النص المفهرس

صفحات 141-160

- ١٤١ -
الصحابة كانت مستفيضة فى كل مكان ، وكل ناد ، حتى أن المأمون فى مجلس
مناظرته كان يشير ذلك ، ويعلن تفضيل على - على سائر الصحابة رضوان الله
تعالى عليهم ، ويتصدى لبيان ذلك، ويناقش من يناقش ؛ ويقرن نزعته ،
الشعبية هذه بالعمل فيهم أن يعهد بالخلافة من بعده لبعض أولاد على ، إذ
يعهد فعلا، ثم يموت من يعهد إليه، ولعله يكون قد رجع عن نزعته، فعهد
بالخلافة من بعده لأخيه المعتصم .
وإذا كان أحمد بما آل إليه من الإمامة فى الحديث قد صار المقصود
بالسؤال عن هذا، والمطلوب بيان طريقة السلف فيه . فقد تصدى لبيان
منازل الصحابة ومراتبهم وتصدى ببيان قليل فى طرق تولى الخلافة ،
ووجوب الطاعة ، وعدم جواز الخروج عن الخلفاء ، ومضار
الخروج والفتن .
ولهذا نرى لأحمد رضى الله عنه آراء فى العقائد، وآراء فى السياسة ،
ونرى ضرورة بيانها إجمالا .
آراؤه حول بعض العقائد
٣ - كانت فى هذا العصر تثار مسائل متصلة بالعقائد الإسلامية ،
يثيرها كبار الفرق الإسلامية، وينشرونها بين جماهير المسلمين ، وأولئك
لا يثقون إلا بعلم الفقهاء والمحدثين ، فلا يسألون غيرهم عنها ، ولا يجدون
ما يجلو الشبهة عند غيرهم ، ومن هذه المسائل، مسألة حقيقة الإيمان ، ومسالة
القدر وأفعال الإنسان، وإرادته بجوار إرادة الله سبحانه وتعالى، والذقوب
وأثرها فى الإيمان ، وكون مرتكب الكبيرة من أهل القبلة يدخل الجنة
أو يخلد فى النار، ثم مسألة الصفات ومعها مسألة المسائل التى شغلت العصر ،
ورفعت أحمد ، وهى مسألة خلق القرآن ، وتبعها مسألة رؤية اللّه ، وهكذا

- ١٤٢ -
فهذه خمس مسائل ، نرجو أن نجلى رأى أحمد فيها، فى بيان موجز من
غير تفصيل .
١ - الإيمان
٤ - ذكرناهذه المسألة، لأن حقيقة الإيمان من المسائل التى جرى
حولها الخلاف، وأثارته الفرق المختلفة. فالجهمية يرون أن الإيمان هو
المعرفة، وإن لم يصحبها عمل، ولم يصرحوا بوجوب الإذعان . والمعتزلة
يرون الأعمال جزءاً من الإيمان بحيث إن من يرتكب الكبائر لا يكون
مؤمناً، وإن اعتقد بالوحدانية وشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولكنه لا يكون كافراً بل هو فى منزلة بين المنزلتين . والخوارج
فى جملتهم قالوا إن العمل جزء من الإيمان ، بحيث إن مرتكب المعاصى
لا يكون مؤمناً ، بل يكون كافراً، وهكذا.
ولقد كان لابد أن يتكلم الفقهاء والمحدثون فى هذه المعانى بطريقتهم.
وهى الاعتماد على الكتاب والسنة. دون الاعتماد على العقل المجرد ، ولقد
اختلفوا فى ذلك على آراء ، وإن لم تكن متباعدة ، فأبو حنيفه يرى أن
الإيمان هو الاعتقاد الجازم، والإذعان ، ووجود أمارة حسية تدل على
ذلك الاعتقاد ، وهذه الأمارة هى النطق بالشهادتين ، ولا يعد العمل جزءاً
من الإيمان ، ولا يعد الإيمان إلا حقيقة مجردة إن وجدت كانت كاملة ، فلا
يقبل الزيادة والنقصان، فإيمان أبى بكر كإيمان سائر الناس ، ولكنه يفضل
عليهم بالعمل ، وبشهادة النبى يلائم له بالجنة كغيره من العشرة الذين بشرهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، لأن تفاوت المؤمنين فى الأقدار بعد
. ذلك يكون بالعمل والأخذ بالأوامر واجتناب النواهى.
وقال مالك إن الإيمان هو التصديق والإذعان ، ولكنه يزيد ، لأن
القرآن الكريم صرح بأن بعض الذين آمنوا قد ازدادوا إيماناً ، وقد كان

جـ ١٤٣ -
يقول إنه أيضاً ينقص ، ولكنه وجد القرآن الكريم صرح بأن الإيمان
يزيد ، ولم يصرح بأن الإيمان ينقص ، فكف .
٥ - أما أحمد بن حنبل رضى الله عنه فهو يقرر فى عدة مواضع أن
الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص ، فقدجاء فى كتاب المناقب لابن الجوزى
أن أحمد رضى الله عنه كان يقول « الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص،
والبر كله من الإيمان والمعاصى تنقص من الإيمان؛ ويقول : صفة المؤمن
من أهل السنة والجماعة ، من شهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ،
وأن محمداً عبده ورسوله، وأقر بجميع ما أتت به الأنبياء والرسل ، وعقد
قلبه على ما ظهر من لسانه، ولم يشك فى إيمانه ، (١) .
ويقول فى موضع آخر: « الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، زيادته
إذا أحسنت، ونقصانه إذا أسأت، ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام،
فإن تاب رجع إلى الإيمان ، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم،
أو يرد فريضة من فرائض الله جاحداً لها، فإن تركها تهاوناً بها وكسلا،
كان فى مشيئته، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، (٢) .
وإن هذا الكلام يستفاد منه أن الحقائق ثلاث! إيمان ، وإسلام ،
وكفر ، وأن الإسلام وسط بين الإيمان والكفر، وتشير إلى أن الإيمان
لا يكون معه عصيان .
ويشير إلى أنه إن حصل العصيان يكون الشخص مسناً، ولا يسمى
مؤمناً ، وهنا نجده يتقارب من المعتزلة ، ولكنه سرعان ما يبتعد عنهم ،
لأنهم یرون أن منيموت عاصياً مخلد فى النار ، وأحمد یفوض أمر منيموت.
عاصياً إلى ربه ، فإن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وبهذا تكون المحاجزات
قوية بينه وبين المعتزلة ، ومن يقاربهم .
(١) المناقب س١٦٥
(٢) المناقب لابن الجوزى س١٩٨

