النص المفهرس
صفحات 201-220
- ٢٠١ - الشافعى كان أحياناً يذكر احتمالين فى مسألة من غير أن يرجح أحدهما على الآخر . وما كان التورع فى طلب الحقيقة والإخلاص فى سبيلها طريقاً للعطمن فيها؛ والشك فى صحة نقلها، ولو كان اختلافاً لكان قولا واحداً، والله سبحانه وتعالى أعلم، وسنبين اختلاف الأقوال قريباً . نقله فقه أحمد ٥٨ - كان لأحمد أصحاب كثيرون، منهم من روى الحديث عنه، ومنهم من روى الحديث والفقه ، ومنهم من اشتهر برواية الفقه ، وقد أحصاهم صاحب كتاب المنهج الأحمدى فى عدد كبير ، وقارب فى الإحصاء ولم يحدد، ولقد قال بعد ذكر كثير منهم فى بيان مراتبهم فى النقل : « ومنهم المقل عنه، ومنهم المكثر، وهم أيضاً متفاوتون فى المنزلة عند الإمام أحمد، والنقل عنه، والضبط والحفظ ، ومن المكثرين عنه إبراهيم الحربى، وإبراهيم ابن هانى، وولده إسحاق، وأبو طالب المشكاتى، وأبو بكر المروزى، وأبو بكر الأثرم، وأبو الحارث أحمد ، وإسحاق ابن منصور الكوسج ، وإسماعيل الشاليخى، وأحمد بن محمد الكحال، وأبو المظفر إسماعيل، وبشر بن موسى، وبكر بن محمد، وحرب الكرمانى، والحسن بن ثواب، والحسن بن زياد، وأبو داود السجستانى ، وعبد الله وصالح، وعبد الله فوران، وعبد الملك الميمونى ، والفضل بن زيادة، وأبو بكر بن محمد بن الحكم، والفرج بن الصباح ، ومحمد بن إبراهيم ، ومثنى بن جامع ، ومهنى بن يحيى ، وهاون الجمال ، ويعقوب بن بختان ، وأبو الصقر يحي وغيرهم (١) . (١) المنهج الأحمدى فى تراجم أصحاب الإمام أحمد س ٣٣٨ مخطوط بدار الكتب رقم ٤٢٢٣ + ٢٠٢ - ٥٩ - هؤلاء هم الذين ذكرهم العليمى فى كتابه، ولسنا نذكر الذين نقلوا مسألة أو مسألتين، بل نذكر الذين أكثروا من نقل الفقه ، أو على حد تعبير مؤرخى الفقه الحنبلى الذين نقلوا المسائل، لا الذين رووا الحديث عنه فقط، وسنجد أن الذى جمع علمهم أحد عداء الطبقة الثانية، وهو أبو بكر الخلال، فهو فى الفقه الحنبلى بمنزلة محمد فى الفقه الحنفي ، وبمنزلة سحنون فى الفقه المالكى ، وبمنزلة الربيع بن سليمان فى الفقه الشافعى ، بيد أن محمد رضى الله عنه شاهد أبا حنيفة وأخذ عنه، وإن كان قد عول فى نقله على صاحب أبى حنيفة الأول أبى يوسف وغيره ؛ إذ أن صحبته لأبى حنيفة لم تكن طويلة فقد مات، ومحمد هذا فى الثامنة عشرة من عمره، وما كانت هذه السن تمكنه من أن ينقل عن الإمام نفسه تلك الثروة الفقهية العظيمة . وكذلك الربيع بن سليمان قد صحب الشافعى طول إقامته بمصر ، بل التقى به قبل رحلته إليها، والشافعى أملى عليه كتبه، فلم يكن ثمة توسط بينه وبين الشافعى . أما مشابهة الخلال بسحنون فواضحة جلية، إذ كلاهما لم يلتق بالإمام الذى نقل عنه، بيد أن سحنون كان نقله وتحريه واضحاً ، فهو قد أخذ الأسدية التى نقلها أسد عن ابن القاسم، وراجعها على بن القاسم، وحررها تحريراً دقيقاً ، فهل كان أبو بكر الخلال فى الكتب التى جمعها ، وكانت شاملة للفقه الحنبلى ، أو تكاد تكون شاملة ، قد كان فيها هذا المتحرى الدقيق ، والمراجع الفاحص ؟ إن العلماء فى كل العصور قالوا هذا ومن حقنا أن نقرر صدق ما قالوا، وعسانا فى هذه الدراسة نجد ما يزكى اطمئنانهم. وينير طريقهم . وفى سبيل هذه الدراسة نذكر بعض الرجال الذين تلق عليهم الخلال فقه أحمد ونقتصر على بعض المكثرين من رواية المسائل، وإن فى ذكرهم ذكراً لبعض أصحاب أحمد الذين اشتهروا، ونقلوا فقهه للأجيال . - ٢٠٢ - بعض الناقلين من أصحاب أحمد ٦٠ - سمع أحمد كثيرون قد تجاوزوا الحسبة عدداً كما قلنا، ولعل الحنابلة يبالغون فى العدد، وإنه إذا ذهب قدر المبالغة يبقى بعد ذلك كثيراً، ولا يكون قليلا ، ولذلك نختار من هؤلاء الصحاب بضعة رجال كان لهم فضل فى نشر علمه رضى الله عنه، وماهم أولاء : (١) صالح بن أحمد بن حنبل: وهو أكبر أولاد الإمام أحمد رضى الله عنه، وكان أحمد معنياً بتربيته ، حفياً بأن يكون من الزهاد مثله ، وكانت طريقته فى تهذيبه أمثل طرق التربية، وهى التربية بالأسوة الحسنة ، وكثرة مشاهدة ذوى الخلق القديم، وبيان مناحى فضلهم. فإنه يروى أنه كان إذازاره رجل من ذوى التقى والورع أحضر