النص المفهرس

صفحات 81-100

-٨١ ٠
رفض الولاية وعطاء الخلفاء
٧٣ - قد رأيت كيف كان أحمد ضنينا بنفسه أن تهون بمنة العطاء،
وكيف كان شحيحا بدينه فلا يأخذ المال إلا إذا كان حلالا طيباً ، لا تعلق
به شبهة ، ولا يتدرن بخبث ، وكان عند الزكاة يبالغ فى الإيجاب على نفسه
فيختار أشد الأقوال، حتى كان يدفع زكاة عن عقاده الذى يغل ، والذى
يسكنه، مستأنساً بفتوى لعمر بن الخطاب عندما فتح سواد العراق .
وإذا كان أحمد كذلك فى تعففه وبذله بالنسبة لسواد الناس ، وأهل العلم
والحديث ، فهل كان كذلك بالنسبة لمال الخلفاء ، وهو مال جمع من زكوات
المسلمين ، ومن فرائض فرضت عليهم لينفق فى المصالح العامة ، ولاشك أن
إعانة العلماء والمحدثين من مصارف ذلك المال . فإن أخذ فليس أخذه
من مال الخلفاء ، ولكن من مال الأمة التى صرف كل همته فى نشر
حديث رسولطا ؟
إن أحمد رضى الله عنه قد كان بالنسبة لمال الخلفاء أعف، وكان فيه
أزهد، بل كان يبعده عن نفسه إلى درجة النفور منه، رفض أن يأخذه
من ولاية ، رفض أن يأخذه فى عطاء قط ، بل ألا يأخذ من مال من يقبل
عطاء الخلفاء ، ولقد شدد فى ذلك ، حتى لقد كان يمنع أن ينتفع بأى وجه
من أوجه الانتفاع بأى شىء الشخص قد قبل وقتاً ما بعضاً من مال
السلطان .
هذا إجمالى نفصله ببعض قليل من الأخبار الكثيرة التى وردت عنه
فى ذلك .
٧٤ - عندما جاء الشافعى إلى بغداد فى المرة الثانية التى أقام فيها، ونشر
مذهبه بها، كان أحمد قد التزم مجلسه، ما كان يفارقه إلا لطلب حديث فى السفر
( م .٦ - ابن حنبل )

- ٨٢ =
أو الحضر، ولاحظ الشافعى أن أحمد كان يرحل إلى المن لطلب حديث
عبد الرازق بن همام كما بينا ، وكان يلاحظ بعد الشقة، وعظم المشقة التى
يعانيها أحمد فى هذه الرحلة ، بسبب أنه من المال قل ، وقد كلف الأمين
الشافعى أن يختار قاضياً لليمن، فوجد أن من التسهيل على أحمد أن يكون
قاضى اليمن ، ليسهل عليه السماع من عبد الرازق من غير مشقة ، فعرض
على أحمد فرفض ، فكرر العرض ، فقال أحمد الشافعى وهو شيخه ،
وله منه التجلة والاحترام: « يا أبا عبد الله إن سمعت منك هذا ثانياً لم ترنى
عندك (١) ..
رفض أحمد من شيخه ذلك العرض الكريم ، لأنه يريد أن يكون
للعلم وحده وألا ينال من المال إلا ما كان خالياً من كل شبهة، لأنه يرى
أن المشقة فى سبيل العلم يجب احتمالها، ولعله أيضاً كان يجيز لنفسه أن
يتولى القضاء كأبى حنيفة .
٧٥ - وإذا كان أحمد لم ينل من المال إلا ما كان خالياً من
الشبهات ، فهو قد تعفف كما نوهنا عن عطاء الخلفاء ، وتشدد فى ذلك ،
وهو فى أعظم العسرة .
والحق أن الأئمة كانوا فى ذلك منقسمين إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول
يتعفف عن مال السلطان والخلافة ، ويرفض أن يأخذ ، ويشدد فى الرفض
ومن هؤلاء أبو حنيفة الثورى ، فأبو حنيفة كان يعلم أن فى الامتناع عن
الأخذ تعريض نفسه للتلف ، لأن المنصور كان يختبر بقوله العطاء مقدار
ولائه، ومع ذلك يمتنع، ويرجوه بعض رجال المنصور أن يأخذ المال
ويتصدق به ، ولكنه يأبى أن يدخله فى ملكه ساعة من زمان ، مهما تكن
العواقب .
(١) المناقب لابن الجوزى ص ٢٧١ وقد نص على أن الشافعى كان مكنا عند الأمين.

