النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٦١ -
, وحينئذ فكلامه قديم، مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته. وإن قيل إنه
ينادى ويتكلم بصوت لا يلزم من ذلك قدم صوت معين ، وإذا كان قد تكلم
بالقرآن والتوراة والإنجيل بمشيئته وقدرته ، لم يمتنع أن يتكلم بالياء قبل
السين ... )) (١).
٢١ - ويستخلص من هذا كله أن أحمد بن حنبل، ومن سلك مسلكه
يقولون إن القرآن غير مخلوق ، ولا يقولون إنه قديم ، بل هو حادث
بحدوث النكلم من الله سبحانه وتعالى بمشيئته وإرادته عندما يتكلم وأنزل
على النى تتم كلامه بالروح الأمين جبريل .
وإذا كان الأمر كذلك، فالمعانى والحقائق لم تكن محل خلاف، وإنما
كان موضع الخلاف أن تطلق كلمة مخلوق على القرآن أو لا تطلق ، ولذلك
حرر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده الكلام فى ذلك المقام ، فقال :
قد ورد أن الله كلم بعض أنبيائه ، ونطق القرآن بأنه كلام الله ، فصدر
الكلام المسموع عنه سبحانه لابد أن يكون شأناً من شئونه ، قديماً بقدمه.
أما الكلام المسموع نفسه المعبر عن ذلك الوصف القديم ، فلا خلاف فى
حدوثه، ولا أنه خلق من خلقه ، وخصص بالإسناد لاختياره له سبحانه
فى الدلالة على ما أراد إبلاغة لخلقه ، ولأنه صادر عن محض قدرته ظاهراً
وباطناً ، بحيث لا مدخل لوجود آخر فيه بوجه من الوجوه، سوى أن
ما جاء على لسانه مظهر لصدوره، والقول بخلاف ذلك مصادرة للبداهة ،
وتجرؤ على مقام القدم بنسبة التغير والتبدل إليه ، فإن الآيات التى يقرؤها
القارىء تحدث، وتفنى بالبداهة كلما قليت، والقائل بقدم القرآن المقروء
أشنع حالا، وأضل اعتقاداً من كل ملة جاء القرآن نفسه بتضليلها،
.*
(١) الكتاب المذكور ص١٠٦
(م ١١ - ابن حنبل)

- ١٦٣ -
والدعوة إلى مخالفتها ؛ وليس فى القول بأن الله أوجد القرآن بدون دخل
لكسب بشرفى وجوده ما يمس شرف نسبته. بل ما دعا الدين إلى اعتقاده
فهو السنة، وهو ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وكل
ما خالفه فهو بدعة وضلالة )) .
(( أما ما نقل إلينا من ذلك الخلاف الذى فرق الأمة، وأحدث فيها
الأحداث، خصوصاً فى أوائل القرن الثالث من الهجرة، وإباء بعض الأئمة
أن ينطق بأن القرآن مخلوق، فقد كان منشؤه مجرد التحرج والمبالغة فى التأدب
من بعضهم ، وإلا فإنه يجل مقام مثل الإمام ابن حنبل عن أن يعتقد أن
القرآن المقروء قديم، وهو يتلوه كل ليلة بلسانه، ويكيفه بصوته)،(١).
وهذا الجزء الأخير من قول الإمام صحيح لا شك فيه، فالإمام أحمد
لم يقرر قط أن القراءة قديمة ولا غير مخلوقة، ولم يقرر قط أن القرآن قديم،
إنما الذى قرره أن القرآن غير مخلوق، وقد خرج العلماء رأيه على أنه لا يعد
ما كان صادراً عن الله قائماً بذاته ، يقال عنه إنه مخلوق .
وإن ادعاء أن أحمد قد ذكر أن القرآن قديم ، فإنما أذيعت نسبته إليه فى
القرن الرابع برواية مجهولة .
ولقد أنكر الذهبى فى تاريخه صحة هذه النسبة إلى أحمد رضى الله عنه.
٢٢ - هذه مسألة خلق القرآن، ورأى أحمد فيها، كما حققه العلماء،
وبينوه. وقد أنبنى الكلام فى المسألة كما قلنا على الكلام فى الصفات ،
وما يقوله أحمد فيها .
ولقد ذكر أن أحمد يرى الرأى الذى لا تأويل فيه، ولا تشبيه ، فهو
يصف الله سبحانه وتعالى بكل وصف جاء فى القرآن الكريم ، أو السنة النبوية
١. (١) رسالة التوحيد.

