النص المفهرس
صفحات 21-40
- ٢١ - كان يمتنع عن كتابة ما يوجب الورع ألا يكتبه، ويمتنع عن إرسال كتاب لعمه يرى أن الصلاح لا يوجبه، أو ليس رضا الله فيه خالصاً ، بل رضا السلطان هو المقصود الأول ، كما رأيت فى امتناعه عن توصيل كتاب عمه إلى الوالى، لتوصيل الأخبار إلى الخليفة، فكان ذلك الغلام هو الذى يطوى فى نفسه سجايا ذلك الإمام . اشتهر الغلام أحمد بين الأقران بالتقوى والعناية بعمله، والصبر والجد، واحتمال ما يكره، فلم يكن الغلام الذى تستغرقه ميعة الصبا، ورعونة الصبيان، بل كان الرجل الكامل وإن كانت السن سن الصبيان ، ولعل ذلك من فرط اعتماده على نفسه صغيراً، وإحساسه بالاستقلال النفسى منذ طفولته، ولقد استرعت هذه الصفات نظر العلماء الذين اتصل بهم فى ذلك العقد ، حتى لقد قال فيه الهيثم بن جميل: (إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه(١)، ويظهر أن هذه النبوءة قد تحققت ، فقد عاش الفتى، حتى اكتمات رجولته، ووصل إلى السابعة والسبعين ، وكان نوراً لأهل زمانه ، بعلمه وخلقه وورعه ، وصبره، وقوة احتماله ، واستهافته بالأذى فى سبيل ما يعتقد. ١٩ - شب أحمد عن الطوق وكان يتجه إلى العلم، وجهته أسرته إليه، واستقام ذلك التوجيه مع نزوعه الخاص ، وبذلك تلاقت ميوله مع الوجهة التى وجه إليها ، وكانت بغداد فيها علوم الدين واللغة والرياضة والفلسفة، والتصوف ، وكل هذه الأشجار قطوفها دانية ، فكان لابد أن يقتطف أحمد منها ، وإن الذى يتفق مع النشأة الأولى هى علوم الدين لا ريب فى ذلك، وما تمهد إليه، لذلك علم علوم اللغة باعتبارها طريق علوم الدين ، كما كان الشأن فى ذلك العصر، وكما هو المعقول فى ذاته . وإذا كان بين يديه أن يختار من علوم الشريعة، فهو إما أن يختار مسلك (١) تاريخ الحافظ الذهبى فى ترجمة أحمد بن حنبل . - ٢٢ - الفقهاء وإما أن يختار أن يكون راوياً من رواة الحديث، وحافظاً من حفاظه، فقد ابتدأت الطريقتان تتميزان فى عصره وابتدأ العلمان ينفصلان، علم الفقه واستخراج الفتاوى ، والأقضية وعلم الرواية . وتميز الرواة ، وإعداد المادة للفقهاء لتكون بين أيديهم كالمادة العابية بين الأطباء، يعدها لهم الصيادلة. كما قال الأعمش المحدث لأبى حنيفة الفقيه، ولقد كان فى العراق المنزمان ، وعن أيهما ينزع أحمد بقوسه ، وكلا الموردين صافى المنهل عذب. كان فى بغداد فقه العراق ، وقد دونه أبو يوسف ومحمد، والحسن ابن زباد اللؤلؤى ، وغيرهم . وكان فى بغداد المحدثون والحفاظ . ٢٠ - ولقد اختار أحمد فى صدر حياته رجال الحديث ، ومسلكهم فاتجه إليهم أول اتجاهه ، ويظهر أنه قبل أن يتجه إلى المحدثين راد طريق الفقهاء الذين جمعوا بين الرأى والحديث، فيروى أن أول تلقيه كان على القاضى أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ، ولكنه مال من بعد إلى المحدثين الذين انصرفوا بجملتهم للحديث، فقد قال: « أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف (١)». ولكنه لم يدم فى الأخذ عنه ، وانصرف كما قلنا إلى المحدثين ، ومع أننا نقرر أنه انصرف إلى الحديث ، ولا نقول أنه انصرف انصرافاً قطعه عن الاطلاع على ما أنتجته عقول الفقهاء العراقيين من فتاوى وأقضية وتخريج ، بل إنه قد اطلع عليها، ولكن لم تكن همته إليها، ولم تكن بغيته نحوها ، وإن كان الاطلاع عليها أمراً له ثمراته فى علم الدين ، فلقد جاء فى تاريخ الحافظ الذهبى ، قال الخلال : كان أحمد قد كتب كتب الرأى وحفظها ، ثم لم يلتفت إليها . فهذا خبر ليس لنا أن نرده ، ولكنا نقبله ، لأنه من غير المألوف أن تكون تلك النتائج العلمية بين يديه ، ولا يعرفها، أو يستنكرها قبل أن يطلع (١) المناقب لا بن الجوزى ص ٣٣ - ٢٣ - عليها ، ولكنا مع قبولنا لذلك الكلام لا نقول إنه اطلع على كتب الرأى وحفظها فى مطلع حياته ، بل