النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٨١ - قبيل الضعيف ، حتى على اصطلاح الترمذى ومن جاء بعده من المحدثين ، وإن لم يكن ضعيفاً معدوداً فى الموضوعات. أو إن رواته ممن يتعمدون الكذب ، وهو لم يعاضد بغيره، حتى يرتفع من الضعف إلى الحسن ، ولذلك تنتهى من الأمر ، فنقرر أن أحمد كان يقدم ما يضعف سنده من الأخبار على الرأى، ويعد ذلك من الاحتياط فى الدين ، ولا يقبل خبراً بحكم بأنه موضوع قط ، وفرق بين الضعيف ، والموضوع ، وقد قال الزركشى فى ذلك. (( بين قولنا موضوع وقولنا لا يصح بون كبير، فإن فى الأول إثبات الكذب والاختلاق ، وفى الثانى إخبار عن عدم الثبوت ، ولا يلزم منه إثبات العدم ، وهذا يجىء فى كل حديث قال فيه ابن الجوزى لا يصح ونحوه ،. ١٣٢ - وما كان أخذ أحمد بالخبر الضعيف فى سنده الذى يكون له أصل عام فى الشرع ولا يعارض حديثاً صحيحاً وارداً فى الدين إلا للاحتياط فى شأن دينه، فاختار أن يفتى بمضمونه للاحتياط ، أى لاحتمال صحته، لا لثبوت نسبته، وذلك لأن أحمد إذ يروى خبراً ضعيفاً غير ثابت وضعه، ولا يجد صحيحاً فى موضوع الفتوى يكون بين حرجين. ( أحدهما) أن يفتى برأيه، وهو لا يستسيغ ذلك إلا فى حال الضرورة. القصوى ، إذ لا يكون منه مفر ، فيفتى راجياً أن يكون صواباً . وإن يكن خطأ خطؤه منسوب إليه، وعند وجود خبر ، ولو كان ضعيف السند لا يرى أن الضرورة أو الحاجة المسوغة للاجتهاد برأيه قد وجدت، وحال ضعفه لا تنفى احتمال الصدق وخصوصاً أن للحديث أصلا ثابتاً قد يبرر صدقه ، أو يرجح جانبه . (وثانيهما) أن بأخذ بالخبر الضعيف، وفى هذا حرج عليه ، لأن - ٢٨٢ - الأخذ به قد يكون سبباً فى الحكم بصحة نسبته ، وبذلك ينسب إلى الرسول قولا لم يثبت بطريق سليم كل السلامة ، بل أثبته بطريق لا سلامة فيها أو فيها ما يعوق . فاختار رضى الله عنه طريقاً وسطاً يجمع بين الابتعاد عن الرأى الذى يبغضه فى الدين، وبين عدم إسناد القول إلى الرسول ، اختار أن يعمل بموجب الحديث احتياطاً لدينه ، وأخذاً بجانب احتمال الصدق ، مع بقاء الصدق احتمالياً ، لامرجح يرجحه ، فهو يعمل بالحديث غير حاكم بصحة النسبة ، ولذلك كان يقول فى الحديث ، إنه ضعيف وإنه مع ضعفه أحب عندى من الرأى . وأن أحمد كان يبتعد عن الرأى بذلك، وأحياناً يدفعه تجنب الرأى ، فى أن يأخذ بفتاوى بعض الفقهاء السابقين الذين عرفوا بالاتباع دون الابتداع. كمالك والشافعى والثورى ، وغيرهم من الفقهاء الذين أوتوا حظاً كبيراً من علم الآثار، وربما كان يسلك ذلك المسلك إذا اجتهد برأيه، ولم تستقم بين يديه مقدمات تنتج حكما يستريح إليه ، فكان يعتمد على اجتهاد علماء الأثر على النحو السابق ، وكان ذلك كله احتياطاً لدينه ، وامتناعاً عن أن يقول فيه بغير علم . ١٣٣ - وإذا كان أحمد بفضل الأخذ بالأخبار الضعيفة على النحو الذى قررنا على ألا يفتى برأيه، فأولى ألا يأخذ بالرأى أو القياس فى حال وجود حديث صحيح. وعلى ذلك نستطيع أن نقرر أن أحمد رضى الله عنه لا يقدم القياس على حديث قط ، بل على خبر ضعيف . إذا لم يثبت أنه موضوع . وهنا نجده يلتقى مع شيخه الشافعى، فى أنه لا مجال للرأى مع الحديث. بل إنه يسير إلى مدى أوسع من شيخه ، لأن شيخه لا يعترف بالحديث - ٢٨٣ - الضعيف على أى وجه من الاعتراف فلا يأخذ به، ويقدمه على الرأى ، وهذا يقدمه على القياس . وأما أبو حنيفة ومالك فقد ثبت أنهما يقدمان أحياناً القياس على أخبار الآحاد فطريقتهما مباينة تمام التباين لطريقة أحمد وشيخه ، ولطريقة أحمد بشكل خاص ، وربما عرضنا لذلك يبعض التفصيل عند الكلام فى القياس . - ٢٨٤ ٣ - فتوى الصحانى ١٣٤ - تخرج كل إمام من الأئمة على طائفة من الفتاوى تكونت من دراستهاملكته الفقهية، وأحسن السير على مقتضاها، ونهج مثل مناهجها. فأبو حنيفة درس الفقه العراقى المنسوب لابن مسعود، وبعض المكى، وتخرج بوجه خاص على فقه إبراهيم النخعى. حتى لقد تشابهت طرائقهما فى الاستنباط و تلقى بعد ذلك الفقه على شيخه حماد . ومالك رضى الله عنه تخرج على فقه الفقهاء السبعة من التابعين، وتلقاه عمن تلقى عليهم ، كابن شهاب وربيعة الرأى وغيرهما. وقد أحسن الاستنباط على مثل مناهجهم، إذ قد تكونت