- ٨٣ -
والقسم الثانى يقبل عطاء الخلفاء، ويستعين به فى سد حاجات المعوزين
وإعانة من يحتاج إلى معونة من أهل العلم ، وفى أن يعيش عيشة تليق بكرامة
أهل العلم وأهل الدين من غير إسراف أو تبذير .
وعلى رأس هذا القسم الحسن البصرى ، ومالك رضى الله عنه ، فالك
كان لا يتجوب فى الأخذ من الخلفاء، لأنه مال المسلمين ، ومن أحق به
من أهل العلم الذين وقفوا أنفسهم على تعليم الناس أمور دينهم وأمرهم
بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهم فى ذلك كالجند قد وقفوا أنفسم لحماية
الثغور من الأعداء لكيلا يثدوا فيها ثلمة ينفذون منها إلى الأمة، فإنه إذا
كان الجند كذلك ، فالعلماء لمنع الضلال ولئلا يثلم الدين الثلم الذى يصل إلى
قلوب الأمة، فنزل قدم بعد ثبوتها وتذوق السوء، وهذا بلا شك من مالك
نظر له أساسه ووجهته، ويزكيه أن مالكا رضى الله عنه كان يحترم الحال
الواقعة من نظام الحكومة أياً كان، ومهما يكن حال الحاكم ، ساعياً فى
تغيير نفسه بالإصلاح والموعظة الحسنة ، وذلك يقتضى الاتصال ،
لا المقاطعة والاتصال يوجب عليه أن يقبل العطية ولا يردها .
والقسم الثالث - وسط بين الأول الثانى ، يقبل العمل للخلفاء
ويأخذ العطاء ويتصدق به، وإن كان حظاً مقسوماً ولم يكن عطاء أخذه ،
وهو الشافعى ، فقد تولى الولاية للرشيد، وقبل عطاءه ، ووزعه صدقات ،
وقبل أن يأخذ سهم بنى المطلب من الغنيمة ، وقد كان لهم سهم فيها ،
لإلحاقهم ببنى هاشم إذا كانوا معهم فى السلم والحرب، جاهلية وإسلامياً.
٧٦ - ولاشك أن أحمد اختار مسلك أبى حنيفة، وإن كان حال
أحمد تجعل اختياره أعظم ابتلاء، لأنه كان فقيراً فهو يرفض عطاء الخلفاء
وغيرهم ويكرى نفسه . ويكتب للناس الكتب بأجر، فكان فى رفضه
المتجمل الصبور، وأبو حنيفة كان رجلا ثريا له تجارة تدر عليه الدر الوفير،

== ٨٤ -
وكان يسد به حاجة الفقهاء والمحدثين الذين كانوا على اتصال به، وله على
أى حال الفضل الكبير .
كان أحمد يرفض عطاء الخلفاء، ولو كان يعم ولا يخصه ، ولو لم يقصد
به شخصه ، بل وصفه . يروى أن المأمون دفع إلى شيخ من شيوخ الحديث
فى عصره مالا ، ليقسمه على أصحاب الحديث؛ لأن فيهم ضعفاء أراد أن
يعينهم على ما خصصوا أنفسهم له، فما بقى منهم أحد إلا أخذ ما عدا أحمد
ابن حنبل (٢).
ولقد كان ذلك والمأمون لميتجه إلى محنة الفقهاء والمحدثين، واختبارهم،
وحملهم على أن ينطقوا بأن القرآن مخلوق ؛ إذ أنه لم يتجه إلى ذلك الامتحان
إلا بعد أن غادر بغداد غازيا ، ومات فى خرجته هذه بطرسوس؛ وقد كان
ذلك فى السنة الأخيرة من خلافته .
ولاشك أن عرض العطاء عليه لم يكن ظاهراً من الحاكمين فى عهد المعتصم
والواثق بل ظهرت المحنة والأذى ، وكان الابتلاء بالبلاء لا بالعطاء ؛
وبالمحنة لا بالنعمة ، ويظهر أنه كان بذلك النوع من الاختبار طيب
النفس راضياً مطمئناً مستسلماً لقضاء الله سبحانه وتعالى، مستعيناً به؛
راجياً رحمته دون سواه .
٧٧ - ولما ذهبت دولة المحنة والبلاء، وجاءت دولة الاطمئنان والقرار،
إذ جاء عصر المتوكل اختبر أحمد اختباراً آخر قاسياً على النفس ، وله عقباه
فى الجسم ، ذلك أن المتوكل عرض عليه المال الكثير؛ والدر الوفير ،
وألحف فى العرض. وشددت حاشيته على أحمدفيه، فأصر أحمد على الامتناع
إصراراً شديداً ، ولم يقبل أن يأخذه ويتصدق به، وكان الخليفة يطلب إليه
ذلك، ولكن أحمد لم يرد أن يدخل ذلك المال فى ملكه ساعة من الزمان
(١) حلية الأولياء ج٩ ص: ١٨

- ٨٠ -
إلا مضطراً ، فهو فى نظره المال الذى لا يقاربه أهل النزاهة لأن غيره أولى.
إذ هذا المال لسد الثغور وإعداد العتاد والقوة، ومد الجند، وإغاثة المحتاج
والبائس والمعتر ، وما كان أحمد يعد نفسه بفضل ما من الله به عليه من الغلة
القليلة من أهل الفقر والحاجة .
رد أحمد مال المتوكل ، ولم يقبله، وإن أكره على قبوله وزعه بين
المحتاجين إليه من ذوى الفاقة والتجمل، وقد كان ذلك الإكراه يحدث أحيانا
فى أول عصر المتوكل ، إذ ألسنة أهل السوء لاتنى عن تحريضه عليه، وإغراء
العداوة بينهما ، حتى لقد فتشت داره بسعاية كاذبة ، أساسها أنه آوى علوياً
خارجاً على الخلافة فى بيته ، فكان فى مثل هذا الجو الذى تسود فيه الريبة
يأخذ المال مكرها، ويوزعه على أهل الحاجة المتجملين المستثمرين .
يروى أن وزير المتوكل كتب له «إن أمير المؤمنين قد وجه إليك جائزة،
ويأمرك بالخروج إليه، فالله الله أن يستعفى، أو ترد المال، فيقسع القول
لمن يبغضك (١)، فأحمد يضطر ليبدد ظلمات السعاية إلى القبول، ولكنه
لا يمسه، ويأمر ولده صالحاً أن يأخذه ثم يوزعه فى اليوم التالى على أبناء
المهاجرين والأنصار وغيرهم من أهل التجمل والحاجة، وكأنه يرى أنهم أولى
بمال المسلمين منه ، وقد حرموا عطاءهم .
ولكن المتوكل يطمئن إلى جانب أحمد كل الاطمئنان عندما تبین له ما
عليه من تقى وإيمان ، وابتعاد عن الفتن ، حتى أنه تبلغه نميمة وسعاية هى :
(( إن أحمد لا يأكل من طعامك، ولا يجلس على فراشك، ويحرم هذا الشراب
الذى تشرب، فيقول قولا حاسما قاطعاً لكل مشاء بنعيم: «لو نشر المعتصم
وقال لى فيه شيئاً لم أقبله. (١).
(١) المناقب لابن الجوزى .
(١) المناقب ص٣٦٩

