النص المفهرس
صفحات 381-400
- ٣٨١ - ((المتكلم بالعقود، إن كان قاصداً لها ترتبت أحكامها فى حقه ولزمته ، وإن لم يكن قاصداً لها ، فإما أن يقصد خلافها ، أو لا يقصد معناها ، ولا غير معناها ، فإن لم يقصد غير التكلم بها، فهو الهازل ، وإن قصد غير معناها، فإما أن يقصد ما يجوز له فقصده أولا فان قصد ما يجوز له قصده ، وإن لم يكن حكم العقد الذى تدل عليه الصيغة لم تلزم أحكام هذه الصيغ بينه وبين الله تعالى فى كل حال، وأما فى القضاء فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضاً، لأن السياق والقرينة بينة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلا ، وادعى ذلك دعوى مجردة لم تقبل منه ، وإن قصد منه ما لا يجوز قصده ، كالمتكلم بنكحت وتزوجت ، لا يقصد عشرة زوجية غير مؤقتة بل يقصد تحليلها لمطلقها الثلاث، وبعت واشتريت بقصد الربا وما شابه ذلك ، فهذا لا يحصل له مقصوده الذى قصده ، وجعل اللفظ والفعل وسيلة إليه، فإن فى تحصيل مقصوده تنفيذاً للمحرم، وإسقاطاً للواجب، وإعادة على المعصية، ومناقضة شرعه وإعانته على ذلك إعانة على الإثم والعدوان ، ولا فرق بين إعانته على ذلك بالطرق التى وضعت مفضية إلى الإثم بذاتها كالربا الصريح وبين إعانته عليه بالطرق التى وضعت مفضية إلى غيره ، واتخذها هو ذريعة، كمن يعقد عقد شراء ليكون ذريعة للربا فالمقصود إذا كان واحداً لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه موجباً لاختلاف حكمه فيحرم من طريق ، ويحل بعينه من طريق أخرى ، فإن الطرق وسائل ، وهى مقصودة لغيرها ، فأى فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع والتوسل إليه بطريق المجاهرة التى يوافق فيها السر الإعلان، والظاهر الباطن ، والقصد اللفظ بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم، وخطره أقل من سالك تلك، كما أن وسائل الخداع والمكر أمقت، وهم فى قلوبهم أوضع (١))). (١) أعلام الموقعين جـ٣ مأخوذ بتصرف من ص ١٠٦، ١٠٧، ٠١٠٨ - ٣٨٢ - ٢٢٢ - وخلاصة القول أن أحمد والشافعى يسيران فى خطين متباعدين بالنسبة 1آلات العقود، ومقاصد العاقدين من عقودهم ، فالشافعى يسير على أن كل عقد تؤخذ أحكامه من صيغته ومما لابسه واقترن به ، ففساده يكون من صيغته، وصحته تكون منها، ولا يفسد لأمور خارجة عنه ، ولو كانت نيات ومقاصد، لها أمارات، ولو كانت مآلات مؤكدة، ونها يات ثابتة ، وأحمد خالفه فى كل ذلك، ولكل مجتهد نصيب. - ٣٨٣ - خاتمة ٢٢٣ - هذه أصول المذهب الحنبلى التى ينسبها الحنبليون إلى إمام دار السلام أحمد رضى الله عنه، وكلها ينتهى إلى السنة، وهى كيفأتنوعت، وتفرعت، تنبع من معين واحد، وهو الآثار ، فهو إما أن يستقى من الآثار نصاً فإن لم يجد أثراً يسعفه فى قضيته، حاكى الإثر فى طريقته، فهى مأخوذة منها بالمنهاج، كما أخذت فروع كثيرة من الآثار بالنص ، وهو فى كلا الأمرين متبع ينهج منهاج السلف، أو يقول مقالة السلف . ولو استقريت الأصول أصلا أصلا لوجدت أنه ينهج المنهاج السلفى لا يعدوه ولا يسلك غير سبيله، فقد وجد السلف يقيسون الأشباه بالأشباه، ويعطون حكم النظير لنظيره، فأخذ بالقياس إن لم يجد نصاً . ووجد الصحابة يبقون الشىء على ما هو عليه من حكم ، حتى يتغير الموضوع أو تتغير الحال ، فأفتى بما سماه العلماء من بعده استصحاب الحال وأبقى الأحكام الثابتة على ما هى عليه، حتى يقوم الدليل على التغيير الموجب لحكم آخر، غير الذى ثبت فى الماضى، لزوال ما كان يقتضيه ويثبته . ووجد الصحابة فى عصر الراشدين قد أخذوا بالمصالح المرسلة ، واعتبروها وحدها مسوغا للحكم إن لم يكن ثمة نص فوجد الصحابة جمعوا القرآن فى المصاحف وجمعوا الناس على مصحف واحد ، ووجدهم قتلوا الجماعة بالواحد، وضعنوا الأجير العام، لأنهم رأوا المصالح فى ذلك ، وسنوا بذلك لمن يتبعهم فى طرق الاجتهاد أن يتبعهم فاتبعهم أحمد فى ذلك ، وأفتى بالمصالح المرسلة كما أفتوا، واختارها أصلا من أصول الاستدلال ، إذ قد فتحوا له عين الطريق ، فسلكه متبعاً لهم ، مهتدياً بردبهم سالكا سبيلهم . - ٣٨٤ - ووجدهم قد أعطوا الوسيلة حكم الغاية، والمقدمة حكم النتيجة، جعلوا وسيلة المطلوب مطلوبة، ووسيلة الممنوع ممنوعة، فأفتى بما