- ١٩٣ -
الثابتة ، يصفه بالسمع والبصر والعلم والكلام والحياة ، وغير ذلك من
الصفات التى جاء ذكرها فى القرآن والسنة ، غير باحث عن كيفها، ولكنه
جازم بأنه لا يشابه الحوادث فى صفة من الصفات ، لقوله تعالى (( ليس كمثله
شىء وهو السميع البصير)).
وهو بهذا الرأى وسط بين أهل التعطيل الذين نفوا الصفات؟ والمشبهة
والمجسمة والحشوية الذين أثبتوا الصفات ولم يقولوا إن التشبيه منوع قطعاً،
بل أثبت الحشوية لله سبحانه وتعالى ما يثبت للآدميين، تعالى الله عما يقولون
علواً كبيراً .
وقد أدعى بعض هؤلاء المشبهة نسبتهم إلى الإمام أحمد، وهو منهم براء،
لأنه يقرر فيما يقرر ما جاء به النص القاطع، وهو أنه سبحانه وتعالى:
(( ليس كمثله شىء وهو السميع البصير)).
٥ - رؤية الله يوم القيامة
٢٣ - هذه مسألة من المسائل التى ثارت فى عصر أحمد رضى الله عنه،
فإن المعتزلة قضوا أن يرى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، لأن الرؤية تقتضى
الجسمية ، والجسمية توجب مشابهة الله للحوادث، والله سبحانه وتعالى ليس
كمثله شىء ، وقد تأولوا الآيات الواردة فى القرآن التى تدل على الرؤية ،
مثل قوله تعالى ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، وغيرها من الآيات
التى تدل بظاهرها على جواز الرؤية ، بل على تحقق وجودها يوم القيامة .
ولقد كان المأمون الذى حاول فى آخر حياته حمل الناس على أن يقولوا
إن القرآن مخلوق ، لا يتجه إلى حملهم على الاعتقاد بعدم الرؤية، وإن كان
هذا رأيه الذى يعتنقه لأنه معتزلى ينهج مناهجهم، ولكن الواثق أضاف إلى
الإكراه على خلق القرآن الإكراه على نفى الرؤية، واستمر ذلك إلى أن
كشفت الغمة، وزالت الكربة بمجىء المتوكل .
٠

- ١٩٤ -
أما أحمد الذى كان يأخذ بالنصوص ، ولا يجرى فيها تأويلا ، فإنه
يؤمن بالرؤية إيماناً كاملا ، ولذا جاء فى إحدى رسائله فى بيان عقيدة أهل
السنة والجماعة أن الإيمان بالرؤية يوم القيامة جزء من إيمانها ، فقال :
« والإيمان بالرؤية يوم القيامة، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم
ثبت من الأحاديث الصحاح، وإن النبى صلى الله عليه وسلم رأى ربه فإن ذلك
مأمور بحديث صحيح، رواه قتادة عن عكرمة،عن عبد الله بن عباس، ورواه
الحكم ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ، ورواه على بن زيد عن يوسف
ابن مهران ، عن ابن عباس ، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النى
صلى الله عليه وسلم ، والكلام فيه بدعة ، ولكن نؤمن به على ظاهره
((ولا نناظر فيه أحداً (١))).
وزى من هذا الشأن أن أحمد يؤمن برؤية الله يوم القيامة، لأن النصوص
جاءت بها وأن النبى صلى الله عليه وسلم رأى ربه ، ولكنه إذ يؤمن هذا
الإيمان لايحاول معرفة الحال التى تكون عليها الرؤية ، وكونها من خواص
الأجسام ، أو بحال لا تكون فيها جسمية ، ولا شبه جسمية ، ويرى
المناطرة فى ذلك ، وتحرى هذه العقليات بدعة من القول لا يخوض فيها
ولا يناظر حولها، ولكنه يؤمن بأنها تكون بطريقة لا تؤدى إلى أن يكون
الله مشابهاً للحوادث، لأنه سبحانه«ليس كمثله شىء، أما حقيقة الرؤية وكيف
تكون فهذه هى الشقة الحرام التى يتحامى النظر فيها، والولوج إليها، ورأى
أحمد فى هذا وسط بين الذين نفوا الرؤية نفياً باتاً ، لا يأخذون بالحديث
الذى أثبتها يوم القيامة لأنه من أحاديث الآحاد، ولا يؤخذ بها فى العقائد -
وبين الذين أثبتوا الرؤية كرؤيتنا للأشخاص والأشياء مما يجعل اتسبحانه
(١) المناقب لابن الجوزى ص ١٧٣
٠

- ١٦٥ -
وتعالى فى مكان، كالأجسام، وهؤلاء هم الحشوية والجسمة، وقد أخذ
برأى أحمد هذا جماهير المسلمين .
٢٤ - ونرى أحمد فى مسلكه قد اعتمد على السنة ولم يعتمد على القرآن
وحده ، لأن القرآن الكريم قد ورد فيه آيتان هما فى ظاهر مما متعارضتان :
(إحداهما) قوله تعالى: ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)) (والأخرى)
قوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف
الخبير ، وأحمد فى مسلكه لا يجعل القرآن عضين، فلا يضرب بعضه ببعض،
فاستعان بالسنة ، وفيها الفصل، وعلى ذلك أثبت الرؤية يوم القيامة ، ولعله
جعل النفى فى الآية الثانية إنما هو فى الدنيا، ولقد سلك هذا المسلك ابن قتيبة
فى اختلاف اللفظ، فقد قال بعد أن ذكر الآيتين السابقتين ، وقوله تعالى
لمومی (( لن ترانى »:
« إنه أراد لا تدركه الأبصار فى الدنيا، وأراد لن ترانى فى الدنيا،
لأنه تعالى احتجب عن جميع خلقه فى الدنيا، وتجلى لحم يوم الحساب، ويوم
الجزاء والقصاص ، فيرونه، كما يرى القمر فى ليلة البدر، لا يختلفون فيه،
كما لا يختلفون فى القمر .. وحديث رسول الله مَ الل قاصر على الكتاب ،
ومفسر له ، والخبر فى الرؤية من الأخبار التى لا يدفعها إلا جاهل أو معاند
ظالم، لتتابع الروايات من الجهات الكثيرة عن الثقات، فلما قال عز وجل:
(((لا تدركه الأبصار)، وجاء عن رسول الله مطلع: «ترون الله يوم القيامة»
لم يخف على ذى نظر أنه فى وقت دون وقت .... (١) .
٢٥ - هذه جملة من آراء أحمد فى الموضوعات التى خاض فيها علماء
الكلام، وأثاروا حولها المشكلات فى هذا العصر ، وتراه فيها التزم
(١) الاختلاف فى اللفظ ٧٣