إن إلمامه بها كان فى غضون حياته العلمية بعد أن استمكن من علم الحديث . وثار فيه الحجة الثبت الثقة . وعلى ذلك يكون موقف أحمد من فقه الرأى أنه راد طريقه فى صدر حياته، بدليل أنه تلقى أول الحديث عن أبى يوسف ، وهو قد كان من فقهاء الرأى ذوى القدم الثابتة فيه ، وإن كان مع ذلك قد اتصل بالمحدثين ، وأيد رأيه الفقهى بالحديث ، ثم اتجه إلى الحديث، ولما استكمل تكوينه العلمى درس فقه الرأى دراسة فاحص ناقد يوازن بين ما انتهى إليه من علم الحديث وما وصل إليه أولئك الفقها. من تفريع فقهى، فاختار طريق الصحابة والتابعين ، وإن كان قد قبس قبسة من فقه الرأى ، وبذلك يكون حفظه لمكتب أهل الرأى على حد تعبير الخلال ، أو معرفته لما وصل إليه أهل الرأى على حد التعبير العلمى الصحيح أمراً مقبولا معقولا. ٢١ - طلب أحمد رضى الله عنه فى خير شبابه الحديث، وكان المحدثون فى كل بقاع الأراضى الإسلامية ، ففى البصرة محمدثون، وفى الكوفة مثلهم، وبغداد قصبة الدولة فيها الكثير منهم، وبلاد الحجاز تزخر بهم، وقد القت المدائن والأمصار التقاء علمياً فى ذلك العصر، فلم تكن ثمة محاجزات إقليمية تجعل كل طائفة عاكفة على حديث بلدها، لا تقبل رواية غيره، بل كانت الرحلة العلمية المستمرة بين الربوع الإسلامية واصلة حبال العلم، وأرسانه النورانية. وعندما اعتزم أحمد فى مستهل شبابه طلب الحديث كان لا بد أن يأخذ عن كل علماء الحديث فى العراق والشام والحجاز . ولعله أول محدث قد جمع الأحاديث فى كل الأقاليم، ودونها، وإن مسنده الشاهد صادق الشهادة بذلك، فهو قد جمع الحديث الحجازى والشامى والبصرى والكوفى جمعاً متناسباً. ٢٢ - وإن المنطق كان يوجب أن يتلقى أولا حديث بغداد حتى إذا استحفظ من حديثها جله طلب غيره، وكذلك سار، فهو اتجه إلى الحديث - ٢٤ - من سنة ١٧٩ هـ، واستمر مقما يبغداد يأخذ من شيوخ الحديث فيها، ويكتب كل ما يسمع ، حتى سنة ١٨٦ هـ(١). وابتدأ هذه السنة رحلته إلى البصرة ، وفى العام الذى وليه رحل إلى الحجاز، ثم توالت وحلاته بعدذلك إلى البصرة والحجاز ، واليمن ، وغيرها فى طلب الحديث . وإذا كان قد طلب الحديث سنة ١٧٩ ، ولم يرحل رحلة علمية قبل سنة ١٨٦ م. فكأنه استعر يطلب حديث البغداديين نحو سبع سنين أو أكثر، لم يرحل فيها رحلة علمية ، وإن كان قد سافر فسفر غير بعيد ، ولغرض قريب . ٢٣ - لقد قصر أحمد نفسه فى هذه السنوات السبع على حديث علماء بغداد وما يحفظون من فتاوى مأثورة، وأقضية للصحابة والتابعين فى أبواب الفقه المختلفة. وإنه من المقرر أن الناشىء لا يبتدىء العلم يلقف من هنا وهناك، بل هو يلزم عالماً من العلماء زمناً طويلا أو قصيراً ، حتى يتخرج عليه ، حتى إذا شدا وترعرع التقف من الثمرات كل ما يصل إلى يده ، وكذلك كان أحمد رضى الله عنه، فقد اتجه إلى طلب الحديث، وفقه الآثار، منذ بلغ السادسة عشرة سنة ١٧٩هـ، ولكنه لم يترك نفسه للمنازع العملية المختلفة من غير هاد يهتدى به، بل لزم إماماً من أئمة الحديث، وعلم الآثار فى بغداد، واستمريلازمه نحو أربع سنوات . فلم يتركه حتى بلغ العشرين من عمره ، ذلك الإمام هو هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطى المتوفى سنة ١٨٣ (٢). ولقد روى عن أحمد خبر تلك الملازمة ومدتها ، فقد قال كما رواه عنه ابنه صالح . كتبت عن هشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه إلى سنة ثمانين وإحدى وثمانين، واثنتين وثمانين ، وثلاث ، ومات فى سنة ثلاث وثمانين ، كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث ، وبعض التفسير ، وكتاب القضاء وكتباً (١) راجع فى هذا المناقب ص ٩٥ (٢) المناقب لابن الجوزى ص ٢٠ - ٢٥ = صغاراً، وسأله ابنه صالح بعدذلك القول: يكون ثلاثة آلاف؟