- ١٤٤ -
وهو فى هذا الاعتقاد يعتمد على النصوص ، ولا يعتمد على شىء سواها،
یسیر فی اتجاهها ، وينتهى إلى حيث تنتهى إليه .
٢ - حكم مرتكب الكبيرة
٦ - وإن مسألة مرتكب الكبيرة كانت موضع نظر واختلاف بين
العلماء، فالخوارج يعدونه كافراً ، والحسن البصرى من التابعين كان يعده
منافقاً ، والمعتزلة بعدونه فى منزلة بين المنزلتين ، وقد يسمونه مسلماً ، وهو
عندهم مخلد فى النار، وأبو حنيفة ومالك والشافعى يعدونه مؤمناً، ويتركونه
لأمر الله سبحانه وتعالى، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه.
٠
والمرجئة يقولون : إن الايمان لا تضر معه معصية ، كما لا ينفع مع
الكفر عمل طاعة ، وإن رحمة الله وسعت كل شىء ، أولئك هم المرجئة
الذين فتحوا الباب على مصراعيه للفجار وأهل المعاصى ، والشهر ستانى يقول
إن هناك مرجئة أهل السنة، ورأيهم كرأى أبى حنيفة ومالك والشافعى
رضى الله عنهم، وهو أن العاصى مرجأ أمره، ومفوض مصيره إلى ربه،
إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه .
وأحمد رضى الله عنه فى هذا الأمر كأولئك الفقهاء السالفين، لم يشذ
عن طريقهم، والنصوص المنقولة عنه فى هذا كثيرة ، فهو يقول فى وصف
المؤمن: ((أرجأ ما غاب عنه من الأمور إلى الله، وفوض أمره إلى الله،
ولم يقطع بالذنوب العصمة من عند الله، وعلى أن كل شىء بقضاء الله وقدره،
الخير والشر جميعاً، ورجا لمحسن أمة محمد ، وتخوف على مسيتهم، ولم ينزل
أحداً من أمة محمد الجنة بالإحسان ، ولا النار بذنب اكتسبه ، حتى يكون
الله الذى ينزل خلقه حيث شاء، (١).
(١) المناقب لابن الجوزى س ١٦٥
-

- ١٤٥ -
ويقول فى موضع آخر: ((لا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا
نار، نرجو للصالح ، ونخاف على المسىء المذنب ، ونرجو له رحمة الله ،
ومن أتى الله بذنب تائباً غير مصر عليه ، فإن الله يتوب عليه، ويقبل التوبة
من عباده، ويعفو عن السيئات ، ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك فى الدنيا
عن الذنوب التى قد استوجبت بها العقوبة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه،
وإن شاء غفر له )، (١).
ويقول أيضاً فى دستور الإيمان: (( لا يكفر أحد من أهل التوحيد ،
وإن عملوا بالكبائر ، (٢).
ويندد بالمعتزلة ، إذ ينقل عنهم أنهم يكفرون مرتكى الذنوب،
فيقول: « وأما المعتزلة فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم يكفرون
بالذنب ، فمن كان منهم كذلك فقد زعم أن آدم كافر، وأن إخوة يوسف
حين كذبوا أباهم كفار، وأجمعت المعتزلة أن من سرق حبة - فى النار
وتبين منه امرأته، ويستأنف الحج إن كان حج (٣).
ولسنا فى مقام تحقيق قول أحمد عن رأى المعتزلة ، فلذلك موضعه من
القول فى غير هذا الكتاب(٤)، ومهما تكن حقيقة ذلك الرأى ، فإن كلام
أحمد هذا يدل بلا ريب على أنه رضى الله عنه يرى أن أهل القبلة لايخلدون
فى النار بذنوبهم ، بل أمرهم مفوض لربهم ، فإن شاءعفا عنهم ، وبرحمة
منه كان العفو ، وإن شاء عذبهم .
٧ - ولكن نرى فى بعض المنقول عنه أن يحكم بأن تارك الصلاة
كافر ، ويخص ذلك الذنب من بين الذنوب كلها بهذا الحكم، ويقرر ذلك
(١) المناقب ص ١٧٤
(٢) المناقب ص١٧٦
(٣) المناقب من ١٦٨
(٤) راجع كلامنا عن المعتزلة فى كتاب أبى حنيفة.
( م ١٠ - ابن خبل)