ابنه صالحاً هذا ليراه ، إذ يروى أن صالحاً كان يقول: (( كان أبى يبعث خلفى إذا جاءه رجل زاهد، أو رجل صالح متقشف، لأنظر إليه، يجب أن أكون مثلهم، أو يرانى مثلهم(١))). وكان صالح هذا كثير العيال ، وكان سخياً جواداً، يجود بما عنده قل أو جل، ولذلك اضطرته كثرة العيال إلى أن يلى قضاء طرسوس، ولما جاءه العهد بالولاية بکی لأنه أحس بأنه خالف ما كان أبوه یریدهمنه،ولأنه كان يريد أن يكون له من أبيه أسوة حسنة فى العزوف عن أى عمل للسلطان ، ولكنه اضطر إلى الولاية لدين ركبه ولكثرة عياله، ولذا قال معتذراً عن مخالفة طريقة أبيه: «الله يعلم ما دخلت فى هذا الأمر إلا لدين قد غلبنى، وكثرة عيال ، أحمد اللّه تعالى)). وقد تلقى صالح هذا الفقه والحديث عن أبيه ، وعن غيره من معاصريه، وقد نقل إلى الناس كثيراً من مسائل الفقه التى أفتى فيها أبوه رضى الله عنهما، (١) طبقات أبن أبي يعلى ص ١٢٦. ... - ٢٠٤ - وقال فيه أبو بكر الخلال رأوى الفقه الحنبلى : سمع من أبيه مسائل كثيرة وكان الناس يكتبون إليه من خراسان ، يسأل لهم عن المسائل ، أى أنهم كانوا يكتبون إليه ليسأل أباه عن المسائل ويرسل إليهم بالأجوبة التى يتلقاها عنه ، وبهذا كان طريقاً انشر فقه أبيه فى حياته ، ومن بعده . ويظهر أن ولايته القضاء التى اضطرته الحاجة إليها، والتى خالف بقبولها منهاج أبيه كانت خيراً ، فقد استطاع فيها أن يطبق فقه أبيه عملا بالقضاء، وقد كان من قبل نظرياً لم تصقله التجربة ، وإذا كان مذهب أحمد هو السنة أو ما اشتق منها ، فقد كان القضاء به قضاء بعلم السنة غضاً كاملا ، وقد كانت وفاة صالح سنة ٢٦٦هـ . ٦١ - (٢) عبدالله بن أحمدبن حنبل: ولد فى جمادى الأولى سنة ٢١٣)، وكان لأحمد عناية بتربيته كأخيه صالح ، وكان يرى فيه عناية خاصة بعلوم الحديث ، فنماها فيه. وشجعه على الاستمرار فيها ، ولذلك كان يقول كما نقلنا من قبل ((ابنى عبد الله محظوظ من علم الحديث لا يكاد يذاكرنى إلا بما لا أحفظ ». وقد روى عن أبيه ، وعن كثيرين غيره، ولذلك كان يذا كره فيما حفظه عن غيره وإذا كان أخوه صالح قد عنى بنقل فقه أبيه ومسائله، ورويت عنه مسائل جياد، كما قال أبو بكر الخلال ، فقد كانت عناية عبد الله متجهة إلى روایة حدیث أبیه ، روی المسند و تممه ، فزاد فيه مارأی زیادته ، وقد توفى عبدالله سنة ٢٩٠هـ، وقد وضحنا مقامه فى الحديث عند الكلام فى المسند ، فارجع إليه . ٦٢ - (٣) أحمد بن محمد بن هانى أبو بكر الأقرم: وهو من أصحاب أحمد الذى التقوا به بعد النضج، ولقد كان من قبله يشتغل بالفقه والتخريج والاختلاف ، فلما التقى به اقتصر على علوم الأثر، وقد قال فى ذلك : - ٢٠٠ - , كنت أحفظ الفقه والاختلاف فلما صحبت أحمد بن حنبل تركت كل ذلك)،(١) . وقد لزم أحمد من بعد ذلك ، حتى لقد كان فيه صلاحه وزهده وورعه، ولقد كان يحث أصحاب أحمد على الورع، ويقول «أحمد ابن حنبل رضى الله عنه ستر من اللّه على أصحابه، فينبغى لأصحاب أحمد أن يتقوا الله، ولا يعصوه مخافة أن يعيروا بأحمد)،(٢). ولقد كان يرى أن الصمت أولى بالمؤمن إلا أن يكون الكلام فى نصيحة أو فى إرشاد العلماء للعامة والخاصة، وقد جاء فى إحدى رسائله: ((إن فى كثير من الكلام فتنة وبحسب الرجل ما بلغ به من الكلام حاجته، ولقد حكى لنا أن فضلا« كان يتلاكن فى كلامه، وإن فى السكوت لسعة، وربما كان من الأمور ما يضيق عنه السكوت ، وذلك لما أوجب الله من النصيحة ، وندب العلماء من القيام بها الخاصة والعامة ». ولقد جاء فى هذه الرسالة عن شيخه أحمد: ((ولقد تبين عند أهل العلم عظم المصيبة بما فقدنا من شيخنا رضى الله عنه ، أبى عبد الله أحمد بن حنبل إمامنا ، ومعلمنا ، ومعلم من كان قبلنا منذ أكثر من ستين سنة ، وموت العالم مصيبة لا تجبر ، وثلمة لا تسد، وما عالم كعالم، إنهم يتفاضلون ، ويتباينون بونا بعيدا))(٣). ولقد روى عن أحمد مسائل فى الفقه، وروى عنه حديثاً كثيراً، ومن مسائله فى الفقه ما ذكره من أن قراءة القرآن بالألحان بدعة لا تستحسن فقد قال الأثرم . سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان، قال: كل شىء محدث فإنه لا يعجبنى، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه)). (١) المنهج الأحدى ص ١٧٤ من النسخة المخطوطة . (٢) طبقات ابن أبي يعلى ص٣٩ (٣) طبقات ابن أبي يعلى ص ٣٨،٣٧ - ٢٠٢- وروى عن أحمد جواز المسح على العمامة، وإغنائه عن المسح على الرأس، فقد جاء فى كتاب المنهج لأحمد عنه «سمعت أبا عبدالله سئل عن المسح على العمامة ، قيل تذهب إليه ؟ قال : نعم، من خمسة وجوه عن النبى صلى الله عليه وسلم(٤). وجاء فى هذا الكتاب أنه روى عنه أن المضمضة والاستنشاق ركنان من أركان الوضوء ، ففيه سألت أبا عبد الله عن رجل نسى المضمضة والاستنشاق فى وضوئه . قال . يعيد الصلاة، قلت لأبى عبد الله يعيدهما أم يعيد الوضوء كله، قال لا بل يعيدهما ولا يعيد الوضوء)). وهذا النص يفيد بظاهره أن المضمضة والاستنشاق ركنان ، ويفيد أن الترتيب بين الأركان ، والموالاة ليسا بشرطين ، بدليل أنه يعيد بعد القيام بأداء الصلاة فعلا ، ويعيدهما وحدهما من غير إعادة الوضوء كله ، وهكذا تراه يروى مسائل عن أحمد وروى عنه حديثا كثيراً كما نوهنا من قبل . وقد توفى الأثرم كما جاء فى المنهاج الأحمد للعليمى سنة ٢٦٠، وقال الذهبى إنه توفى بعد الستين، وقال ابن حجر سنة ٢٦١ وقال ابن أبي يعلى إنه لم يقع له تاريخ وفاته، وقد ادعى ابن قافع فيما نقل عنه الذهى أنه توفى سنة ٢٧٣، ورجحه . ٦٣ - (٤) عبد الملك بن عبد الحميد مهران الميمونى: سمع أحمد وغيره من معاصريه ، وقد كان أبو الخلال معجباً بنقله عن أحمد أشد الإعجاب، وقد اعتمد عليه كثيراً فيما نقل، وقدكان يكتب مسائل أحمد بعلمه، وأحمد يستحى أن ينهاه كما نقلنا من قبل، وكان يستحسن لأحمد أن تكتب مسائله، لأنها مشتقة من السنة وليست معارضة لها ، ولا تزيد (٢) المخلوط م١٧٣ - ٢٠٧ - عليها، وقد صحبه أكثر من عشرين سنة ، فقد صحبه من السنة الخامسة والمائتين إلى سنة ٢٢٧هـ. وقد قال أبو بكر الخلال فيه ، وفى نقله : ,(الإمام فى أصحاب أحمد ، جليل القدر ، كانت سنه يوم مات دون المائة ، فقيه كان أحمد يكرمه. ويفعل معه ما لا يفعل مع غيره. وقال لى صحبت أبا عبدالله على الملازمة من سنة خمس ومائتين، إلى سنة سبع وعشرين ومائتين ، وكنت بعد ذلك أخرج وأقدم عليه الوقت بعد الوقت ، فكان أبو عبد الله يضرب بى مثل ابن جريج بن عطاء من كثرة ما أسأله. ويقول لى ما أصنع بأحد ما أصنع بك .. وعنده عن أبى عبد الله مسائل كثيرة فى ستة عشر جزءاً، وجزءين كبير ين عنده بخط جليل مائة ورقة، إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك لم يسمعه منه أحد غيرى، فيما علمت ، ومنه مسائل لم يشر كه فيها أحد ، كبار جياد تجوز الحد فى عظمها وقدرها وجلالها (١). هذا كلام الخلال فيه ، وهو يدل على أنه نقل منه الكثير . وقد نبهنا فيما مضى إلى أنه كان يكتب عن أحمد ، فهو على هذا من أصحاب أحمد الذين نقلوا فقهه إلى الأجيال ، والذين كان لروايتهم مكان من الاعتبار، وقد توفى سنة ٢٧٤ هـ . ٦٤ - (٥) أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذى: كان أخص أصحاب أحمد به وأقربهم إليه، وأدناهم منه، وهو الذى تولى غسله لمامات، وكان عنده أثيراً ، وهو الذى روى كتاب الورع عن الإمام أحمد رضى الله عنهما، ولقد نقل الخطيب البغدادى تكذيب رواية كتاب الورع عن غيره؛ ولقد طعن فيه بعض الناس، فقال عبد الوهاب الوراق راداً (١) المنهج الأحدى ص ١٩٩ = ٢٠٨. ب طعنهم . « أبو بكر ثقة صدوق ، لا يشك فى هذا، إنما يحملهم على هذا الحسد(١). ولقد كان أحمد يثق به الثقة كلها ، يثق بنقله كما يثق بورعه وعقله ، حتى أنه كان يقول كما ذكر الخلال: كل ما قلت على لسانى فأنا قلته. وقد روى أبو بكر عن أحمد مسائل كثيرة، ونقلها الخلال ، وكان هذا به معجبا، ولقد كان ينقل عن بعض أصحابه أنه يقول فيه. ((ما علمت أحداً كان أذب عن دين الله منه ، . وقد روى فقهاً كثيراً، كما قلنا ، وكانت روايته لحديثه أقل من روايته لفقهه . توفى سنة ٢٧٥ هـ. ٦٥ - (٦) حرب بن إسماعيل الحنظلى الكرمانى : وقد ابتدأ حياته سالكا مسلك الصوفية التى سادت فى ذلك العصر، ولذلك تأخر فى لقاء