سد باب المسائل ، حتى قل فقهه وعلمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه ومن فقهاء أهل الرأى من توسع فى توليد المسائل قبل وقوعها ، ما يقع فى العادة منها، وما لا يقع ، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك ، وكثرة الخصومات فيه ، والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب وتستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء، والعداوة والبغضاء، (١) الحديث التاسع هو مارواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( مانهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ، فإنما أهلك الذين من قبلكم مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» . - ٤١٠ - ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة ، وصرف وجوه الناس ، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه. « وأما فقهاه أهل الحديث العاملون به، فإن معظم هممهم البحث عن معانى كتاب الله عز وجل، وما يقره من السنن الصحيحة ، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحها وسقيمها ثم الفقه فيها ، وتفهمها والوقوف على معانيها ، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان فى أنواع العلوم فى التفسير والحديث ، ومسائل الحلال والحرام ، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك ، وهذه هى طريقة الإمام أحمد ، ومن وافقه من أهل الحديث الربانيين ، وفى معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث الرأى فيما لا ينتفع به؛ ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدال ، وكثرة القيل والقال ، وكان الإمام أحمد كثيراً ما إذا سئل عن شىء من المسائل المولدات التى لا تقع يقول دعونا من هذه المسائل المحدثة)). وترى من هذا أن أحمد رضى الله عنه ما كان يفتى إلا فما يسأل عنه مستضيئاً بما فهمه من آثار الرسول والصحابة والتابعين ، وطرائق فتواهم ، ومسالكهم مستبيناً معانى الفتاوى ، وما تشير إليه ، وما تقيدت به من نتائج . ١ ٢٣٩ - ولكن إذا كان أحمد يتقيد بألا يفتى إلا بما يقع من المسائل، ويتقيد بمناهج السلف ، فهل يجعل ذلك مذهبه ناقصاً ، أو غيرقادر على مسايرة الزمان ؟ الواقع أن ما أفتى به أحمد من فتاوى جمعت من بعده ، ونشرها أصحابه وتلاميذهم فيه الكفاية للإفتاء . وإن كثرة رواية أحمد ، وحفظه لفتاوى الصحابة، سواء فى ذلك من أقام منهم بالحجاز، ومن رحل إلى مصر أو الشام، أو العراق أو اليمن، وغيرها من البلاد الإسلامية جعل بين يديه مجموعة من الأقضية وسعت مدارك الفتوى ، وطرائقها، ثم أغنته المسائل - ٤١١ - الواقعة فى عصره، وقد اتسعت فيه نواحى الاجتماع ، وتشعبت مسائل الحياة عن الفرض والتقدير . ولقد ذكر ابن رجب أن العلم بأحكام المسائل الواقعة يسهل العلم بما لم يقع عند وقوعه، وهذا نص كلامه: «من سلك طريق طلب العلم تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً ، لأن أصولها توجد فى تلك الأصول المشار إليها ( أى الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين). ٢٤٠ - كان فقه أحمد بمقتضى ذلك فقهاً قابلا للنمو ، لأنه لا يقيد إلا بفتاوى السلف وأقضيتهم ومعانى السنة والقرآن الكريم، وما استنبطه السلف الصالح تحت ظلهما . ولقد لاحظنا من الاستقراء الفقهى أن الفقه الذى يكثر فيه التفريع ، ويضبط بضوابط قياسية كالفقه الحنفى بشكل خاص ، والفقه الشافعى الذى يقاربه، وإن لم يكن يماثلة - يكون الضبط القياسى مفيداً له، فإذا جاء الفقيه، وابتلى بحوادث وجد النصوص المذهبية القياسية قائمة ، وقد تكون غير مناسبة للزمان فتقف محاجزة بين الفقيه والإفتاء بالصالح ؛ ولذلك اضطر المجتهدون فى المذهب الحنفى بسبب ضبط الأقيسة ، والتفريعات القياسية أن يكثروا من الاستحسان بالعرف، حتى وجدوا المتأخرين متأثرين بالعرف يتحللون من بعض تفريعات الأقدمين وأقيستهم، فيخالفونهم ويعتبرون الخلاف بينهم وبين سابقيهم اختلاف زمان ومكان ، لا اختلاف دليل وبرهان ، وقد يقف المتزمتون منهم حيث كان ينبغى السير ، وحيث تدفع الحوادث إلى السير ، وقد سلم من هذا الفقهاء الذين تقيدوا بالوقائع لا يفتون فى غيرها، ولا يقدرون الأمر قبل وقوعه، ولذلك كانت طريق التخريج عندهم غير مقيدة بقول سابق من الإمام أو أصحابه المقدمين الذين تعتبر آ راؤهم قريبة من آرائه، فلا محاجزات تقف فى طريق اجتهادهم .. - ٤١٢ - ولقد وجدنا مذهب مالك ومذهب أحمد يسيران على الفتوى ، فيما يقع، على تفاوت بينهما فى قدر الاستمساك، ووجدنا خصبا فيهما فى معالجة المسائل التى تجد فى الأزمنة المختلفة على ضوء ما قال الأقدمون، وأن سبب ذلك واضح لايحتاج إلى فضل من البيان ، ذلك أن الذين أكثروا من التفريع ، والفرض والتقدير، ووضع الضوابط والمقاييس ، قد كثرت أحكام الفروع المأثورة عنهم ، والقواعد الضابطة المنقولة إلى الأخلاف ، فلما جاء عصر أتباع الأئمة وتقليدهم ، وعدم الخروج عن نطاق اجتهادهم كان أولئك الأخلاف مقيدين بتلك الأقوال ، وبهذه الضوابط ، فاكتفوا بالإفتاء بها. وقد كانوا يجدون ضيقاً شديداً فى تطبيقها. فكانوايبتكرون الحيل والمخارج للتخفيف عن ثقل هذه القيود ، ولذلك وجدت الحيل فى المذهب الحنفي، ووجدت المخارج والحيل فى المذهب الشافعى ، وكان ذلك فى أصل مشروعيته لتخفيف تلك القيود المذهبية، وجعل الأحكام المذهبية متطابقة فى العصور ، لا يجد الناس فيها حرجا وضيقا، ولكن شاهت من بعد ذلك النفوس ، فاتخذت الخيل طرائق لتضيع الحقوق ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وتحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وتحريم ما أحل . أما المذهب الحنبلى ، ويقاربه المذهب المالكى ، فلم تكن الفتاوى فيه إلا فى الوقائع، ولما جاء العصر الذى ساد فيه الاتباع دون الاجتهاد لم يجد المقلدون فتاوى فى كل المسائل الواقعة ، واضطروا لأن يخرجوا على أقوال السابقين ومناهجهم ، إذ لم يجدوا من الأقوال لإمامهم الأول مايقف محاجزاً دون التخريج والبحث ، ولذلك تجافى المذهب الحنبلى عن الحيلة والتحابل ، ولم يكن فى منطق الحنابلة إجازة الحيلة بحال من الأحوال ، وقلت الحاجة إلى المخارج عنهم ، ولذلك لم نجد كتابة لهم فى