- ١٤٩ -
فى هذا المنقول عنه، إذ يقول: ((وليس من الأعمال شىء تركه كفر
إلا الصلاة ، من تركها فهو كافر ، وقد أحل الله قتله(١)).
وهذا النص فيه شىء من الغرابة ، إذ خص الصلاة بتلك المزية ، وقد
نقل عنه، ولم يبين السند، ولعل الترك المذكور هو الترك المستمر الذى
يشعر بالجحود، ومن جحد ركناً من أركان الدين الثابتة بالضرورة، فهو
كافر بإجماع المسلمين، لأنه إنكار لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو سيرنا ذلك النص على عمومه لكانت الميزة التى كانت سبباً فى هذا
الاختصاص هى أن فرض الصلاة لعمومه ، وعدم قبوله للسقوط قط ،
وكونها عمل الجوارح فى الغدو والعشى، وفى الظهيرة، وحين نمسى - كانت
شعيرة الإسلام . وكانت شعاره الذى يعلنه ، ويظهره، وكانت الأمارة التى
يتميز بها المسلم من الكافر ، فمن لم يغش مسجداً، ولا يقيم الصلاة،
ويستهين بها، فإنه لا يعد من المسلمين عند أحمد رضى الله عنه، ويزكى
نظره أن الأذان كان يعتبر من مظاهر قوبة المرتدين فى عصر الردة،
فكان عدم ظهوره أمارة الكفر ، والأذان هو الإعلام بالصلاة والدعوة
إليها، فالصلاة مظهر الإسلام، وعوضانه إذا لم تكن ثمة أمارة تدل عليه.
هذا توجيهنا لهذا المنقول عن أحمد رضى الله عنه، وتقريبه وتأنيسه ،
وإن كان النقل فى ذاته غريباً.
٣ - القدر وأفعال الإنسان
٨ - لعل أظهر ما امتاز به أحمد فى حياته هو التفويض المطلق
لحكم الله، والخنوع الكامل لقدره سبحانه وتعالى، ففوض أموره إلى الله
سبحانه وتعالى فيما غاب، وما حضر، وإن كان يتحذ الأهبة لما يحضره من
(١) النائب ص١٧٣

- ١٤٧ -
الأمور ، فلا يكون من الذين يتمنون الأمانى ويستسلمون ولا يعملون ؛ بل
يعمل ويتوكل على ربه ، مؤمنا بقدرته ، وبالقدر خيره وشره .
والعبارات المنقولة عنه التى تدل على الإيمان المطلق بالقضاء والقدر خيره
وشره كثيرة، وهو إيمان عميق مستمكن فى نفسه أبلغ ما يستمكن الاعتقاد
فى نفس المؤمن ، من غير أن يقعده عن العمل .
ومن ذلك ماجاء فى المناقب، إذ قال: «أجمع سبعون رجلا من التابعين
وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التى توفى عليها رسول الله صلى
الله عليه وسلم أولها الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، والصبر تحت حكمه،
والأخذ بما أمر الله به، والبعدعما نهى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان
بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات فى الدين(١))).
وهذا الكلام يدل على أن أحمد رضى الله عنه كان يؤمن بالقدر خيره
وشره، ويسلم الأمور كلها لله سبحانه وتعالى .
ويدل على أنه لا يصح عنده المراء والجدال والخصومة فى هذه المسألة ،
فإنه إذا كان أحمد رضى الله عنه قد بغض إليه الجدل فى كل مسائل الدين ،
فقد بغض إليه الجدل فى هذه المسألة خاصة ، فإن الجدل فيها لا يصل إلى
غاية ولا ينتهى إلى نهاية ، بل كلما ازداد الجدل حولها ازدادت تعقيداً ،
كما قال أبو حنيفة رضى الله عنه، وهذا نص قوله رحمه الله، ورضى عنه
فى مسألة القدر: « هذه مسألة قد استصعبت على الناس ، فأنى يطبقونها ،
هذه مسألة مقفلة، قد ضل مفتاحها، فإن وجد مفتاحها على مافيها، ولم يفتح
إلا بمخبر من اللّه يأتى بما عنده، ويأتيه بينة وبرهان.
ويقول مخاطباً من جاءوا يناقشونه فيها: (( أما علمتم أن الناظر فى
(١) المناقب ص ١٧٩

- ١٤٨ -
الشمس كالناظر فى شعاع الشمس ، كلما ازداد نظراً ازداد حيرة)).
وإذا كان أبو حنيفة النظار المتكلم يقول هذا القول ، ويرى أن الجدل
حول القدر يزيد مسألته تعقيداً وحيرة، فأولى أن يسلك ذلك المسلك إمام
أهل السنة الذى يحاكى السلف الصالح ، ولا يقصد إلى غير منهاجهم رضى الله
عنهم ، ويرى أن ترك المناقشة فى القدر من السنة، ولذلك يقول: ((من السنة
اللازمة الى من ترك منها خصلة ولم يقبلها، ويؤمن بها لم يكن من أهلها :
الإيمان بالقدر خيره وشره ، والتصديق بالأحاديث فيه، لا يقال: لم وكيف؟
إنما هو التصديق والإيمان بها . .
٩ - وأحمد إذ يؤمن بالقدر خيره وشره يقرر أن الله سبحانه وتعالى
يعلم بكل شىء ، ويقدر كل شىء ، وما يفعله الإنسان فبقدرة الله سبحانه
وتعالى وبإرادته، لذلك يخالف القدرية الذين يقولون إن الإنسان يعمل
ما يعمل بقدرته الخاصة ، لا بقدرة الله سبحانه وتعالى، ولا يريد الله سبحانه
وتعالى المعاصى ، إذ لا يأمر بها ، ولا يأمر سبحانه بما لا يريد، ولا يريد
ما ينهى عنه ، إذ الإرادة والأمر عندهم متلازمان ، لا يوجد أحدهما من غير
أن يوجد الآخر .
وأحمد لايرى ذلك ، بل يرى مايراه جمهور المسلمين وأهل الفقه ، وهو
أن الله سبحانه وتعالى لا يقع شىء قط فى الكون لا يريده، بل كل شىء بقدرة
اللّه تعالى وإرادته، ولذلك يذم القدرية بهذه النحلة التى انتحلوها، ولقد
سأله صالح ابنه عن الصلاة خلف القدرى فقال: «إنه يقول إن الله لا يعلم
ما يعمل العباد، حتى يعملوا ، فلا تصل خلفه(١) ) .
لكن أحمد إذ يذم القدرية، ويقبح طريقتهم، لا يجادل، ولا يناقش،
(١) المناقب م ١٠٩

