النص المفهرس

صفحات 181-200

- ١٨١ -
تحت سلطان الاستحياء (ثانيهما) أن صاحبه مازال به حتى استطاب ذلك:
وزال عنه كرمة له ، أو خف ذلك .
ولقد ورد أيضاً فى كتاب ( المنهج الأحمد فى تراجم أصحاب الإمام
أحمد) أن إسحق بن منصور الكوسج المروزى المتوفى سنة ٨٢٥١ نقل وإن
الإمام أحمد رجع عن المسائل التى نقلها عنه جمع إسحق تلك المسائل فى
جراب، وحملها على ظهره وخرج راجلا إلى بغداد، وهى على ظهره،
وعرض خطوط أحمد عليه فى كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيا،
وأعجب أحمد من شأنه (١) .
٣٩ - وينتهى بنا الأمر فى هذا إلى أن أحمد كان يعدنفسه محدثاً قبل
كل شىء، وإن فتاويه ينبغى أن تكون كلها من تبع الأثر، لا يفتى إلا به،
فلما ابتلاه الله بالاستفتاء فى حوادث لم يقع من الصحابة نظيرها، اضطر إلى
الفتوى باجتهاده ورأيه، واعتقد أن هذه ضرورة تقدر بقدرها، ولا يصح
أن تنقل عنه ، لأنها ضرورة لا تتجاوز موضعها ، ولا يصح أن يجرى فيها
القياس ، ولا أن تنشر ، ولکن أصحابه مازالوا به حتى رضى بأن تكتب
عنه فتاويه وأن تنشر تلك الفتاوى بين الناس وأنه خير للناس أن يأخذوا
بفتاوى قد تشققت من الحديث ، والاقتداء فيها واضح، والاتباع بين -
من أن يأخذوا بفروع فقيهة لم تكن قوية الصلة بالحديث والأثر مثل فتاويه،
لأن أصحابه لم يكونوا فى مقام من الحديث، كمقام أحمد فيه وإمامته.
ومن نهى أحمد عن الكتابة، واضطراب المصادر فى إجازته ، وكثرة
المروى واتساع أبوابه، حتى لقد جمعت فيه المجلدات الضخمة - قد ثار
(١) راجع الكتاب المذكور ص١٤٩

- ١٨٢ -
الغبار ، ولكنه غبار لم يثبت عند أهل النظر السليم الدقيق .
ومهما يثر من الغبار حول المرويات الفقهية عن أحمد، فإن الأجيال
قد توارثت تلك المجموعة الفقهية المنسوبة إليه ، وتدارسها الناس ، وتكون
من مجموعها الفقه الحنبلى، وضبطت بقواعد جامعة، وتكون منها منطق
فقهى هو الأثر، أو ما ينحو نحو الأثر، أو ما يتشقق من الأثر، على حد تعبير
بعض أصحاب أحمد .
٤٠ - وخلاصة القول إن أحمد المحدث قدأثر عنه المسند الذى جمعه)،
ونقله إلى الأخلاف فى كتاب لا مجال للريب فى نسبته إليه ، وقد رواه عنه
الثقات، وقد كتبه كما هو ، وأملاه على أصحابه وتلاميذه ، وكان حريصاً كل
الحرص على تحريره، ليكون الناس إماما، كما جاء فى بعض تعابيره عنه.
أما أحمد الفقيه، فلم يكتب كتاباً فى الفقهه، ولم يعمل على أصحابه شيئاً
فيه ، بل كان يبغض أن ينقل عنه شىء فيه أولا ، ثم حمله أصحابه على أن
يجيز نقل فقهه، وربما أمضى بتوقيعه فتياد تصديقاً على نقلها، وإقراراً
بصحة نسبتها إليه، لتتحرى الصحة فى الأخذ عنه .
ولنبتدىء الآن بالكلام فى المسند .

- ١٨٢ -
المسند
٤١ - المسند هو مجموعة من الأحاديث التى رواها أحمد رضى الله
عنه، وضرب فى منا كب الأرض ساعيا جاهدا فى جمعها، والمسند هو
خلاصة ماتلقاه أحمد رضى عنه من الأحاديث ، ودونها بأسنادها، ولذلك
يبتدىء جمعه من وقت أن ابتدأ يتلقى الحديث، فى السادسة عشرة من
عمره، قرر علماء السنة أنه ابتدأ فى جمع المسند سنة ١٨٠ هـ وفى هذه السنة
قد ابتدأ أحمد طلب الحديث ، كما ذكرنا فى بيان حياته رضى الله عنه ،
وقد جاء فى كتاب المنهج لأحمد ما نصه: ((كان ابتداؤه فيه سنة ثمانين
ومائة ، (١) .
وقد ذكرنا أن أحمد كان يكره الكتابة، ولكنه آثر أن يكتب الحديث،
فابتدأ كتابة المسند فى مطلع حياته ، ولقد بين سبب ذلك فى إجابته عن
سؤال وجهه إليه ابنه عبد الله، فقد روى أن عبد الله، قال: ((قلت لأبى
لم كرهت وضع الكتب، وقد عملت المسند؟ فقال له عملت هذا الكتاب
إماما ، إذا اختلفت الناس فى سنة عن رسول الله يدافع رجع إليه.
٤٢ - وضع أحمد إذن نصب عينيه منذ اتجه إلى طلب الحديث أن
يجمع الأحاديث عن الثقات الذين يراهم، ويلتقى بهم ويروى عنهم، وقد
كان يسعى إليهم جاهداً مهما بعدت الشقة، وعظمت المشقة، وقد استمر
فى جمع مسنده هذا مدى حياته، ولم تكن همته متجهة إلى الترتيب والتنظيم
والتبويب، بل كانت متجهة إلى الجمع والتدوين، ويظهر أنه استمر فى الجمع
والكتابة فى أوراق متفرقة على نحو المسودات، حتى أحس بدنو الأجل،
بجمع بنية وخاصته، وأملى عليهم ما كتب، وأسمعهم إياه مجموعا، وإن لم
يكن مرتبا ، ولذلك قال شمس الدين الجزرى مانصه :
(١) راجع س٢١ من الجزء الأول من النسخة المخطوطة بدار الكتب.