ملكته الفقهية على أساس فقههم ، والشافعى رضى الله عنه تخرج على ابن عيينة فى الحديث، ثم تخرج فقه مالك، ووازنه بالفقه العراقى عندما التقى بمحمدبن الحسن ، وأحسن الموازنة ، وخرج على الناس بدراسة كلية مزج فروعها عقله الكبير الجامع ، وكانت تلك الدراسة علم أصول الفقه الذى ضبط موازين الاستنباط، وجمع مقاييس الفقه. أما أحمد بن حنبل فكانت له مدرسة تجاوز بها الحقب، وعلا إلى عهد الرسول وعهد أصحابه ، فتخرج فى الفقه على المجموعة الفقهية التى رويت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فى أقضيته، والأحكام المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم ، ورويت عن أصحابه عليهم السلام فى أقضيتهم وفتاويهم ، سواء فى ذلك مارجعوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما اجتهدوا فيه من آراء فكانت تلك المجموعة التى رواها والتى رحل إلى الأقطار الإسلامية فى سبيل جمعهاهى المدرسة الفقهية التى تخرج عليها، وتغذى منها غذاء صالحاً بدا فى كل استنباطه وتخريجاته الفقهية المختلفة . واستطاع بما تلقاء عن الشافعي من طرائق الاستنباط وضوابطه أن يستخرج من تلك - ٢٨٥ - المجموعة ويرتبها، كل مرتبته من القوة ، وأن يبنى عليها ويخرج ، حتى كان فقهه من مشكانها كما أشار إلى ذلك ابن القيم فيما نقلنا عنه آنفا عند الكلام فى أصوله . ١٣٥ - وليست المجموعة الفقهية المأثوة عن الصحابة قدراً قليلا لا يخرج فقها ، إنماهى قدر كبير جاء فى متنوع الأحداث ومختلف الأقاليم، فكانت جامعاً كبيراً لأحكام جزئية، عالجت أشتاتاً من الحوادث، لأناس تخالفت مشاربهم، وتباينت مسالكهم فى الحياة ، فمنها ما عالج أحداثا وقعت فى العراق ، ومنها ما عالج ثانية وقعت بمصر أو الشام ، ومنها ماعالج أخرى وقعت فى فارس وهكذا ، فكانت ألواناً مختلفة من الغذاء الفكرى، وأشكالا متنوعة من العلاج الاجتماعى . وكانت الصحابة مختلفين فى قدر الفتيا، فمنهم من أكثر من الإفتاء، ومنهم من كان المأثور من فتواه قليلا، وأكثرهم فتوى عمر ، وعلى ، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ، وزيد بن ثابت وعائشة رضى الله عنهم أجمعين ، ولقد قال ابن حزم فى هؤلاء الصحابة الستة ، ويمكن أن يجمع فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم . ويلى هؤلاء فى الكثرة عشرون: منهم أبو بكر، وعثمان ، ومعاذ، وسعد ابن أبى وقاص، وطلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان الفارسى ، وجابر ، وأم سلمة ، وغيرهم . والسبب فى كثرة الفتوى من الأولين أن بعضهم امتد به الزمن بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وجدت أحداث كثيرة ، فسئلوا عن أحكامها ، فأفتوا بما فهموا من الكتاب، وبما سمعوا من الرسول ، أو على ضوء هذين الأصلين الكبيرين وعمر، وعلى، قد وليا أمر المسلمين فستلا، عد ٣٨٩ - فأفتيا، وقد نقل ابن سعد فى طبقاته عن محمد بن عمر الأسلمى أنه قال: وإنما كثرت الفتوى عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب ، لأنهما وليا فسئلا ، وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول اللّه مؤلم كانوا أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ويستفتون فيفتون . ١٣٦ - تخرج أحمد على تلك المجموعة الفقهية الأثر التى كانت نوراً يهتدى به وكانت قبسة نبوية من علم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ومن على أصحابه فكان بعض عليها بالنواجذ ، يرجع إليها فى كل ما يسأل عنه ويستفتى فيه . ولذلك كانت أقوال الصحابة وفتاويهم حجة عنده، تلى حجية أحاديث الرسول الصحيحة ، وتتقدم على المرسل من الأحاديث ، والضعيف من الأخبار ، وقد اتفق العلماء الذين نقلوا فقهه على ذلك ، ولم يختلفوا فيه ، فکلهم مجمع على أنه کان يأخذ بفتوى الصحابة ، ولا يجتهد برأيه ما وجد فى موضوع الفتوى أثراً منقولا عن صحابى . ١٣٧ - وإن فتاوى الصحابة كانت عنده درجتان : ( أولاهما) إذا لم يعرف خلاف بينهم فى تلك الفتوى، أو وجد قول لأحدهم ولم يهده استقراؤه إلى قول آخر . ( وثانيهما ) إذا اختلفوا فيما بينهم، ووجد قولان أو ثلاثة ، كما كان فى مسألة ميراث الأخوة الأشقاء، أو لأب