-١٤٩ -
ولا يحاول أن يقيم دليلا عقلياً على إبطال ما ينتحلون ، لأنه يرى أن كل
أمر ثبت بالسنة والقرآن لايحتاج إلى دليل ، وقد جاءت السنة بوجوب
الإيمان بالقدر خيره وشره ، فكل ما ينافيه باطل ، وكان يرى الخوض فى
تفصيل هذه الأمور من البدع التى ابتدعها علماء الكلام ، إلا إذا كانت قد
نطقت به سنة نبوية أو قرآن كريم ، ولذلك كان يقول كما كتب
لبعض أصحابه :
.. (( لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام فى شىء من هذا، إلا ما كان
فى كتاب، أو حديث عن رسول اللّه ◌ُ متع، أو عن أصحابه، فأما غير
ذلك فإن الكلام فيه غیر محمود (١))) .
٤ - الصفات ومسألة خلق القرآن
١٠ - كان أحمد يثبت كل الصفات التى وصف الله بها نفسه فى كتابه
والصفات التى وصف الله بها نفسه فى الحديث الشريف، فكل وصف لله
سبحانه وتعالى جاء به النص يصفه تعالى به ، فهو فى هذا كشأنه دائماً متبع
للنصوص لا يعدوها إلى غيرهامن وسائل الاستدلال، فهو يصف الله سبحانه
وتعالى بأنه سميع بصير متكلم قادر مريد عليم خبير حكيم عزيز، ليس كمثله
شىء سبحانه وتعالى، ولقد روى عنه ابنه عبد الله أنه فى أحاديث الصفات
قال : هذه الأحاديث نرويها كما جاءت .
ولا يبحث عن كنهها ، ولا عن حقيقتها، ويعتبر التأويل خروجاً على
السنة ، إن لم يكن مستمداً منها، وذلك لأنه يرى أن اتباع المتشابه ابتغاء
للفتنة وابتداع فى القول، ولذلك يقول عن صفة المؤمن من أهل السنة إرجاء
ماغاب عنه من الأمور إلى الله، كما جاءت الأحايث عن النبى صلى الله
(١) المناقب ص ١٥٦

- ١٥٠ -
عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم فيصدقها ولا يضرب لها الأمثال » .
وهو يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قديم لا أول له ، فكذلك صفاته ،
ومنها صفات الكلام .
١١- ومن صفة الكلام تجىء مسألة خلق القرآن فى نظر أحمد ، وقد
شرحنا فى حياته ما نزل به من محنة بسببها ، وتركنا تحقيق رأيه فيها إلى هذا
الموضع من البحث، وإن المحنة تدل على أنه ما كان ينطق بأن القرآن مخلوق،
الأمر الذى دعا إليه بنو العباس، ولو كان قد نطق بها، ولو كرها مانزل
به من البلاء ما قد نزل ، ولكن ماذا كان رأيه ، أكان يرى أن القرآن الذى
يقرأ ويكتب فى المصاحف، ويلفظ به القارىء فى قراءته، وتكتب حروفه
فى المصاحف قديم لقدم صفة الكلام ، أم لا ينطق بأن القرآن مخلوق، لأن
ذلك بدعة لا يصح لمثله النطق بها ؟
لقد اختلفت فى ذلك الروايات عن أحمد رضى الله عنه، وقبل أن نخوض
فى بيان رأيه نقول: القرآن، بمعنى تلاوته محدثة لا قديمة، فمن قال إن القرآن
مخلوق أى محدث، بمعنى قراءته ، فكلامه سليم لاشك فيه، وذلك لأن القراءة
وصف للقارىء، لاوصف لله سبحانه وتعالى، وإطلاق القرآن بمعنى القراءة
قد جاء فى القرآن الكريم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: «وقرآن الفجر إن
قرآن الفجر كان مشهوداً،. أى قراءة الفجر. وهذا أمر بدهى لايحتاج إلى
نظر دقيق ، وبحث عميق .
ومع هذه البداهة يحكى ابن قتيبة أن ناسا قالوا إن القراءة للقرآن قديمة،
ويوجه قولهم فيقول فى توجيهه: ((إن من قال القراءة غير مخلوقة فقد قال
إن أعمال العباد غير مخلوقة)(١) وكيف يقول قائل إن أعمال العبادغير مخلوقة !!
والعباد أنفسهم مخلوقون ، فكل أفعالهم مخلوقة ، هذا كلام غير جدير بالنظر،
والحكاية والرواية .
(١) اختلاف اللفظ لابن قتيبة م ٥٢ طبع القوسى بتحقيق العالم المحقق الشيخ الكوثرى
٠