- ١٩٩ -
فى دراستها المنهاج الذى التزمه فى دراسة الفقه، وقد اعتصم فيها عن الشطط،
وبجاوزة الحد، بأمرين :
(أحدهما ) أنه التزم النصوص لا يعدوها ، ولا يؤولها، ولا يفسرها
٠٠٠
بغير ظاهرها ، وإن احتاج فهمها إلى الاستعانة بأمر من خارجها ، لا يتخذ
من العقل المجرد معيناً، بل يتخذ المدد والمعين من السنة، يفسر بها الكتاب،
ولا يضرب بعضه ببعض ، كما كان يرمى المتكلمين الذين أثاروا المشكلات
فى عصره .
(ثانيهماً) أنه فيما أثبت لله من صفات جاءت بالكتاب، أو جاءت بها
السنة النبوية ، كان حريصاً على نفى المشابهة بين اللّه تعالى وخلقه، استمساكا
بقوله تعالى: ( ليس كمثله شىء ) فهو فى إثبات الصفات وإثبات الرؤية كان
حريصاً على أن ينفى المشابهة بين الله سبحانه، وأحد من خلقه، تعالى الله
عن ذلك علواً كبيراً .
آراؤه فى السياسة
٢٦ - ولقد كان مسلك أحمد فى دراسته لبعض النواحى المتصلة
بالسياسة رجلا يقبع الأثر، ولا يتجانف عن مسلكه، وكان بالنسبة لآرائه
فى الصحابة يتبع المنقول وما كان عليه الكثرة من الصحابة والتابعين ،
رضى الله عنهم أجمعين ، فهو فى هذا أثرى، كشأنه فى كل ما كان يتجه إليه
من دراسات ،
وفى شأن الخلافة والخليفة ، ومن يختار ، وكيف يختار - كان رجلا
واقعياً يتجنب الفتن، ويحتهد فى أن يكون شمل المسلمين ملتما. ويؤثر الطاعة
الإمام متغلب ، ولو كان ظالماً - على الخروج على الجماعة:
ويتشابه نظر أحمد فى مسائل السياسة ونظر الإمام مالك رضى الله عنه،
فهما يتفقان فى ترتيب منازل الصحابة، ويتفقان فى اختيار الخليفة، ويتفقان

- ١٦٧ -
فى أن الخروج على الخليفة، ولو كان ظالماً لا يجوز، لأنه يرتكب فى فتن
الخروج من الظلم مالا يرتكبه الحاكم المستبد من ظلم .. ..
وإذا كان ثمة من فرق بين الإمامين فى هذا فهو أن مالكا رضى الله عنه
عاين فتن الخروج، والاضطراب فى عصور الانقلاب، وكانت فى عصره
الفتن، وقريبة منه، أما أحمد فلم يعاين الفتن كثيراً، ولم يكن فى عصره قريباً
منها، ولم يشهد إلا الفتن التى كانت بين الأمين والمأمون، وقد رآها قد انتهت
إلى شر لا إلى خير، وإلى تغلغل النفوذ الفارسى ، وظهور النحل المختلفة،
والابتداع فى الدين، وسيطرة الابتداع على الحاكمين، وأنه كان فريسة
لذلك النوع من الحكم الظالم ونزل به من الضرب والحبس والتضييق ما يثير
كل حكيم ، ويزرع حب النقمة فى القلوب ، ويولد الحقد والإحن .
وكان هذا من شأنه أن يجعله مؤيداً للخروج على الحكام ، لو كان رأيه
يستعد من إحساسه، ولكنه ما جعل حكمه تبعاً لهواه ، ولا رأيه تبعاً
لما كان يأخذه على حكام عصره، بل استمد رأيه فى الخلافة والخروج عليها
من السنة، وعمل السلف، والمصلحة الاجتماعية العامة، بل تلك الأحاسيس
الخاصة، فقد كان ينهى عن الخروج، ويعتبره بغياً مهما تكن حال الخليفة،
ولو كان قاتله ، ومن صب عليه سوط العذاب .
٢٧ - هذه إشارة نبينها بعض التبيين؟ فنتكلم عن رأيه فى الصحابة.
وترتيب درجاتهم ومن يسب أحدا منهم ، ثم رأيه فى طريق اختيار الخليفة،
والخروج عليه والجهاد معه والاتتمام به، وهكذا .
٢٨ - وبالنسبة للصحابة هو يجلهم، ولقد جاء عنه أنه كان يرى أن من
يسب أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشكوك فى إسلامه،
أو ليس من أهل الإسلام، فقد روى عنه عبد الله ابنه أنه قال: قلت لأبى:
من الرافضى؟ قال الذى يشتم، أو يسب أبا بكر وعمر، وسألت أبي عن