أحمد، فلم يلقه إلا فى سن متقدمة، وقد نقل عنه ابن أبى يعلى أن أبا بكر الخلال سأله عن سبب تأخره فى لقاء أحمد رضى الله عنه، فأجاب: (كنت أتصوف قديما، فلم أتقدم فى السماع وقد كانت بينه وبين المروذى مودة ، وقد أنزله فى بيته عندما جاء للقاء أحمد، والمروذى هو الذى حرض تلميذه الخلال على السفر إليه والسماع منه ، ونقل مسائل أحمد عنه ، ولما شد الحال للذهاب إليه زوده بكتاب يوصيه به ، فأكرم بسبب هذا وفادته ، وأظهره لأهل بلده ، وسمع الخلال منه مسائل كثيرة . وقد قال الخلال في وصفه. («رجل جليل القدر )). وقد نقل عن أحمد فقهاً كثيراً، ولكنه لم يسمع عنه كل ما أذاع عنه، حتى أن الخلال قال إنه حفظ أربعة آلاف مسألة عن أحمد وإسحاق بن راهويه قبل أن يستمع إليهما . ؛ (١) تاريخ بغداد -٤ ص ٤٢٤ - ٢٠٩ - ومهما يكن من أمر حفظه لمسائل قبل أن يلقاه فإنه عندما التقى به كان يكتب عنه مسائل، وكان المروذى مع عظيم صلته بأحمد ينقل عنه ما كتب، وأبو بكر الخلال كان معنيا بأن ينقل عنه ما نقل المروذى . ولقد نقل عن أحمد أنه كان يقول: ((الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبر والماء، ولم يذكر ابن أبي يعلى تاريخ وفاته ، لأنه لم يصل إليه علم ذلك فيما يظهر ، ولكن قال الذهبى فى طبقات الحفاظ إنه توفى سنة ٢٨٠ ه. ٦٦ - (٧) إبراهيم بن إسحق الحربى: وقد وصفه أبن أبي يعلى بقوله: « كان إماماً فى العلم رأساً فى الزهد، عارفاً بالفقه بصيراً بالأحكام ، حافظاً للحديث، وصنف كتباً كثيرة منها : غريب الحديث ، ودلائل النبوة ، وكتاب الحمام، وسجود القرآن، وذم الغيبة، والنهى عن الكذب، والمناسك، وغير ذلك )). وقد لازم أحمد نحواً من عشرين سنة ، وأخذ عنه حديثه وفقهه ، ولذلك يقول لأصحابه: « كل شىء أقول لكم هذا قول أصحاب الحديث ، فهو قول أحمد بن حنبل ، هو ألقى فى قلوبنا مذ كنا غلياناً اتباع حديث رسول الله والت وأقاويل الصحابة، والاقتداء بالتابعين)). ولم يأخذ عن أحمد الحديث والفقه فقط ، بل أخذ عنه أيضاً الزهد والورع، فكان أشبه أصحابه به مسلكاً . يروى أن الخليفة المعتضد أرسل إليه عشرة آلاف درهم. فردها، فسأله أن يفرقها فى جيرانه، فقال للرسول : عافاك الله هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفريقه، قل لأمير المؤمنين : إن تركتنا ، وإلا تحولنا من جوارك، وقد رد هدية من المعتضد ، قدرها ألف دينار ، وهو وأهله فى حال من الجوع تعد من المخمصة التى تبيح تناول المحرمات ، إذا لم يتمكن من سواها . (م ١٤ - ابن حنبل) - ٢١٠ - وقد كان من عنايته بالفقه والحديث عالماً باللغة لا يغادر مجالسها إلا للحديث والفقه ، حتى أن تعلبا الإمام فى اللغة يقول ما فقدت إبراهيم الحربى من مجلس لغة . وقد كان من نقله فقه أحمد وحديثه إلى الأخلاف كما قلنا، وتوفى سنة ٢٨٥ هـ. أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال ٦٧ - ذكرنا هؤلاء العلمية من أصحاب أحمد الذين كانوا من نقلة فقهه، ولم تذكرهم لأنهم وحدهم الذين نقلوا هذا الفقه ، بل ذكر ناهم؛ لأن بعضهم كان من أخص أصحابه ، وبعضهم كان من أرواهم عنه ، وبعضهم كان ممن عنى بكتابة فقهه، وأذنه بذلك، وبعضهم كان من أحفظ الناس لمسائله ، حتى قبل لقائه، حق علينا أن ننقل كلمات عنهم ليكونوا صوراً معلمة لما كان عليه أصحاب الإمام ، وهم جميعاً قد اشتركوا فى نقل فقهه. وقد جاء فقيه جمع من أصحاب أحمد الذين ذكر ناهم ، وغيرهم ، وقطع الفيانى والقفار فى سبيل هذا الجمع، وهو أبو بكر الخلال الذى يعد جامع الفقه الحنبلى ، وناقله ، ولذلك نخصه بكلمة . ٦٨ - وقد قيض الله ذلك العالم الجليل لحفظ مذهب ذلك الإمام الأثرى الكبير ، وقد قال ابن القيم فى ذلك ((كان (أحمد) شديد الكراهية لتصفيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه ، ويشتد ذلك عليه جداً ، فعلم الله حسن نيته وقصده ، فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفراً ، ومن اللّه سبحانه علينا بأكثرها، فلم يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه فى الجامع الكبير ، فبلغ نحو عشرين