- ١٥١ -
١٢ - وقد سقنا هذا الكلام، لنعلم إلى أى حد كان الناس فى عصر
أحمد قد وقعوا فى حيرة وضلوا، حتى فى الأمر المحسوس الذى لا يشك فيه،
وحتى لقد امتنع قوم عن أن ينطق بأن القراءة مخلوفة ، لأن ذلك النطق
بدعة لا يصح أن يكون ، إذكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة فى النار ، كماجاء
بذلك الأثر الصحيح.
وإذا كان هذا شأن الخلاف فى قراءة القرآن ، فكيف يكون الشأن فى
القرآن نفسه ، والقرآن الكريم ينظر إليه نظران: أحدهما، النظر إلى
مصدره، وهو أن الله سبحانه متصف بالكلام ، وصفة الكلام قديمة بقدم
الذات العلية لأن الله سبحانه وتعالى لا يتصف بما يتصف به الحوادث ، تعالى
الله عنها علواً كبيراً .
النظر الثانى هو النظر إلى هذه الحروف ، وتلك الكلمات المكونة منها،
والمعانى التى تدل عليها الكلمات وتفهم من العبارات التى هى كلمات مجتمعة،
هذا هو المحز فماذا كان رأى أحمد فيه؟
قال فريق إن أحمد كان يتوقف ، ويرى أن الخوض فى هذا الأمر بدعة
يجب السكوت فيها ، ولا يصح استمرار الحديث مع الذين يثيرونها ،
ويؤيدون ذلك بعبارات يلفقونها عن أحمد تدل على الامتناع عن الخوض،
وألا يساق إلى ذلك سوقا ، حتى لا يجرى فيما جرى فيه المبتدعون ، من مثل
قوله للمعتصم، وقد جاء به للمناقشة ، فقد جاء فى روايته هو لهذه المناقشة
قوله: ((جلست وقد أثقلتنى الأقياد، فلما مكثت هنيهة قلت: تأذن فى الكلام؟
فقال تكلم ، فقلت إلام دما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال إلى
شهادة أن لا إله إلا الله. قال: قلت أنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قلت إن
جدك ابن عباس يحكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمرهم بالإيمان بالله ، وقال أتدرون ما الإيمان به؟ قالوا الله
ورسوله أعلم ، قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإقام

- ١٥٢ -
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من الغنم)).
وهذا كلام المتوقف الذى لا يقطع فيه بأمر، ولا يدعى أن القرآن المقروء
المكون من حروف وكلمات قديم، وأصرح من هذا إجابته التى نقلت إلى
المأمون ، فقد وجه إليه السؤال هكذا: ما تقول فى القرآن؟ فأجاب هو
كلام اللّه ، فقيل له أمخلوق هو؟ فقال هو كلام الله لا أزيد عليها، ولما قيل
له إن الله لا يشبهه شىء من خلقه فى معنى من المعانى، قال «ليس كمثله شىء،
وهو السميع البصير)) (١).
وإن هذا كلام صريح فى التوقف ، ليس فيه جزم بأمر معين .
١٣ - ولكن ابن قتيبة تلميذ عبد الرحمن مهدى المعاصر لأحمد،
يردقلك الرواية أو هذا التخريج عن أحمد رداً قوياً، وينفى أن أحمدسكت
عن الحكم فى المسألة، ويرى أن موقف الساكتين شنيع لا يمكن أن يكون
من مثل أبى عبد الله ، فيقول فيهم :
((ولم أر فى هذه الفرق أقلّ عذراً ممن أمر بالسكوت والتجاهل بعد هذه
الفتنة، وإنما يجوز أن يؤمر بها قبل تفاقم الأمر ، ووقوع الشحناء، وليس
فى غرائز الناس احتمال الإمساك عن أمر فى الدين قد انتشر هذا الانتشار
وظهر هذا الظهور، ولو أمسك عقلاؤهم ما أمسك جهلاؤهم، ولو أمسكت
الألسنة ما أمسكت القلوب، وقد كان لهؤلاء أسوة فيمن تقدمهم من العلماء
حين تكلم جهم وأبو حنيفة (٢) فى القرآن ولم يكن دار بين الناس قبل ذلك،
ولا عرف ، ولا كان فيما تكلم فيه الناس ، فلما فزع الناس إلى علمائهم لم
يقولوا هذه بدعة، لم يتكلم الناس فيها ولم يتكلفوها، ولكنهم أزالوا الشك
باليقين ، وجلوا الحيرة، وكشفوا الغمة، وأجمعوا رأيهم على أنه غير مخلوق،
فأفتوهم بذلك ، وأدلوا بالحجج والبراهين ، وناظروا وقاسوا ، واستغبطوا
الشواهد من كتاب الله عز وجل ... (٢).
(١) راجع أخبار المحنة .
(٢) المحقق أن أبا حنيفة لم يخض فى هذا، ولم يشتهر الكلام فيه فى عصره.
(٣) اختلاف اللفظ ص٥٩