- ١٦٨ -
رجل يشتم رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ما أراه
على الإسلام(١)».
ولقد روى عنه أنه قال : إذا رأيت رجلا بذكر أحداً من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسوء فاتهمه على الإسلام (٢).
هذا رأيه فيمن يسب الصحابة يتهمه فى دينه، ويوسع مع ذلك فى معنى
الصحابى، فيقول: ((كل من صحبه سنة، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعة ،
فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما حبه ، وسمع منه ، ونظر إليه
ولو نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ، ولو لقوا اللّه
بجميع الأعمال ، كان هؤلاء الذين صحبوا التى صلى الله عليه وسلم أفضل من
التابعين بصحبتهم ، ولو عملوا كل أعمال الخير ، ومن انتقص أحداً من
أصحاب رسول الله بزالتيٍ، أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساويه -
كان مبتدعا، حتى يترحم عليهم جميعاً ويكون قلبه سليما لهم (٣))).
وتراه فى هذا يرمى من لم يخلص للصحابة بقلبه ، مع أنه يسبهم بلسانه
بأنه مبتدع ، والمتدع عنده متهم فى دينه .
٢٩ - هذه نظرته إلى الصحابة عموما، وأما ترتيب منازلهم ، فهو
أيضاً متبع السلف من الصحابة والتابعين ، فهو يرى أنهم فى الفضل مرتبون،
ويقول فى هذا الترتيب: ((خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق؛ ثم
عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان، فقدم هؤلاء الثلاثة ، كما قدم أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا فى ذلك، ثم بعد هؤلاء أصحاب
(١) المناقب ص ١٦٥
(٢) المناقب ص ١٦٠
(٣) المناقب ص ١٦١
-

٠
٠
-١٦٩-
الشورى الخمسة: على ، والزبير ، وطلحة وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد .
وكلهم يصلح للخلافة ، وكلهم إمام ).
ويعلق على هذا الخبر ابن الجوزى، فيقول: ((يذهب فى ذلك إلى
حديث ابن عمر (( كنا نعد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حى،
.وأصحابه متوافرون، أبا بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان، ثم نسكت (١)))،
وبعد أصحاب الشورى الذين ذكرهم - أهل بدر من المهاجرين ، ثم
أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر
الهجرة، والسابقة أولا ، فأولا ، ثم سائر الصحابة .
وقد سقناهذا لنعرف عقلية أحمد، ومقدار استمساكه بالأثر، واتباعه،
وإن لم يكن لذلك التفعيل ثمرة عملية، وهو فى حقيقته دراسة تاريخية .
وزراه فى هذا يقف موقفاً وسطاً أيضاً بين إمامين بالنسبة لمراقب
الخلفاء الراشدين ، فأبو حنيفة فى رواية صحيحة عنه يفضل علياً على عثمان
رضى الله عنه، وقد بينا ذلك فى دراسته، ومالك بعد السبق فى ثلاثة :
أبى بكر ، وعمر، وعثمان ، ثم يذكر أنه بعد ذلك يستوى الناس. أما أحمد فإنه
لا يعد سيف الإسلام فى سائر الناس ، بل يجعله فى أصحاب الشورى الخمسة
بعد رفع عثمان رضى الله عنه، والناس بعد ذلك دونهم على مراتب بينهم.
ثم نرى أحمد يعترف بخلافة على رضى الله عنه، ويراما خلافة شرعية،
ويصرح بذلك فيقول: ((من لم يثبت الإمامة لعلى، فهو أضل من حمار ...
سبحان الله ! يقيم الحدود ، ويأخذ الصدقة ، ويقسمها بلا حق وجب له ،
أعوذ بالله من هذه المقالة، نعم خليفة رضية أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وصلوا خلفه، وغزوا معه، وجاهدوا، وحجوا ، وكانوا
(١) المناقب ص١٦١

- ١٧٠ -
يسمونه أمير المؤمنين راضين بذلك غير منكرين، فنحن له تبع))(١).
ويشتد فى الدفاع عن على رضى الله عنه عندما يجد أحداً مسه أويمس
خلافته، وذلك لأنه فى عهد المتوكل قد كثر الطعن فى ذلك الإمام العادل
سيف الإسلام ، إذ كان المتوكل ناصبيا، أى من الذين يناصبون علياً العداوة،
ويطعنون فيه . فكان أحمد يردأقوالهم، ويذكر خلافة على ، ومناقبهرضى
اللّه عنه، فيقول: (( إن الخلافة لم تزين عليا، بل على زينها)، ويقول:
على بن أبى طالب من أهل بيت، لا يقاس بهم أحد، ويقول: ما لأحد
من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعلى رضى الله عنه (٢).
وتراه فى هذا يعرف فضل على رضى الله عنه ، ويشتد فى الدفاع عن
أبى بكر وعمر وعثمان ، ويروى فضائل على فى الصحاح، ولكنهعندتر تيب
الدرجات يتبع الترتيب الذى وضعه الصحابة لا يعدوه، ولا يتجاوزه، وهو
فى هذا كشيخه الشافعى يروى فضائل على، ومناقبه، ويحبه ، وعند التفضيل
يقدم أبا بكر، ويقول: (( إن الأمر ليس على ما نحب)).
ومع هذا الاعتقاد فى على والدفاع عنه، ما كان يسمح لنفسه بالطعن
فى خصومه من الصحابة ، وإن كان يعتقد أنه على الحق رضى الله عنه ،
سئل عما كان بين على ومعاوية فقال: (( ما أقول فيهم إلا الحسنى ... رحمهم
الله أجمعين، ومعاوية، وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعرى ، كلهم
وصفهم الله تعالى فى كتابه، فقال ((سيماهم فى وجوههم من أثر السجود).
وكان لا يسمح بالجدل فى (( أيهما كان على الحق ، وقد سأله هاشمى عن
رأيه فيما جرى بينهما ، فأعرض عنه، فلما أعلم بأنه من بنى هاشم أقبل عليه
(١) الكتاب المذكور .
(٢) المناقب من ١٦٣