سفراً ، أو أكثر ، ورويت فتاويه ومسائله ، وحدث بها قرناً بعد قرن ، -٢١١- فصارت إماماً وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم،(١) . وقد قال ابن الجوزى فيه : صرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل ، وسافر لأجلها ، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتباً ، ومعنى أنه كتبها عالية ونازلة أنه روى بعضها عن أصحاب أحمد ، وبعضها عمن روى عنهم . صحب الخلال أبا بكر المروذى إلى أن مات ، ويظهر أنه هو الذى حبب إليه رواية فقه أحمد، شغف بذلك شغفاً شديداً، وقد جاب الآفاق فى سبيل ذلك ، فأخذ عن أولاد الإمام أحمد وعمه ، وحرب الكرمانى ، والميمونى. وغيرهم كثير جداً ، وقد وصف العليمى من أخذ عنهم من لم بحصهم، فقال: (( يكثر تعدادهم، ويشق إحصاء أسمائهم، سمع منهم مسائل أحمد ، ورحل إلى أقصى البلاد فى جميع مسائل أحمد، وأسماعها ممن سمعها من أحمد، ومن سمع من سمعها من أحمد، فنال منها ، وسبق إلى ما لم يسبقه إليه سابق ، ولم يلحقه بعده لاحق (٢)) . ولقد روى مع فقه أحمد قدراً كبيراً من الحكم التى وصلت إلى أحمد عمن سبقه من علماء عصره ، فقد روى بسند متصل إلى أحمد أنه قال : قال سفيان الثورى: (( حب الرياسة أعجب إلى الرجل من الذهب والفضة ، ومن أحب الرياسة طلب عيوب الناس ، وأسند إلى أحمد أنه قال إن سفيان الثورى كان يقول: (( ما ازداد رجل علماً ، فازداد من الدنيا قرباً إلا ازداد من اللّه بعداً (٣))). ولقد كان الخلال بعد أن جمع رواياته بدارسها تلاميذه فى جامع المهدى ببغداد ، ومن هذه الحلقة المباركة انتشر المذهب الحنبلى ، وتناقله الناس (١) أعلام الموقعين ج١ ص٢٣ (٢) المنهج الأحمدى ج١ ص٣٩٢ (٣) طبقات ابن أبي يعلى ص٢٩٧ - ٢١٢ - مجموعة فقهية مدونة فى نحو عشرين مجاداً . بعد أن كان روايات منثورة ، ورسائل متفرقة فى الأقاليم ، وفى صدور الرجال ، أو فى خزائنهم الخاصة، ولا تنشر إلا لخاصة الناس . ٦٩ - قد اتفق الفقهاء على أنه جامع أشتات المسائل الفقهية المنسوبة لأحمد، ليس فى ذلك من ديب، ولكن أهو كان صادق الرواية فى فقله ، فلا مجال للشك فيه ؟ وفقول فى الإجابة عن ذلك لقد قبل روايته الحديث كثيرون، فأولى أن يكون مقبول النقل فى الفقه، ولقد تلقى علماء جيله نقله بالقبول، ولم يطعنوا فى نقله، ولو كان نقله محل طعن لا بتدأ ذلك الطعن بين معاصريه، وتوارث الأجيال ذلك الطعن حتى وصل إلينا ، نعم إن بعض معاصريه كان ينفس عليه عمله وما قاله من منزلة ، وأى عالم مجد ليس له منافس؟ والحسد من قديم الزمان بين العلماء، وعلو المكانة يغرى بالمنافسة ، فهذا أبو بكر الشيرجى الذى كان يعاصره يقول: ((الخلال قد صنف كتبه، ويريد أن نقعد بين يديه ونسمعها منه !! هذا بعيد))(١). ولقد كان بعض الناس يثير النظر فيما كان يقول فيه عن شيوخه - أخبرنا، وأن بعض شيوخه قالوا إنما هى إجازة ، ولكنه رد ذلك بأن كل ما رواه يصح أن يقال فيه حدثنا ، ولم ينكر عليه أحد ذلك ، وهذا نص ما جاء فى تاريخ بغداد (( قد رسم فى كتابه ومصنفاته، إذ حدث عن شيوخه يقول أخبرنا أخبرنا أخبرنا، فقيل له إنهم قد حكوا أنك لم تسمعها ، وإنما هى إجازة ، فقال سبحان الله ، قولوا فى كتبنا كلها حدثنا)). وبهذا يتبين أن كل ما فى كتبه أخذه بالسماع عمن التقى بهم من نقلة الفقه الحنبلى، وهبها كانت إجازة أو بعضها كان إجازة، ولم يكن كلها سماعاً، فإن ذلك لا يقدح فى نسبتها إليهم ؛ لأنهم لا يجيزون ما ليس بصادق عندهم ، فإجازتهم بلا ريب دليل الصدق ، والموافقة الكاملة على الصحة . (١) تاريخ بغداد جه س١١٢ - ٢١٣ - وإن تلقى علماء عصره لمروياته بالقبول هو وحده دليل على الصدق ، ولقد صدقوه ونقلوا عنه، فقد قال أبو بكر محمد بن الحسين : ((كلنا تبع للخلال ، لأنه لم يسبقه إلى جمعه وعلمه أحد ، وقال أيضاً : كل من طلب العلم يقابل أبا بكر الخلال ، من يقدر على ما يقدر عليه الخلال من الرواية(١). والشهادات بصحة نقله كثيرة ، ومن أكبر علماء ذلك المذهب، وما كانوا ليتضافروا على هذا الصدق لو كان عندهم ريب ، ولقد كان حريصاً على أن يأخذ كل ما نقل