- ١٥٣ =
١٤ - ولقد روى عن أحمد أنه قال: ((من زعم أن القرآن مخلوق،
فهو جهمى، والجهعى كافر، ومن زعم أنه غير مخلوق فهو مبتدع)).
ولكن ابن قتيبه ينكر هذه الرواية أيضاً، ويعدها عجيبة من العجائب،
ثم يقول : كيف يتوهم على أبى عبد الله مثل هذا القول، وأنت تعلم أن الحق
لا يخلو من أن يكون فى أحد الأمرين ».
١٥ - وقال فريق آخر إن أحمد كان يرى أن القرآن بحروفه، وكلماته
وعباراته ومعانيه غير مخلوق ، وإن رسائل أحمد وكثيراً من عباراته
المروبة عنه تدل على ذلك ، وتصرح به ، ومن ذلك رسالته إلى المتوكل
عندما طلب إليه هذا أن يبين له حقيقة رأيه، والقول الشافى فى مسألة خلق القرآن.
والجمع بين ما جاء فى هذه الرسالة، والإجابات التى أجاب بها رسل
المأمون وأجاب بها المعتصم أنه كان فى أول الأمر يتوقف، متفعاً عن الخوض
فى أمر ليس من السنة الخوض فيه، فلم يعلن رأيه أو لعله لم يكن قد
كون لنفسه فيه رأياً ، فلما طم السيل، وراجع المصادر التى بين يديه من
الآثار وأخبار الصحابة والتابعين أعلن رأيه هذا مع حرصه على أن عدم
الخوض أولى ، وأن الاختصام فى كتاب الله تعالى لايجوز.
١٦ - ولمكان رسالته إلى المتوكل من الفصل فى القضية ننقلها لك كما
جاءت فى الحلية، وتاريخ الذهبى، وهذا نصر ماجاء فيهاعن عبد الله بن أحمد.
(كتب عبيد الله بن يحيى إلى أبى يقول له إن أمير المؤمنين أمر نى أن
أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة
معرفة وتبصرة ، فأملى على أبى رحمه الله إلى عبيد الله بن يحيى:
« بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن فى الأمور
كلها، ودفع عنك مكاره الدنيا والآخرة برحمته، وقد كتبت إليك رضى الله
عنك بالذى سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرنى. وإنى أسأل الله
أن يديم توفيق أمير المؤمنين، فقد كان النامر فى خوض من الباطل، واختلاف

- ١٥٤ -
شديد ينغمسون فيه ، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين ، فنفى اللّه بأمير
المؤمنين كل بدعة ، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس،
فصرف الله ذلك كله، وذهب به أمير المؤمنين ، ووقع ذلك من المسلمين
موقعاً عظيما، ودعوا الله لأمير المؤمنين ، أن يزيد فى فيته وأن يعينه على
ما هو عليه.
فقد ذكر عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه
ببعض ، فإن ذلك يوقع الشك فى قلوبكم، وذكر عبد الله بن عمر أن نفراً
كافوا جلوساً بباب النبى صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم ألم يقل الله كذا
وقال بعضهم ألم يقل الله كذا ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج
كأنما فقىء فى وجهه حب الرمان فقال: بهذا أمرتم !؟ أن تضربوا كتاب
الله بعضه ببعض !! إنما ضلت الأمم قبلكم فى مثل هذا، إنكم لستم بما هنا
فى شىء ، انظروا الذى أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذى نهيتم عنه فانتهوا
عنه، وروى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((مراء فى
القرآن كفر)، وروى عن أبى جهم ... عن النى ◌ُّ، قال ((لاتماروا فى
القرآن ، فإن مراءفيه كفر، وقال ابن عباس: قدم على عمر بن الخطاب رجل،
فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال يا أمير المؤمنين قد قرأ القرآن منهم كذا
وكذا ، فقال ابن عباس ، فقلت والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا
فى القرآن هذه المسارعة . قال فزبرنى عمر ، وقال مه، فانطلقت إلى منزلى
مكتئبا حزيناً ، فبينما أنا كذلك إذ أتانى رجل ، فقال أجب أمير المؤمنين ،
خرجت، فإذا هو بالباب ينتظرنى، فأخذ بيدى خلابى ، فقال: ما الذى
كرهت؟ قلت يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة يحنقوا، ومتى
ما يحنقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا ،
قال الله أبوك، والله إن كنت لأكتمها الناس، حتى جئت بها. وروى عن
جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف؛

-١٠٥ -
فيقول : هل من رجل يحملنى إلى قومه ، فإن قريشاً قد منعونى أن أبلغ كلام
ربى، وروى عن جبير بن نفير، قال رسول الله يمد له إنكم لن ترجعوا إلى بشىء
أفضل مما خرج منه يعنى القرآن ، وروى عن ابن مسعود أنه قال جردوا
القرآن ، ولا تكتبوا فيه شيئاً إلا كلام الله عز و جل ، وروى عن عمر بن
الخطاب أنه قال: إن هذا القرآن كلام الله فضعوه مواضعه، وقال رجل للحسن
البصرى يا أبا سعيد إنى إذا قرأت كتاب الله، وقدبرته كدت آيس، وينقطع
رجائى فقال إن القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير،
فاعمل وأبشر ، وقال فروة بن نوفل الأشجعى : كنت جاراً لخباب ، وهو
أصحاب النبى ◌َّ دخرجت معه يوما من المسجد، وهو آخذ بيدى ،
مر
فقال ياهناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك ما تتقرب إليه بشيء أحب
إليه من كلامه، وقال رجل للحكم بن عتيبة: ماحمل أهل الأهواء على هذا؟
قال: الخصومات، وقال معاوية بن قرة، وكان أبوه من أتى النى ◌َ لّم: إياكم
وهذه الخصومات ، فإنها تحبط الأعمال وقال أبو قلابة ، وكان قد أدرك
غير واحد من أصحاب رسول اللّه ◌ُوَ: « لا تجالسوا أهل الأهواء أو قال
أصحاب الخصومات فإنى لا آمن أن يغمسوكم فى ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض
ما يعرفون)) ودخل وجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين. فقالا
يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال لا، قالا: فنقرأ عليك القرآن؟ قال: لا،
لتقوما عنى، أو لأقومنكما. فقاما. فقال بعض القوم. وما عليك أن يقرأ
عليك آية، قال: إنى خشيت أن يقرآ على آية، فيحرفاها، فيقر ذلك فى قلبى،
ولو أعلم أنى أكون مثلى الساعة لتركتهما . وقال رجل من أهل البدع لأيوب
السختياني: يا أبا بكر. أسألك عن كلمه؟ فولى، وهو يقول، ولا نصف
كلمة، وقال ابن طاووس لابن له كلمه رجل من أهل البدع: يابنى : أدخل
أصبعيك فى أذنيك . حتى لا تسمع ما يقول ثم قال اشدد ، أشدد . وقال عمر
ابن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر من التنقل ، وقال
إبراهيم النخعى: إن القوم لم يدخر عنهم شىء خبىء لكم لفضل عندكم وكان الحسن