الحيلة إلا على وجه الاستنكار . ٢٤١ - ولقد كان المذهب الحنبلى كالمذهب المالكى والحنفى يخضع - ١١٣ ~ الفتوى فى غير مواضع النصوص والآثار للعرف، فتطيب نفس المفتى بأن يجرى فتواه على أعراف الناس، إذا لم تكن آثار مسعفة، أو مصلحة دافعة، ويخرج ألفاظ الإيمان والوصايا، وسائر العقود على مقتضى عرف الناس ، وبقول فى ذلك ابن القيم بعد تقريره وتفصيله : « وإذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، فلا تجره على عرف بلدك ، وسله عن عرف بلده : فاجر عليه وأفته به دون عرف بلدك ، والمذكور فى كتبك ... فهذا محض الفقه ، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول فى الكتب على اختلاف عرفهم وعاداتهم، وأزمنتهم وأمكنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم ، فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعاداتهم ، وأزمنتهم وطبائعهم بما فى كتاب من كتب الطب مع اختلاف أبدانهم ، بل هذا الطبيب، وهذا المفتى الجاهل أضر أديان الناس وأبدانهم ، والله سبحانه وتعالى المستعان )، (١). وإخضاع الفتوى للعرف فى غير المأثور حكمه يجعل الفتاوى صالحة للناس مألوفة لهم لأنها مشتقة من المعروف عندهم الذى لم تثبت حرمته ، ولم يقم دليل على مضرته ، فإذا كانت العادات والأعراف محكمة ، فقد وجدت الأحكام الثابتة المستقرة فى النفوس ، ما لم تكن تلك الأعراف مستنكرة الشرع الكريم. وإذا كان العرف محكما فى المذهب الحنبلى فى غير المنصوص عليه فى الآثار ولم يفت أحمد فى كل الوقائع ، فإن المذهب بذلك كان خصباً ، وقد وجدت عقود كثيرة، أقرت فيه مشتقة من العرف الجارى ، ولم توجد فى غيره ، كما ذكرنا فى البيع بقطع السعر، ونحو ذلك، فان هذه العقود مشتقة (١) أعلام الموقعبن جـ٣ ص ٦٧ - ١٤ ٤ - من العرف ، وليست مستنكرة فى الشرع، فساغ الحكم بصحتها، وضاقت الأقيسة عند غيره عن أن تسعها . ٢٤٢ - ولقد وجدنا أحمد رضى الله عنه لم يكتب فقهه وجاء أصحابه فرورا ذلك الفقه كما بينا، وقد كان له فى حياته رضى الله عنه قاصدون من كل بقاع البلاد الاسلامية فمن بلاد ما وراء النهر، ومن فارس وخراسان ، ومصر والشام واليمن ، والحجاز وغير ذلك ، وكل أولئك أستفتوه، وأخذوا عنه، ونقلوا فتاويه إلى بلادهم ، وتفرقوا بها فى البلدان ، وهو رضى الله عنه يغنى فى كل ما يسأل عنه. ويظهر أنه لم يكن يقيد نفسه بفتواه السابقة، لأنها غير مسطورة بين يديه يراجعها، وينقحها أو مخالفها، كما كان يفعل الشافعى رضى الله عنه، وكما فعل فى كتبه العراقية ، فقد نقحها فى مصر، وكانت هى المصرية، أو هى المذهب الجديد ، على حد تعبير الكتاب فى الفقه الشافعى ، وأيضا فإن أحمد رضى الله عنه كان يتجه إلى الدليل حيثما كان لا يمنعه منه رأى سابق ولو كان ذلك الرأى صادراً عنه هو، ولعل ذلك بعض الذى حفزه لأن ينهى عن كتابة فتاويه، أو مسائله ، كما كان يعبر هو عنه ، وأيضا فانه كان يفتى فى الوقائع وهى ليست صوراً مجردة يمكن أن تتشابه تشابها كاملا، فتتشابه أحكامها ، أو بعبارة أدق تتحد، بل الوقائع حوادث تحيط بها ملابسات، وتقترن بها بواعث تجعل