مع أبى الأب ، فإنهم اختلفوا فى ذلك على أقوال، فأبو بكر اعتبر أبا الأب كالأب يحجب الأخوة ، وزيد اعتبره كأخ بشرط ألا يقل عن الثلث ، وعلى اعتبره كالأخ بشرط ألا يقل عن السدس ، وهكذا . أما فى المرتبة الأولى ، فإنه يأخذ بقول الصحابى ، ولا يسمى ذلك - ٣٨٧ - إجماعاً خلافا للحنفية ، وقد وافق فى ذلك الشافعى ، ومن أمثال ذلك أخذه برأى أنس فى قبوله شهادة العبد، وقد نقل عنه الإمام أحمد أنه قال فى ذلك: (( لا أعلم أحداً رد شهادة العبد)، فاعتبره أحمد قولا واحداً لا يعلم خلافه . وأما المرتبة الثانية، فإنه قد اختلف النقل عن أحمد فيها ، فقيل إنه يعتبر أقوالهم جميعاً، وتعتبر تلك الأقوال أقوالا له، فيكون فى المسألة عنده قولان، أو ثلاثة على حسب اختلاف أقوال أولئك ، وذلك لأنه يتحرج من أن يقدم برأيه بعض هذه الأقوال على بعض ، إذكلهم من رسول الله ملتمس فوراً وهداية، وهم الذين شاهدوا النغزيل ، وعاينوا الرسول ، وساعة مع الرسول أخير من اجتهاد سنين . ولقد ذكر ابن القيم رواية أخرى، فقال: (( من أصوله ( أى أحمد) أنه إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم ، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يحزم بقول قال إسحق بن إبراهيم بن هانى. فى مسائله، قيل لأبى عبد الله يكون الرجل فى قومه فيسأل عن الشىء فيه اختلاف، قال يفتى بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه (١). ووجهة هذه الرواية واضحة ، لأن الكتاب والسنة هما أصل الإسلام ولا يمكن أن تكون الأقوال كلها درجة واحدة فى قربها من النصوص . أو ملاءمتها لموضوع الفتوى ، فلابد أن يتخير من بينها قولا يكون أنسب وأوفق للمسألة التى يستفتى فيها أو يكون أقرب إلى النصوص . (١) إعلام الموقعين =١ ص ٢٥ - ٢٨٨ - وهذه الرواية تتفق مع المنصوص عليه فى رسالة الشافعى رضى الله عنه، فإنه كان يتخير من أقوال الصحابة ما يجده أقرب إلى النصوص ، كما اختار من أقوال الصحابة فى المسألة ميراث الإخوة على الجد الصحيح قول زيد ورجحه بالقياس الفقهى، وقرر أنه لولا الأقوال المأثورة لكان يقتضى القياس أن يحجب الأخوة الجد . وأبو حنيفة كان يسلك مش ذلك المسلك فكان يتخير من أقوال الصحابة إن اختلفوا، وكان لا يخرج عن أقر الهم إلى غيرها، ولكنه يأخذ بماشاء ، ويدع ما شاء . ه .. ١٣٨ - وهناك رواية ثالثة عن أحمد، وهى أنه إذا اختلف الصحابة لا يتخير من أول الأمر من بين الأقوال أقربها إلى النصوص، بل يرجح أولا أقوال الخلفاء، وقد روى هذه الرواية أيضاً ابن القيم فى موضع آخر من كتابه إعلام الموقعين ، فقد جاء فيه ما نصه : (( إذا قال الصحابى قولا ، فإما أن يخالفه صحابى آخر ، أو لا يخالفه، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر ، وإن خالفه أعلم منه، كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة فى حكم ، فهل يكون الشق الذى فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين ، فيه قولان للعلماء ، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أن الشق الذى فيه الخلفاء أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر ، فإن كان الأربعة فى شق ، فلاشك أنه الصواب ، وإن كان أكثرهم فى شق، فالصواب فيه أغلب ، وإن كانوا اثنين فشق أبى بكر وعمر أقرب إلى الصواب؛ فإن اختلف أبو بكر وعمر، فالصواب مع أبى بكر ، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح - ٢٨٩ - من أقوالهم (١) )). وترى من هذا أن ابن القيم يذكر رواية ثالثة لأحمد عند اختلاف الصحابة وهى أنه يقدم الأقوال لأجل أصحابها إذا كانوا الخلفاء الراشدين، فيقدم أقوال الخلفاء على غيرهم ثم يتخير بالقرب من الكاب والسنة إذا لم يكن قول للخلفاء . وتقديمه أقوال الخلفاء على هذه الرواية له وجهة ، لأن قول الخلفاء قد صادف عملا ارتضاه جمهور المسلمين وقبلوه، بل آثروه، لأنه لو كان مخالفاً لكتاب الله وسنة رسوله، أو كان غيره أقرب منها، لقوموا آراء الخليفة ونهوه وله من دينه وقرة عقله، وهدايته ما يجعله يستسيغ رأى مخالفه ، إن ثبت له أنه أقرب إلى الدين وكتاب الله وسنة رسوله ومصلحة المصلحين والدارس لحياة الخلفاء الأولين، وخصوصاً أبا