سمى من بعد بالذرائع ، سداً وطلباً . وبذلك كان فى فقهه كله سلفياً تابعاً سواء فى ذلك ما اجتهد فيه وما نقل حكمه فكان من مشكاة السلف دائماً فى فقه، وإن ذلك لم يجعل فقهه جامداً، بل جعله خصبا نيرا . دراسة لبعض فقه أحمد ٢٢٤ - فى هذا المقام تختار بعضا من فقه أحمد لنكشف به عن منهاجه مطبقاً مبينا بالفروع ، بعد أن ذكر ناه محملا مؤيداً بالدليل، مستمداً من الكتاب والسنة وآثار السلف ، ولنكشف للقارىء، عن خصوبة ذلك الفقه وورع صاحبه وشدته فى أمور العبادات ، ووسائلها. ولقد اخترنا فى ذلك بابين : أحدهما - أحكام الشروط المقترنة بالعقود، وهو باب كان أحمد فيه أوسع الفقهاء صدراً ، وأكثرهم قبولا للشروط وأقربهم إلى القوانين الحديثة، ومسايرة روح العصر الحاضر. وثانيهما - أجزاء من أبواب الطهارة للعبادة، وقد جئنا بذلك الباب، لأن الناس فى مصر يصفون كل متشدد فى الدين عامة ، وفى الطهارة خاصة- بالحنبلية، ثم صار الوصف مثلا يطلق على كل متشدد فى النزاهة أو ما يشبهها فيقال فلان فى هذا حنبلى ، فحق علينا أن بين مقدار الصدق فى هذه القضية، ونعتذر إلى قرائنا من القانونيين فى درج هذا الباب المتصل بعضه بالنجاسات والوضوء، ونطمئنهم بأننا سنوجزولا نطنب، وستلم، ولا نستعرض. - ٢٨٥ - ١ - حرية التعاقد والشروط المقترنة بالعقود ٢٢٥ - إن إنشاء العقود فى القوانين الحاضرة يرجع إلى الإرادة الحرة لكلا العاقدين، وكذلك الآثار المترتبة عليها تنشتها تلك الإرادة. فالعقد شريعة المتعاقدين نشأت باتفاقهما بالنسبة لآثاره، وكل ما اشتمل عليه من أحكام ما لم يكن مشتملا على شىء يخالف النظام العام ، فكل ما ارتضاه العاقدان من أحكام يكون صحيحا واجب الوفاء، ولا عبرة بالتعادل بينها فيما يغتنمانه، وبغر مانه بسبب العقد، إنما العبرة بكون الالتزامات نشأت عن إرادة حرة لم يلبس عليها بغش أو تدليس؛ فإذا توافرت تلك الإرادة ثبتت الآثار التى ارتضاها العاقدان . فمقتضى العقد عند القانونيين لإرادة العاقدين أثر فى تكوينه، وليس كله من عمل الشارع . أما عند الفقهاء المسلمين، أو على التحقيق عند جمهورهم ، فالإرادة تنشىء العقد وأحكام العقد وآثاره من عمل الشارع، فمقتضيات العقود كلها تثبت بدليل شرعى وليس للعاقد أن يضيف شيئا إليها، أو يقيد هذه المقتضيات ، إلا إذا قام دليل من الشارع عليها ، ويجيز التزامهاوالوفاء بها. ٢٢٦ - وإذا كان ذلك نظر الجمهور فمن الحق أن نقرر أنه قد خالف الجمهور فى هذا كثير من الحنابلة ، وبعض من المالكية ساروا فى مسارهم، وقد بنى هؤلاء الحنابلة نظرهم فى هذا على أن الشريعة دعت إلى قاعدة عامة وهى الوفاء بالعقود وذلك بقوله تعالى ((يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) وتلك القاعدة الثانية بهذا النص الحكم تقرر سلطان الإرادة فى إيجاد الالتزامات الناشئة بالعقد، وفق ذلك هناك قاعدة أخرى ثابتة بنص محكم أيضا، وهى قاعدة اعتبار الرضا أساساً لنقل الحقوق وإسقاطها ، وصدور الإذن العام بذلك من الشارع الحكيم، بقوله تعالى ((يأيها الذين آمنوا ( ٢ ٢٥ - ابن حقبل) - ٣٨٩ - لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ، ففى هذه الآية الكريمة جعل الرضاسياً ملزماً لصاحبه بما التزمه. ويتبين من هذا الكلام أن الشارع الذى يحمى الحقوق، ويرتب الأحكام هو الذى يأمر ويقرر أن كل ما يتفق عليه العاقدان برضاهما يلزمهما الوفاء به ، فيكون جعل الإرادة هى المؤثرة فى مقتضيات العقود إنما كان محكم الشارع وأمره، ولقد قرر هؤلاء نظر الحنابلة فى ذلك ابن تيمية، فقال: ((إن العقود إنما وجب الوفاء بها، الإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقاً، إلا ما خصه الدليل ، على أن الوفاء بها من الواجبات التى اتفقت عليها الملل والعقلاء جميعهم، وأدخلها فى الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلى(١). والأصل فى العقود رضا المتعاقدين. ونتيجتها هو ما أو جباه على أنفسهما بالتعاقد، لأن الله تعالى قال فى كتابه (( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وقال سبحانه،فإن طبن لكم عن شىء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريداً، فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه ، فدل على أنه سبب له، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب ، فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم ، وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق ، فكذلك سائر التبرعات قياساً بالعلة المنصوصة التى نص عليها القرآن، وكذلك قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) لم يشترط فى التجارة إلا التراضى، وذلك يقتضى أن التراضى هو المبيع للتجارة، وإذا كان كذلك التبرع والنجارة، فإذا تراضى العاقدان، أو طابت نفس المتبرع بتبرعه ثبت حله (٢). (١) الذين حكموا بمقتضى الوجوب العقلى المعتزلة من علماء الكلام ، أما الفقهاء عامة، فيرون أنه لا وجوب إلا حيث يوجب الشارع. (٢) فتاوى ابن تيمية الجزء الثالث ص ٠١٢٩ - ٢٨٧ = وينتهى القول إلى أن المذهب الحنبلى فى نظر بعض الحنابلة يقرر أن إرادة العاقدين لها التأثير الأول فى تكوين مقتضيات العقد ، وذلك باذن عام من الشارع يجعل الرضا أساس الالتزام وبأمر عام، وهو الوفاء بالعقود. ٢٢٧ - وقد علمت أن جمهور الفقهاء يرون أن الشارع لم يعط حمايته إلا للعقود التى تتفق آثارها التى يريدها العاقدان مع مقتضياتها حتى نص عليها، أو قام عليها الدليل من نص أو قياس، أو استدلال بأى وجه من وجوه الاستدلال الشرعى المعتبر فما خالف هذه المقتضيات لا يلتفت إليه، أو يأتى على عقد الالتزام بالإفساد . وقد انبنى على مخالفة هؤلاء الحنابلة لجمهور الفقهاء فى مقتضيات العقود وآثارها اختلافهم معهم فى حرية التعاقد، والشروط المقترنة بالعقود، فالحنابلة يقررون أن الأصل فى العقود والشروط الإباحية، والناس أحرار فى أن يعقدوا أى عقد كان وبأى شروط كانت، وما يعقدوة، يجب الوفاء به من غير تقييد بمقتضى خاص، وكل هذا ما لم يشتمل العقد على أمر حرمه الشارع، ونهى عنه كالربا، فما لم تشتمل تلك العقود على أمر محرم بالدليل الشرعى، فالعاقد حر فيها يعقدها بأى شرط شاء أما إذا اشتملت على أمر حرمه الشارع، وثبت التحريم بدليل من الأدلة الشرعية المعتبرة فهى فاسدة؛ أو على الأقل لا يجب الوفاء بها . أما غير الحنابلة وبعض المالكية، نقد قرروا أنما يتفق عليه العاقدان من عقود، وما يتراضيان عليه من شروط ، فلا يكون واجب الوفاء إلا إذا قام الدليل من الشارع على وجوب الوفاء به، إذ الأصل عندهم أنه لا التزام إلا بما ألزم به الشارع الحكيم، فمالم يقم دليل على اعتبار الشارع للالتزام بالزيادة عليها . وعلى ذلك اختلف الأصل بين هؤلاء الحنابلة وغيرهم، فهم جعلوا الأصل - ٣٨٨ = وجوب الوفاء حتى يقوم الدليل على منع الشارع للوفاء بعقد معين أو شرط معين ، وغيرهم قالوا إن الأصل عدم وجوب الوفاء حتى يقوم دليل شرعى على وجوب الوفاء ، فضيق الحنابلة باب المنع ، واعتبروا الأصل الوفاء ، ووسع غيرهم فى المنع وضيقوا باب الوفاء فاعتبروا غيره هو الأصل . والذين خالفوا الحنابلة وبعض من المالكين ، لم يكونوا على درجة واحدة فى المنع بل اختلفت درجاتهم باختلاف كثرة الأدلة الشرعية التى يعتبرونها ، وقلتها، فالظاهرية الذين ضيقوا نطاق الاستدلال كانوا أشد الفقهاء تضييقاً فى العقود، والمالكية إذا أكثروا من طرائق الاستدلال وخصوصاً فى المصالح كانوا أكثر الفقهاء الذين اعتبروا الأصل المنع حتى يقوم الدليل ، والحنفية يقاربونهم، والشافعية بقاربون الظاهرية . ٢٢٨ - هذه موازنة موجزة بين آراء فقهاء المسلمين فى حرية التعاقد. وقبل أن نخوض فى الأدلة التى يسوقها أولئك الحنابلة لتأييد مذهبهم فى هذه الحرية ننقل لك فروعاً مروبة عن أحمد تدل على هذا الإطلاق ، فقد اتفق النافلون لفقه والذين درسوا فقه غيره على أنه أوسع الأمة فتحاً لباب الشروط ، وقد قال ابن تيمية فى ذلك . (( ليس فى الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحاً للشروط من أحمد ، وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط ، فيها تنبيه بدليل خاص من أثر أو قياس، ولكنه لا يجعل حجة الأولين ( أى الحجج التى ساقها الفقهاء الآخرون ) مانعاً من الصحة ، ولا يعارض ذلك بكونه يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص ، وكان قد بلغه فى العقود والشروط من الآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة ما لم يجده عند غيره من الأئمة)). وعلى ذلك سنسوق الأمثلة ، وقد نجد أنه يذكر أثراً يؤبد قوله ، بيد - ٣٨٩ = أنه ليس معنى ذلك أنه كان يمنع من غير حجة دالة على المنع إلا عدم الموافقة لمقتضى العقد ، وهناك طائفة من الأمثلة : (١) أجاز أحمد رضى الله عنه أن يعقد عقد زواج مع شرط الخيار مدة معلومة لأحد العاقدين ، أى أن أحد العاقدين يشترط لنفسه أن له فسخ عقد الزواج مدة معلومة بعد عقده، بحيث لو مضت المدة ، ولم يفسخ أمضى العقد ، ولعله أجاز ذلك الشرط لعدم وجود دليل يمنعه أولا ، ولأن الحاجة قد تدعو إليه ثانياً ، فإن الشخص قد يكون على غير علم تام بحال الطرف الآخر من العقد ، وهو عقد الحياة فلا بد أن تتوافر حرية الاختيار كاملة عند إنشائه ، فاشتراطه حق الفسخ مدة معلومة يدفع ضرراً محتملا ، إذ يدفع الغرر والخديمة ، ولنا فى ذلك نظر (١). (ب) وأجاز أحمد كل الشروط فى النكاح، لقوله عز لته: « إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج، وهذا يقتضى عند أحمد أن الشروط فى النكاح أوكد منها فى عقود المبادلات المالية، وإذا اشترطت المرأة أو الرجل لنفسه شرطاً ولم يتم الوفاء به، فإن له فسخ عقد الزواج(٢) ولقد أجاز أحمد بمقتضى هذه القاعدة للمرأة أن تشترط ألا تسافر معه ، وألا تنتقل من دارها، كما أجاز لها أن تشترط ألا يتزوج عليها، وإذا اشترطت أن يكون الزوج مال ، فظهر أنه لا مال له يكون لها الفسخ والعكس، فأجاز له أن يشترط أن يكون لهامال، أو ذات يسار أو ذات جمال . (١) خلاصته أن عقد الزواج تسبقه مفاوضات طويلة من شأنها أن تعرف كلا من الزوجين بصاحبه ، واشتراطه الخيار مدة لا يزيد شيئاً، فكل شىء كان يمكن أن يعلم ، ومثل هذا الشرط يكون فيه إيحاش للطرف الآخر ، ولذا نهى مالك عن الزواج على الشرط وطلب الزواج على الدين . (٢) لانوافق أحمد على إجازة كل شرط فى النكاح، وقد بينا رأينا فى كتاب نظرية العقد لمحمد أبى زهرة - الناشر دار الفكر العربي فارجع إليه . - ٣٩٠ - (جـ) وأجاز أحمد البائع أن يبيع ، ويشترط منفعة المبيع له مدة معلومة ، فإذا باع داراً له فله أن يشترط سكناها مدة معلومة ، وذلك لما ورد من حديث جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم اشترى جمله، واشترط جابر ظهره إلى المدينة. (د) وأجاز العتق مع تقييده بخدمة السيد أو غيره، وذلك لأن أم سلمة أعنقت عبداً لها ، واشترطت أن يخدم النبى صلى الله عليه وسلم ماعاش. (هـ) وأجاز أحمد رضى الله عنه أن يقيد الملك المطلق عنه مباشرة سببه بقيود تمنع النصرف المطلق، أو تقيد طريق الانتفاع ، فأقر اشتراط البائع لأمة ألا ينتفع بها المشترى فى الخدمة، بل تكون للنسرى فقط، روى ذلك الخلال فى جامعه، فقيه: ((عن أبى طالب، سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط عليه أن يتسرى بها بأن تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسری بها قال لا بأس)). وأقر اشتراط البائع على المشترى أنه إذا استغنى عن المبيع ، وأراد بيعه، فهو له بثمنه ؛ وقد جاء ذلك فى جامع الخلال أيضاً، ففيه عن أبى طالب: « سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية، فقال له إن أردت بيعها ، فأنا أحق بها بالثمن الذى تأخذها به منى ؟ قال لا بأس به ، ولكن يظهر أن الملكية لا يثبت فى هذه الحال كما لها - من غير شك، ولذلك لم يجز له أن يقربها، ولا أن يطأها ؛ لأن الإبضاع على التحريم، حتى يكون دليل قاطع مثبت للحل ، ولأن عمر كره لابن مسعود إذ ابتاع من امرأته جارية على هذا الشرط - أن يقربها . وأقر أيضاً أن يبيع شخص عقاراً، ويشترط على المشترى أن يقفه ، كما فعل عثمان رضى الله عنه مع صهيب، وأقر أيضاً أن يبيع شخص عبداً ، ويشترط عليه أن يعتقه ويقاس على هذا أمثاله من التبرعات الخيرية . - ٣٩١ - وفى هذا كله ترى أن أحمد يقر انتقال الملكية التامة مقيدة بالشروط ، لأن الشروط عنده على أصل الإباحة، ولأن الشروط إنما يتفق عليها العاقدان عليها لحاجة إليها ، ومنع الحاجات من غير دليل شرعى حرج، وما جعل الله على الناس من حرج فى هذا الدين . ٢٢٩ - هذه فروع قد نقلناها من المذهب الحنبلى، وهى مستقاة