٠١٠٫٠٠
- ١٨٤ -
((إن الإمام أحمد شرع فى جمع المسند، فكتبه فى أوراق منفردة،
وفرقه فى أجزاء منفردة ، على نحو ما تكون المسودة، ثم جاء حلول المنية
قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه
وتهذيبة ، فبقى على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق بة ما يشاكله ، وضم
إليه من مسموعاته مايشابهه ويماثله)، (١).
وهذا الكلام يدل على أن الإمام أحمد رضى الله عنه لم يسمع المسند
إلا لأولاده وأهل بيته، وهو فى ظاهره بخالف ما اشتهر من أنه رضى الله
عنة كان يملى الحديث من الكتب التى جمعها لكل من يسأله عن حديث ،
ولكنه عند التحقيق لامخالفة ، لأنه فى مدارسته لطالى الحديث كان يقرأ
عليهم من كتبه ما يطلبون ، ولم يكن بهذا يسمعهم كتابا كاملا حاوياً كل ما
جمع من حديث تلقاه بالسماع من مختلف الشيوخ فى كل البقاع الإسلامية،
بل بلقى ما يرى الحاجة الخاصة لسائله، أو العامة داعية لإلقائه، ولما أحس
بدنو الأجل ألقى على خاصته كل ما جمع ، وأسمعهم كل ما تلقى، حتى لا
يضيع ماسمعه ، وليكون ما تلقوه للناس إماما .
وإن الكلام الذى نقلناه عن الجزرى يدل على أمر آخر ، وهو أن
المسند المروى ليس هو الذى أسمعه أحمد لأولاده ، بل عليه زيادات أخرى
ضمها ابنه عبد الله راوى المسند، فألحق به مايشا كله، وضم إليه من
مسموعاته ما يشابهه ويماثله، فهل معنى هذا أن المسند الموجود، وهو رواية
عبد الله هذا ليس كله لأحمد؟ الجواب عن ذلك أن ما ضمه عبد الله ربما
لا يكون عن سماع من غير أبيه، بل من سماعه عن أبيه نفسة، ولكنه لم يكن
مما أملاه عليهم عند إملاء المسند، ويكون مارواه عبد الله عن أبيه ، هو
المسند . ولكنه لم يكن سمع الكل على أنه المسند من أبيه، رضى الله عنهم
أجمعين، ولا نمنع أن يكون قد زاد عليه من غير أبيه كما قال بعض العلماء .
(١) راجع فى هذا مقدمة المسند طبع المعارف بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر.

- ١٨٥ -
٤٣ - وراوى المسند المنقول المتداول اليوم بين أيدى طلاب
الحديث وقارئيه هو عبدالله بن أحمد، ومن الواجب أن نعرفه ، فإن ذلك
من تعريف المسند الذى رواه ، إذ أن الثقة بالناقل اطمئنان إلى المنقول .
قد شغف عبد الله منذ صغره بطلب الحديث، فطلبه عن أبيه، ومن
غيره، وإن كان أكثر ما روى فى حياة أبيه كان عن أبيه ، ولقد قال :
كنت أعرض الحديث على أبى رضى الله عنه ، فأرى فى وجهه التغير ،
ويقول كأنك تطلب ما لم أسمعه(١).
ولقد كان أبوه يستحسن منه اتجاهه إلى الحديث ، وحسن عنايته ،
ويقول فيه: ((ابنى عبد اللّه محظوظ من علم الحديث، لا يكاد يذكرانى
إلا بما لا أحفظ ، (٢).
ولقد بلغ من منزلته عند أبيه أن أباه كان يروى عنه ؛ وقد أشار
رضى الله عنه إلى ذلك فى تلك الكلمة، إذ ذكر أنه كان لا يذاكره إلا بما
لا يحفظ ، ولا شك أنه كان يتقبل ما يذاكره فيه من حديث الرسول
صلوات الله وسلامه عليه ما لم يسمعه .
ولكنه إذا كان قد سمع عن غير أبيه فى حياته ، فقد كان بإرشاد منه،
وهو الذى عرفه بفضل رجال عصره ، ومنازلهم ، ولقد قال ابن عدى :
(( نبل عبد اللّه بأبيه، وله فى نفسه محل من العلم، أحيا علم أبيه بمسنده الذى
قرأه أبوه عليه خصوصاً ولم يكتب عن أحد، إلا من أمره أبوه أن
يكتب عنه ».
ولقد قرر العلماء فما قرروا أن عبدالله كان أروى الناس عن أبيه.
وقد قال ابن أبي يعلى فى طبقاته :
(١) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ص ١٣٢
(٢) راجم مقدمة المسند ص٢٨