- ١٧١-
بعد الإعراض، وقال له: اقرأ: « تلك أمة قد خلت لها ماكسبت، ولكم
ماكسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون)).
وتراه فى هذا يحل عليا، ولا يطعن فى معاوية ، ويقرر أن علياً كان على
الحق عندما يكون الأمر يحتاج إلى بيان فقهى ، فقد اتهم الشافعى فى حضرته
بأنه شيعى، لأنه أخذ أحكام البغاة من قتال على لمعاوية والخوارج،
فيقول أحمد: (( إنه أول إمام من الصحابه ابتلى بالخروج، فهو يقرر بأن
أخذ أحكام البغاة من قتال على لمعاوية ليس فيه نقد للشافعى ، وفى ذلك
الحكم ضمناً على معاوية بأنه كان باغيا، ولقد قال النبى بترقم لعمار بن ياسر:
تقتلك الفئة الباغية ، وقد قتلته فئة معاوية ، فتعين الباغى بهذا الأثر النبوى
الكريم.
لكن أحمد مع هذا الاعتقاد رأى طائفة من الصحابة مع معاوية ،
فكف عن ذكره، والمناقشة فى شأنه ، لأنه يسير دائماً فى الطريق الذى
يسلكه الصحابة لا يعدوه ، ولا يتجه إلى غيره .
٣٠ - هذه آراء أحمد فى الصحابة، وترتيب درجانهم ، وقد رأينا.
رجلا يتبع الأثر والنقل، وما سلكه الصحابة ، ولننتقل بعد ذلك إلى رأيه
فى اختيار الخليفة .
وفى هذا المقام لانجد لأحمد طريقا بينا واضحا لاختيار الخليفة،
ولا بيانا صريحاً للبيت الذى يختار منه الخليفة ، إلا أنه يرى فيما تحسب أن
نظام اختيار الخليفة القائم لمن يكون بعده نظام صالح ، فإنه قد ورد به
الأثر ، فالنى قد أشار إشارة من غير عبارة باختيار أبى بكر للصلاة ، وهو
صلى الله عليه وسلم مریض،وأبو بكر قد اختار عمر خليفة من بعده، وعمر
قد اختار واحداً من ستة، وترك للمسلمين أمر تعيين ذلك الواحد ، ومادام

- ١٧٢ -
أحمد يسلك مسالك الصحابة ، فلابد أنه يرى هذه صالحة ، لأن الصحابة
قد اتبعوها .
وإن هذا الاختيار الذى تكون فيه محاباة لقريب لا يمنع المبايعة العامة
على السمع والطاعة من جماهير المسلمين ، وعلى من يختار الخليفة السابق أن
ينال هذه المبايعة قبل أن يتولى سلطته ، إذ المبايعة شرط لتوليها، وعلى
ذلك نستطيع أن نقول إن اختيار الخليفة السابق لخلفه غير ملزم ، بل هو
اقتراح من مخلص للإسلام والمسلمين، ولهم أن يقروا الاختيار أو يردوه،
وفى الاقتراح مصلحة وهو توجيه للعقول قبل أن تستولى عليها الفرقة
والانقسام .
وأحمد كسائر الفقهاء كان يرى جواز هذه الطريقة ، بل لعله يؤثرها
على غيرها لأنها مسلك الصحابة ، وقد أقر جواز غيرها .
ولقد استحسن هذه الطريقة ابن حزم الأندلسى ، وقال إن جوازها قد
اتفق الفقهاء عليه ، ولذلك قال :
(( لم يختلفوا فى أن عقد الإمامة يصح بعهد من الإمام الميت، إذا قصد
به حسن الاختيار للأمة عند موته. ولم يقصد بذلك هوى ، وبعد سرد
الطرق المختلفة يعلن اختياره لهذه الطريقة، فيقول: ((وأفضلها وأصحها أن
يعهد الإمام إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته. وسواء فعل ذلك فى صحته
أو فى مرضه وعند موته ، إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه
الوجوه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى بكر، وكمافعل أبو بكر
بعمر ، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز وهذا الوجه نختاره
ونكره غيره، ويقول («إن مات الإمام، ولم يعهد إلى أحد يبادر رجل
يستحق الإمامة فيدعو إلى نفسه ، كما فعل على رضى الله عنه، إذ قتل عثمان،
وكا فعل ابن الزبير » .
٣١- وإذا كان أحمد بقرذلك الطريق الذى سلكه أبو بكر رضى الله عنه،

- ١٧٢ -
بل نرجح أنه يختاره عند سلامة الخليفة الذى يعهد إلى غيره من الهوى ،
فإنا نراه بقر أخذ الخلافة بالتغلب إن إطاعه الناس ورضوا به. وهو فى هذا
يسلك مسلك شيخه الشافعى فى اعتباره إمامة المتغلب ، ويسلك مسلك مالك
فى اعتباره إمامة المفضول .
ولننقل العبارات الدالات على ما نقول من كلامه ، فقد قال فى إحدى
رسائله رضى الله عنه :
« السمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولى
الخلافة فاجتمع الناس عليه، ورضوا به ، ومن غلبهم بالسيف حتى صار
خليفة، وسمى أمير المؤمنين ، والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة ،
البر والفاجر، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض، ليس لأحدان
يطعن عليهم، ولا ينازعهم ودفع الصدقات إليهم جائز نافذ، من دفعها
إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً وصلاة الجمعة خلفه ، وخلف كل
من ولى جائزة إمامته ، ومن أعادها ، فهو مبتدع تارك للآثار ، مخالف
للسنة، ليس له من فضل الجمعة شىء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا
برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلى معهم ركعتين ، وقدين بأنها تامة لا يكن
فى صدرك شك ، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين ، وقد كان الناس
اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأى وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد
عق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - فإن
مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية)، (٤).
٣٢ - هذه أقوال أحمد ناطقة نطقاً صريحاً بأنه يرى أن الإمامة كما
تكون بالرضا السابق على التولية وتجمى الولاية قابعة له، قد تكون
بالغلب بأن يتغلب شخص بسيفه على المسلمين ، ويتولى أمورهم فيطيعوه ،
(١) المناقب لابن الجوزى م١٧٦
٩