بكر وعمر، يرى أن رأيهما كان مزكى فى أكثر الأحوال بموافقة جمهور المؤمنين ، فرو رأى يقارب الإجماع ، فكان تقديمه له وجهة قوية . ١٣٩ -- ويظهر أن أحمد رضى الله عنه كان إذا وجد آراء للخلفاء الراشدين أو لبعضهم اختارها دون غيرها، وإن لم يجد اختار أقرب الآراء إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يبدله وجه من القرب ترك الأمر وتوقف ، أو كان له فى الموضوع قولان ، جاء الذين من بعده فوجدوا هذه الأحوال وروى بعضهم الفتوى التى اختار فيها قول الخلفاء، وجاء راو آخر فلم يرو إلا واقعة التخير بالقرب من الأصول ، وجاء ثالث، فروى واقعة ترك الأقوال جملة ، ونسبتها كلها إليه فكل رواية صادقة لأنها روت واقعة صحيحة ، ومن مجموع هذه الروايات ، وهذه (١) إعلام الموقعين = ٤من ١٠٤ ( م ١٩ - ابن حنبل) - ٣٩٠ - الوقائع يستبين رأيه ، وهو الذى قلنا إنه الذى يظهر لنا، وهو الترجيح أولا بقائل القول ، ثم بدليله ، ثم ترك الأقوال بعددها . ١٤٠ - ومرتبة الأخذ بفتوى الصحابى فى ترتيب الأدلة هى بعد النصوص الثابتة ، وهى القرآن والأحاديث الصحيحة ، ولقد أدعى بعض العلماء أن أحمد كان إذا وجد فتوى الصحابى لا يلتفت إلى النصوص ولا يتجه إليها، لأن فتوى الصحابى أغنته عن الاستنباط، أى لا يجتهد إلا حيث لايجد فتوى الصحابى، ولقد رد ذلك الزعيم ابن القيم وأثبت أن أحمد كان يقدم النص على فتوى الصحابى رضى الله عنه، وقال : (( كان الإمام أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه؛ ولم يلفت إلى ماخالفه، ولا من خالفه كائنا من كان ، ولذلك لم يلتفت إلى خلاف عمر رضى الله عنه فى المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس (١)، ولا إلى خلافه فى النيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر (٢). ولم يلتفت إلى قول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن على رضى الله عنهم أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أقصى الأجلين، لصحة حديث سبعة الأسلمية(٣) ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية (١) رأى عمر رضى الله عنه أن المعتدة من طلاق، ولو كان ثلاثًا لها النفقة، لقوله تعالى فى سورة الطلاق (( لينفق ذو سعة من سعته ٠٠٠)) وروت فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا ، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة، ولما روت ذلك لعمر . قال: لا تترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا تدرى لعلها حفظت أو نسيت)» فأخذ أحد بحديث فاطمة وترك فتوى عمر . (٢) رأى عمر أن التيمم يكون بضربتين إحداهما للوجه، والثانية يمسح بها اليدين إلى الإ فقين، وروى عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمم يكون بضربة مسح بها وجهه وكفيه إلى المرفقين، فأخذ أحمد بالحديث ولم يشترط الضربتين، ولم يشترط المسح إلى المرفقين . (٣) عدة المتوفى عنها زوجها الحامل أبعد الأجلين الوضع أو أربعة أشهر وعشر وذلك عند ابن عباس، وعلى وهذا خلاف الذى روته سبيعة الأسلامية ، فإنها ذكرت أنها وضعت بعدوفاة زوجها بليال ، نجاءت النبى صلى الله عليه وسلم، فاستأذنته أن تنكح ، فأذن لها، وبذلك أخذ أحمد رضى الله عنه . - ٢٩١ = فى توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع عن التوارث بينهما ولم يلتفت إلى قول ابن عباس فى الصرف لصحة الحديث بخلافه (١) ولا إلى قوله فى إباحة لحوم الخمر كذلك (٢)، وهذا كثير جداً . وترى من هذا أن أحمد رضى الله عنه كان يأخذ بالحديث مع وجود فتوى الصحابى ، لأنه لم يكن يقدمها على الحديث ، وهنا نلاحظ أن فتوى عمر بأن المبتوتة لما النفقة والسكنى أخذها من القرآن الكريم، وهى صريح قوله تعالى فى المطلقات: ((أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)) وقوله تعالى فيهن أيضاً , لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله ، فإن هذا يشمل المطلقات جميعاً، سواء فيهن المبتوتة. ثلاثاً والبائنة بما دون ذلك ، والمطلقة طلاقاً رجعياً، وبذلك العموم استدل عمر رضى الله عنه ولكن أحمد يجعل السنة دائماً هى مفسرة القرآن حيث تلافيا فى موضوع