- ١٨٦ -
((قرأت فى كتاب أبى الحسين بن المنادى، وذكر عبدالله وصالحاً ،
فقال: ((كان صالح قليل الكتابة عن أبيه، فأما عبد اللّه فلم يكن فى الدنيا
أحد أروى عن أبيه رحمه الله منه، سمع المسند وهو ثلاثون ألفاً،
والتفسير، وهو مائة وعشرون ألفاً، سمع منها ثمانين . وسمع الناسخ
والمنسوخ، والتاريخ، وحديث شعبة، والمقدم، والمؤخر فى كتاب اللّه،
وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير، وغير ذلك من المصنفات ،
وحديث الشيوخ. وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال،
وعليل الأحاديث. والمواظبة على طلب الحديث، ويذكرون عن أسلافهم
الإقرار له بذلك(١))).
ولقد كان الناس، وخاصة العلماء يثنون عليه لفضل أبيه ، وامتداد
الفضل إليه ، وبعد همته فى طلب الحديث ، حتى لقد كان يبرم من كثرة
الثناء ، ويكره سماعة .
٤٤ - روى عبد الله هذا مسند أبيه، ونشر علمه بين الناس، ثم
تسلسلت الروايات بالسماع من بعده عن ثقات أثبات حتى حفظته الأجيال،
واستقر فيها ذخيرة دينية وعلمية يستحفظ عليها العلماء، وقد تلقوها بالقبول.
ويظهر أن عبد الله هو الذى رتب المسند بالوضع الذى نراه الآن .
وحاول أن يغير ذلك الترتيب، وجعله على نسق آخر - محدثون وحفاظ
من بعده ، فلقد كانت همته أن يجمع المتناثر الذى جمعه أبوه، ويزيد علية
قدراً قليلا يماثله ، وكان يروى مسند كل صحابى ، ولقد قال الذهى فى نقد
ذلك الترتيب : ولو أنه حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى
المقاصد، فلعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامى من يخدمه.
ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله ، ويرتب هيئته ووضعه فإنه محتوى
على أكثر الحديث النبوى ، وقل أن يثبت حديث إلا وهو منه ...
(١) طبقات الحنابلة المختصرة ص١٣٢، ١٣٣ طبع دمشق .

- ١٨٧ -
وأما الحسان فما استوعبت فيه، بل عامتها إن شاء الله تعالى فيه. وأما الغرائب
ومافيه لين، فروى من ذلك الأشهر، وترك الأكثر ما هو مأثور فى السنن
الأربع، ومعجم الطبرانى الأكبر، والأوسط ، ويقول الجزرى فى ترتيبه،
ومحاولة تقريبه: ((أما ترتيب هذا المسند فقد أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا
خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت
رحمه الله، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك، كترتيب
الأطراف، وتعب فيه كثيراً .
ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عمادالدين أبا الفداء
إسماعيل بن عمر كثير رحمه الله أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه ،
وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة ، ومعجم الطبرانى الكبير، ومسند
البزار، ومسند أبى يعلى الموصلى، وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً
عظيما، فجاء لا نظير له فى العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبى هريرة ، فإنه
مات قبل أن يكمله، فإنه عوجل بكف بصره ، وقال لى رحمه الله
تعالى لا زلت أكتب فيه إلى الليل، حتى ذهب بصرى معة ، ولعل الله
يقيض من يكمله » .
٤٥ - وهكذا نرى أن عبد الله قد سار فى ترتيب مسند أبية سيراً
وجده المحدثون من بعده صعباً فى المراجعة؛ ويخالف فى نهجه ما سارت
علية كتب الحديث من قبله ومن بعده، فالموطأ من قبله، والجوامع الصحاح
من بعده كلها مرتب على حسب الموضوعات الفقهية للأحاديث ، وغير
الفقهية فالأحاديث التى يجمعها باب واحد تجمع تحت عنوان ورتبت على
حسب ترتيب كتب الفقه تقريباً، كذلك نهج موطأ مالك ، وكذلك نهج
غيره، وبذلك سهل الرجوع إليها، والانتفاع بها، إذ أن طالب الاستشهاد
بحديث فى موضوع دين يلجأ إلى تعرفه ، والتحرى عنه فى موضوعة من
کتاب الحدیث الذی یکون تحت پده .

-١٨٨ -
أما مسند أحمد فقد رقبه جامعه ونشره على حسب الصحابى الذى ينتهى
الحديث عن النبى ◌َّ إليه، وإن كان الحديث مر سلا كان ذلك على حسب
التابعى الذى انتهى الحديث عن التى يؤول إليه فابتدأ بأحاديث العشرة
المبشرين بالجنة - أبى بكر ، وعثمان ، وعلى وغيرهم ، ثم من يليهم،
وهكذا - حتى إذا وصل إلى التابعين رتبهم هكذا ، فكان لهذا صعباً ،
لا يرجع إليه إلا الحفاظ ، ولا ينتفع به إلا الذين تمرسوا بالحديث
وعلومه .
٤٦ - وقد كان أحمد رضى الله عنه يتخير الثقات يروى عنهم ، فما
يروى عن شخص يعتقد أنه ضعيف ، غير ضابط أو غير فاهم ، وإذا علم
الثقة أخذ عنه، وروى وكتب وقيد، وأملى على تلاميذه، ولكن قد يبدوله
من بعد الرواية أن من روى عنه قد خدع فيه، أو كان فى المسند من ليس
ثقة ، فإنه يسقط حديثه، ولذلك كان دائم الحذف والتغيير فى المكتوب
عنده، حتى بعد أن أملى المسند على أولاده وخاصته، وكان ذلك احتياطا
لدينه، ولعلم الناس، ولقد جاء فى كتاب خصائص المسند ما نصه :
((ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى مسنده قد
احتاط فيه إسناداً ومتناً ، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده - ما أخبرنا أنه
روى بالمسند المتصل إلى أبى هريرة أن النبى يت لقّم قال: يهلك أمتى هذا الحى
من قريش ، قالوا: فما تأمرنا يارسول الله ، قال لو أن الناس اعتزلوهم ، قال
عبدالله قال أبى فى مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث فإنه
خلاف الأحاديث عن النبى مؤلِّ .
وهذا الكلام يدل على أمرين: (أحدهما ) أن أحمد رضى الله عنه كان
يديم التنقيح فى المسند ، فكان يحذف ما يبدو له تعارضه مع المشهور من
الصحاح ، ولم ين عن ذلك حتى فى مرضه الذي مات فيه .
( ثانيهما) أنه كان حريصاً على نقد المتن. كما هو حريص على نقد المسند،