- ٨٦ -
وعندما بلغ أحمد هذه المنعزلة من الثقة قد ترك له المتوكل حريته كاملة
فى أن يقبل عطاءه أو يرده ، فكان يرده. ولو كان قد أرسله ليوزعه على
أهل الحاجة والمعوزين ، فإنه روى أنه وجه إليه ألف دينار ليوزعها على
أهل الحاجة، فقال: أنا فى البيت منقطع عن الناس، وقد أعضانى أمير المؤمنين
ما أكره، وهذا ما أكره.
٧٨ - وإذكان أحمد قد عف من مال الخليفة ، وأراحه هذا من
الاستطالة عليه لحمله على الأخذ مكرها ، فإن ذلك العالم الجليل التقى لم يهدأ
باله كاملا . لأن أولاده وذوى قرباه كانوا يأخذون مال الخليفة ، وكان
يتهاهم فلا ينتهون ، ويقول لهم : لم تأخذونه ، والثغور معطلة غير مشحونة ،
والفيء غير مقسوم بين أهله)،(١) .
ثم إنه يقاطعهم، ولا يؤاكلهم ، ولا يشاربهم، حتى أنه لا يأكل الخبز
الذى يخبز فى تنورهم، وبنارهم,فإنه يروى أنه قد خبز له خبز فى تنور مسجور
فى بيت ولده، فرفض تناوله ، لأنه يأخذ جوائز السلطان ، ويبلغ الخليفة
ذلك، فلا يغضب ولا ينقم، إذ عرف إيمانه وإخلاصه، ويقول: «إن
أحمد لمنعنا من بر ولده)) ويأمر بإعطاء أقاربه وأولاده خفية عنه .
ولكن هل لنا أن نقطع بأن أحمد كان يرى أخذ مال الخلفاء
حراماً حرمة لا شك فيها ؟ يظهر أنه كان يشك ، ولا يقطع بالحرمة ،
والشك بالنسبة إليه كاف ليمتنع ، ولينزه نفسه وألا ينتفع ممن أخذمنه
مؤمنا بأنه ليس محرام .
يروى فى ذلك أنه دخل عليه ابنه بعوده، وهو مريض، فقال له ياأبت
عندنا شىء بقى مما كان يبر نابه المتوكل، أفأحج منه؟ قال نعم، قال : فإذا
كان عندك هكذا .
(١) المناقب ص ٣٨٤

- ٨٧ -
كأن عندك هكذا فلم لا تأخذه؟ فقال . يابنى ليس هو عندى بحرام ولكنى
تنزهت عنه »(١) .
إذن فأحمد ما كان يقطع بأن قبول العطاء من الخلفاء حرام ، ولكنه
كان يشتبه، وحيثما اشتبه فانه ينزه نفسه ، ذلك أنه من الزهاد الأبدال الذين
يؤثرون الخصاصة مع نفس نزهة على المال والثراء والنعمة مع اضطراب
النفس بالشك والاشتباه والحيرة ، فهم يتركون ما يريب إلى مالا يريب،
وكذلك كان فى فكره و قلبه وإيمانه .
٠
٦
(١) المناقب ص ٣٨٥

= ٨٨ -
علم أحمد
٧٩٠٠ - ذاع علم أحمد ، واشتهر وتحدث الناس بذلك ، وهو حى
يرزق ، بل إن علمه بالحديث والأثر، ذاع ، وهو لازال شابا يتلقى العلم ،
ويأخذ عن الشيوخ، حتى أن أحمد بن سعيد الرازى قال فيه وهو شاب :
مارأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل ، ويقول له شيخه الشافعى ، « أنت أعلم
بالأخبار الصحاح منا ، فإذا كان خبر صحيح ، فأعلمنى ، حتى أذهب إليه
كوفياً كان أو مصرياً أو شامياً ،.
ولقد روى المزنى أن الشافعى قال ، « ثلاثة من عجائب الزمان، عربى
لا يعرب كلمة، وهو أبو ثور، وأعجمى لايخطىء فى كلمة ، وهو الحسن
الزعفرانى، وصغير كلما قال شيئاً صدقه الكبار ، وهو أحمد بن حنبل ،
ويروى حرملة بن يحيى تلميذ الشافعى أنه قال خرجت من بغداد ، وماخلفت
بها أحداً أورع، ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل .
ولقد وصفه الشافعى بالعقل مع علم الرواية والفقه، فقد قال فيه كما
روى تلميذه محمد بن الصباح. ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل؛ وسليمان
ابن داود الهاشمى ».
هذه كلمات الشافعى ، وهو العالم الأريب فى أحمد الشاب ، ولاشك أنه
بعدأن تقدمت سنه وهو لم ينقطع عن طلب الفقه والحديث يوما ، قدنما علمه
وعقله، وذاع اسمه وذكره ، وخصوصاً بعد أن ابتلى فأحسن البلاء، وصبر
الصبر الجميل ، ولم يتن ولم يشك إلى أحد من خلق الله أذى الإنسان ،
ولننتقل بعضا قليلا من شهادة معاصريه فيه .
فقد قال علي بن المدينى معاصره ((ليس فينا أحفظ من أبى عبد الله بن حنبل))