من جمعوا مسائل أحمد وفتاويه، ومنها ترى أن أحمد أخصب الأئمة فقهاً فى باب العقود والشروط . وأوسعها رحاباً لها ، وأن علمه بالآثار كان يسعفه بآثار تفتح الباب للاشتراك فى عقود ظن غيره من لا يعلم السنة كما يعلمها أنه لا أثر فيه، وأن دراسته للآثار جعلته يفهم أن منطق الفقه الأثرى يوجب الإطلاق دون التقيد، والإباحة دون المنع، حتى يقوم دليل به . ٢٣٠ - وإنا إذ نختار مسلك أحمد فى حربة التعاقد فى غير الزواج ولانرى تقييدها إلا بنص نسوق بعض الأدلة التى تؤيده ، وقد ذكرها ابن تيمية فى رسالة العقود والشروط كاملة ، ونختار نحن بعض الأدلة مختصراً ، فمنها: ١ - أن كل عقد واجب الوفاء بحكم القرآن العام، فقد جاءت الآيات الكثيرة بوجوب الوفاء بالعقود مثل قوله تعالى (( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)، ومثل قوله تعالى ((وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، الخ الآية الكريمة فى هذا المقام ، ولقد أثبت القرآن أن كل تجارة يوجد فيها الرضا فهى مباحة تثبت لكلا العاقدين حقوقاً مالية ، فكل ما يطلق عليه اسم التجارة من العقود يجب الوفاء بما يشتمل عليه من التزام بالنص ، وكل ما يشبه التجارة كالمزارعة والمساقاة ، وسائر ضروب الإجارة، واجب الوفاء بمقتضى القياس عليها مادام قد تحقق مناط الجواز، وهو الرضا؛ لأنه علة الوفاء، والمعنى الذى كان من أجله الالتزام والإلزام فى العقود والآثار متضافرة عن الرسول - ٣٩٢ - صلوات الله وسلامه عليه توجب الوفاء بالعهد ، وعدم خفر الذمة، وتقبيح الغدر ، وليس الامتناع عن تنفيذ ما أوجبه العاقد على نفسه كيفما كان عقده ، ومهما يكن وصفه وموضوعه - إلا من باب الغدر ، فالوفاء بكل عقد واجب، ولو لم يرد به نص، مادام لا يشتمل على أمر حرمه الشارع ونهى عنه . ٢- وأن العقود من الأفعال التى تسمى فى لسان الفقهاء بالعادات ، فليست من العبادات ، والعادات ينظر فيها إلى عللها ومعانيها لا إلى النصوص والآثار فقط ، فأحكامها معللة بمصالح الناس ، وجلب المنافع، ودفع المضار، والعاقدان ما اشترطا شرطاً؛ إلا ولأحدهم مصلحة مجلوبة أو مضرة مدفوعة، فلو منعنا تنفيذ الشرط من غير دليل شرعى، نكون قد ضيقنا حيث وسع الشارع ، ومنعنا حيث أطلق، فقد ناط الشارع قل الحقوق ، وإسقاطها بالرضا، فكل عقد يتحقق فيه الرضا، وفيه فقل حق أو إسقاط حق فهو واجب، ولو لم يرد دليل خاص ، ومن منع فقد حارب قاعدة الرضا التى قررها القرآن، وثبتها ، وبينتها السنة فى جملة من الأحاديث الصحاح ، والآثار المروية. ٣ - أن المقرر فى الفقه الإسلامى وفى أصول المذاهب كلها أن الأصل فى الأشياء والمعاملات المالية الحل ، لا المنع ، والعقود هى ضوابط التعامل المالى ، فكان الأصل فيها كيفما كانت شروطها التى لم ينه الشارع عنها - الحل، حتى يقوم الدليل على خلافه ، فباح للشخص بمقتضى ذلك الأصل العام أن يباشر من العقود ما يرى فيه مصلحته، وما يحقق رغبته ، وأن يشترط ما شاء ما لم ترد أدلة فقهية تمنع الحل حينئذ يكون المنع، والفساد أو البطلان . ٤ - أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر لا يبطل منه إلا ما خالف - ٣٩٣ - حكم الله وكتابه، بل الشروط فى حقوق العباد أوسع من النذر فى حق الله تعالى. والالتزام فيها أو فى الالتزام بالنذر (١) إذ النذر التزام عبادة والعبادات ليس للعباد أن يشرعوها ، ولا أن يوجبوا على أنفسهم ماليس واجبا، ولكن لأن الله سبحانه وتعالى قال: (( وليوفوا نذورهم، كان الوفاء بالنذر واجباً إذا كان من جنس العبادات المقررة الثابتة ، أما المعاملات فإنها باب أوسع من باب العبادات . وإذا كان الوفاء بالنذر قد وجب مع هذا التضييق ، فأولى أن يجب الوفاء بالعقد عند هذه التوسعة المقررة فى باب التعامل . ٢٣١ - وأحمد رضى الله عنه الذى يوسع فى حرية التعاقد هذه يفتح باباً آخر قد غلقه غيره من الفقهاء، وهو باب التعليق، فإنه من المقرر عند غيره أن عقود التمليكات التى تفيد التمليك فى الحال، وعقود الأنكحة لا تنعقد معلقة على شرط فى المستقبل عند جمهور الفقهاء ، ولكن ابن القيم يروى عن أحمد رضى الله عنه أنه يجيز العقود معلقة، ويوجب الالتزام سيراً على الأثر