الفوارق بينها كثيرة ، وقد تختلف الأحكام باختلاف الباعث ، والنتيجة التى تؤثر فيها الأحوال والملابسات ، وإن اتفقت الصورة والمظهر، ويختلف حينئذ الحكم، وإن اتحدت الأشكال، وتشابهت الوقائع. لإذا كله أثرت عن أحمد أقوال مختلفة فى المسألة الواحدة ، وروايات مختلفة فى الحكم ، وقد وضحنا ذلك بعض التوضيح عند الكلام فى فقبه . - ٤١٥ - وإذا كثرت الأقوال وكثرت الروايات اتسعت أبواب التخريج ؛ لأن الوقائع المستقبلة عند الأخلاف يجد المفتى فيها عدة أقوال فى المسألة المشابهة، وعدة روايات أحياناً، فيخرج مسألته على أقرب هذه الروايات شبهاً بها، أو على أقرب الأقوال اتفاقاً مع بواعثها، وأدنى إلى الإصلاح بين الناسر منها ، ولا تضيق على الفقيه المخرج المسالك ، ولو كان قولا واحداً ، ورواية واحدة لكان فى ضيق وما عالج الواقعة التى ابتلى بالاستفتاء فيها، إلا فى نطاق ضيق لا يستطيع أن يتخير فيه ما بلاثم الزمان ، وما يتفق مع الأحوال والملابسات ، ولا تكون الفتوى غيرة صالحة بغير ذلك . ٢٤٣ - ولقد وجدنا فى استقرائنا الفقهى أن الفقهاء الذين غلقوا باب الاجتهاد بكل طرائقه، وأحكموا الرتاج كانوا من الحنفية والشافعية، ووجدنا المالكية يقررون أن المفتى يجب أن يكون مجتهداً ، بحيث يدرك تحقيق المناط ، أى مخرجه، وتطبيقه وقالوا إن ذلك النوع من الاجتهاد لا يخلو منه زمان، بل هو باق ما قى الإسلام والمسلمون ، لأن الحوادث وإن تشابهت صورها الماضية واللاحقة لا تتحد مشخصاتها، وقد يلابس واحدة ما يقتضى حكما يغاير الأولى، ولا يعرف ذلك المقلد، وإنما يعرفه المخرج ، فكان المالكية بذلك أقرب إلى التوسعة من المذهبين الأولين . ولقد جاء الحنابلة بعد هؤلاء وأولئك، فقرروا أن باب الاجتهاد بكل طرائقه لا يغلق ، وإن كانت القوى مختلفة والمدارك متباينة فليس لأحد أن يغلق بابه وإن كان الناس جميعاً ليسوا له أهلا، بل كل ومداركه ، وكل وما تيسر له ، وقد يخلو بعض الأقاليم أو بعض المعاصرين من المجتهدين ، وليس ذلك لأن الاجتهاد محرم وبابه مقفل. - ٤١٩ - بل لأن المدارك لم تتجه، والهمم تقاصرت ، وإن كان السبب ميسراً والباب مفتوحاً . وإن قضية فتح باب الاجتهاد فى المذهب الحنبلى قضية تضافرت عليها أقوال المتأخرين وأقوال المتقدمين ، حتى لقد قال ابن عقيل من متقدمى الفقهاء فى ذلك المذهب الجليل، إنه لا يعرف خلافاً فيه بين المتقدمين ، وإن أقر المتأخرون أنه قد يوجد عصر يخلو من المجتهد المطلق فابن حمدان الحنبلى يقول : ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق، ومع أنه الآن أيسر منه فى الزمن الأول . وترى من هذا أنه يقرر الواقع ، ولكن لا يقره ، بل يستنكره. فإذا وجدت أعصر لم يعرف فيها مجتهد ، فليس ذلك ما يستبشر به ، بل مما يستغرب منه لتوافر السنن ، وتدوين الآثار ، واستنباط وسائل الاجتهاد ، وجمع الأقوال والاسترشاد بها فى تمييز الصحيح ، وإبعاد السقيم . وإذا كان باب الاجتهاد مفتوحاً، وإذا كان العلية من أصحاب أحمد وأتباعه قد استنكروا أن يخلو زمن من المجتهدين المطلقين المستقلين ، فإن ذلك المذهب يكون ظلا ظليلا لأحرار