- ١٨٩ -
ونقد المتن عنده ليس متسعاً كما هو الحال عند أبى حنيفة، ومالك رضى الله
عنهما ، بل لا يرد حديثاً لنقدمتنه إلا إذا كان مخالفاً للشهور من
الأحاديث ، فهو فى الواقع ترجيح روايات على رواية ، وسنبين ذلك عند
الكلام فى فقبه، ونوازن بينه وبين الإمام مالك رضى الله عنه، وكلاهما
إمام فى الحديث والفقه ، وإن كان مالك فى الفقه أوسع باعا .
٤٧ - ذكر الذهبى فى تاريخه أن الإمام أحمد رضى الله عنه لم يكن فى
روايته مقتصراً على الحديث القوى ، بل كان فيه القوى والغريب ، ولقد
صرح الإمام أحمد رضى الله عنه بأنه كان يروى الأحاديث التى يذكرها
الثقات من معاصريه من غير أن يرد إلا مايتعارض مع المشهور، فقد روى
أنه قال لابنه عبد الله ما نصه :
(( قصدت فى المسند الحديث المشهور، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى،
ولو أردت أن أقصد ماصح عندى ، لم أرو من هذا المسند إلا الشىء بعد
الشىء، ولكنك بابنى تعرف طريقتى فى الحديث، لست أخالف ماضعف،
إذا لم يكن فى الباب ما يدفعه، فأحمد فى المسند لا يرد ما يضعف فى نظره إلا
إذا كان عنده سند صحيح من السنة نفسها . كما رأيت فى خبر أبى هريرة الذى
رده آنفا، وهو الخاص باعتزال قريش، فما رده إلا لمخالفته أحاديث أخرى
أكثر منه شهرة واستفاضة، فهو لا يرد ما ينسب إلى السنة إلا بالسنة
نفسها ، لا بشىء سواها .
وعلى ذلك كان فى المسند القوى وغيره ، وقد اتفق العلماء على أن
فيه الحديث الصحيح فى اصطلاح المحدثين ، والحديث الحسن ، والحديث
الغريب .
والحديث الصحيح هو الحديث الذى اتصل سنده بنقل العدل الضابط
عن مثله وخلا من الشذوذ والعلة ، والشذوذ أن يكون مخالفاً للشهور ،
والعلة أن يكون المتن مشتملا على أمر يقدح فى النسبة ، وإن لم يكن نص

= ١٩٠ -
من الحديث مخالف ، والحديث الحسن الذى يرويه من قربت درجة الثقة
فى رواته ، أو أرسله ثقة، وتعددت وجوه الرواية ، وسلم من الشذود
والعلة كالصحيح .
والغريب وهو نوع من الصحيح أو الحسن، وهو مارواه راو منفرداً
بروايته فلم يرو عن غيره ، أو انفرد برواية فى متنه أو إسناده، وإنما سمى
غريباً لانفراد راويه عن غيره كالغريب الذى شأنه الانفراد عن وطنه،
ويقول علماء الحديث إن الغالب فى الغريب أنه غير صحيح، ولذلك يذكره
بعض العلماء قسيما له .
وقد ذكر الذهبى أنه لم يأخذ من الغريب الذى انفرد الراوى به إلا ماعلم
عند أهل الحديث ، وترك الغريب الذى لم يعلم لهم .
ومهما يكن من الأمر ، فهذا النوع من الأحاديث موجود فى المسند
باتفاق العلماء من غير خلاف .
٤٨ - ولكن الذى هو موضع خلاف بين العلماء وجود الضعيف
فيه ، وإن المنطق العلمى يوجب علينا أن نفرض جواز ذلك فيه ، وليس
هذا الفرض احتمالا عقلياً مجرداً ، كشأن الأمور التى لم يترجح فيها جانب
عقلى على جانب، بل هو احتمالى ناشىء عن دليل علمى، وذلك لأمرين :
( أحدهما) أن الإمام أحمد رضى الله عنه كان يحذف منه إلى آخر حياته ،
وقد نقلنا أنه حذف خبر أبى هريرة عن قريش ، وهو فى مرض الموت ،
وإذا كان قد بدا له ضعيف بعد خفائه . وأظهره ، فيجوز أن يكون
الضعيف قد استمر مستتراً حتى يوجد من يظهره.
( نافيهما ) أن قاعدة الإمام التى ذكرها لابنه ، ونقلناها آنفاً أنه لا يرد
المنسوب إلى السنة ما ذكر على ألسنة المحدثين ، إلا إذا كان ما يدفعه ، فهو
لا يخالف ماضعف إلا إذا كان فى الباب ما يدفعه كما صرح ، فهو لا يرد السنة