- ١٥٦ -
يقول : شرداء خالط قلباً. يعنى الأهواء. وقال حذيفة بن اليمان: اتقوا
!
اللّه، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله ان استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً،
ولئن تركتموه يميناً وشمالا، لقد ضاتم عضلالا بعيداً، أو قال مبينا .
وقد قال الله تعالى: ((وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، حتى
يسمع كلام اللّه)، وقال سبحانه: ((ألا له الخلق والأمر، فأخبر بالخلق، ثم
قال ((والأمر، فأخبر أن الأمر غير الخلق (١) وقال عز وجل: ((الرحمن
علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، فأخبر أن القرآن من ((عليه)).
وقال تعالى (( وأن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ، قل
إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم مالك
من اللّه من ولى ولا نصير)) وقال سبحانه وتعالى ((ولئن أتيت الذين أوتوا
الكتاب بكل آية ماتبعواقبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة
بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين )
وقال تعالى (( وكذلك أنزلناه حكما عربياً، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك
من العلم، مالك من الله من ولى ولا واق ، فالقرآن من علم الله ...
وفى هذه الآيات دليل على أن الذى جاءه هو القرآن، لقوله تعالى ((ولئن
اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم)). ولقد روى عن غير واحد
ممن مضى من سلفنا أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو
الذى أذهب إليه، لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام فى شىء من هذا،
إلا ما كان من كتاب الله، أو فى حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أو
عن أصحابه أو عن التابعين ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود)).
(١) وكأنه يشير رضى الله عنه بالتفرقة، بين الخلق والأمر بأن القرآن من أمر الله
لا من خلقه ؛ فهو على هذا ليس بمخلوق ..

- ١٥٧ -
وقد قال الذهبى بعد نقل الرسالة: قلت رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة
إثبات ، أشهد بالله أنه أملاها على ولده ، وأما غيرها من الرسائل المنسوبة
إليه ، ففيها نظر .
١٧ - هذه رسالة صحيحة السند، ثابتة النسبة، وقد أمليت بعد ذهاب
المحنة، وأحمد فى شيخوخته . أى وهو فى كمال استوائه العلمى، فهى تدل
على رأيه الذى استقر عليه .
وهى تدل أولا بالذات على أن الخوض فى مثل هذا والتعمق فيه
لا يستحسنه، ولا يرضاه، وكأنه يخوض فيما يخوض فيه كارها، مضطراً،
ليمنع الناس من أن يفتنوا بما يدعو إليه أهل الخصومات فى الدين . ولذلك
ساق ما ساق من الأخبار فى صدرها، ثم ختم كلامه فيها بقوله : أست
بصاحب كلام ، ولا أرى الكلام فى شىء من هذا .
وتدل ثانياً على أنه يرى أن القرآن غير مخلوق ، وهو ينطق بهذا تابعاً
للسلف الذين قالوه ، ولم يبتدعه ابتداعا، ولولا أنه حسب أن بعض التابعين
قاله مانطق به ، ويزكى ذلك الرأى بأن القرآن كلام الله ، وكلام الله غير خلق
الله . وبأن أقرآن أمر والأمر غير الخلق، وبأن القرآن من علم الله سبحانه
وتعالى ، وعلم اللّه غير خلقه، وقد أخذ هذا كله من نصوص الكتاب ومن
أحاديث التى رقم، وأخبار الصحابة والتابعين فهو فى هذا غير معتمد على
العقل وحده، ولا على النظر المجرد الذى لا يعتمد على النقل .
١٨ - تنتهى من هذا إلى أن أحمد يرى أن القرآن غير مخلوق . أو
انتهى رأيه بعد دراسة الكتاب والسنة إلى هذا الرأى ، وهو فى هذا يعتمد
على القرآن الكريم ويعتمد على الآثار ، ويحاكى منهاج السلف الصالح.
ولكنه لم يوجهه التوجيه العقلى ، ليسوغه فى الفكر ، لأنه لا يعد
ذلك من عمله، لأنه ليس بصاحب كلام ، إذ أن ذلك النحو من التفكير ،

ــ ١٠٨ -
إنما يتجه إليه علماء الكلام ، وأهل الجدل والخصومات الذين كانوا
يسندون آرائهم بأسناد من العقل ، ولا يتقيدون بأن تكون أسنادهم
من النقل .
وإذا كان أحمد لم يحاول محاولة عقلية لتسويغ رأيه فى الفكر، فقد
وجد بعده من العلماء من عمل على توضيح رأيه ببيان الدعامة العقلية التى
يبنى عليها، والأسس الفكرية التى يقوم عليها بناؤه، ومن هؤلاء ابن قتيبة
وابن تيمية ، وهما فى سبيل ذلك فرقا بين القرآن وقراءته ، فالقرآن الذى
يقرأ .. كلام البارى سبحانه وتعالى، والقراءة هى صوت القارىء الذى
يسمع، لقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع
كلام اللّه، ثم أبلغه مأمنه، ولقول الني زيّم: «زينوا القرآن بأصواتكم،
وقد سمع النبى يترقم أباموسى الأشعرى وهو يقرأ القرآن ، فقال له أبوموسى:
((لو علمت أنك تسمع لخبرته لك تحبيرا).
وإذا كانت القراءة صوت العبد، فهى مخلوقة ، كما أن العبد مخلوق .
ومثل القراءة المداد الذى تكتب به المصاحف . فهو ليس كلام الله
سبحانه وتعالى، وإن كان المكتوب كلام اللّه، ولقد قال الله تعالى: (قل
لو كان البحر مداداً لکلمات ربی لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربی ، ولو
جتنا بمثله مددا ، ففرق سبحانه وتعالى بين المداد الذى تكتب به كلماته ،
وبین كلماته (١) .
١٩ - هذه هى قراءة القرآن والمداد الذى يكتب به لا يمارى أحد فى
أنها مخلوقة والمروى عن أحمد ذلك . أما ذات القرآن الذى نزل به جبريل
على محمد رِّ فهو كلام الله ,نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من
المنذرين). وإذا كان كلام اللّه سبحانه وتعالى، فهو يتصل بصفة من صفاته
(١) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية ج٣ ص٣٢،٢١ طبع المنار.