قال أكثر. (١) ولم تكن تلك الملازمة تامة أى أنه لم ينقطع له انقطاعاً تاماً، ولم يتصل بغيره فى مدى أربع السنوات ؛ بل كان يتلقى عن غيره أحياناً ، ويحضر بعض مجالس سواه ، فيروى أنه سمع من عمير بن عبد الله بن خالد سنة ١٨٢ قبل موت هشيم . ولقد سمع أيضاً فى هذه الأثناء عبد الرحمن بنمهدى، فيروى أنه قال : ((قدم علينا عبد الرحمن بن مهدى سنة ثمانين، وقد خضب ، وهو ابن خمس وأربعين سنة ، وكنت أراه فى المسجد الجامع)). كان أيضاً يستمع إلى أبى بكر بن عباس ، ويروى عنه . ومن هذا كله يستفاد أنه مع تخصيصه شيخه هشما بفضل من الملازمة لم ينقطع عن غيره انقطاعاً تاماً، بل كان يختلط بغيره، ويروى عنه ، ويلقف الأحاديث، حيثما وجد الراوى الثقة ، وخصوصاً أولئك الذين لهم شهرة علمية فى الرواية وجمع الحديث فى البقاع الإسلامية . ٢٤ - بعد موت مشم أخذ أحمد يتلقى الحديث حیثما وجده ، وحيثما كان ، ومكث ببغداد نحو ثلاث سنوات يأخذ من شيوخها بجد ودأب ، ومن غير أن يخص أحداً بفضل ملازمة دون غيره ، كما كان شأنه مع هشيم ، إذ كان قد بلغ العشرين عاماً أو قاربها عند موت هشيم ، فاستوى عوده ، واستقام على الجادة . وسار فى طلب الحديث فى د.وب وجد وعزم صادق، وأمه تشجعه وترشده وتدعوه إلى الرفق بنفسه إن وجدت منه إرهاقاً لها؛ ولقد حكى أحمد بعض رفقها به ، فقد قال: كنت ربما أردت البكور فى الحديث ، فتأخذ أمى بثيابى، حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا)). ٢٥ - وفى السنة السادسة والثمانين بعد المائة ابتدأ رحلاته ، ليتاقى الحديث عن الرجال ، فرحل إلى البصرة، ورحل إلى الحجاز، ورحل إلى اليمن، ورحل إلى الكوفة . وكان يود أن يرحل إلى الرى ليستمع إلى جرير (١) المصدر نفسه . ١ - ٢٦ - ابن عبد الحميد، ولم يكن قد رآه قبل فى بغداد ، ولكن أقعده عن الرحلة إليه عظيم النفقة عليه فى هذا السبيل . وقوالت رحلاته ليتلقى عن رجال الحديث شفاها ، ويكتب عن أفواههم ما يقولون . رحل إلى البصرة خمس مرات كان يقيم فيها أحياناً ستة أشهر بتلقى عن بعض الشيوخ ، وأحياناً دون ذلك. وأحياناً أكثر . على حسب مقدار تلقيه من الشيخ الذى رحل إليه . ورحل إلى الحجاز خمس مرات ، أولا هاسنة ١٨٧، وفى هذه الرحلة قد التقى مع الشافعى، وأخذ مع حديث أبى عيينه الذى كان مقصدة إليه - فقه الشافعى، وأصوله وبيانه لناسخ القرآن ومنسوخه ، وكان لقاؤه بالشافعى بعد ذلك فى بغداد عندما جاء الشافعى إليها وفى جعبته فقهه، وأصوله محررة مقررة، وإن كان والى تنقيح فقهه وأصوله من بعد فى مصر، وكان أحمد قد نضج، حتى لقد كان الشافعى يعول عليه فى معرفة صحة الأحاديث أحياناً ، وكان يقول له إذا صح عندكم الحديث فأعلى به ، أذهب إليه حجازياً أو شامياً، أو عراقياً أو يمنياً (١). وقد ذكر ابن كثير تفصيل هذه الرحلات الحجازية فقال: «أول حجة حجها فى سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين ، ثم سنة ست وتسعين وجاور فى سنة سبع وتسعين، ثم حج سنة ثمان وتسعين ، وجاور إلى سنة تسع وتسين)). قال الإمام أحمد: «حججت خمس حجج، منها ثلاث راجلا ، وأنفقت فى إحدى هذه الحجج ثلاثین درهما ، وقد ضللت فی بعضها عن الطريق وأنا ماش، جعلت أقول: با عباد الله دلونى على الطريق ، حتى وقفت على الطريق، (٢). (١) تاريخ ابن كثير الجزء العاشر ص ٣٢٧، وقد كان هذا القول فى الرحلة الثانية الشافعى إلى بغداد سنة ١٩٨. (٢) تاريخ ابن كثير جزء ١٠ ص ٣٢٦. - ٢٧ - ولعله كان يحتسب فى الحج ماشياً ، لأنه كلما عظمت الشقه مع الطاعة عظم الثواب، أو لعل ذلك وهو الراجح القريب كان لعدم مقدرته على النفقة ، فكان يحج ماشياً ليقوم بالنسك ، ويجاور بيت الله الحرام ، وليطلب حديث رسول الله مربع، ويطلع على فتاوى أصحابه والتابعين لهم. ولقد رحل إلى الكوفة، ولقى المشقة فى هذه الرحلة مع قربها من بغداد ن لا مقامه بالكوفة لم يكن