واحد، فيحمل القرآن على بيان السنة ، وبذلك تكون الآيات غير شاملة للمبنوتة ، ويكون عموم اللفظ القرآنى الكريم أريد به الخاص ، وفى الآية ماقد يفهم منه أن المبتوتة بالثلاث لا تدخل ، لأنه . قال بعد قوله تعالى ((يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن .. . ((لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، والمبتوتة بالثلاث لا رجاء لها فى العودة ، بل وضع الشارع العقبات فى سبيل هذه العودة ، ولذلك ردت فاطمة بنت قيس على عمر قائلة: بينى وبينكم كتاب الله وتلت آيات الله إلى قوله تعالى: ، لا ندرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ثم قالت: «فأى أمر يحدث بعد الثلاث ؟ ، فكان الحديث معيناً ذلك المعنى عند أحمد رضى الله عنه، وبذلك يسير أحمد على مقتضى مسلكه، وهو أن السنة مفسرة للقرآن ، وهى هنا كذلك، (١) مذهب ابن عباس إنكار الربا فى غير النسيئة، وكان يقول إنما الربا النسيئة ولكن روى حديث ربا الفضل الذهب بالذهب مثل بمثل إلى آخره ، وهذاهو مذهب أحمد، (٢) لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها كما روى فى الصحيحين. - ٢٩٢ - فكان بين يديه تفسيران للقرآن الكريم ، تفسير عمر رضى الله عنه ، وهو وجوب النفقة للمبتوتة ، والثانى تفسير النبى صلى اللّه عليه وسلم، فاختار رضى الله عنه تفسير النبى صلى الله عليه وسلم، كما هو شأنه دائماً. ١٤١ - قد بينا فى الكلام السابق أن أحمد رضى الله عنه يأخذ بفتاوى الصحابة ويزخرها فى الاستدلال عن الحديث الصحيح ، ويقدمها على المرسل ، والضعيف . ويجب أن يلاحظ أن المرسل الذى تنقدم عليه فتوى الصحابى هو الذى يرسله النابعى، ومن دونه، أما الذى يرسله الصحابى، كأن يروى أحد الصحابة حديثاً وثبت أن ذلك الصحابى لم يكن مدركا للنبي صلى الله عليه وسلم فى الوقت الذى كان قول الرسول فيه أو فعله ، فإن ذلك يكون مرسلا من الصحابى ، ويفرض لا محالة أنه رواه عن صحابى آخر . وهذا النوع من الإرسال يكون فى قوة الحديث الصحيح ، المتصل كما اتفق على ذلك علماء الحديث ، وعلى ذلك لا تقدم عليه فتوى الصحابى كسائر المرسلات ، وتعليل ذلك واضح جداً ، لأن فتوى الصحابى قول الصحابى نفسه تقدم على غيرها لمشاهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته، ومعاينته التنزيل، فإذا جاء صحابى آخر له مثل منزلة الأول من حيث الصحبة، وأسند قولا أو فتوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قول النبى أوثق ، وما كان قبول فتوى الصحابى إلا لأنها من السنة أو مقتبسة من السنة ، فلا تقدم على السنة اتى يكون راويها له مثل منزلة الصحابى المفتى ، وهذا منطق • من قويم . ١٤٢ - وإذا كان أحمد رضى الله عنه يعتبر فتوى الصحابى مصدراً من مصادر الفقه ويأخذ بها ، فعلى أى وجه كان مأخذه؟ أياخذ بها على أنها من السنة ، أم يأخذ بها على أنها اجتهاد من الصحابة ، ولكن اجتهادهم أولى بالأخذمن اجتهاده ؟ - ٢٩٣ - لقد وجدنا الفقهاء الأربعة ذوى المذاهب المنشورة فى البلاد الإسلامية يأخذون جميعاً بفتوى الصحابى ، ولكن يختلفون فى طريق الأخذ. فالشافعى كما يصرح فى الرسالة يأخذ بفتواهم على أنها اجتهادمنهم، واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالكا رضى الله عنه يأخذ بفتوائم على أنها من السنة، ويوازن بينها وبين الأخبار المروية ، إن تعارض الخبر مع فتوى صحابى بخلاف الشافعى، فإنه لا يلتفت إلى فتوى الصحابى إذا وجد خبراً عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك من أسباب مخالفته لمالك فى كثير من الفروع، وسمى طريقة مالك من قبيل جعل الفرع أصلا . واختلف علماء التخريج عن حقيقة نظر أبى حنيفة ، فأبو سعيد البراذعى اعتبر الأخذ بفتوى الصحابى من قبيل ترجيح أبى حنيفة اجتهادهم على اجتهاده ، وأخذ ذلك من عبارات أبى حنيفة ، ومسلكه فى فتوى الصحابى ، وأبو الحسن الكرخى اعتبر الأخذ بفتوى الصحابى من قبيل الأخذ بالحديث والسنة ، ولذلك لا يأخذ بها إلا فيما لا يدرك بالقياس ، كالمواقيت ونحوها ما شأنه النقل فيتبع الصحابى فى هذه الحال على أن قوله نقل لا رأى . ومن أى القبيلين أحمد بن حنبل؟ أكان كشيخه الشافعى ، أم كان كإمام دار الهجرة مالك ؟ لقد وجدناه يقدم الحديث الصحيح بإطلاق على فتوى الصحابى ولا يوازن بينهما كمالك ، كما وجدناه يأخذ بكل فتاوى الصحابة من غير تغرفة بين ما يكون طريقه التوقف ، وما يحتمل أن يكون طريقة الاجتهاد، ووجدناه يقدم فتوى الصحابى على الحديث المرسل ، والحديث الضعيف على التفسير الذى فرنا به الضعف عنده . وعندى أننا لانستطيع أن نقول إن أحمد كان يعتبر كل فتاوى الصحابة من قبيل النقل ، ونستطيع أن نقرر أنه كان يأخذ بأقوالهم على أنها المرجع الثانى لفهم الدين والشرع الإسلامى، بعد أقوال النبى صلى الله عليه وسلم، -- ٢٩٤ - لأنهم أقرب إلى الرسول وقد عاينو، وشاهدرا، وأثنى الله عليهم، وعلى من اتبعهم بإحسان، إلى يوم الدين، فأقوالهم تقبل، فإن كان طريقها التوقف لا محالة فهى أثر ، وإن كان للرأى فيها مجال ، فهو رأى مقتبس من هدى النبي صلى الله عليه وسلم لصحبتهم له عليه السلام، وتلقيهم هديه، وإدراكهم لمرامى التنزيل ، فاتباعهم سنة ، وإن لم تكن كل أقرالهم أحاديث ، أو فى قوة الأحاديث . ١٤٣ - ولقد حرر هذا المعنى ابن القيم، مبيناً أن آراءهم أقرب إلى السنة والكتاب فقال : ((إن الصحابى إذا قال قولا، أو حكم بحكم، أو أفتى بفتيا، فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به ، فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم شفاها ، أو من صحابى آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن محاط به ، فلم يرو كل منهم كل ما سمع وأين ما عه الصديق رضى الله عنه، والفاروق، وغيرهما من كبار الصحابة إلى ما رووه ، فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبى صلى الله عليه وسلم فى شىء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث ، بل قبل البعث إلى أن توفى وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم، وبقوله وفعله ، وهديه وسيرته . وكذلك أجلة الصحابة، روايتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم ، وشاهدوه ولو روو كل ما سمعوه، وشاهدوه لزاد على رواية أبى هريرة أضعافاً مضاعفة . فإنما صحبه نحو أربع سنين ، وقد روى عنه الكثير فقول القائل لو كان عند الصحابى فى هذه الواقعة شىء - قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم فإنهم كانوا يها بون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ، ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشىء الذى سعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون - ٢٩٥ - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلك الفتوى التى يفتى بها أحدهم لا تخرج عن ستة وجوه : ( أحدها ) أن يكون سمعها من النبى صلى الله عليه وسلم. ( الثانى ) أن يكون سمعها من سمعها . ( الثالث ) أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهماً خفى علينا. (الرابع ) أن يكون قد اتفق عليه ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتى بها وحده . ( الخامس) أن يكون لكال علمه باللغة ، ودلالة اللفظ على الوجه الذى انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترفت بالخطاب ، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، ومشاهدة أفعاله وأحواله، وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاعده ، وشهود تنزيل الوحى، ومشاهدة تأويله بالفعل فيكون فهم ما لا تفهمه نحن وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة علينا يجب اتباعها . ( السادس) أن يكون فهم ما لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخطأ فى فهمه وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة، ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين . هذا ما لا يشك فيه عاقل، وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أن الصواب فى قوله . . وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين ، وبكفى العارف هذا الوجه (١) . ١٤٤ - والاحتجاج بأقوال الصحابة وفتاويهم مسلك جماهير الفقهاء، وقد خالفهم الشيعة ، ولكن أيد ابن القيم نظر الجمهور بنحو ستة وأربعين (١) إعلام الموقعين جـ ٤ س ٢٤٨ . - ٢٩٦ - وجها وكلها حجج قوية ، ولا فريد أن نطيل فى الموضوع بسردها ، فليرجع إليها القارى.