المعقود، المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراما، أو حرم حلالا . ويقول ابن القيم فى ذلك : تعليق العقود والفسوخ والتبرعات ، والالتزامات وغيرها أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة ، فلا يستغنى عنه المكلف ... ونص الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط ، وهذا هو الصحيح كما يتعلق الطلاق، والجعالة ، وغيرها من العقود وعلق أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه عقد المزارعة بالشرط ، فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها ، على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا، وإن جاء العامل بالبذر فله كذا (٢). (١) كتاب أعلام الموقدين لابن القيم جـ ٣ ص ٣٤٠. (٢) ويلاحظ هنا أن العقد غير ٢٠اق، بل فيه ترديد فى الشرط. - ٣٩٤ - ونص الإمام أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط فى قوله إن بعت هذه الجارية فأنا أحق بها بالثمن ... ورهن أحمد نعله، وقال للمرتمن إن جمنك بالحق إلى كذا، وإلا فهو لك ، وكذلك تعليق الإبراء بالشرط نص على جوازه (١)). وترى من هذه النصوص أن أحمد يجيز إنشاء العقد بصيغة معلقة ، وهى الصيغة التى تفيد وجود العقد عند وجود الشىء المعلق عليه، سواء أكانت تلك العقود لتمليك الأعيان، أم تمليك المنافع، وسواء أكانت إسقاطات أم التزامات، وأجاز تعليق عقود الأنكحة بالشرط كسائر العقود ، وقد علل ذلك ابن القيم ؛ بأن الأساس فى العقود هو الحاجة إليها ، وقد تكون ثمه حاجة خاصة أو مصلحة خاصة فى عقد معلق على شرط ، ويحب أن تجاب هذه الحاجة، ويقرر العقد وإلا كان هذا تضييقاً من غير مصلحة ظاهرة ، ومن غير دليل ، وكل تضييق هو من الحرج الذى نهى الشارع عنه ، وحرمه الشارع ومنعه، وهو من العنت الذى لم يجىء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ٢٣٢ - هذه صور من النوسعة فى العقود والشروط قد فتح فيها أحمد باب التعاقد على مصراعيه ، فلم يمنع شرطاً إلا إذا كان ثمة نص مانع ، ولم يجعل للمقتضيات التى يستخرجها القياس تحكما فى مصالح الناس وحاجاتهم ، لأن ذلك قد يؤدى إلى الحرج المنهى عنه . ولقد رأينا أحمد يتوسع فى العقود توسعاً ما كنا نحسب أنه سبق الفقه الحديث إليه، وهو البيع من غير حد الثمن. وجعل الثمن هو السعر العام فى وقت معين يتفق العاقد عليه ويسمى ذلك البيع بقطع السعر ، وقد ذكره (١) أعلام الموقعين جـ٣ ٣٣٨, ٠ - ٣١٥ - ابن القيم فى أعلام الموقعين ، ولنترك له الكلام حتى لا تزيد عليه . ((اختلف الفقهاء فى جواز البيع بما ينقطع به السعر، ومن غير تقدير الثمن وقت العقد، وصورتها - البيع من يعامله من خباز أو لحام، أوسمان. أو غيرهم، يأخذ منه كل يوم شيئاً معلوماً، ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع ، ويعطيه ثمنه فمنعه الأكثرون ، وجعلوا القبض به غير ناقل للملك ، وهو قبض فاسد يجرى مجرى المقبوض بالغضب : لأنه مقبوض بعقد فاسد، هذا وكلهم إلا من شدد على نفسه يفعل ذلك ، ولا يجد منه بداً ، وهو يفتى بطلاقه، وأنه باق على ملك البائع ، ولا يمكنه التخلص من ذلك ، إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها، قل ثمنها أو كثر وإن كان ممن شرط الإيجاب والقبول لفظاً فلا يدفع المساومة ، أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظاً . ( والقول الثانى) وهو الصواب المعمول به ، وهو عمل الناس فى كل عصر ومصر جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا ( أى ابن تيمية) وسمعته يقول وهو أطيب لقلب المشترى من المساومة يقول ( لى أسوة بالناس آخذ بما يأخذ به غيرى ، قال والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه ، بل هم واقعون فيه ، وليس فى كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب، ولا قياس صحيح - ما يحرمه (١)). ٢٢٣ - هذا عقد قد كثر فى زمننا الحاضر ، لم يستقم منطقه عند الفقهاء جميعاً، ولكن استقام منطقه عند أحمد، وعند الذين أدركوامرامى الشريعة وغايتها من إصلاح الناس ، وإقامة الحق بينهم ، من غير شذوذ ولا مثار للنزاع . (١) أعلام الموقعين ج٤ ص٠٣ - ٣٩٦ - ولقد وجدنا أحمد لفرط احترامه للشروط التى يشترطها