- ٨٩ -
ويقول فيه: (( أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة؛ وهو يزداد خيراً)).
ويقول قرينه ومعاصره القاسم بن سلام (( انتهى العلم إلى أربعة أحمد
ابن حنبل، وعلى بن المدين، ويحيى بن معين، وأبى بكر بن شيبة ، وأحمد
أفقهم فيه ، ويقول فيه: مارأيت رجلا أعلم بالسنة منه» .
ولقد قال فيه يحيى بن معين ((والله لا نقوى على مايقوى عليه أحمد ولا
على طريقة أحمد ،.
ويقول فيه عبد الرحمن بن مهدى: «هذا أعلم الناس بحديث سفيان
الثورى ، وبقول «ما نظرت إلى أحمد بن حنيل إلا تذكرت به سفيان
الثورى (١)).
وسفيان الثورى فقيه أثرى زاهد، نزه النفس عفيف، سنخصه بالذكر
عند بيان من أثروا فى نفس أحمد بن حنبل ، سواء فى ذلك من شاهدهم
وعاينهم، ومن تلقى عليهم من تلاميذهم وأصحابهم ، فإن سفيان كان أبرز
الآخرين فى علم أحمد ونفسه .
٨٠ - هذه قبة أخذناها من المنقول عن العلماء فى الثناء على ذلك الإمام
الجليل الذى بذل نفسه فى سبيل ما يعتقد ، وربى نفسه وكملها، واستحفظ
أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتاوى أصحابه، فرواها ودونها،
وتفهمها، وتخرج عليها وأخذ طريقته فى الفقه منها، فكان علمه كله ينتهى
إليها .
ولا نريد فى هذا الموضع من بحثنا أن نبين مناحى علمه، ومنهجه فى
الحديث والفقه ، بل إن لذلك موضعه فى دراسة آرائه ورواياته وفقهه،
(١) فى المناقب لابن الجوزى، وحلية الأولياء، وتاريخ العسر الذهبى، وطبقات السبكى
ثناء كثير للعلماء على أحمد قد قبنا منها هذه القبسة، وارجع إلى الباقى فيها.

- ٩٠ -
إنما الذى نريد أن نبينه، ونحن فى دراسة آرائه تاريخه وأحواله ،
والموجهات له - هو كيف تكونت له تلك الثروة العلمية؟
وإن العوامل التى توجه الناشىء ، أو الشادى .. أربعة: أولها -
صفاته سواء أ كانت خلقية أم كانت كسبية - وثانيها الموجهون له من
الشيوخ ، ومن يتصل بهم - وثالثها - حياة الشخص ، ودراساته الخاصة
- ورابعها المصر الذى أظله والبيئة التى اكتنفته.
ولنتجه إلى بيان كل عامل من هذه العوامل ، ليتجلى للقارىء التوجيهات
المختلفة التى سيطرت على هذه النفس الكريمة، وأنتجت تلك الثمرات الطبية
من علم السنة ، وفقه الأثر ، وآراؤه فيما يخوض فيه علماء الكلام ، قالها
مخلصاً فى بيانها ، ويستوى فى ذلك أن يكون الحق الذى لاشك فيه ، أو
غيره مادامت هى خلاصة ما انتهى إليه تفكيره ، أو ماوجهته إليه دراساته .
ولنبدأ من هذه العوامل بصفاته :
١ - صفاته
٨١ - انصف أحمد بصفات كانت هى السبب فى هذه الشهرة التى
اكتسبها، وفى ذلك العلم الغزير الذى خلفه من بعده وسارت الركبان بذكره،
وهذه الصفات بعضها هبات من الله العلى القدير يهبها لمن يشاء من خلقه،
وبعضها صفات اكتسبها بالتربية، والمران، والنشأة ، والتوجيه، والنزوع
ليها .
ولنذكر تلك الصفات بنوعيها، وتشير إلى آثارها فى تكوين علمه.
٨٢ - أول هذه الصفات الحافظة القوية الواعية ، وهى صفة عامة
المحدثين، وأهل الإمامة منهم بشكل خاص، ولقد اتصف بها مالك، واتصف
بها الشافعى من الفقهاء الذين تركوا ثروة من الفة النظره والاستنباط.

- ٩١ -
وهذه الحافظة هى الأساس لكل علم ونظر ، فلابد لأهل العلم أن
تكون عندهم طائفة حفظوها . يبنون عليها، ويستنبطون منها. وإن العلماء
بالنفس فى عصرنا الحاضر. كما كان الناس فى الغابر يردون عناصر الذكاء
إلى الذاكرة المدركة والحافظة الواعية، والبديهة الحاضرة التى تثير المعلومات
التى حفظت فى أوقاتها المناسبة .
ولقد آتى اللّه أحمد من هذه الصفة حظاً وفيراً، والأخبار فى ذلك
متضافرة يؤيد بعضها بعضاً . فمن ذلك ما يروى عنه ، فهو يقول: كنت
أذاكر وكيعاً بحديث الثورى . فكان إذا صلى العشاء خرج من المسجد إلى
منزله ، فكنت أذا كره، فربما ذكر تسعة أحاديث ، أو العشرة فأحفظها
فإذا دخل ، قال لى أصحاب الحديث أمل علينا، فأمليها عليهم، فيكتبونها)».
ولقد شهد بقوة حفظه وضبطه معاصروه. حتى عد أحفظهم وحتى لقد
قيل لأبى زرعة معاصره، من رأيت من المشايخ والمحدتين أحفظ. قال أحمد
ابن حنبل .
٨٣- ولم يكن أحمد حافظاً واعياً فقط ، بل كان يتفهم ما ينقل فيحفظ
أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتاوى أصحابه، وفتاوى التابعين الذين
اشتهروا بالورع والفقه والإفتاء ، وبتفهم كل ذلك تفهم العارف المستنبط
الذى يبنى على ماعرف، ولقد امتاز بذلك الفهم من محمد فى عصره، فقد كانوا
يكتفون بالرواية دون الفقه والدراية وكأنهم تركوا الاستنباط للفقهاء
الذين كانوا مختصين بصناعة الاستنباط وانطبق عليهم تشبه أبى حنيفه الذى
شبه فيه المحدثين بالصيادلة، والفقهاء بالأطباء، أما أحمد فكان يعنى بفهم
فقه الآثار ، كماكان الحافظ الراوى الذى بلغ الشأو البعيد فى الرواية.
يقول فى ذلك إسحاق بن راهويه: ((كنت أجالس بالعراق أحمد ابن
حنبل، ويحيى بن معين ، وأصحابنا . فكنا نتذكر الحديث من طريق،
وطريقين، وثلاثة . فأقول ما مراده ؟ ما تفسيره ؟ ما فقهه ؟ فيقفون كلهم