(١) . ولقد وجدنا الشوكانى فى كتابه إرشاد الفحول يناقض الأئمة الأربعة ويقرر أن أقوال الصحابة ليست حجة فيقول : والحق أنه ليس بحجة ، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأمة نبياً إلا محمداً لتر، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمور باتباع كتابه، وسنة نبيه ، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم فى ذلك، فكلهم مكلفون التكاليف الشرعية، واتباع الكتاب والسنة ، فمن قال: إنه تقوم الحجة فى دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله وما يرجع إليهما فقد قال فى دين الله بما لا يثبت وأثبت فى هذه الشريعة الإسلامية شرعاً لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم وتقول بالغ، فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد اللّه بأن قوله أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بها ، وتصير شرعاً متقرراً تعم به البلوى بما لا يدان الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا الرسل الله الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده، لا لغيرهم، وإن بلغ فى العلم والدين وعظم المنزلة أى مبلغ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم لكن وذلك فى الفضيلة وارتفاع الدرجة وعظمة الشأن ، وهذا مسلم لاشك فيه .. ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه ، فإن ذلك مما يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد ، وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية قول الصحابي مماروى عنه هذا صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أصحابى، كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، فهذا مما لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا (١) إعلام الموقعين الجزء المذكور. : - ٢٩٧ - الشأن بحيث لا يصح العمل بمثله فى أدنى حكم من أحكام الشرع فكيف مثل هذا الأمر العظيم ، والخطب الجليل ، على أنه لو ثبت من وجه صحيحلكان معناه أن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة الثابتة من الكتاب والسنة وحرصهم على أتباعها ، ومشيهم على طريقتها يقتضى أن اقتداء الغير بهم فى العمل به! واتباعها هداية كاملة ، لأنه لو قيل لأحدهم لم قلت كذا؟ لم فعلت كذا؟ لم يعجز عن إبراز الحجة من الكتاب والسنة ، ولم يتلعثم فى بيان ذلك ، وعلى مثل هذا الحمل يحمل ماصح عنه صلى الله عليه وسلم وآله من قوله ((اقندوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر، وما صح عنه من قوله صلى الله عليه وسلم (( عليكم بسفتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى)) فأعرف هذا، واحرص عليه ، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفاً واحداً ، ولا جعل شيئاً من الحجة عليك فى قول غيره كائناً من كان »(١). ١٤٥ - وهكذا نرى الشوكانى يدفعه فرط المغالاة فى الابتعاد عن التقليد، والتشدد فى الاعتماد على الكتاب والسنة إلى رفض الأخذ بفتاوى الصحابة حاسباً أن ذلك تزيد فى الدين ، والفقه الإسلامى، لأن الله لم يبعث لهذه الأمة إلا نبياً واحداً . وما كان الذين أخذوا بأقوال الصحابة وفتاويهم ، واقتبسوا منها إلا مستمسكين أشد الاستمساك بأن النى واحد، والسنة واحدة، والكتاب واحد، لكن وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى، ونقلوا أقوال محمد إلى من بعدهم ، فكانوا أعرف الناس بشرعه، وأقربهم إلى هديه ، وأقوالهم قبسة نبوية، وليست بدعاً ابتدعوه ولا اختراعاً اخترعوه، ولكنه تلمس للشرع الإسلامى من ينابيعه، وهم (١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق فى على الأصول من ٢١٤. ٠ - ٢٩٨ - أعرف الناس بمصادرها ومواردها، فمن اتبعهم، فهو من الذين قال الله فيهم: ((والذين اتبعوهم بإحسان،. وإن الذين يأخذون بفتاويهم على أنها من السنة أكثرهم، (وخصوصاً أحمد) يؤخرها عن الأحاديث الصحيحة ، ولا يضعها فى مرتبتها ، فاتباعهم سنة ، حيث لا تصح سنة غير أقوالهم . ولو أن الشوكانى عندما