- ١٩١ -
للعلل الخفية كمخالفة قاعدة فقهية مشهورة، ونحو ذلك ، بل إن عبارته
لتومى. إلى أن فى المسند ضعفاً.
٤٩ - ومع هذا الذى قررناه ، وهو متفق مع المنطق العلمى، ومع
المقررات المنقولة عن الإمام أحمد فى منهاجه نجد علماء الحديث يختلفون
فى وجود حديث موضوع بل مكذوب فى المسند ، فيقول بعضهم ليس فيه
حديث موضوع قط، ويقول الآخر إن فيه ضعيفاً ، فابن تيمية وإن كان
يسلم أن فى بعض أحاديث المسند ضعفاً من حيث الاصطلاح لا يسلم أن
فيه موضوعا برواية أحمد ، وما يتبين أنه موضوع هو من زيادة القطيعى
الذى رواه عن عبد الله بن أحمد، ويقول فى كتاب منهاج السنة: صنف
أحمد كتابا فى فضائل الصحابة أبى بكر ، وعمر ، وعثمان وعلى وغيرهم ، وقد
روى فى هذا الكتاب ما ليس فى مسنده ؛ وليس كل مارواه أحمد فى المسند
وغيره يكون حجة عنده بل يروى مارواه أهل العلم، وشرطه فى المسند ألا
يروى عن المعروف بالكذب عنده . وإن كان فى ذلك ما هو ضعيف ؛
وشرطة فى المسند مثل من شرط أبى داود فى سفنه ، وأما فى كتب الفضائل،
فروى ما سمعه من شيوخه، سواء أكان صحيحاً أم ضعيفاً ، فإنه لا يقصد
ألا يروى إلا ماثبت عنده ثم زاد ابنه عبد الله على مسند أحمد زيادات؛
وزاد أبو بكر القطيعى أحاديث كثيرة موضوعة ، فظن الجهال أن ذلك من
رواية أحمد رواها فى المسند، وهذا خطأ قبيح .
وقد خالفه العراقى فى هذا، وقرر أن فى المسند أحاديث ضعيفة كثيرة ،
وأحاديث موضوعة قليلة ، وناقض ابن تيمية فى قوله إن الموضوع من زيادة
القطيعى ، لا من رواية أحمد أو ابنه، وأيد مناقضته بدليل مادى، فأورد
عدواً محدداً من الأحاديث التى قال أهل الشأن فيها: إنها من الأحاديث
الموضوعة، وهى من رواية أحمد أو رواية ابنه .
ولقد جاء ابن حجر فصنف كتابه «القول المسدد فى الذب عن مسند

- ١٩٢ -
أحمد)، وأجاب عما أورده شيخه العراقى، وقال إنه موضوع وإنه رواية أحمد
أو ابنه عبد الله.
٥٠ - وفنتهى من هذا إلى أن العلماء يقررون فى شبه اتفاق على أن
فيه ضعيفاً ، لأن أحمد كان يروى عمن لم يعرف بالكذب، ویروی عمن
ضعف حفظه، ويعتضد به ، أما الموضوعات فقد قالوا إنه ليس برواية
أحمد شىء منه ، ولكن ينسب إلى ابن الجوزى أنه قال أن فيه بعض
الموضوعات التى نقلت خطأ ، ومعاذ الله أن ينقلها أحمد ، أو يكون فى بعض
من تلقى عنهم من يتعمد الكذب ، وإنما هو خطأ يسرى .
وخلاصة القول أن بعض العلماء يقول إن مسند أحمد ليس فيه موضوع
برواية أحمد، وبعضهم يقول إن مسند أحمد فيه الموضوع بروايته ،
والعلية من العلماء متفقون على أن فيه الضعيف ، والفرق بين الضعيف
والموضوع أن الموضوع يقوم الدليل على الكذب فيه ، أما الضعيف فهو
خبر لم تتوافر فيه شروط الرواية الصحيحة، ويجوز أن يكون صادقاً، إذ
لم يقم دليل على كذبه .
ونختم هذا البحث بكلمة ابن الجوزى التى رد بها دعوى الذين يزعمون أن
المستند ليس فيه ضعيف ، وهم ليسوا من علية العلماء ، فقال: « قد سألنى
بعض أصحاب الحديث : هل فى مسند أحمد ما ليس بصحيح ، فقلت نعم
فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب ، حملت أمرهم على أنهم عوام ،
وأهملت فكر ذلك وإذابهم قد كتبوا فتاوى ، فكتب فيها جماعة من أهل
خراسان، منهم أبو العلاء الهمذانى، يعظمون هذا القول، ويردون ،
ويقبحون قول من قاله، فبقيت دهشاً متعجباً، وقلت فى نفسى: واعجبا !!
صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضاً ، وما ذاك إلا لأنهم سمعوا الحديث ،
ولم يبحثوا عن صحيحه من سقيمة، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض

%
- ١٩٣ -
للطعن فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك ، فإن الإمام أحمد روى المشهور
والجيد والردى. ، ثم هو قد رد كثيراً مما روى ، ولم يقل به، ولم يجعله
مذهباً له ، أليس هو القائل فى حديث النبيذ مجهول ، ومن نظر فى كتاب
العلل الذى صنفه، أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها فى المسند ،
وقد طعن فيها أحمد ، ونقلت من خط القاضى أبى يعلى محمد بن الحسين الفراء
فى مسألة النبيذ، قال: إنما روى أحمد فى مسنده ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح،
ولا السقيم، ويدل على ذلك أن عبد الله قال: قلت لأبى ما تقول . فى حديث
ربعى بن حراش عن حذيفة؟ قال الذى يرويه عبد العزيز بن رواد؟
قلت نعم . قال الأحاديث بخلافه . قلت: فقد ذكرته فى المسند ! ، قال
قصدت فى المسند المشهور ، فلو أردت أن أقصد ماصح عندى لم أرو من
هذا المسند إلا الشىء بعد الشيء اليسير، ولكنك يا بنى تعرف طريقتى فى
الحديث ، لست أخالف، ما ضعف من الحديث إذا لم يكن فى الباب شىء
يدفعه. قال القاضى ، وقد أخبر عن نفسه . كيف كان طريقه فى المسند ،
فمن جعله أصلا للصحة فقد ترك مقصده ..
وختم ابن الجوزى مقاله بقوله: «قد غمنى فى هذا الزمان أن العلماء
لتقصيرهم فى العلم صاروا كالعامة ، وإذا مر بهم حديث موضوع ،
قالوا: قد روى ، والبكاء ينبغى أن يكون على خساسة الهمم . ولا حول
ولا قوة إلا بالله ).
٥١ - هذا هو مسند أحمد، وهذه أقوال العلماء فيه ، ومقدار
الاحتجاج فيما اشتمل عليه، ولنترك الكلام إلى طريقة أحمد فى الاحتجاج
بالسنة لإثبات الفروع إلى موضع ذلك من القول ، وهو عند بيان الأصول
التى بنى عليها الفقه الحنبلى .
ولنتكلم الآن فى نقل ذلك الفقه .
١٣٠١ - ١٪ خيل)