- ٩٢ -
إلا أحمد بن حنبل ، وقد كان علمه بالحديث والسنة ، وفتاوى التابعين ،
واستنباطه الأحكام منها سببا فى أن كان إماماً فى الحديث وإماماً فى الفقه »
حتى لقد قال فى ذلك تلميذه إبراهيم الحربى .
أدركت ثلاثة لم ير مثلهم، ويعجز النساء أن يلدن مثلهم: رأيت أبا عبيد
القاسم بن سلام، ما أمثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشربن الحارث
فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمة عقلا ، ورأيت أحمد بن حنبل
فرأيت كأن اللّه جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول
ما شاء ويمسك ماشاء (١). وجمعه لعلم الأولين والآخرين هو بحفظه
للأحاديث ، وآثار السلف وفهم فقها .
٨٤ - والصفة الثانية، وهى أبرز صفات أحمد، وهى التى أذاعت
ذكره، ونشرت خبره، وهى صفة الصبر، والجهد وقوة الاحتمال، وهى
مجموعة من السجايا الكريمة، أساسها قوة الإرادة، وصدق العزيمة وبعد الهمة،
مهما يتعب الجسم فى سبيل ذلك، ولقد كانت هذه الصفة المزاج الذى اختص
به أحمد ، فجمع بها بين الفقر والجود والعفة وعزة النفس والإباء ، وبين
العفو، واحتمال الأذى، وهى التى جعلته يحتمل ما يحتمل فى طلب العلم، غير
وان ولا راض بالقليل منه ، يجوب الأقطار، ويقطع الفيافى والقفار، راكباً
إن أسعفته الحال ، وماشيا إن ضاقت النفقة ، فهو يرحل إلى البصرة
والكوفة، وإلى اليمن؛ والحجاز، ويكرر رحلاته طلبا للحديث، وليتلقى
من رجاله ، ويؤجر نفسه لحمل الأمتعة لينال ما يسد به رمقه فى الطريق،
كما يكتب بأجر وينسخ عندما يحط الرحال وتضيق به الحال ، بل يصنع
بعض ما يعرف من الصناعات، ليأكل من عمل يده، أقداء بالنبيين، واتباعا
(١) هذا النقل وسابقه من المناقب لابن الجوزى وحلية الأولياء، والحافظ المذهبي،
طبقات ابن السبكى.

- ٩٣ -
المنهاج الصالحين، ويفضل ذلك على العطاء لأن اليد العليا خير من اليد السفلى.
رالقوة التى كانت تمده بالعون هى هذه الصفة السامية - الصبر والجلد
وقوة الاحتمال وقوة الإرادة والعزيمة، وبعد الهمة، مع الفقر وشدة الحاجة.
ولما صار له شأن من الشأن، وتصدى للدرس والإفتاء نزل به البلاء
الأكبر والمحنة العظمى، فكانت تلك الصفة هى عدته، وبها كانت أهبته ،
فقد صبر وصابر الذين أنزلوا به الأذى، حتى ملوا الأذى ولم يهن ولم
يستكن، ولم يستخذلهم ، ولم يجبهم إلى قولهم؛ لأنه فى اعتقاده البدعة ،
وإن لم يكن كفراً، والانحراف، وإن لم يكن مروقا ، وما كان ذلك
الاحتمال إلا بقوة الإرادة والعزيمة وقوة الاحتمال والجاد.
ولما منَّ اللّه عليه بالرخاء بعد الشدة، ابتلى بالنعمة بدل النقمة، وكان
لابد أن يحسن البلاء فيها، كما أحسن البلاء فى الشديدة ، قدم إليه العطاء كثيراً
موفوراً، وهو فى الحاجة التى تشبه المخمصة، وأولاده وأحفاده حوله يقاسون
ما يقاسى من هذه الحاجة ، ولكنه علا على ذلك كله بقوة إرادته، وصدق
عزيمته، وبعد همته، فرد كل عطاء لنزهة نفسه، وليبقى هو الله خالصاً لا
لأحد من عبيده، فكانت تلك الصفة فى هذا أيضاً عدته ، وجهاده هنا لا يقل
عن جهاده الأول . بل هو مثله، وإن لم يكن من نوعه، ولكنه أقبل ،
وأسمى ، وأعلى ، فرضى الله عنه .
ومما لاشك فيه أن هذه الصفة هى التى كونت له تلك السمعة الذائعة،
وتلك الشخصية الرائعة، وهى أبرز صفاته ، ومفتاح عظمته، وسرها،
وعنوانها .
٨٥ - وإن من الحق علينا أن نذكر أن صفة الصير التى امتاز بها
أحمد هى من نوع الصبر الجميل الذى جاء ذكره فى القرآن الكريم، ودعا