- ١٧٤ -
فتكون العافية للجماعة الإسلامية فى عدم الخروج عليه، وإصلاحه بالأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر ، وهو صريح فى وجوب طاعة البر والفاجر،
ووجوب الإخلاص له فى السر والعلانية ، وصريح فى أن الخروج عليه
بغى ، وشق لوحدة الجماعة ، وخروج على السنة ، وميل إلى البدعة . ..
ويظهر أن أحمد ما كان يرى الطاعة فى أمر قد محض للمعصية ، لأنه
لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، ويؤخذ ذلك من أفعاله، لا من أقواله،
فالمعتصم والواثق، ومن قبلهما رسل المأمون حاولوا حمله على أن يقول
فى القرآن غير ما يعتقد، فما أجابهم إلى ما طلبوا ورضى بالعذاب المون أن
يجيبهم إلى ما يقولون، ولم يكن فى ذلك النوع من المخالفة للسلطان خروج،
ولا دعوة إلى الخروج، لأن الخروج أن يجاهر بعصيانه ويقاتله، والدعوة
إلى الخروج تحريض الناس على العصيان والقتال، وبث روح التمرد
فى النفوس ولم يكن فى امتناع أحمد عن أن يقول مقالة الخليفة فى أمر
القرآن شىء من ذلك ، إنما هو الاستمساك بالعروة الوثق فى نظره، والصبر
على المحنة فى سبيلها، وإن جار السلطان وظلم فطاعته واجبة ، ولذلك يقول
فى بيان بعض ما تدعو إليه السنة: «الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه
من عدل أو جور، ولا يخرج على الأمراء بالسيف، وإن جاروا(١))).
فالذى ينهى أحمد عنه هو الخروج بالسيف، أو ما يؤدى إلى ذلك،
وليست الطاعة تتقاضى الطائع أن يقول كل ما يرضى الخليفة بالحق
وبالباطل ، فإن ذلك هو الرياء والنفاق .
٣٣ - وإذا كان أحمد يحث على الطاعة ولزوم الجماعة، وينهى عن
الخروج بالسيف أو ما يؤدى إليه ، فأى طريق يرى سلوكه لحمل الولاة
والأمراء على العدل ، واجتناب الظلم ؟ لقد كان مالك رضى الله عنه يرى
(١) المناقب س١٧٦.

- ١٧٥=
ما رأ، أحمد من بعده، ولكنه كان يرى أن النصح لأئمة المسلمين هو الطريق
المثلى لجملهم على العدل ، وإقامة السنة، ولذلك اختلط بهم، ونصح لهم ، وقام
بواجب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، من غير مداجاة، ولا إدهان
فى القول، ولا شك أن هذه الطريق قد تنتج نتائج حسنة فى الجملة إذا فتح
ولى الأمر بابه للمخلصين ، ونطقوا بالحق ، وفتح أذنيه لسماعه ، وقلبه
لوعيه، وإنه بتوالى النصح والإرشاد قد يكون السير بالحسكم فى مدارج
الكمال ، وإن لم يكن النصح وحده كافياً لبلوغ أقصى الغاية.
ولكنا نرى أحمد لم يتصل بالخلفاء، ولم يؤثر عنه أنه عمد إلى دعوة
الأمراء والحكام إلى الامتناع عن الظلم، وإلى توجيههم إلى إقامة السنة،
بل كان موقفه منهم سلبياً ، لا يسايرهم فيما هم فيه، ولا يدعوهم بالقول
إلى غيره ، فهل كان ذلك ناشئا من أنه كان يمتنع عن الخوض فى السياسة
ومعالجة شئونها، وترك الأمر والدعوة إلى السياسة الصالحة للصالحين
من أهل الخبرة فيها، وخصوصاً أنه وجد الأمور معقدة؟
لعل ذلك هو الذى حمله على ذلك المسلك، ولعله أيضاً قد وجد أن
النصيحة لا تصادف القلوب الواعية، ولما استيأس من الإجابة لغلبة المعتزلة،
وأهل الأهواء على قلب الخليفة، كفى نفسه مؤونة الردود الجافة، وهل
يترك هو وأشياعه أمور الأمة هملا لا نصيحة ولا هداية، يظهر أنه كان
يرى رأى الحسن البصرى من أن صلاح الرعية يؤدى لا محالة إلى صلاح
الراعى، وأن الحاكم مظهر من مظاهر الشعب ، فإذا استقام الشعب على
الجادة وأقام السنة ، واستمسك بأوامر الدين كان الحكام الصالحون ،
ولذلك كانت جهوده كلها لإحياء السنة ، وحث الناس على القيام بحقها،
وكانت أقواله وأفعاله وسمته وسلوكه داعية قوية مؤثرة الصلاح والاستقامة،
والحكام لون الشعب الذى يظهر .