ليناً رفيقاً، بل كان ينام فى بيت تحت رأسه لبنة كما حكى هو عن نفسه ، وقال لو كان عندى تسعون درهما كنت رحات إلى جرير بن عبد الحميد إلى الرى ، وخرج بعض أصحابنا ، ولم يمكنى الخروج لأنه لم يكن عندى شىء . ٢٦ - ويظهر أنه كان يستطيب المشقة فى طلب الحديث، لأن الشىء الذى يجىء بيسر يكون قريب الفسيان ، وكان فوق ذلك يحتسب نية الهجرة فى سبيل الحديث لله سبحانه وتعالى. وكان مما رسمه لنفسه أن يذهب إلى الحج سنة ثمان وتسعين، وبعد الحج والمجاورة يذهب إلى عبدالرازق بن همام بصنعاء اليمن. وقد كاشف بهذه النية رفيقه فى الحج، وصاحبه فى طلب العلم يحيى بن معين ، وقد توافقت رغبتهما فى ذلك فدخلا منكة ، وبينما هما يطوفان طواف القدوم إذا عبدالرازق يطوف، فرآه ابن معين ، وكان يعرفه، فسلم عليه وقال له: هذا أحمد بن حنبل أخوك، فقال حياه الله وثبته، فإنه يبلغنى عنه كل جميل، قال جى. إليك غداً، إنشاء الله حتى نسمع ونكتب ، فلما انصرف قال أحمد معترضاً لم أخذت على الشيخ موعداً !! ؟ قال لنسمع منه، قد أربحك الله مسيرة شهر، ورجوع شهر ، والنفقة ، فقال أحمد ما كان الله يرانى وقد نويت نية أن أفسدها بما تقول ، نمضى فتسمع منه، ثم مضى بعد الحج ، حتى سمع بصنعاء (١) . (١) راجع ابن كثير وابن الجوزى. - ٢٨ - أنظر إلى النية المحتسبة للهجرة فى سبيل العلم، قد لاحت له الفرصة التى تغنيه عن الهجرة ، فلم ينتهزها، وآثر أن يضرب فى الأرض مها جراً فى طلب العلم، ولم يرد أن يأخذه رخاء سهلا، تسهله المصادفة، وتقربه الفرصة ، خشية أن يتعود ذلك فلا يركب فى سبيله المركب الصعب ، ويحتمل العيش الخشن. وقد تحقق ما احتسب فسافر إلى صنعاء، وناله العيش الخشن ، والمركب الصعب ، إذ انقطعت به النفقة فى الطريق فأكرى نفسه من بعض الحمالين إلى أن وافى صنعاء (١). وقد كانت رفقته تحاول أن تمد له بد المعولة ، فكان يردها حامداً لله فضل قوته التى تمكنه من أن يحصل على نفقاته . ولما وصل إلى صنعاء حاول عبدالرازق أن يعينه ، فقال له يا أبا عبد الله خذ هذا الشىء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض متجر، ولا مكسب، ومد إليه بد نانير، فقال أحمد أنا بخير، ومكث على هذه المشقة سنتين استهان بهما، إذ سمع أحاديث عن طريق الزهرى وابن المسيب ما كان يعلمها من قبل . وقد استمر أحمد على الرحلة فى طلب العلم حتى بعد أن اكتملت رجولته، ونضج علمه، ولقد وعد الشافعى عند آخر لقاء بينهما أن يلحقه إلى مصر. ولكنه لم ينجز ما وعد، فقد روى حرملة عن الشافعى أنه قال: ((وعدنى أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر ، فلم يقدم ، قال ابن أبى حاتم يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفى بالعدة)، (٢). ٢٧ طوف أحمد فى الأقاليم الإسلامية طالباً للحديث ، لا يستكثر الكثير ولا ينى عن الكد واللغوب، يحمل حقائب كتبه على ظهره ، حتى لقد رآه بعض عارفيه فى إحدى رحلاته ، وقد كثر مارواه من الأحاديث، وحفظه وكتبه ، فقال له معترضاً مستكثراً ما حفظ وما كتب وما روى : ((مرة إلى الكوفة !! ومرة إلى البصرة !! إلى متى)) (٢). (١) حلية الأولياء. (٣) ابن الجوزى ص ٢٨. (٢) تاريخ ابن كثير . - ٢٩ - وقد استمر جده فى طلب الحديث وروايته ، حتى بعد أن بلغ مبلغ الإمامة ، حتى لقد رآه رجل من معاصريه، والمحبرة فى يده يكتب ، ويستمع ، فقال له يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين، فقال ((مع المحبرة إلى المقبرة)). وكان رحمه الله تعالى يقول: (( أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر))(١). وهكذا كان أحمد يسير على الحكمة المأثورة: ((لا يزال الرجل عالما ما دام يطلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل )، نطق بها عمله ، ونطق بها لسانه فى تلك الكلمات التى