- ٩٤ -
إليه يعقوب عليه السلام بنيه فيما حكى اللّه سبحانه وتعالى عنه بقوله .
((فصبر جميل))
والصبر الجميل هو الصبر من غير أنين ، وشكوى، ولاضجر ، وكذلك
كان أحمد رضى عنه فلقد نزل به الأذى فما أنَّ، وما ضج بالشكوى، وكان
فيه صاحب الجنان الثابت الذى لا يطيش . ولا يذهب .
ولنذكر لك خر أَيدل على قوة جنانه وثباته، فإن ما يروى أنه أدخل على الخليفه
فى أيام المحنة ، وقد هولوا عليه لينطق بما ينجيه ويرضيهم ، وقد ضرب
عنق رجلين فى حضرته ، ولكنه فى وسط ذلك المنظر المروع ، وقع نظره
أيضاً على بعض أصحاب الشافعى، فسأله: وأى شىء تحفظ عن الشافعى فى
المسح على الخفين ، فأثار ذلك دهشة الحاضرين، وراعهم ذلك الجنان
الثابت الذى ربط الله على قلب صاحبه، حتى لقد قال خصمه أحمد بن أبى
دؤاد متعجباً : انظروا لرجل هوذا يقدم لضرب عنقه ، فيناظر فى الفقه(١)
ولكنها الإرادة القوية، والايمان العميق ، والنفس المفوضة المسلمة ، لقضاء
الله وقدره، وهو الصبر الجميل الذى أخذ نفسه به، حتى أنه لم يئن عند المرض
خشية ألا يكون صبره على أمر الله جميلا.
٨٦ - وقد يتساءل القارىء عن سر هذه القوة التى جعلته يحتمل
ما احتمل ، ويعلو على الشدائد ، وعندى أن السر فى ذلك أن هذا الرجل
العظيم قد اعتز بالله وحده، وتوكل عليه تعالى وحده، ولم يحس بعظمة أحد
سواه ولامتلاء نفسه بهذا الوجدان العظيم استهان بكل شىء، استهان بالشدائد
واستهان بمنزليها ، واستهان بمفاخر الحياة وزينتها، ورضى من متاعها
بالقليل، ولم يقنع من العمل لله بغير الكثير الوفير. وقد أعطاه ذلك
(١) حلية الأولياء جـ ٩ ص١٨٦.

- ٩٥ -
الاعتزاز علواً عن سفساف الأمور، فلم يعلق بنفسه درن من حقد، أو
حب انتقام ، ولذلك كان كثير العفو عمن يسىء إليه .
يروى أن رجل قد اغتابه. قال له يا أبا عبد الله اغتبتك ، فاجعلنى فى
حل ، قال أنت فى حل ، إن لم تعد .
ويروى أنه ظهر من بعض إشارته عدم تقديره لفقه أبى حنيفة ،
لاختلاف منهاجهما فقال بعض المتعصبين لأبى حنيفه . ((بول أبى حنيفة
أكثر من ملء الأرض مثلك، ثم تركه مغاضبا، ثم عاد إليه نادما، وقال
معتذراً يا أبا عبدالله ، إن الذى كان منى كان على غير تعمد، فانا أحب أن
تجعلنى فى حل ، فقال أحمد العظيم فى نفسه : مازالت قدماى من مكانهما ،
حتى جعلتك فی حل (١)
ولاعتزازه باللّه كان متواضعاً متطامنا لعامة الناس ، مقيلا لعثراتهم ،
فإن المعتز بغير الله يكون غليظ العنق مستكبراً، والمعتز بالله يكون طيب
القلب متطامنا. ولقد حكى عنه تلميذه المروزى، فأحسن فقال. (( لم أر
الفقير فى مجلس أعز منه فى مجلس أبى عبد الله ، كان مائلا إليهم، مقصراً عن
أهل الدنيا . وكان فيه حلم ، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه
السكينة والوقار، إذا جلس فى مجلسه بعد العصر للفتيا، لا يتكلم ، حتى يسأل
وإذا خرج إلى مسجده لا يتصدر، ويقعد حيث انتهى به المجلس (١))).
× ٨٧ - الصفة الثالثة من صفات أحمد التى امتاز بها النزاهة بأدق
معانيها ، وكانت فى أشكالها وصورها ذات مظاهر عدة ، فهو نزه النفس.
فلم يأخذ قليلا، ولا كثيراً من مال غيره ، فكان عفيفاً فى أعلى درجات
العفة وعيوفاً عن أموال الناس فى أكمل ما يكون عليه الرجل الكامل، وكان
(١) المناقب لابن الجوزى ص١٢٣ .
(٢) تاريخ الحافظ الذهبي.