- ١٥٩ -
تعالت ذاته وصفاته علواً كبيراً ، وذلك بألفاظه ومعانيه وعباراته ، فكلها
يتصل بصفات الله سبحانه وتعالى .
والعلماء بالنسبة لصفات الله سبحانه وتعالى على ثلاث طوائف :
( الطائفة الأولى ) تنفى أن يكون الله سبحانه متصفاً بصفة من صفات
المعانى كالقدرة والإرادة والعلم والكلام والسمع والبصر. وإلا كانت
صفات الله قديمة بقدم ذاته ، فيتعدد القدماء وهؤلاء هم المعتزلة ، ويعدون
الصفات المذكورة فى القرآن الكريم ، والتى سيقت مساق النعت له سبحانه
وتعالى أسماء له تعالى لا صفات، وإذا كانت ذات الله سبحانه وتعالى غير
متصفة بصفة من صفات المعانى، والقرآن كلام الله سبحانه وتعالى بمعنى أنه
خلقه، وأنشأه، وجعله دالا على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بإعجاز
العرب عن أن يأتوا بمثله، وعجزهم فعلا عن ذلك ، لما فيه من من ايا بيانية
ليست فى قدرهم .
( الطائفة الثانية) طائفة تثبت الصفات للذات العلبة، ولكنها تقرر أن
الأفعال التى تكون بقدرة الله سبحانه وتعالى مخلوقة له جلت قدرته ، فالله
سبحانه وتعالى متكلم ولكنه يخلق الألفاظ والمعانى، فالقرآن على هذا مخلوق
لله سبحانه وتعالى، كما أن الأشياء كلها مخلوقة لله سبحانه وتعالى بقدرته .
(الطائفة الثالثة) وهى الطائفة السلفية تقول إن الله سبحانه وتعالى متصف
بالصفات التى ذكرت فى القرآن الكريم نعتاً للذات العلمية ، فهو متصف
بالقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وغير ذلك من الصفات
التى جاءت الآثار بها، ولا يحكمون بأن الأفعال التى تصدر عن ذات الله
سبحانه وتعالى تسمى مخلوقة فلا يسمى القرآن مخلوقاً؛ لأنه قائم بذات الله
سبحانه وتعالى: ويقول فى ذلك ابن تيمية ((السلف قالوا لم يزل الله متكاماً،
إذا شاء، وإن الكلام صفة كمال ، ومن يتكلم أكمل من لا يتكلم ، وهو

- ١٦٠ -
يتكلم، إذا شاء بالعربية ، كما تكلم بالقرآن العربى ، وما تكلم فهو قام به
ليس مخلوقاً منفصلا عنه ، فلا تكون الحروف التى هى مبانى أسماء الله
الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة، لأن الله تكلم بها (١))).
فالأساس أن ما يصدر عن صفات الله تعالى وقدرته أيسمى خلقا،
وتطلق عليه كلمة مخلوق ، أم لا يسمى خلقا ، ولا تطلق عليه كلمة مخلوق ؟
فالسلفيون لا يسمونه مخلوقا .
٢٠ - وإذا كان القرآن على هذا التقرير غير مخلوق ، فهل هو قديم
لقدم اللّه تعالى، إذ أنه قائم بذاته؟ هنا يقرر ابن تيمية أن القرآن ليس
بقديم عند أحمد، لأنه لا يعتبر كل ما يقوم بالذات العلية قديما بقدمها، إذ
كل ما فعله الله سبحانه وتعالى بإرادته قائم به عنده، ومنها ما هو حادث ،
بل كلها حادث ، وغير هذا المنزع هو منزع الفلاسفة الذى ساقته إليه
فروضهم العقلية التى لا تلزم الإسلام والمسلمين ، وهى ظنيات تتضافر،
فتكون نتائج ظنية .
وينفى ابن تيمية أن يكون مذهب أحمد والسلف قدم القرآن فقال ،
«والسلف اتفقوا على أن كلام الله منزل غير مخلوق، فظن بعض الناس أن
مرادهم أنه قديم العين ، ثم قالت طائفة هو معنى واحد ، وهو الأمر بكل
مأمور ، والنهى عن كل منهى والخبر لكل مخبر ، والله إن عبر عنه بالعربية
كان قرآنا ، وإن عبر عنه بالعبرانية كان قوراة ، وإن عبر عنه بالسريانية
كان إنجيلا ، وهذا القول مخالف للشرع والعقل (٢).
ولقد بين أنه لا منافاة بين اتصاف الله سبحانه وتعالى بالكلام القديم
وكون ما يتكلمه غير قديم ، فقال :
(١) الرسائل والمسائل لابن تيمية ج٣ ص ٤٥
(٢) الكتاب المذكور من ١٥٦