نقلناها عنه . ٢٨ - وقبل أن نترك الكلام فى هجرته فى سبيل العلم إلى أمرين ذوى صلة بحياته العلمية ، ومكانته من بعد ، (أحدهما) أن أحمد كان معنياً بتدوين كل ما يسمع من أحاديث رسول اللّه ◌َ ي، وآثار أصحابه، غير معتمد على الحافظة وحدها ، وذلك لأن العصر كان عصر تدوين العلوم ، ففيه دون الفقه، وعلوم اللغة، وعلوم الحديث، فما كان يكتفى بالالتقاط بأذنه، والحفظ بعقله. بل كان يودع ما تلقاه بطون القراطيس، كما أودعه قلبه الحافظ الواعى، فكان يحفظ الأحاديث كلها . وإسنادها بطرائقها. ولكنه إذا حدث لا يحدث إلا من كتاب. أى مما كتب ونقل، خشية أن يضل عقله فينسى، فيحرف كلم الرسول عن موضعه، وذلك من فرط التقوى، وليستمسك بالعروة الوثقى التى كان عليها بعض السلف الصالح الذين كانوا لا يحدثون خشية أن يشبه لهم، كما ظنوا أنه يشبه لغيرهم . والأخبار متضافرة بقوة حفظ أحمد ، وكثرة حفظه، حتى أنه كان لا يدون الإسناد أحياناً اعتماداً على حفظه لها، ويدون الأحاديث دائماً ، ويحفظها، ولكن لا ينطق بها إلا إذا قرأها ما كتب كما نوهنا (( حتى أنه لو سأله سائل عن حديث يحفظه بحث عنه كتبه ، ثم قرأه مما كتب ، ويروى (١) ابن الجوزى س ٣١ - ٢٠ - أنه سأله رجل من أهل مرو عن حديث فأمر ابنه عبد الله أن يحضر له كتاب الفوائد ليبحث عن الحديث فيه، ولكنه لم يجده ، فقام بنفسه وأحضر الكتاب ، وكان عدة أجزاء وقعد يطلب الحديث. وجاءه رجل يطلب الحديث وقال له تعلنى مما علمك الله ، فدخل إلى منزله وأخرج كتب الحديث ، وجعل يملى عليه، ثم يقول للرجل أقرأ ما كتبت(١). فأحمد مع جودة حفظه، وقوة واعيته ، كان لا يعتمد على ذاكرنه ، بل بدون کل ما يسمع ، وإذا أدلى بالحديث لا يدلى إلا ما یدون مع وعى نام وحفظ عظيم - الأمر الثانى - الذى يجب التنبيه إليه قبل ترك الكلام فى طلب العلم ، هو نوع العلم الذى كان يطلبه ، ولاشك أن الذى كان يحتفى به ويهتم بطلبه هو الحديث وآثار الرسول بماتمٍ، وفتاوى أصحابه وآثارهم العلمية وما كانوا يجتهدون من مسائل فيحفظ كل ذلك ، ويتفهمه، ويعرف مراميه وغاياته ، ويهتدى بذلك الهدى الكريم . ٢٩ - ولكن هل معنى ذلك أن علم أحمد كان مقصوراً على الرواية لا يعدوها أى أنه كان لا يطلب غيرها ولا يتعرف سواها، هو موضع النظر ، وموضع الدراسة، وسيكون له من مكانمن الفحص فى صدر الكلام فى فقهه، ولكن ونحن الآن فى مقام ما كان يطلبه من العلم يجب أن نشير إشارة تكون تمهيداً لما سنينه فى موضعه من القول إن شاء الله تعالى، ولقد نوهنا إلى أن أحمدتوجه فى صدر شبابه إلى قلقى الحديث عن أبى يوسف، ويقول ابن كثير إنه كان فى حداثته يختلف إلى مجلس القاضى أبى يوسف ، ولا شك أن اختلافه إلى مجلس ذلك القاضى الفقيه الذى كان يفتى ويقضى برأيه إذا لم يجد النص المسعف له فى فتواه وفى قضائه، لابد أن يعطيه فكرة عن الاستنباط الفقهى، وإنه إن تعلم الحديث لم يكن المحدث الذى يروى من غير أن يستنبط ، ويتحرى ، ويفهم النصوص وغاياتها المصلحية ومراميها، وإن متابعتنا لما تلقاه من دروس، ومن التقى (١) المناقب لابن الجوزى ص ١٩٠، ١٩١ - ٣١ - بهم من شيوخ يجعلنا نعتقد أنه كان معنياً باستنباط الأحكام من النصوص، كما كان معنياً بالرواية والرواة، لقد رأيناه فى مكة يلتقى بسفيان بن عيينة، ويروى عنه ويكتب ما يستمع إليه أحمدمنه ، ثم يلتقى بالشافعى ، وقد كان مدرس أصوله ، فتسترعى مناهجه الفقهية ، ويتلقى عليه تلك المناهج، ويعجب بصاحبها إعجاباً يدفعه إلى أن يدعو رفقته فى رحلته للاستماع إليه. فقدجاء فى معجم ياقوت عن الآبرى مانصه: قال إسحاق بن راهويه كناعند سفيان بن عيينة نكتب أحاديث عمروبن دينار، فجاء فى أحمد بن حنبل فقال لى قم يا أبايعقوب ، حتى أريك رجلا لم ترعيناك مثله، فقمت فأتى بى فناء زمزم فإذا هناك رجل عليه ثياب