بالسماع كما قلنا، ولكنه فى النقل عن شيوخه الذين لهم . عليه فضل التعليم والتثقيف كان لا يحب أن يخمل ذكرهم، بل يذكر ما نقل عنهم بالنسبة إليهم ، وغيرهم ما كان يتحرى دائماً ذكر النسبة ، وهذا لا ينفى أن جميع ما نقله كان لا يكتفى فيه بالتدوين من غير سماع من صاحبه ، ولذلك قال لمن اعترض عليه قل فى كل ما كتبنا حدثنا ، ولو كان يكتفى بالنقل عن مكتوبات من غير سماع ما كانت هذه الرحلات الكثيرة التى قام بها مع بعد الشقة بين الأقاليم الإسلامية التى رحل إليها ، ومع عظيم المشقة التى احتملها . ٧٠ - وما الكتب التى نقل بها ذلك المذهب ؟ قال ابن الجوزى : ((صنفها كتباً منها كتاب الجامع فى نحو مائتى جزء، ويظهر أن كتاب الجامع هذا هو الذى نقل به الفقه الحنبلى، أما غيره من الكتب فقد كانت فى موضوعات أخرى، ولذلك قال ابن القيم فيما نقلنا عنه آنفاً : « جمع الخلال نصوصه فى الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفراً، أو أكثر)، وهذا الكلام بدل على أن الجامع الكبير هذا هو الذى جمع فقه أحمد بكل طرق رواياته ، ولكن يبقى أن ابن الجوزى ذكر أن الجامع فى نحو مائتى جزء، بينما ابن القيم ذكر أن الجامع يقع فى عشرين سفراً أو أكثر، ولا تعارض فى الحقيقة، (١) تاريخ بغداد جه ص١١٣ - ٢١٤ - لأن ابن القيم عبر بالسفر ، والسفر هو المجاد الضخم؛ وابن الجوزى عبر بالجزء، والجزء عند المتقدمين كان يطلق على الكراسة. أو ما يقاربها، أو ضعفها، ولسنا نذكر ذلك من غير بينة، بل يؤخذ من عبارات الخلال نفسه ذلك التفسير، فقد نقلنا عنه فى ترجمة الميمونى أنه قال فيه: «عنده عن أبى عبد الله مسائل كثيرة ، فى ستة عشر جزءاً، وجزءين كبيرين من عنده بخط جليل مائة ورقة »(١). فهو يفسر الجزءين الكبيرين بمائة ورقة ، أى أن الجزء الكبير خمسون ورقة، فلو فرضنا أن المائتين من نوع الكبير تكون نحو عشرة آلاف ورقة، أى نحو عشرين سفراً أو تزيد، ولكن لم ينص على أنها من الكبير ، فهى من المتوسط ، وتقديرها بعشرين سفراً معقول ، بل متعين . ٧١ - هذا هو عمل الخلال ناقل الفقه الحنبلى، وقد تبعه من جاءوا بعده فى نقله ولخصوه، ثم شرحوه ، ثم وزنوه بأقوال الأئمة أصحاب المذاهب ، وعد لهذا بحق ناقل المذهب الحنبلى، وقد توفى سنة ٣١١هـ. نقله بعد الخلال ٧٢- قلنا إن الخلال يعتبر ناقل الفقه الحنبلى ، وأقمنا الدليل على ما قلناه ، وقد نقل معه غيره ((وإن كان أقل قدراً، واعتمد فى نقله على ما روى الخلال ، وإن كان قد روى عن غيره قليلا، ولنذكر اثنين ، كان لهما الفضل فى تلخيص ماجمعه الخلال ، والزيادة عليه فى القليل النادر، وهما عمر بن الحسين أبو القاسم الخرقى ، وعبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال . ٧٣ - عمر بن الحسين الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤، وقد قال فيه العليمى: (١) راجع نبذة رقم ١٣ - ٣١٥ - « أحد أئمة المذهب، كان عالماً بارعاً فى مذهب أبى عبد الله، وكان ذا دين ، وأخا ورع، رحمه الله، قرأ العلم على من قرأ على أبى بكر المروذى ، وحرب الكرمانى، وصالح وعبد الله ابنى إمامنا أحمد، له المصنفات الكثيرة، وتخريجات على المذهب، لم ينشر منها إلا المختصر))(١). وترى من هذا أنه تلقى علم الخلال وأخذ منه، لأنه أخذ عمن قرأ على هؤلاء الذين ذكرهم، وهم المروذى وصالح وعبد الله، وقد تلقى الخلال مسائل هؤلاء، وضمنها كتابه. وإنما لم ينشر من كتب الخرقى إلا المختصر. لأن الخرقى غادر بغداد، لما صار للشيعة فيها قوة، ورحل منها إلى دمشق . ومات بها ، وقد طفى سلطان القرامطة فى عهده، حتى وصل إلى الحرمين الشريفين ، وأزالوا الحجر الأسود عن موضعه، ولم يعد إليه إلا بعد وفاة الخرقى . ومختصر الخرقى أشهر كتاب فى الفقه الحنبلى، ولذا توافر عليه العلماء بالشرح والتعليق، حتى لقد كان له أكثر من ثلاثمائة شرح، وقد نقل فيه خلاصة لما جمع الخلال ، وأحصى بعض العلماء عدة ما فيه من مسائل ، فبلغت ثلاثمائة وألفى مسألة . وممن عنى بشرحه القاضى بن أبى يعلى صاحب الطبقات، وكان مما عنى به الموازنة بين ما فيه من نقل الخرقى ونقل عبد