قال إن أقوال الصحابة لا يؤخذ بها ، ويعتمد الفقيه على الاجتهاد برأيه وبالقياس ، لكان لكلامه نوع من الانسجام الفكرى، وإن كان فيه غلو أو شطط؛ ولكن الشوكانى يعدمن نفاة القياس أو الاجتهاد بالرأى وهو الذى يقول فى الرد على مثبتى القياس «إن أنهض ما قالوه فى ذلك أن النصوص لا تفى بالأحكام ، فإنها متناهية والحوادث غير متناهية، وبجاب عن ذلك بإخباره عز وجل لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها دينها ، وبما أخبرها رسوله صلى الله عليه وسلم من أنه قد تركها على الواضحة ليلها كنهارها». وإذا كان المجتهد الباحث لا يجد نصاً من الكتاب يسعفه، ولا حديثاً يرشده فبأى شىء يفتى إن كان لا يفتى بقول صحابى، ولا قياس ورأى ! ! اللهم إنه يريد فتح الباب فيؤدى إلى الضيق والمآزق التى لا خروج منها، وبذلك لا يكون كلامه منسجما ، وفيه غلو وشطط ، وتنكب للجادة فى جملته. فتوى التابعى ١٤٦ - علمنا مسلك أحمد رضى الله عنه فى فتاوى الصحابة، وكيف كان يأخذبها، إذا لم يعرف مخالف، ويتخير مقيداً أو مطلقاً، إذا اختلفوا والآن نريد أن نعرف رأيه فى فتوى التابعى إذا لم يجد نصاً، ولا خبراً، أيأخذ بها، كما أخذ بفتوى الصحابى، وإن كانت دونها مراتب ، أم يجتهد رأيه؟ إن جمهور الفقهاء وإن كانوا يصر حون بأنهم لا بأخذون بفتاوى التابعين - ٢٩٩ - باعتبارها أصلا يرجع إليه قد يأخذون بفتاوى بعض كبار التابعين ، فأبو حنيفة كان يأخذ أحياناً بقول إبراهيم النخعى من غير أن يعتبر أقوال التابعين أصلا من أصول الاستنباط ، بل صرح بأنهم رجال ، له أن يجتهد كما اجتهدوا، ومالك رضى الله عنه كان يأخذ أحياناً بقول سعيد بن المسيب، ويزيد بن أسلم، والقاسم بن محمد بن أبى بكر، والشافعى رضى الله عنه كان يأخذ أحياناً بقول عطاء . ويظهر أن هؤلاء كان يستقيم عندهم الدليل المنتج للرأى ، ويجدون رأى بعض كبار التابعين المشهود لهم الفقه، والعلم التقى فيستأنسون به، ويسندون القول إليهم باعتبارهم قد سبقوا به، وإن كان المجتهد قد وصل إليه بمثل دليلهم من غير اتباع لهم ، ولا اعتماد مطلق على قولهم. هذه نظرة الأئمة الثلاثة الذين سبقوا أحمد، وتلذ لثالثهم ، أما أحمد ، فإن الروايات قد اختلفت عنه فى الاحتجاج برأيه. فرواية تقول يحتج.). ورواية تقول لايحتج به وفقه التابعى كتفسيره ، وكأنه عن أحمدروايتان فى فتاوى التابعى إحداهما نعتبرها حجة يجب الأخذ بها والثانية لا يلزم الأخذبها، وموضع ذلك بلا شك إذا لم يكن فى الموضوع ص ولافتوى صحابى ، ولا حديث مرسل، أو غيره مما يكون حجة عند أحمد بالاتفاق ، أما عند وجود واحد من هذه الأصول فى الموضوع ، فإنه لا يؤخذ يفتوى التابعى من غير اختلاف . والذين قالوا إنه حجة من الحنابلة اختلفوا فى تقديمه على القياس ، ففريق قدمه على القياس ، لأن القياس لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة ، ولا ضرورة، وفى الموضوع فتوى تابعى ، وفتوى النابعى المعروف بالفضل والتقى تعتبر فى هذه الحال أثراً سلفياً فيقدم على الرأى الفقهى ، وفريق قدم القياس عليه، لأنهدليل معتبر لا دليل يعارضه. أما إذا خالفه القياس فقد وجد دليل شرعى مقرر سلك طريقه السلف الصالح وأذن لهم النى - ٣٠٠ - صلى الله عليه وسلم فيه، والقياس فى جملته حمل على النص، والنص مقدم على قول التابعى ، وما فيه حمل عليه يقدم عليها. ١٤٧ - ومهما يكن شأن ذلك الاختلاف، ومهما تكن الروايات عن أحمد فى هذا ، فإن المشهور عند الحنابلة المقرر عند علمائهم أن أحمد رضى الله عنه كان فى كثير من الأحيان يباعد الاجتهاد بالرأى تورعاً حتى كان إذا لم يجد أثراً ولو ضعيفاً لم يعرف وضعه أخذ بفتاوى علماء الأثر كفتاوى مالك رضى الله عنه، والثورى وسفيان بن عيينة والأوزاعى وغيرهم ، ومن كان شأنه كذلك فلا بد أنه كان يقبل فتاوى بعض كبار التابعين كسعيد بن المسيب وغيره من فقهاء المدينة السبعة الذى اقتهى إليهم فقه عمر وابن عمر وزيد بن ثابت ، ولا يأخذ بهذه الأقوال على أنها أصل فقهى، بل بالاحتياط والاستئناس كما كان شأنه فى الخبر الضعيف . فقد احتاط، فأخذ به ، وإن لم يعتبره صحيح النسبة ولم يحكم بصدقه ، فأخذ به لأنه أحب إليه من القياس ولأنه أحوط .