المتعاقدان ، تبر الشروط السابقة على العقد مع نيته ملحقة به، ويكون حكمها حكم الشروط المقارنة فى الالتزام، وهو مذهب أهل المدينة ، فكل شرط سابق محترم ما دام العقد كان مقصوداً وفى نية العاقدين وقت القول . وهكذا نرى ذلك الإمام الذى جعل آثار السلف أستاذه ، فتخرج عليها، واهتدى بهديها ، ولم يخرج عن ستنها ، ولم يسلك غير سبيلها ، واقتبست روحه من نورها، - انتهى فى العقود وكثير من معاملات الناس إلى التوسعة بدل التضييق ، وإلى الإباحة دون المنع . وبذلك قام الدليل على أن الناس الذين يزعمون أن الرجوع إلى مسالك السلف الصالح فيها تضييق على الناس لم يعرفوا حقيقة هذه الآثار ، وكيف سلك الصحابة السبيل وكيف عالجوا المشاكل التى عرضت بروح الدين الذى جاء رحمة للناس ، ولم يجىء لإعناتهم والتضييق عليهم ، وهذه تقرد تقوم عليها الأسواق العالمية فى العقود ، قد كان فى فقه أحمد متسع لها ، وقد تبين أنه اهتدى فى هذا بهدى السلف رضى الله عنهم. : الحنبلية ٢٣٤ - شرحنا فى الفصل السابق كيف كان المذهب الحنبلى فى العقود والشروط أوسع المذاهب الإسلامية رحاباً، وأخصبها جناباً، والأصول التى تأدت به إلى ذلك . والآن نريد أن نبين السبب الذى من أجله وصف ذلك المذهب الكريم بالشدة مع سهولته فى العقود والشروط ، وهى لب التعامل الإنسانى بين الآحاد والجماعات ، وسندرس فى سبيل ذلك بعض أبواب الطهارة كما وعدنا من قبل ، ولكن قبل ذلك نعرض لبعض الأسباب العامة التى وصفت المذهب بذلك الوصف ، وجعلته مثلا للتشدد فى الدين؛ إذ جعلت الحنبلية وصفاً للشدة . - ٣٩٧ - ذلك لأن الإمام أحمد رضى الله عنه كان يشدد على نفسه فی کل مايتصل بالنزاهة وشرف النفس ، وحفظ الدين وصيلفته، والاستمساك بالآثار السلفية والمحافظة عليها والتى طلبها من كل البقاع الإسلامية ، ثم حفظها وكتبها خشية أن تشبه عليه ، وأن يعرض لها النسيان ، وكان يختار لنفسه الخطة الشديدة ، ولغيره الخطة اللينة الرقيقة ، يمتنع عن أخذ مال الخلفاء نزاهة لنفسه وإن أباح لغيره الانتفاع بها ، حتى الحج منها ، ويرى أن غلات الدور لا زكاة فيها ، ولكنه يبلغه أن بعض الصحابة أفتى بجواز أخذ الزكاة منها ، فيوجبها على نفسه، ورأيه أنها ليست بواجبة، ولكنه يحتاط لنفسه ودينه دائماً . وقد وجد من أتباعه فى القرن الثالث والرابع من أخذوا أنفسهم بذلك النحو حتى إن كثيراً ممن كانوا يدرسون حياة أحمد ويسلكون طريقته، ويأخذون بمذهبه يغلب عليهم النسك والعبادة فينقطعون لذلك ، ويشددون على أنفسهم ، ومنهم من كان يغالى فيشدد على العامة ، ويغلظ عليهم ، حتى إنه ليذكر ابن الأثير فى تاريخه أنه فى سنة ٢٢٣ قامت فتنة فى بغداد بسبب شدة الحنابلة فأراقوا الأنبذة، وهاجموا دور القواد، وكسروا أدوات الغناء، وضربوا المغنيات ، وكلما رأوا رجلا يمشى مع امرأة استوقفوهما، وسألوهما عن العلاقة الرابطة بينهما ، ويندر أن يسلم منهم أحد ، وأغلظواعلى الشافعية، وعلى الشيعة فى تقديس أئمتهم ، ما جعل الخليفة يهددهم ، وينذرهم ، ويمنع مناظرتهم ويحملهم على الاستخفاء بمذهبهم . وبهذا أعطوا صورة لمعاصريهم ، وأن جاء بعدهم تومىء: بتشددهم ، وتذاكر الناس بعدهم أمر هذا التشدد ، جعلوا الحنبلية عنواناً عليه، ووصفاً له . ٢٣٥ - وقد اشتهر الحنابلة بالتشدد فى أمر الطهارة والنجاسة ، حتى - ٢٩٨ - صار من يكون عنده وسوسة فيها يوصف بأنه حنبلى ، وأطلق ذلك بين أهل مصر ، فيذكرون الحنبلية فى مقام المدح ، أو المغالاة فى العبادة والطهارة والنجاسة، ولقد راجعنا هذا الباب من أبواب الفقه فى الفقه الحنبلى؛ فوجدناما يدل على صحة الوصف ، وجعل الحنبلية مرادفة للتشدد والمبالغة فى الطهارة . ووقع نظرنا على فروع كثيرة ووقفوا هم دون غيرهم من المتبعين للمذاهب الأربعة فى موقف الشدة ، ولنضرب لك بعض أمثلة : ١ - فمن ذلك ما قرره فى نجاسة سؤر الكلب وما بلغ فيه (١)، فلقد قرروا كما قرر الشافعية أن الإناء الذى يشرب منه الكلب ينجس ولا يكتفى فى تطهيره بما يكتفى به فى غيره ، بل لابد من الغسل عدداً من المرات ، وأن يضاف إلى الماء مرة بالتراب، فيطهر به مع الماء . والكلب والخنزير فى ذلك سواء عند الحنابلة، ولكن مع اتفاقهم مع الشافعية فى الكلب فإنه