بيض، تعلووجهه السمرة، حسن السمت، حسن العقل وأجلسنى إلى جانبه، فقال يا أباعبد الله هذا إسحق بنراهويه الحنظلى، فرحب فى وحيانى، فذاكرته وذاكرنى، فانفجر لى منه علم أعجنى ، فلما طال مجلسنا قلت قم بنا إلى الرجل . قال هذا الرجل ، فقلت ياسبحان الله ، قمت من عند رجل يقول حدثنا الزهرى، فما توهمت إلا أن تأتينا برجل مثل الزهرى أو قريب منه ، فأتيت بنا هذا الشاب، فقال لى يا أبا يعقوب اقتبس من الرجل ، فإنه ما رأت عيناى مثله . فهذه القصة تدل دلالة لاشك فيها على أن أحمد كان يعجب بعلم الشافعى أبما إعجاب ، ولقد روى أن أحمد قال«يروى عن النبى يُزائم أنه قال: إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها ، فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة ، وأرجو أن يكون الشافعى على رأس المائة(١) . وأى شىء عند الشافعى كان يعجب به أحمد بن حنبل؟ ليس هو الرواية فلم يكن فى منزلة سفيان بن عيينة فيها ، ولم يكن فى منزلة أحمد نفسه فيها ، وإنما الذى كان عند الشافعى، وتلقاه عليه أحمد فى مكة وبغداد هو التخريج (١) راجع كتاب الشافعى للمؤلف ص٣٦. الفقهى وأصول الاستنباط ومنهاج الاستنباط، فهذا هو المعجب الذى استرعى ذهنه واستولى على فكره . ٣٠ - وإذا كان كذلك فيجب أن نقرر أن أحمد كان يطلب فيما يطلب علم الفقه والاستنباط مع الرواية، وتلقى ذلك عن الشافعى وغيره ، بل إننا لتنتهى إلى أن نقبل ما قيل عنه من أنه كان يحفظ كتب أهل الرأى ، ولكن لا يأخذ بها أو يعرض عنها، ولم يلتفت إليها، فقد قال تلميذه الخلال ((كان أحمد قد كتب كُتُبَ الرأى وحفظها ثم لم يلتفت إليها (١))). فهذا النقل مقبول، وهو يدل على أن أحمد كان معنياً فى دراسته بعلم الفقه، والرأى والقياس والاستنباط، وإن كان لم يجد فيما كتب فقهاء الرأى العراقيون وهم أبو حنيفة وتلاميذه ما ينقع غلته، ويشبع نهمه، أو يتفق مع نزعته الأثرية ، وهو على أى حال كان معنياً بدراسة الفقه، وإن لم يرض طريقة بعض الفقهاء . ٣١ - وإذا كان أحمد كان يطلب الفقه وهو معنى بالحديث، ورواية الآثار أبلغ عناية ، فلا بدأنه كان يدرس الحديث دراسة متفهم لمراميه، وغايانه ومعانيه الفقهية . فقد كان يطلب فتاوى الصحابة، ونجد فى مسنده لكل صحابى طائفة كبيرة من فقه وفتاويه ، ففي مسند عمر طائفة من الفتاوى التى كان يفتى بها ذلك الفقيه العظيم ، وفى مسند على ، وعثمان ، وعبد الله بن مسعود وغيرهم - مقادير كبيرة من فتاويهم وأقضية من ولى الأمر منهم . ورواية تلك المجموعات مع العناية بدراسة الفقه منها يتكون منها الفقيه ؛ وبذلك يلتقى الحديث والفقه فى أحمد رضى الله عنه، وبذلك يكون أحمد المحدث والفقيه معاً، ولقد قال أبو حنيفة: «مثل من يطلب الحديث، ولا يتفقه ، مثل الصيدلانى يجمع الأدوية ، ولا يعرف لأى داء هى، حتى يجىء (١) راجع ترجمة أحد فى تاريخ الذهبى. - ٣٣ - الطبيب ، هذا طالب الحديث لا يعرف وجه حديثه، حتى يجىء الفقيه)،(١) وأحمد فى جمعه بين الفقه والحديث، والإمامة فيهما كان كمالك ، بيدأن مالكا كان أوضح فقهاً، ولذلك فضل بيان سنذكره عند الكلام فى فقهه وحديثه ، ونوازن بينه وبين مالك فى ذلك . ٣٢ - وهل اطلع أحمد على غير الفقه والحديث وعلوم العربية؟ يغلب على الظن أنه لم يطلب غير هذه العلوم، فلم يطلب علم الكلام ، ولا العلوم الفلسفية التى كثرت ترجمتها فى حياته لأنه لم يجد شيئاً من العلم جديراً بالعناية غير الحديث والكتاب ، وماهو كالآلة لفهم كل العلوم الدينية ، وهو العلوم العربية . ولكن لا نستطيع أن نقول إن أحمد لم يطلع على بعض آراء الفرق المختلفة، كالخوارج والشيعة، والجهمية ، والمعتزلة وغيرهم؛ بل إن الظن كل الظن أن يكون أحمد ألم بهذه الفرق ، وحياته وأخباره تمهد لذلك ولا تنافيه، ذلك لأنه رحل إلى البصرة خمس مرات لطلب الحديث ، وكانت إقامته تمتد إلى ستة أشهر أو تزيد، والبصرة كانت مواطن الاعتزال، وفى باديتها كان الخوارج برابطون ويغيرون ، وكان الجهمية والمرجئة لهم طوائف فيها وفى الكوفة ، والعالم الباحث يصل إليه علم كثير ممن يجاورهم ويخالطهم ، ويتصل بهم، وأحاديث أصحاب هذه الفرق كانت تسرى فى المجالس فى مساق الاستحسان فى بعضها ، ومساق الاستهجان فى بعضها ، فكان أهل العلم يلمون بها مستنكرين أو مستحسنين ، وأيضاً فإن أحمد قد كان يرمى أصحاب هذه الآراء بالابتداع وأنهم كانوا بعيدين عن منهاج السلف، وما كان لمثل أحمد فى حرصه وعقله أن يرمى أناساً بهذه الرمية من غير أن يعرف مقالتهم، إذ الحكم على الشىء نفياً أو إثباتاً، واستحسانا واستهجانا، فرع عن تصوره ومعرفته. (١) كتاب أبو حنيفة للمؤلف س ٧٦ . (٣٢ - ابن حنبل) - ٣٤ - وأيضاً فإن أحمد كان ينتقى الرجال الذين يروى عنهم حريصاً على أن يكونوا ممن لم يخوضوا فى أمثال هذه الأقوال التى كان يراها بدءاً فى الدين، وكان ذلك بلا ريب يقتضى أن يكون ملماً بعض الإلمام بها ، وعارفاً بعض المعرفة لها . من أجل هذه الاعتبارات كلها نظن ظناً قريباً من اليقين أن أحمد قد اطلع أو ألم بأقوال هذه الفرق ، وأن يكون قد سرى إليه بعض العلوم التى كانت فى عصره، وإن لم تتأثر بها نفسه، وتشربها روحه. إذ لم تتفق مع نزوعه، ولم تتلاق مع ميوله ، وإن المقدمات التى سقناها، لاتدل على أنه كان يعلمها علماً كاملا محيطاً بكل نواحيها مستغرقاً لكل فنونها واتجاهاتها، ولكنها تدل على معرفتها فى الجملة، وإن لم تكن معرفة استقصاء، وإن ذلك وحده يكفى للحكم على اتصال العالم ببيئته، وما كان يسود عصره من أفكار وآراء. ٣٣ - وإن ذلك الظن يرتفع إلى درجة اليقين عندما نعلم أن أحد كان يعلم الفارسية، ويتكلم بها أحياناً ، إذا كان مخاطبه لا يحسن العربية ، ولا يستطيع الإفهام بها، وليست معرفة ذلك مأخوذة بطريقة اللمس ، بل مأخوذة بطريق الخبر الصحيح والنقل ، وإذا كانت صلة أحمد بمعاصريه أوجبت عليه أن يتعلم لساناً غير عربى، فالأولى أن توجب عليه هذه الصلة أن يعرف العلوم التى كانت سائدة فى عصره ، وإن كان لا يؤمن بها، بل يزجيها ، ويردها ، وينفر الناس منها . والخبر بمعرفة أحمد بالفارسية صحيح، فإنه يروى كما جاء فى تاريخ الذهبى، أنه قدم عليه من خراسان ابن خالته ونزل عنده ، ولما قدم له الطعام كان أحمد يسأله عن خرسان وأهلها ، وما بقى من ذوى أحمد بها ، وربما استعجم القول على الضيف ، فيكلمه أحمد بالفارسية . وراوى هذا الخبر هو زهير حفيد أحمد رضى الله عنه، ويذكر أنه شاهد ذلك وعايته ، وليس عندنا دليل على نفى الخبر ، وكل خبر راويه - ٣٥ - ثقة لايرد إلا إذا قام الدليل على رده ، ولا دليل . وليس معنى علم أحمد بالفارسية أنه استعان بها فى فقهه، ففقهه كما سنبين فقه أثرى نقلى، ليس فيه اعتماد على الاستنباط الفلسفى، ومسائله المروية عنه ليس فيها ما يدل على تأثر بفكر فارسى، وإن كان فيها تأثر إقليمى أحياناً إذا كان أساس الاستنباط قياساً، أو مصلحة، أو سد ذريعة ، وليس الأساس نصاً ، وأنه من المؤكد أن أحمد كان يأخذ بالقياس بقدر قليل، وبالمصلحة على أساس أن الأصل فى المصالح الإباحة ، حتى يقوم الدليل على البطلان بنص على عدم اعتبارها ، فما دام لم يقم هذا الدليل ، فالمصلحة على أصل إباحتها ، ولذلك فضل بيان فى فقهه . ٣٤ - جلوسه للتحديث والفتوى : طلب أحمد الحديث من رجاله، واستمع إليهم ، وكتب عنهم ما استمع، واحتفظ بكل ما كتب بعناية الحريص، واهتمام الراغب، ولم يقتصر على ربوع بغداد، ومساجدها يتلقى على علمائها، وهم العدد الكثير وفيهم ذو والحفظ والوعى والنقى، بل طوف فى الأقاليم الإسلامية فرحل إلى البصرة وإلى الكوفة، وإلى الحجاز، وما مع بعالم إلا رحل إليه ، إلا إن حالت المنية دون