- ٩٦ -
نزيهاً فى إيمانه، فلم يجعل عليه سلطانا، ولم يطق أن ينطق بغير ما يعتقد ،
ولا أن يواری ويدارى ، ولو كان السيف يبرق فى يد من برعد به ورضى
بإنزال الأذى الشديد عن أن ينطق بكلمة فيها مداجاة ، فما كان يرضى بالدنية
فى دينه ، وكان نزها فى عقله، فلم ير أن يخوض فى أمر لم يخض فيه السلف
الصالح، وكذلك سلك فى فقهه فوجد أن من نزاهة العقل ألا يفتى حيث علم
أن لأحد الصحابة فتوى فى المسألة التى سئل فيها، بل كان إذا وجد الصحابة
اختلفوا فى مسألة لم يوازن بين أقوالهم، ويختار واحداً منها ، على ضوء
ما تؤدى إليه الموازنة المستقيمة ، والقياس الدقيق إذا لم يكن نص أو خبر
صحيح، بل يجعل المسألة ذات أقوال، وللمبتلى أن يختار أيها شاء إذا لم يكن
أحدها أقرب إلى النص من غيره ، فنزاهة الفكر أو الفقه عنده توجب
عليه الاتباع المطلق للسلف الصالح ، وليس من شأن الاتباع المطلق أن بخطى.
هذا؛ ويصوب ذاك من غير نص ، إذ كل واحدمنهم من رسول الله ملتمس.
٨٨ - هذه نزاهة مطلقة، أخذ نفسه ذلك الإمام الجليل بها، ولقد
دفعته عفة النفس أو نزاهتها على حد تعبيره أن يترك بعض الحلال ، وأن
يمتنع عن قبول عطاء الخلفاء، مع تصريحه لبعض أولاده بأنه حلال يصح
الحج منه، وأنه يتركه تنزيهاً للنفس، لاتحريماً .
وبهذا التضييق الذى سلكه فى شأن نفسه ، حتی کان لا یا کل إلا مں کسب
يده، أو من غلة عقار ورثه ، ويلقى فى سبيل ذلك العناء الشديد، والحرمان
من كثير من طيبات الحياة ، ولهذا كان زاهداً ، ولكنه زهد ، ليس أساسه
الرغبة عن طيبات الحياة ، بل أساسه طلب الحلال ، ولكن لا يطلبه من مال
فيه شبهة ، بل من مال يناله من غير أن تصاب النفس فى نزاهتها أو عزتها ،
ومر غير أن يلجأ فى ذلك إلى أحد من العباد .
وكان يرى أن الزاهد الذى يلين القلوب ، ويرقق النفوس ليس هو فى

- ١٧ -
الامتناع عن الحلال ، ولكن فى طلبه عن غير أن يدنس النفس .
يروى فى ذلك أن أبا حفص عمر بن صالح الطرسوسي قال: «ذهبت
إلى أبى عبد الله فسألته، بم تلين القلوب ، فأبصر إلى أصحابه ، ثم أطرق
ساعة ثم رفع رأسه ، فقال: يابنى، بأكل الحلال ، فمررت إلى أبى نصر بشر
ابن الحارث فقلت له. يا أبا نصر يم تدين القلوب؟ قال: ((ألا بذكر الله تطمئن
القلوب ، فقلت، فإنى جئت من عند أبى عبد الله، فقال هيه أيش قال لك
أبو عبد الله، قلت قال بأكل الحلال ، فقال جاء بالأصل، فردت إلى
عبد الوهاب بن أبى الحسن، فقلت بم تلين القلوب. فقال: ((ألا بذكر الله
تطمئن القلوب )، قلت: فإنى جئت من عند أبى عبد الله: فاحمرت وجنتاه
من الفرح، وقال لى أيش قال أبو عبد الله فقلت قال بأكل الحلال ، فقال ،
جاءك بالجوهر ، الأصل كما قال ، الأصل كما قال )).
وهذه القصة تعطيك منطق أحمد الدقیق فی ورعه وزهده ، فهو ما كان
ينقطع عن الحياة وأسبابها، ومتعها ، بل كان لا يمتنع عن متع الحياةعلى شرط
الدين والخلق الفاضل، وهو ألا يأخذها من غير حلها، فهو يطلب الحلال،
ولا يأكل إلا الحلال وفى تحرى الحلال كانت نفسه معناه ، يترك ماتشقبه.
فيه قل أو جل، ولا يأخذ إلا مالا شبهة فيه ، ويكتفى به وإن قل ، فنطقه فى
هذه الحياة هو منطق الحى القانع الراضى، الزاهد فى غير الحلال، مهما
تکن حاجته إليه .
وفى دائرة الحلال الذى لاشبهة فيه يستطيب متع الحياة، ويستأفس
بالصحاب وأهل المروءة، ويقول: يؤكل الطعام بثلاث، مع الإخوان
بالسرور، ومع الفقراء بالإيثار، ومع أبناء الدنيا بالمروءة.
"وكان يحب الصداقة والأصدقاء ، ويفهم معناها الدقيق، ويعرف أن
(٢ ٧- ابن حنبل)

-١٨ -
الحياة من غير أصدقاء حياة جافة ذليلة، ويقول (( إذامات أصدقاء الرجل
ذل ..
- ويسخر ويجود بالحلال القليل الذي قاله من طيبات هذه الدنيا، ويقول
فى ذلك: « لو أن الدنيا تقل، حتى تكون فى مقدار لقمة، ثم أخذها امرؤ
مسلم، فوضعها فى فم أخيه المسلم ما كان مسرفاً ، وهذا أقصى غابات الجود.
ولقد كان رحمه الله يرى أن الاقتصار على الحلال الخالص الذى لاشبهة
فيه مرتبة هى من أعز المراقب فيلا لا يقوى عليها إلا الأشداء، ويرى أن
القوة الحقيقية للانسان ليست فى قوة البدن، ومنة الجسم، ولكن فى الاستيلاء
على النفس ، وحملها على الاقتصار على الحلال، وألا تسير وراء ما تهوى ،
ولقد سئل رحمه الله عن الفتوة فقال: ((إنها ترك ما تهوى لما تخشى)) أى
أن قوة العزيمة والتحكم فى الأهواء والسيطرة عليها هى القوة كل القوة، أو
هى القوة التى يليق أن يتصف بها الإنسان ، ويتميز بها عن سائر الحيوان .
٨٩ - وأما نزاهة العقل والإيمان ، خمسبك فى بيانها ما نقلناه من أخبار
المحنة، وكيف صابر وجاهد، وما كان جهاده إلا لينزه عقله عن أن يفكر
فى أمر لم يؤثر عن السلف أن عنوا بدراسته، وأن يخوض فى مسائل الخوض
فيها يؤدى إلى متاهات بتيه فيها العقل، ويضل ، ولا يقوى على الوصول إلى
الحق فى بيدائها المنسعة، بل كان يفوض كل التفويض فى كل المشتبهات التى
وردت فى القرآن ، وسيكون لذلك فضل من البيان نذكره عند الكلام فى
آرائه المتصلة بالعقيدة فى ذلك المضطرب الفسيح من الآراء فى العصر الذى
اشتدت فيه الاحتكاكات الفكرية بين ذوى المنازع المتباينة .
وقد رأيت فى أعمال الخلفاء معه كيف ينزه إيمانه عن أن يأخذ بالتقية،
لأنها منزلة لا ينزل إليها إلا الذين لايحتملون الشديدة فى سبيل اليقين ،
ورخصة لا يترخض فيها إلا الذين يضعفون ولا يحتملون، أما الأقوياء فهم