يروى عن أحمد رواية أخرى مشددة، فإن الشافعية يرون أن غسل الإناء من سؤر الكلب يكون بسبع إحداهن بالتراب الطاهر ، ويوافق بعض الحنابلة الشافعية فى ذلك ، ولكن يروى عن أحمد أن التطهير يكون بثمان مرات، والتطهير بالتراب هو الثامنة، لأنه روى أن النبى حاتم، قال إذا ولغ الكلب فى الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة فى التراب ، وترى من هذا أن التشدد يروى عن أحمد ، وله حديث مع أن أصل ذلك فيه تشدد فى ذاته؛ إذ أن الأصل على مذهب الشافعى، وقول بعض الحنابلة لابد من سبع ، ولابد من التراب . وقد استدل الشافعى وأصحاب ذلك الرأى ، وهو الأصح ، بقوله (١) قال المالكية والحنفية إن سؤر الكلب نجس، والخنزير نجس العين، وتطهير الإناء من سؤرهما كسائر أنواع الطهارات . - ٢١٩ - صلى الله عليه وسلم: ((وإذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم، فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب ، ولقد ألحق الحنابلة الخنزير بالكلب؛ لأنه أغلظ نجاسة منه، والشافعية لم يلحقره. ولقد روى هذا الخبر مالك رضى الله عنه، وقال إنه مخالف للأصول، لأن الله سبحانه وتعالى أباح صيده، فكيف ينجس ما يمسه؛ إذ قال الله تعالى فى صيده ((وما علمتم من الجوارح مكلبين، ولذا لم يحكم بأنه موطأ ثابت ، وقرر أن الكلب غير نجس، والحنفية قرروا أنه نجس ، وسؤره نجس والطهارة منه كسائر النجاسات، والشافعى كأحمد يريان أنه نجس ، وأن نجاسته أغلظ من غيره، ولا تطهر إلا بسبع مع التراب بواحدة منها، وأشد الروايات ما روى عن أحمد أنه ثمان لاسبع . (ب) ومن الأمثلة التى تكشف عن تشدد المذهب الحنبلى أن المذاهب الثلاثة وغيرها من المذاهب الإسلامية لا تشترط عدداً فى غير نجاسة الكلب والخنزير عند الشافعى، وأبو حنيفة ومالك لا يشترطان عدداً فى شىء بل تجزىء المكاثرة بالماء حيث تزول عين النجاسة، وآثارها من لون أو رائحة، أو يغلب على الظن زوالها إن لم يكن لها أثر، أو لها أثر تتعذر إزاله . هذه هى المذاهب الإسلامية ، أما مذهب أحمد ففيه روايتان عنه : إحداهما أنه يجب أن يغسل سبع مرات ، وهى التى اختارها الخرقى ، ورجحها صاحب المغنى ، والثانية أنه تجرى المكاثرة بالماء بحيث تزول عين النجاسة . ودليل الرواية الأولى ما روى عن ابن عمر أنه قال « أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً ، ولأن حديث ولوغ الكلب الذى أخذ به الحنابلة يصح القياس عليه ، فيقاس عليه غيره من النجاسات . وقد قلنا إن صاحب المغنى يرجح رواية العدد، ويقول: ((قال القاضى - ٤٠٠ - الظاهر من قول أحمد ما اختاره الخرقى، وهو وجوب العدد فى جميع النجاسات. وإن قلنا بوجوب السبع ففى وجوب التراب وجهان . (أحدهما ) يجب قياساً على ولوغ الكلب . ( والثانى) لا يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل للدم وغيره، ولم يأمر بالتراب إلا فى نجاسة الولوغ، فوجب أن يقتصر؛ ولأن التراب إن أمر به تعبداً وجب قصره على محله، وإن أمر به لمعنى فى الولوغ للزوجة فيه لا تنقلع إلا بالتراب ؛ فلا يوجد ذلك فى غيره، والمستحب أن يجعل التراب فى الغسلة الأولى لموافقته لفظ الخبر، أو ليأتى الماء عليه بعده ، فينظفه (١) )) . وترى من هذا كيف كان الحنابلة مشددين ، دون غيرهم من الفقهاء فى اشتراط التعدد عند الغسل ، وأن يكون سبعاً، بل لقد بالغ بعضهم، فاشترط التراب فى غسل كل النجاسات ، حتى لا يحتمل أن يبقى لها أثر ؛ ولم يبالغ غيرهم فى التطهير تلك المبالغة . (حـ) ومن الأمثلة ما هو متصل بالمثل السابق، وهو الماء الذى ينزل من الإناء أو الشىء الذى يغسل ، فقد اتفقوا على أنه نجس ، لأن أجزاء النجاسة علقت به، وذلك متى كان قليلا، وعلى ذلك إذا أصاب شيئاً آخر، فإنه ينجس، ولكن كيف يطبر؟ أيطهر بغسله سبعاً لا محالة؟ إن ذلك هو ظاهر كلام الخرقى ، وقد اختاره ابن حامد لأنها نجاسة . وظاهر كلام الخرقى أيضاً أنه يجب تطهيرها بالتراب ، ولو كان المحل الذى انفصلت منه قد غسل بالتراب ؛ لأنها نجاسة أصابت غير الأرض فيجب تطهيرها بالتراب عند من يوجب التطهير بالتراب دائماً ، أو فى الأحوال التى يكون التراب ضرورياً عند من لا يوجبه فى كل الأحوال . (١) المغنى =١ س ٤٦.