الفكر من الفقهاء، ولذلك كثر فيه العلماء الفطاحل فى كل العصور، وبعض العلماء كان إذا اطلع على ما فى ذلك المذهب الأثرى من خصوبة ، وحرية فى البحث، ورجوع إلى الأثر يطرح مذهبه الذى كان يعتنقه، ويلجأ إلى ذلك المذهب الواسع الرحاب، الخصب الجناب ، فإذا قل عدد معتنقيه من العامة وأشباههم، فقد كثر عدد معتنقيه من المجتهدين وأمثالهم، ومن يتخيرون من المذاهب ولا ينقيدون ، وحسبه أن يكون فيه الإمامان ابن تيمية وابن القيم، ليكونا عوضاً عن الكثرة والأعداد، ولو كان المعدود أجناساً وأقاليم . - ٤١٧- ٢٤٤ - ومن الحق علينا بعد هذا العرض أن نقرر أن ذلك المذهب الأثرى مذهب فى عناصر أصوله كل الأسباب التى تنميه ، وقد وجد رجال علوا به، وساروا به إلى الطريق الأمثل ، فأوجدوا فيه حياة تتسع لأحكام الحوادث فى كل الأزمنة والأمكنة . وإنا نرجع عوامل نموه إلى أمور ثلاثة: أصوله والفتاوى والتخريج فيه، ورجاله، فإن هذه الأمور الثلاثة كانت أسباب قوته، والغذاء الذى نماء ، ولنتكلم فى كل واحدة بكلمة بينة . (٢ ٢٧ - ابن عبل) - ١٨ غ - أصول الفقه الحنبلى وأثرها فى نموه ٢٤٥ - نظرة عاجلة إلى الأصول التى بنى عليها أحمد بن حنبل فقبه، والتى استنبط الحنابلة من بعده على ضوئها ترينا كيف اتسعت طرائق الاستنباط فى ذلك الفقه ، وكيف كان عظم اطلاع صاحبه على الآثار السلفية سبباً فى خصوبة الفقه لا فى جفافه، فقد كثر المروى ، وبكثرة المروى تكثر وجوه القياس، والنظائر التى بنى عليها ، وكثر عدد الأصول، فاستنباط بالمصالح المرسلة، واستنباط بالذرائع، واستنباط واسع الأفق بالاستصحاب، وترك الأمور على أصل الحل الأصلى، أو العفو الأصلى، كما يعبر المدققون من الفقهاء حتى يقوم دليل يطلب ، أو دليل يمنع. وإن كثرة طرائق الاستنباط فى ذاتها من شأنها أن توسع فيه، إذ تكثر ينا بيع الاجتهاد ، فتمده بعناصر مختلفة يتكون منها كيان فقهى مذهبى محكم، تتعدد فيه المصادر الفقهية، فتمد الفقيه بأغزر الفقه، وأحكم الأحكام ، وتجنبه الشطط ، وتهديه سواء السبيل . ٢٤٦ - وليست كثرة الأصول وحدها هى عوامل إنماء المذهب الحنبلى، بل نوع هذه الأصول والثروة الفقهية التى يمد بها كل نوع ، وإن كل نوع من الأصول التى امتاز بها الفقه الحنبلى، أو بالكثرة منها ترينا كيف كان ذلك المذهب حياً يحوى فى ثناياه كل عناصر القوة، والنمو . ولعلنا إن اتجهنا إلى بعض منها، وبينا كيف كانت غزارة علم أحمد فيه من أسباب نمو الفقه ، وليكن فتاوى الصحابة ، فقد حسب بعض الذين لا ينظرون إلى الأمور إلا بالنظر العاجل، فيحكمون بادى هذا النظر، من غير ترديد النظرة والفكرة - أن اعتماد أحمد على فتاوى الصحابة من أسباب جمود الفقه الحنبلى لا من أسباب الخصب فيه ، وقد ظهر ذلك من عبارات - ٤١٩ - ابن خلدون التى نقلناها آنفاً ، ومن عبارات بعض المتقدمين والمتأخرين الذين كانوا يظنون أحمد ليس فقيهاً، ولكنه محدث، ومن علماء الآثار ، لا بعدو ذلك . والحقيقة أن استكنار أحمد من رواية الآثار ، حتى لنحسب أنه أول جامع جمعاً مستوعباً أو قريباً منه الأحاديث والآثار فى الأقاليم الإسلامية