العزيز غلام الخلال، وقال فى ذلك: «قرأت بخط أبى بكر عبد العزيز: خالفنى الخرقى فى مختصره فى ستين مسألة، ولم يسمعها، فتقبعت أنا اختلافهما ، فوجدته فى ثمان وتسعين مسألة)،(٢) . ٧٤ - وقد اعتبر كتاب الخرقى فى هذا أصلا محترماً من أصول الفقه (١) المنهج الأحمدى ص ٤٤٥ (٢) طبقات ابن أبي يعلى م٣٣٢ - ٢١٦ - الحنبلى ومن شرحه وبقى شرحه إلى الآن، وطبع ونشر ، ولعله أعظم شروحه وأوفاها - موفق الدين المقدسى ، وسمى شرحه المغنى. وشرح المغنى كتاب كبير ، وطبع فى ثلاثة عشر مجلداً كبيراً ، وهوفقه مقارن ، فإنه لا يكتفى بشرح عبارة المختصر ، وبيان مدلولها ومفهومها ، بل يتبع ذلك بيان شامل للاختلاف بين الروايات فيها فى الفقه الحنبلى ، ثم الاختلاف بين الأئمة على اختلاف مذاهبهم، حتى بعض المذاهب التى لم يكن لها أتباع مشهورون ، كمذاهب بعض التابعين ومن جاء بعدهم، كالأوزاعى وغيره ويذكر الأدلة الفقهية ، والآثار الصحيحة المثبتة للمدعى مشيراً إلى صحيحها من سقيمها، ويرجح قولا من بين الأقوال التى يسوقها، مشيراً إلى قوة دليله ، وضعف دليل غيره بجواره . وقد نظر إليه الحنابلة وغيرهم نظرة تقدير ، واعتبروه مرجعامن مراجع الفقه الإسلامى المقارن، الذى يرفع قارنه من التقليد إلى مكان من الاجتهاد، والموازنة والترجيح الصحيح، والاختيار عن بينة وحجة وبرهان ، وقد قال ابن مفلح الحنبلى فيه، وفى مؤلفه: ((اشتغل الموفق بتأليف المغنى أحد كتب الإسلام ، فبلغ الأمل فى إنهائه ، وهو كتاب بليغ فى المذهب ، تعب فيه، وأجاد ، وجمل به المذهب، وقرأه عليه جماعة)). وقال فيه عز الدين بن عبد السلام الشافعى: ((ما رأيت فى كتب الإسلام مثل المحلى والمجلى لابن حزم ، وكتاب المغنى للشيخ موفق الدين فی جودتها ، وتحقيق مافيها)). والمغنى لا يقتصر على ذكر أصول المسائل ، ويوازن بين المذاهب المختلفة فيها ، بل بعد سوق الأقوال، والترجيح والاختيار يفرع عليها ويخرج، فيأنى بأوفى المطلوب، وأقصى الغاية، وأكثر تفريعاته على مقتضى المذهب الحنبلى . - ٢١٧- وإن القارى. لهذا السفر الجليل ليحس بحلاوة العبارة مع دقة المعنى، وجمال الأسلوب مع جلال الفكر ، وذلك شأن أمهات كتب الفقه الإسلامى، التى تتصدى للموازنة بين الأقوال، وسوق الأدلة، والاقتباس من أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة، وأقوال كبار التابعين. ٧٥ - عبد العزيز بن جعفر غلام الخلال : وكنيته أبو بكر . كان قرينا لعمر بن الحسين الخرقى ، وقد تلقى عن الخلال أكثر علمه وأخذ عن كثيرين غيره من أخذوا عن أصحاب أحمد . وقد وصفه ابن أبي يعلى فى طبقاته ، فقال إنه كان حاد الفهم موثوقاً به فى العلم، متسع الرواية ، مشهوراً بالدراية ، موصوفاً بالأمانة مذكوراً بالعبادة ، وله المصنفات فى العلوم المختلفة ) . ويعد أشد تلاميذ الخلال اتباعا له ، ونقلا عنه ، وكان حر التفكير والترجيح بالرواية والدراية ، ولذا كان يرجح روايات وأقوالا قد رجح الخلال غيرها، ويصرح بالمخالفة وقد ذكر القاضى ابن أبي يعلى طائفة من اختياراته التى خالف بها شيخه، وقدم فى بعضها اختياره على اختيار شيخه، ومن هذه المسائل ما يأتى : (أ) الصلاة فى الثوب المغصوب. فقد يروى فيها روايتان : إحداهما أن الصلاة صحيحة ، واختارها الخلال ، وروى أنها باطلة واختارها عبد العزيز، وقد رجح القاضى أبو يعلى ما اختاره عبد العزيز، وقال إنه الرواية الصحيحة . (ب) ضم الذهب والفضة لتكميل النصاب وفرض الزكاة إذا كان كل واحد منهما لا يبلغ مقدار النصاب ، بأن كان ماعنده من ذهب أقل من عشرين مثقالا ، وما عنده من فضة أقل من مائتى درهم، فإن فى المسألة قولين رويا عن أحمد: أحدهما أنه لا يضم ، والثانى أنه يضم لإ كمال النصاب، = ٢١٨ = وقد اختار الخلال الضم، واختار عبد العزيز عدم الضم، وقد رجح القاضى ابن أبي يعلى اختيار الخلال، وذكر أنه اختاره والده، واختاره الخرقى. (حـ) دخول خيار العيب فى الصرف، فقد روى أنه إذا وجد أحد العاقدين فى بدله بعد التفرق عيباً، يكون له الرد ، وأخذ بدل آخر، واختار ذلك الخلال والخرقى وروى أنه ليس له الرد وأخذ بدل إذا