- ١٧٩ -
٣٤ - هذا رأى أحمد فى الطاعة، وقد بينا من قبل ما نظنه رأيه
فى اختيار الخليفة وطريقة اختياره، ولم فره يصرح بأن الخلافة تكون فى
بيت من بيوت العرب، أو قبيلة من قبائله، كما ذكر نا أن مجموع كلامه بدل
على أن الناس إن بايعوا بأى حال - كان المبايع خليفة، ولو كان من غير
العرب، أو من غير قريش، فطاعته واجبة ، والجهاد معه واجب، وإقامة
الجمع والأعياد، وسائر الصلوات وتنفيذ الحدود تحت ظله واجبات أيضاً ،
ليقوم عمود الدين ، ولأنه يجوز إمامة المفضول كما قلنا .
ولكن ألا يرى بيتا قد اختصته السنة بمزية الأفضلية ؟ يظهر أنه كان
يعرف الحديث: ((قدموا قريشاً ولا تقدموها، وقد فسره بأن التقدم المراد
فى الحديث خاص بالخلافة، فقد روى أن إبراهيم الحربى أحد تلاميذه سأله
عن معنى التقدم فى هذا فقال إنه فى الخلافة(١).
وإذا كان إمام السنة على علم بهذا الحديث ، فهو بلا ريب يأخذ به ،
ويرى أن قريشاً أولى بالخلافة من غيرهم ، لأن الناس نهوا عن التقدم عليهم
فيها، وهو نهى عام بعم ولا يخص، ولكنه كما قلنا يرى جواز إمامة
المفضول منعاً للفتن ((واتباعا الصحابة الذين سايروا معاوية، وبذلك يجمع
بين السنة والعمل ، جزاه الله خيراً.
(١) الناقب ص ٥٠٢

- ١٧٧ ٠
حديث أحمد وفقهه
٣ ٣٥ - هذا هو الغرض المقصود من دراستنا، وقد ذكرنا عرضاً آراء.
فى السياسة وحول العقائد، لأنه قد اضطر تحت سلطان الفكر فى عصره،
وملابسات الزمان ، والمجادلات التى أثارها المعتزلة، ومن ورائهم الخلفاء
أن يتكلم فيها ، وكان مع كلامه يتجنب الخوض مع أصحاب الأهواء
وغيرهم، بل كان يذكر رأيه عرضاً عند سؤال سائل أو استرشاد مسترشد،
إذ كان إماماً يقتدى به ، ويرشد، ويدعو إلى ما يراه سبيلا للهداية، إن
طلب إليه ذلك ، فتكلم ولم يخض، وأبدى رأيه ، ولم يجادل، وصبر على
البلاء فى رأيه ولم يناحتل ، فكان بذلك النقى الندب المحقسب . أما فى الفقه
والحديث فذلك هو مقامه، وما نصب نفسه له ، واتجهت مواهبه كلها له ،
اتجه إلى الحديث، ومعرفة آثار الصحابة وأخبارهم، وفتاويهم وأقضيتهم،
ومن أقضية الرسول ، وفتاوى الصحابة وأقضيتهم اقتبس الفقه ، وبذلك
الطريق المستقيم اتجه إليه ، فكان فقهه مأثوراً أو قريباً منه ، ولما التقى
بالشافعى فى صدر حياته . تعلم منه ضوابط الفهم الصحيح للكتاب ،
والمقابلة بين الأصول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وبعبارة عامة تعلم منه
كيف يكون الاستنباط ، وكيف يستخرج أحكام الفروع من مصادر
الشرع الأولى .
ولكن ذلك الذى تعلمه من الشافعى، ورأى منه عقله ، أنه مثال عظيم
لا يصح أن يفوت طالب علم الكتاب والسنة، قد هضمه على طريقة تمثيله
فى نفسه ، فإن العالم يستقى من ينابيع العلم المختلفة، ويهضمها ويكون غذاء
صالحا، ثم يأتى بثمرات ما تغذى به علما خالصا يتفق مع كونه ، وشخصه،
وإن كان غذاؤه منها ؛ لذلك تلقى أحمد على الشافعى ، وكله فقه وطرائق
استنباط، وتغذى به، وكان ثمرته أن استطاع أن يدرس السنة والآثار
( ٢ ١٢ - ابن حنبل)

- ١٧٨ -
دراسة قويمة، ويسلك فى فقهه طريق الأثر، فإن لم يعلم أن فى المسائل التى
يستفتى فيها قضية لصحابى أو تابعى، قارب ، ولم يباعد، فكان فقهه بذلك
آثاراً، أو محاكاة صحيحة لآثار، أو مقاربة لها، فكان الفقه الأثرى
فى حقيقته وفى منحاه ، وفى مظاهره.
٣٦ - لذلك يحق لنا أن نقول إن أحمد إمام فى الحديث، ومن طريق
هذه الإمامة فى الحديث والآثار كانت إمامته فى الفقه، وإن فقهه آثار فى
حقيقته ومنطقه مقاييسه وضوابطه ولونه ومظهره، ولقد أنكر لهذا ابن
جرير الطبرى أن يكون فقيها، وعده ابن قتيبة فى المحدثين ، ولم يعهده من
الفقهاء، وكثيرون قالوا مثل هذه المقالة أو قريباً منها، ولكن النظرة الفاحصة
لدراساته وما أثر عنه من أقوال وفتاوى فى مسائل مختلفة تجعلنا نحكم بأنه
كان فقيهاً غلب عليه الأثر ومنحاه.
ومهما يكن حكم العلماء على أحمد من حيث كونه فقيهاً ، فإن بين أيدينا
مجموعة فقهية تنسب إليه وروايات مختلفة ومتحدة ذات سند مرفوع تحكى
عنه وقد تلقاها العلماء بالقبول، وإن كان بعضهم منذ القدم قد أثار حولها
غباراً وإن لم يحجبها ، ولم يطمسها ، فإن العين عند الدراسة تواجهه فى
کشف الحقيقة من ورائه .
٣٧ - ولماذا ثار ذلك الغبار حول هذا الأمر الذى تلقاه العلماء
بالقبول، وتوارثوه، على أن نسبته إلى أحمد صحيحة ؟
الجواب عن ذلك أن أحمد رضى الله عنه كان ينهى أولا أصحابه وسامعيه
عن كتابة غير الحديث ، وكان يرى فى أول أمره أن كتابة غير الحديث بدع
من الناس ، إذ كيف يجمع القرطاس بين كلام الرسول مَ ◌ّم وكلام سائر
الناس، ولأنه رضى الله عنه كان يخشى انصراف الناس عن علم الحديث