كلها - كان من أسباب خصب ذلك الفقه . وذلك لأن إحاطة أحمد رضى الله عنه بكل الأحاديث، أو بحلها أعطاه ثروة من الأقضية والأحكام جعلته يحسن الاستنباط فيجد أحكام الحوادث منصوصة، وفوق ذلك وسع باب القياس ، فأصبحت الأمور التى تقع ولا يجد لهانصا، يستطيع بعلمه بالنصوص الكثيرة ، وبالأقضية والفتاوى والمروية أن يجد لها الشبيه ويحسن التنظير بين المسائل ، إذ يسعفه حفظ الكثيرمن المأثور ، فيتخير منها أقرب الأشباه والأمثال بالواقعة النازلة، وليس كذلك الذى يكون علمه بالحديث ليس جامعا، فإن التنظير لا يكون عنده إلا بمقدار ما حفظ ، فيقيس على أمور قد يكون الشبه ليس فى قوة أمر آخر غير مطلع عليه، والشبه فيه أقوى، والأوصاف المناسبة فيه أظهر والعلل الضابطة فيه أقوى وأبين ، ويكون القياس عليه أهدى سبيلا من غيره . ٢٤٧ - وإذا كان العلم الجامع بالأحاديث والأخبار من شأنه أن يسهل سبل القياس، ويجعله أحكم، وأقرب إلى مرامى الشارع ومقاصده العامة المبثوثة فى نصوص الرسول وأعماله وأقواله، فإن العلم بفتاوى الصحابة وأقضيتهم علما جامعا يمد الفقيه بعناصر الفقه كاملة ، ويعطيه أحكاما لأشتات من الحوادث فى الأقاليم المتباينة، وقد واجه الإسلام حضارات مختلفة . وذلك لأن الصحابة بعد فتح الأمصار تفرقوا فيها ، فتفرقوا فى اليمن - ٤٢٠ - والشام ومصر والعراق وفارس وغيرها من الأقاليم الإسلامية، وقدواجهوا فى هذه الأقاليم الحضارات المختلفة للبلاد المفتوحة، ورأوا الأحداث التى صادفوها ولم يكن فى بلاد العرب مثلها، ورأوا الأحداث التى وقعت من امتزاج الحضارات المختلفة بعضها ببعض فى صدر الإسلام، واستفبطوا أحكام هذه الحوادث من المروى عن رسول الله عزّ، فقد كان منهم القضاة والمفتون الذين يرجع إليهم فى بيان الأحكام الشرعية فى كل ما يجد من الحوادث، وعلى ذلك تكون أقضية الصحابة وفتاويهم، وكذلك أقضية كبار التابعين وفتاويهم صوراً ناقلة الأشكال الحضارات والمدنيات التى تواردت على العقل الإسلامى، وتفتحت لأحكامها مصادر الفقه الإسلامى، واستنطقها أولئك العلية من الصحابة وكبار التابعين . فإذا كان أحمد رضى الله عنه قد أوفى علما جامعا بفتاوى الصحابة وكبار التابعين الذين كان يرتضى آراءهم ومناهجهم فقد وجد ألوانا من الحوادث تغنيه فى الفتوى عن الفرض والتقدير الذى وسع الفقه الحنفي ، وإذا كان ثمة من فرق بين الأمرين ، فهو أن هذه الفتاوى التى أمدت أحمد بالاستنباط ، وفتحت فقهه موضوعها حوادث واقعة حية متنوعه الألوان والأشكال ، أما الحوادث المفروضة فإنها ليست لها قوة من الحياة ، وهى فى ذاتها لون واحد ، لأن خيال الفقيه فى التفريع يكون مقيداً بنوع ما وجد حكمه وجنسه، إذ هو مربوط بموضعه ، وفوق ذلك فان أحمد يجد الحادثة وعلاجها الذى اهتدى إليه من التمس علمه من رسول اللّه ◌ُ به من غير توسط أحد . وعلى هذا نستطيع أن نقول إن أحمد رضى الله عنه بجمعه لفتاوى الصحابة وأقضيتهم وفتاوى كبار التابعين وأقضيتهم قد أمد الفقه الحنبلى بحوادث كثيرة وأحكامها، وفى ذلك ثروة فقهية، وتوسيع للمذهب ، كما وسع الفرض والتقدير المذهب الحنفى .