- ١٩٤-
نقل الفقه الحنبلى
٥٢ - ذكرنا أن أحمد لم يصنف كتاباً فى الفقه يعد أصلا يؤخذ منه
مذهبه ، ويعد مرجعه، ولم يكتب إلا الحديث ، وقد ذكر العلماء أن له
بعض كتابات فى موضوعات فقهية، منها المناسك الكبير، والمناسك الصغير ،
ورسالة صغيرة فى الصلاة ، كتبها إلى إمام صلى هو وراءه ، فأساء فى صلاته
وقد طبعت ونشرت .
وهذه الكتابة هى أبواب قد توافر فيها الأثر، وليس فيها رأى
أو قياس. أو استنباط فقهى، بل اتباع لعمل، وفهم النصوص، فرسالته
فى الصلاة، والمناسك الكبير، والصغير، هى كتب حديث ، وإن كانت
فى موضوعات مما تناولها الفقه بالبسط والشرح ، والتوضيح ، ولكنها
كأكثر العبادات إعمال نصوص صريحة، أو اتباع عمل مروى .
وكتبه التى كتبها ، وكلها فى الحديث فى الجملة هى المسند، والتاريخ،
والناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر فى كتاب الله تعالى، وفضائل
الصحابة والمناسك الكبير . والصغير ، وكتاب الزهد .
وله رسائل يبين فيها مذهبه فى القرآن ، والرد على الجهمية ، والرد على
الزنادقة ، وقد أشرنا إليها ، ونقلنا من بعضها عند الكلام فى حياته وآرائه
فى العقيدة وما كان يثار فى عصره .
٥٣ - وإذا كان أحمد لم يدون فى الفقه كتابا، ولم ينشر آراءه ،
ولم يملها على تلاميذه، كما كان يفعل أبو حنيفة، فإن الاعتماد فى نقل فقهه
على عمل تلاميذه فقط ، وهنا نجد كما نوهنا الغبار يثار حول ذلك النقل من
فواح عدة .
أولاها: أن أحمد كمان طول حياته يكره أن تنقل عنه الفتاوى أوتدون ،
أو تنشر باسمه كما أشرنا من قبل، ويروى فى هذا أن أحمد بن الحسين بن
٦

- ١٩٥ -
حسان قال : قال رجل لأبى عبدالله أريدأن أكتب هذه المسائل، فإنى أخاف
النسيان ، فقال أحمد بن حنبل لا تكتب ، فإنى أكره أن أكتب رأنى،
وأحس مرة بإنسان يكتب، ومعه ألواح فى كمه، فقال: لا تكتب رأباً
لعلى أقول الساعة بمسألة، ثم أرجع غداً عنها(١) ).
وإذا كان أحمد يكره أن تنقل عنه مسائل ، وأن ما كتب كان بكراهة
منه، أو خفية عنه، فإن المنقول لابد أن يكون قليلا، وإذا كان كثيراً ،
فالخطأ قريب راجع فى العقل ، وقد رويت عنه مسائل كثيرة لا تقل عماروى
عن أبى حنيفة. ومالك فكانت تلك الكثرة مع هذا النهى ذريعة الخطأ
والرد .
ثانيها : أن بعض أصحابه الذين أكثروا من النقل عنه، والذين كانوا
مصدراً كبيراً لفقهه قد أثرت عنه عبارات تدل على أنه نشر عن أحمد مسائل
قبل أن يراه، تخرب الكرمانى، وهو من أكثر الرواية عن أحمد ذكر أنه
نشر أربعة آلاف مسألة بالسماع قبل أن يراه ، بل إن الذى روى هذا الفقه،
وهو أبو بكر الخلال يحكى أن المسائل التى رواها عن حرب، وهى أربعة
الآلاف هذه قد رواها حرب من غير تلق عن أحمد، وإليك نص ما يقوله
الخلال :
(قال لى: كنت أتصوف قديما، فلم أتقدم فى السماع، وقال لى: هذه
المسائل حفظتها قبل أن أقدم إلى عبدالله، وقبل أن أقدم إلى إسحق بن
وأهوبه، وقال لى: هى أربعة آلاف عن أبى عبدالله، وإسحاق بن راهويه،
ولم أعدها، (٢).
وإذا كان الخلال ، وهو يعد كأسد بن الفرات ، وسحنون فى رواية
(١) طبقات الحنابلة المختصرة لابن أبي يعلى س١٧
(٢) طبقات ابن أبي بعلى ص١٠٣