١٧٩ -
-
والآثار، إذا دونت آراء الفقهاء، فيتدارسون كلامهم فى الفروع، وما
استخرجوه من حلول للمسائل التى تقع ، ويستغنون بذلك عن علم
الحديث ، ومتابعة الرواية، وتتبع الآثار ، وكأنه كان يتوقع ماحدث
للناس من بعد، ويخشاه، فإن فريقاً كبيراً منهم قد استطابوا دراسة آراء
الأئمة فى الفروع، وعكفوا عليها ، وروايتها عن أصحابها ، بدل أن يرووا
الحديث والآثار ويتبعوها .
ولقد كان يرى أن الفقهاء يختلفون فى تخريجاتهم الفقهية، ونظراتهم،
فلو دون كل ذلك لكان الناس فى حيرة فى نظره ، لأن هذا العلم فى نظره
دين ، وما يجب أن يكون دين الله عضين، وأقوالا متفرقة، وآراء متضاربة.
من أجل ذلك كله أثر عنه النهى عن أن تكتب عنه فروع فقهية قط ،
وكان يقول فى كثب غيره ناهيا عن قراءتها (( لا تنظروا فيما وضع إسحاق
ولا سفيان ولا الشافعى ولا مالك، وعليك بالأصل، وسئل عن ناس من
أهل الحديث يكتبون كتب الشافعى فقال: ((لا أرى لهم ذلك)) وسئل عن
كتب أبى ثور، فقال: ((كتاب ابتدع فهو بدعة، وعليكم بالحديث).
ويظهر أنه لم يستجز فى أول تصديه للحديث إلا نقل موطأ مالك،
لأنه كتاب حديث، وإن كان فيه فقه .
وكان يكره أن تنقل عنه فتاويه بالشفاه ، بعد أن كره وضعها فى
الكتاب، یروی أنه بلغه أن أحداً ممن التقوا به یروى عنه مسائل بخراسان
فصاح فى أصحابه، اشهدوا أنى قد رجعت عن ذلك كله (١) .
٣٨ - ومع صدق هذه الأخبار التى نقلت عنه فى النهى عن رواية
الفتيا عنه والاقتصار على رواية الحديث، نرى أخباراً أخرى تدل على أنه
(١) راجع هذا وما يشبهه فى المناقب لابن الجوزى، وهذا الراوى هو إسحق بن
منصور المروزى وسنبين أن أحد أقر ثانياً ما روى .

-- ١٨٠ -
كان يجيز ذلك النقل بالكتاب والمشافهة، بل إنه كان يراجع المكتوب
أحياناً ، ويتقبل تلك المراجعة .
والتوفيق بين النقلين أن نقول إن أحمد كان فى صدر حياته ينهى أن
ينقل عنه غير الحديث؛ لأنه ما كان يستجيز لنفسه أن تنشر عنه فتاويه ،
لأنه يرى الإفتاء نوعا من الابتلاء ينزل بالفقيه، فيضطر إلى أن يذكر حكم
الأمر الذى لم يرو فيه نص صريح عن النبي ◌َ ◌ّه، ولا فتوى فى موضوعه
عن أصحابه فيفتى حيث لا يكون نص متبع ، وذلك ما كان يرى أحمد أنه لا
يصح الالتجاء إليه إلا عند الضرورة، وما يذكر ضرورة لاينشر، وهو
ابتلاء لا يحسن النوسع فيه. ولا الاسترسال، أما إذا كان فى موضوع
الإفتاء حديث أو أثر ، فذلك اتباع، ونشره نشر للحديث وهكذا كان أحمد
فى مبدأ تصديه للفتوى والتحديث، ولكنه اضطر فى آخر أمه أن يجيز
كتابة فتاويه، بل نشرها . يروى أن عبد الملك بن عبد الحميد الميمونى المنوفى
سنة ٢٧٤هـ أحد أصحاب أحمد قال: «سألت أباعبد الله عن مسائل نكتبها
فقال : أى شى تكتب يا أبا الحسن، فلولا الحياة منك ما تركتك تكتبها وإنه
على اشديد، والحديث أحب إلى منها، قلت: إنما تطيب نفسى فى الحمل
عنك، إنك تعلم أنه منذ مضى رسول اللّه الر، قد لزم أصحابه قوم ثم لم
يزل يكون للرجل أصحاب يلزمون ويكتبون. قال: من كتب؟ قلت أبو هريرة.
وكان عبد الله بن عمر يكتب. فقال لى فهذا الحديث !! فقلت له، فما المسائل
إلا حديث، ومن الحديث تتشقق)) (١) .
فهذا الكلام يدل على أمرين: (أحدهما) أن أحمد رضى الله عنه كان
يكره أن تنقل عنه المسائل؛ وأنه استحيا أن يمنع من يكتبها، فكتبت عنه
(١) المنهج الأحدى فى تراجم أصحاب الإمام أحمد، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية
برقم ٤٣٢٣ تاريخ - الجزء الأول ص ٢٠٠