-14 -
ينزهون إيمانهم عنها، والناس فى الإيمان درجات، وقد كلف كل مؤمن
قدر طاقته .
٩٠ - ولنزاهة عقله وإيمانه ابتعد عن الجدل مع أهل الأهواء والبدع
فى نظره، لأن عدوى الأفكار تسرى بين المتجادلين بالاحتكاك، كما تسرى
عدوى الأمراض بالاحتكاك والاختلاط ، وكذلك كان ينهى أصحابه عن
الجدل معهم تنزيها لإيمانهم وابتعاداً عن كل مواطن الريب.
سأله بعض أصحابه قائلا ، إن ههنا من يناظر الجهمية ، ويبين خطأه ،
ويدقق عليهم المسائل ، فما ترى ؟ قال . لست أرى الكلام فى شىء من هذه
الأهواء ، ولا أرى لأحد أن يناظرهم ، أليس قال معاوية بن قرة، الخصومات
تحبط الأعمال، والكلام ردىء لا يدعو إلى خير ، تجنبوا أهل الجدال
والكلام، وعليكم بالسنن، وما كان عليه أهل العلم قبلكم ، فإنهم كانوا
يكرهون الكلام ، والخوض مع أهل البدع ، وإنما السلامة فى ترك هذا،
لم نؤمر بالجدال والخصومات، وقال إذا رأيتم من حب الكلام فاحذروه (١).
ولقد كتب إليه رجل يسأله عن مناظرة أهل الكلام ، والجلوس معهم،
فأعلى هذا الكتاب جواباً عن السؤال .
, أحسن الله عاقبتك، الذى كنا نسمع؛ وأدركنا عليه من أدركنا
أنهم كانوا يكرهون الكلام ، والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر فى
التسليم والانتهاء إلى ما فى كتاب الله؛ لا تعد ذلك ، ولم يزل الناس يكرهون
كل محدث من وضع كتاب وجلوس مع مبتدع، ليورد عليه بعض
ما يلبس عليه فی دینه (٢) ».
(١) تاريخ الذهبى (مقدمة المسند ص ٢٢، جمع المعارف بتحقيق الأستاذ الشيخ أحدشاكر
(٢) الذهبى مقدمة المسند .

- ١٠٠ -
وهكذا يمنهج الإمام أحمد منهج الإمام مالك . فقد كان مالك رضى
الله عنه يكره الجدال ، ويعد الجدل بعيداً عن لب الدين وحقيقته، وأن
أهل الجدل هم الذين أفسدوا على الناس أمور دينهم؛ وعلى هذا المنهاج
سار أحمد .
ولقد كان أبو حنيفة والشافعى رضى الله عنهما على غير ذلك المسلك،
فلقد كان أبو حنيفة يجادل الجهمية وغيرهم. ويلحن بالحجة عليهم ويسد
عليهم طرائقهم والشافعى كان قوى الجدل شديداً فى الخصام ، ولكن لطلب
الحق ، لا للغلب، وإن كتبه كلها صور من المناطرة الجيدة المستقيمة، وكل
ما يختار من المناهج والمسالك .
٩١ - وأما نزاهة فقهه، فقد كان حريصاً على ألا يخرج عن السنة،
وكان متبعاً للرسول والصحابة فى كل فقهه، وما يخرجه من آراء فأساسه
ما روى عن النبى صلى الله وسلم وعن التابعين. وكان حريصاً كل الحرص
على ألا يرد فى فقهه حديثاً نسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا
عارضه أقوى منه. كان يقول ((من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهو على شفا هلكه، وكان يقول: ((ما كتبت حديثاً عن النبى صلى الله عليه
وسلم إلا وقد عملت به » .
وإذا لم يجد الحديث ولا السنة عن الصحابة اجتهد فى تخريج المسألة على
منهاج من سبقه غير مبتدع سبيلا غير سبيلهم. وكان ينهى عن الاجتهاد فى مسألة
لم يتكلم فيها أو فى منهاجها أحد من سبقه. ولذلك كان يقول لخلاصة تلاميذه
((إياك أن تنكلم فى مسألة ليس لك فيها إمام)).
وهكذا تراه يحرص على أن ينزه فقهه عن الخروج على السنة ، ويقيده
بقيود لا نرى غيره حرص على تقييد فقهه بها . ولنؤجل بيان ذلك بياناً
كاملا إلا الكلامفيفتهفصل منملفات1.0