- ١٩٩ -
المذهب المالكى الذى جمعت أكثر فروعه المدونة قد روى مسائل لم يتلقها،
عن صاحبها وهو حى، وإن عددها كبير جداً ، فمن حق العلم أن يتظنن
فى النقل، وألا يسلم من غير أن يزيل ذلك الريب .
ثالثها : أن المروى عن ذلك الإمام الأثرى الذى كان يتحفظ فى الفتيا،
فيقيد نفسه بالأثر ، ويتوقف حيث لا أثر ولا نص بشكل عام - ولا
يلجأ إلى الرأى إلا فى الضرورة القصوى التى تلجئه إلى الإفتاء-كان المروى
كثيراً جداً والأقوال المروية عنه متضاربة، وذلك لا يتفق مع ما عرف
عنه من عدم الفتوى إلا فيما يقع من المسائل ولا يفرض الفروض، ويشقق
الفروع، ويطرد العلل، ولقد كان يكثر من (( لا أدرى، ويقتدى
فى ذلك بمالك. وابن عينية. فهذه الكثرة لا تتفق مع المعروف عنه
من الإقلال من الفتيا، ومع المعروف عنه من الإكثار من (( لا أدرى))
ومع المشهور عنه من أنه لا يفتى بالرأى إلا للضرورة القصوى ، فوق ما قلنا
من أنه نهى أن تنقل عنه مسائل فقهية .
ورابعها : أن أحد قد اشتهر أنه رجع عن مسائل كثيرة نشرت عنه
بخراسان، جردها من نسبتها إليه، فكيف ينسب إليه ما جرد نفسه منه
ونفاه، وأعلن أنه ليس برأى له ، وأنه لا يصح نقله عنه .
وخامسها : أن المقه المنقول من أحمد قد تضاربت أقواله فيه تضارباً
يصعب على العقل أن يقبل نسبة كل هذه الأقوال إليه ، وافتح أى كتاب
من كتب الحنابلة ، واعمد إلى أى باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدة
مسائل اختلفت فيها الرواية بين لا، ونعم ، أى بين النفى المجرد، والإثبات
المجرد، ولنفتح مثلا كتاب الفروع، فى باب من أبوابه وقد وقع نظرنا
على باب من أبواب الزكاة، وهو حكم الزيادة التى يأخذها جامع الزكاة ،
أتحتسب من زكاة العام المقبل أم لا تحتسب، ثم أتحتسب الهدايا للعامل
من الزكاة أم لا تحتسب ؟ فقال :

- ١٩٧ -
« وإن أخذ الساعى فوق حقه اعتد بالزيادة من سنة ثانية، نص عليه،
وقال أحمد رحمه الله يحسب ما أهداه للعامل من الزيادة ، وعنه لا يعتد
بذلك .. وإن زاد فى الخرص ( أى التقدير بالظن ) هل يحتسب بالزيادة
من الزكاة؟ فيه روايتان)) (١).
وهكذا كلما سرت مطمئنا قليلا عثرت باختلاف الروايات كثيراً، ثم
محاولة التوفيق بتوفيق مقبول ، أو غير مقبول، وقريب أو بعيد، وإن
ذلك من شأنه أن يثير الريب حول النسبة ، وإن لم يكن قطع بالرد .
٥٤ - هذه نواح قد أثارت غباراً حول الفقه الحنبلي، وإذا أضيف
إليها أن كثيراً من الأقدمين لم يعدوا أحمد من الفقهاء، فابن جرير الطبرى
لم يعده منهم، وابن قنية الذى كان قريباً من عصره جداً لم يعده فى جماعة
الفقهاء، بل عده فى جماعة المحدثين وهكذا، ولو كانت تلك المجموعة الفقهية
معروفة مشهورة وهى بلا شك تجعل صاحبها فقيها أى فقية ماساع لأولئك
أن يحذفوا أحمد من سجل الفقهاء، وهو جدير بهذه المجموعة أن يكون
فى الصف الأول منهم ، وإنه إذا كان نسبة هذه المجموعة إليه صحيحة
يكون المروى عنه من الفقه لا يقل مقداراً، بل يزيد عن الحديث الذى
رواه ونشره .
٥٥ - هذه هى المثارات انى قد تثار حول المجموعة الفقهية المنسوبة
لأحمد، وإنا إذ نقرر أنه غبار قد تقذى به بعض الأعين التى لا تنفذ إلى
الحقائق من ورائه - نقرر أن الأجيال من العلماء قد تلقوا نسبة ذلك الفقه
إلى أحمد بالقبول، وإن طريقنا الذى نسلكه فى صحة المسائل الداريخية ، أن
ما يتلقاه العلماء فى كل الأجيال بالقبول، لا نتكره أو نرده إلا إذا قام الدليل
(١) الفروع ج ١ ص ٩٢٥

:
- ١٩٨ -
على بطلان النسبة ، لأن تلق العلماء بالقبول فى كل الأجيال يحمل الظاهر
شاهداً؛ وما يشهد الظاهر له ثابت قائم ، حتى يقوم الدليل على خلافه، وإن
المثارات التى ذكر ناها لا تعد دليلا ناقضا للمقرر الثابت عند العلماء ، الذى
تلقته أجيالهم ، وسلمت به جيلا بعد جيل .
وإذا كان من العلماء من لم يعتبر أحمد فى الفقهاء، فذلك لأن انصرافه
أولا وبالذات كان للحديث. وفتاويه ومسائله كانت الإجابة فيها أقرب إلى
الرواية منها إلى التفريع الفقهى . والتخريج، ولم يكن كمالك له منهاج فقهى
معين درس الأحاديث على ضوئه ولا كأبى حنيفة الذى كان يفسر الروايات
تفسير الفقيه المخرج الذى يبنى حكم غير المنصوص عليه، بل لم يكن كالشافعى
الذى عبد أصول الفقه وسهل دراسة مناهجه، وإن كان لم يحكم الأقيسية
والقواعد الفقهية فى النصوص ، ذلك بأنه كان محدثاً قبل أن يكون فقيها ،
وما درس الحديث ليخرج ، بل كانت دراسة الحديث عنده غرضا مقصوداً
لذاته ، وليست وسيلة لغيره، ثم جاء فقهه لما صار إماماً للناس يستفتى
فيضطر إلى الفتيا ، فما كان من نص نطق به ، وإن كان الصحابة أو
لبعض كبار التابعين فتاوى فيه ذكره، ولا يفتش فيما وراءه، وإن لم يكن
ثمة فتاوى للصحابة ، ولا لبعض كبار التابعين اشتق من بين يديه غير مائل
إلى القياس إلا لضرورة، فكان فقهه أثراً أو شبيها به فسمى لذلك محدثاً ،
كما نوهنا من قبل .
وإن كان أحمد قد روى عنه أنه نهى أصحابه عن نقل مسائله ، فقد
اضطر إلى أن يقر بعض المنقول، كما نوهنا آنفا ، بل إنه كان أحياناً يكتب
بخطه مقراً بصحة النقل ، ويظهر أنه ما كان يقدر أن مسائله ستذاع عنه ذلك
الذيوع وقد ذهب به فرط حرصه على ألا يقول فى دين الله برأيه، وحرصه
على ألا يتحمل تبعات الفتوى التى يفتيها للضرورة على أن يعلن رجوعه عن