لم يخرجه العيب عن جنسه، واختار تلك الرواية عبد العزيز وقد رجح القاضى ابن أبي يعلى اختيار الخلال والخرقى (١). وهكذا تجد له اختيارات كثيرة ، وبعضها يقدمه العلماء على اختيار شيخه ، فقد كان ذا دراية وقدرة على التخريج ، ومن كان كذلك لا يسكن إلى التقليد المطلق ، بل يكون له اختيار مستحسن. وإن عبد العزيز لم يكن فقهه مقصوراً على النقل الحنبلى ، والترجيح بين أقواله بل وازن بين الفقه الحنبلى، والفقه الشافعى، وسجل ذلك فى كتاب سماه خلاف الشافعى ، ولقد كانت وفاة عبد العزيز سنة ٣٦٣. (١) راجع هذه المسائل فى طبعة ابن أبي يعلى ص ٣٣٥، والمنهج الأحدى =١ ص٣٠٠ ٢١٩٠- كثرة الأقوال والروايات ٧٦ - كثرت الأقوال والروايات فى مذهب أحمد كثرة عظيمة ، وأسباب هذه الكثرة متضافرة معقولة ومنها : (١) أن أحمد رضى الله عنه كان رجلا متورما يكره البدعة فى الدين ، وأن يقول فيه من غير علم ولا سلطان مبين . ولما اضطر إلى الفتوى ، وكثر استفتاؤه كان يتردد فى القول أحياناً ، فقد يفتى بمقتضى الرأى محاكياً الخبر، ثم يعلم الأثر فى الموضوع، وقد يكون مغايراً لما أفتى، فيرجع إليه مؤثراً الرجوع عن أن يقول بغير الحديث ، وربما لا يعلم من نقل عنه الرأى الأول الرجوع ، فينقل عنه القولان فى موضوع واحد ، والرأى مختلف عند الرواة ، وأحمد له رأى واحد فى نفسه، وفى الواقع ونفس الأمر . (ب) أن أحمد نفسه كان يترك المسألة أحياناً عن قولين: وذلك إذا وجد الصحابة مختلفين، ولم يجد حديثاً يرجح به أحد الرأيين على الآخر، فيترك المسألة، وفيها الرأيان المأثوران عن الصحابة ، وقد تكون الآراء أكثر من اثنين، وقد قال فى ذلك ابن القيم: « إذا اختلفت الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم ، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ، ولم يجزم بقول)). فإذا رويت المسألة عنه. دويت وفيها الرأيان أو الأكثر : من غير ترجيح لرأى على رأى، لأنه أمسك عن الترجيح، فكان له القولان عنه ، منسوبان إليه .(١). (حـ) أن أصحاب أحمد أخذوا آراءه الفقهية من أقواله، وأفعاله ، وأجوبته، ورواياته ، وإن ذلك مجال للاستنباط ، فقد يستنبط من فعل أحمد (١) إعلام الموقعين ١٠ ص٣٠ - ٢٢٠ - أو أجوبته قول لا يدل عليه الجواب أو الفعل، وقد حكى آخر خلافه، لأنه سمع من أحمد ما يناقض استنباط الأول، وهكذا، وبذلك تكثر الروايات، وتختلف الأقوال المنسوبة إلى أحمد، ولا يضير فى ذلك على العلم ، ما دامت النسبة يمكن تحقيقها ، ومادام الترجيح له وسائل فى دائرة الإمكان . (د) أن يكون أساس النقل أن أحمد أفتى فى إحدى الواقعات بما يتفق مع الأثر ثم أفتى فى واقعة أخرى تقارب الأولى، ولكن اقترنت بأحوال وملابسات جعلت الأنسب أن يفتى فيها بما يخالف الأولى فيجىء الرواة، فيروون الاثنين، وهم يحبون أن بينهما تضارباً لعدم النظر إلى الملابسات التى اقترفت بكل واقعة منهما، والحقيقة أن لا تضارب ، لأن كل واحدة جاءت فى حال؛ وأحاطت بها ملابسات فصلتها عن الأخرى ، وجعلت فتوى كل واحدة متطابقة معها ، مناسبة لها، وهذا ظاهر من الاختلاف وليس من الاختلاف فى الرأى فى شىء ، ولو كان فى طاقة الباحثين أن يدرسوا فتاوى أحمد دراسة متعرف لما أحاط بواقعة الاستفتاء لبدا ذلك النوع كثيراً فى فتاويه رحمه الله تعالى ، وقد قرر خر الدين الرازى ذلك بالنسبة الشافعى . وهو واقع بالنسبة لأحمد رضى الله عنه . (هـ) وإن أحمد كان يضطر إلى القياس، أو بعبارة أعم إلى الرأى، وأوجه الرأى ، مختلفة متضاربة، وقد يتعارض فى نظره وجهان من أوجه الرأى، أو يذكر الاحتمالين ، أو الوجهين فينسبون إليه قولين . ٧٧ - من أجل هذا وغيره كانت المجموعة الفقهية المنسوبة لأحمد قد اختلفت فيها الأقوال والروايات بكثرة عظيمة. ثم جاء الذين جمعوه، والذين خرجوه، وضبطوا فاختار وا صحة بعض الأقوال ورجحوها على غيرها ، أو صححوا بعض الروايات، وردوا غيرها، وقد رأيت كيف اختار الخلال رأيا، أو رواية، واختار تلميذه عبد العزيز رأيا آخر، أو رواية أخرى، وكيف كان القاضي ابن أبى يعلى يرجع اختيار التلميذ على اختيار الأستاذأحياناً.