١
= ١٩٩ -
مسائل اشتهرت عنه ، تورعاً وزهداً . ولقد جاء إليه الكوسج الذى
أعلن الرجوع عن المسائل التى رواها ، وأخذ إقراراً بها، وعرضها
عليه ثانياً (١).
٥٦ - بقيت مسألتان نجليهما دفعاً للريب عن الفقه الحنبلي، وهما
كثرته ، مع تورعه عن نقل فقهه وذيوعه ، وكون بعض أصحابه نقل
عنه عدداً كبيراً من فتاويه قبل أن بلقاء .
والحق أن الإمام أحمد بعد محنته، وما تحمله فى سبيلها قد ذاع اسمه فى
كل البقاع الإسلامية مقروناً بعلم الدين بفروعه كلها ، سواء أكان يتصل
بالعقيدة أم بالحديث والفقه . وقد عمر بعد المحنة أكثر من عشرين سنة ،
فاعتبره الناس إمامهم يرجعون إليه فى الأمور التى يبتلون بها ، ويريدون
أن يعرفوا حكمها، وما كان ليترك الفتوى لبشر المريى وإخوانه الذين
خاضعوا فى مسألة القرآن. واعتبر خضوعهم فيها فقا، بل المعقول أن
يفتى بما علم من أثر، وأن ينشر مالديه من علم، وإن لم يجد حديثاً ، ولو
كان ضعيفاً أفتى برأيه، ومنبعه السنة ، فهى صدره وورده، ومبدؤه، ومنتهاه،
ومقدمته وغايته، ولقد أفتى كثيرا، وكلما كثر الاستفتاء كثرت مسائل
الفقه ، وقد كان بعد المحنة العلم الأشم المقصود من كل البقاع الإسلامية،
يجيئون إليه من كل فج عميق، ليتبركوا به ويأخذوا من حديثه، ويستفتوه،
فالكثرة فى المسائل ليست غريبة ، بل قلة الفتوى هى التى تكون غريبة ،
لأن أحداً من الأئمة لم ينفرد بالشهرة فى عصره، كما انفرد بها أحمد أو غلب،
فأبو حنيفة كمان يعاصره مالك والليث والأوزاعى، وكل أولئك لهم مقام
فى الفقه، والشافعى وكان يعاصره أبو يوسف ومحمد وأحمد أما أحمد بعد المحنة،
(١) راجع نبذة رقم ٣٨

- ٢٠٠ -
فلم يكن فى عصره من يقاربه شهرة ، وكثرة الفتوى تابعة لذيوع الاسم ،
واتساع الشهرة .
وإذ ذاع فقه أحمد فى حياته، أو المسائل كما كان يسميه هو وأصحابه،
فلا بد أن تشتهر تبعاً لشهرته، وإذا اشتهرت وذاعت فيجوز أن ينقلها
بعض من لم يلق الإمام من سمعها منه ، ثم قد يدفعه الحرص والشوق إلى
مشاهدة الإمام وإلى الرحلة إليه بعد أن حفظ عنه ما حفظ ، ونقل عنه ما
نقل ، وذلك ما كان بالنسبة لحرب الكرمانى . فقد كان رجلا متصوفا ،
ثم اطلع على مسائل لأحمد ، وإسحق بن راهويه فنقلها ، ثم انتقل
بعد نقلها إلى أحمد ورى عنه، وشافهه ، فليس فى هذا ما يطعن فى النسبة ،
ويبلغ درجة رد هذا الفقه، أو الشك المبنى على سبب معقول يرد المشهور،
وبناقض الظاهر ويهدمه .
٥٧ - أما اختلاف الأقوال، واختلاف الروايات، فإن ذلك مأثور
عن كل الأئمة ، ويختلفون فيه قلة وكثرة ، وكان هناك اختلاف بشكل عام
موجود فى كل المذاهب،ومروى عن كل الأئمة بقدر ليس بالقليل، والدفع
إلى ذلك إخلاصهم فى تحرى الحق ، فقد يقول أحدهم قولا برأيه، ثم يبدو
له خلافه، فيوجب الحرص على الحق أن ينطق بما رأى آخراً، وإذا كان
فقه أحمد قد كان نقله بطريق الرواية والمشافهة عنه ، فإن احتمال
الاختلاف فى المنقول يكون قويا، لأن أحمد قد ينقل عنه رأى فى مسألة،
ثم يرجع عنه ولا يعلم من نقل الأول الرجوع فننقل الروايتان .
بل إن الشافعى الذى كتب فقهه أو أملاه ، قد وجد فما أملاه اختلاف
الأقوال حتى فيما رواه الربيع بن سليمان الذى اعتبر ناقل كتب الشافعى
فى آخر أدوارها، فتراه ينقل فى المسألة الواحدة رأيين، ثم يضيف إليهما
أنه سمع عنه غيرهما، ولم يكن ذلك مثيراً للشك فى صحة النقل، بل إن