اللقاء، فلم يستطع الاستماع إلى مالك، إذمات عند ابتدائه فى طلب الحديث، والعود أخضر ولم يتمكن من الاستماع إلى ابن المبارك ، إذ أن آخر قدمة له ببغداد كانت فى السنة التى اتجه فيها أحمد إلى طلب الحديث، ولم يظفر بلقائه، فقد رحل إلى طرطوس، ولم يعد بعدها إلى بغداد . ولقد كان يحس بأن لقاء أولئك العلية من العلماء قد فاته ، ولكن الله سبحانه وتعالى قد مكنه من درء هذا النقص، ولذلك كان يقول: «فاتنى مالك، فأخلف اللّه على سفيان بن عيينة، وفاتى حماد بن زيد، فأخلف الله على إسماعيل بن علية، (١) . طلب الحديث من كل مصادره التى كانت فى عصره، واتصل بعصره اتصالا فكرياً ، وعلم أشتات العلوم التى لهاصلة بالدين، (١) المناقب لابن الجوزى ص ٣١. - ٢٩ - ألم ببعضها ، وتعمق فى غيرها، وآن له أن ينتج بعد أن استحصد ، وجاء وقت إثمار تلك الشجرة بعد أن استقامت سوقها ، وتهدلت فروعها، وغاصت فى بطون الأرض جذورها، ودنا جناها، ورآه الناس واستطابوه. ٣٥ - عندئذ جلس أحمد للتحديث والفتيا، ولقد قال ابن الجوزى إن أحمد لم ينصب نفسه للحديث والفتوى إلا بعد أن بلغ الأربعين ويحكى فى ذلك: أن بعض معاصريه جاء يطلب إليه الحديث سنة ٢٠٣ هـ(ثلاث ومائتين) فأنى أن يحدثه فذهب إلى عبد الرزاق بن همام باليمن ، ثم عاد إلى بغداد سنة ٢٠٤هـ (أربع ومائتين) فوجد أحمد قد حدث، واستوى الناس عليه (١). لم يتخذ أحمد إذن مجلساً لدرسه فى الحديث والفتاوى فى الواقعات ، إلا بعد أن بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة ، ولم يسمح لنفسه قبل بلوغه هذه السن أن يتخذ له مجلساً للحديث والفتوى، وما سر ذلك؟ وقد رأينا غيره من الفقهاء قد اتخذوا هذه المجالس لهم قبل بلوغهم هذه السن ، فالشافعى اتخذ مجلسه فى منكة للدرس والإفتاء قبل هذه السن، ومالك رضى الله عنه يرجح أنه جلس الدرس والإفتاء قبل ذلك؟ ولقد علل هو ذلك بأنه لم يستسغ التحديث، وبعض شيوخه حى، فلقد ذكر أحد معاصريه أنه سأله أن يملى عليه حديثاً رواه عن عبد الرزاق فامتنع لأن عبد الرازق حى . وعندى أن أحمد كان متبعاً للسنة لا يحيد عنها ، كان يفعل ما كان النبى، وَالتّ يفعله ، ولا يفعل ما لم يفعله، حتى أنه كان إذا احتجم أعطى الحجام ديناراً، لأنه روى أن رسول الله يؤيتم احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً ، وأنه تسرى مع عدم رغبة الطبيعة فيه، بل تسرى لأنه علم أن النبى مؤات تسرى ، وقد استأذن زوجته فى ذلك، فأذنت له ، لتعينه على الاتباع . وإذا كان أحمد حريصاً على الاتباع فى هذه الأمور التى تضمن صغار (١) المناقب لابن الجوزى ص ١١٨ . - ٢٧ - الأعمال فأولى أن يكون متبعاً فى ذلك الأمر الجليل الذى لا يوجد عمل أخطر منه فى نظر أحمد وغيره، وهو عمل النبين صلوات الله وسلامه عليهم، ألا وهو الدرس والتحديث والإفتاء. لقد بعث النبى روم فى الأربعين ، وبلغ رسالة ربه فى هذه السن، ولم يرسله الله رحمة للناس إلا فيها، فلابد أن أحمد المتبع المقتدى استحيا أن يجلس للفتيا والحديث إلا بعد أن بلغ الأربعين ، وبعد أن تكامل نموه فى الجسم والروح . هذا ما نراه تعليلا لامتناعه عن الجلوس للحديث والفتوى قبل أن يبلغ هذه السن؛ وهو تعليل متلحس من جملة أحواله ، وإن لم نجد نصاً عليه فيما تحت أيدينا من مصادر . ٣٦ - ولسنا نستطيع أن نقرر أن أحمد قد استفتى فيما يعلم فيه أثراً وامتنع عن الفتوى قبل هذه السن ، أو سئل حديثاً وامتنع عن ذكره ، بل إننا نقطع بنقيض ذلك، لأنه إن امتنع كان كائماً للعلم ، حائلا دون نشر حديث رسول اللّه ◌ُول، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن كتمان العلم، والدين يوجب إفشاء أحاديث رسول الله مؤلفه ونشرها. ولقد شهدت بعض الأخبار بصدق ذلك؛ فقد رئی يفتى فى مسجد الخيف. سنة ١٩٨ هـ أى وهو فى الرابعة والثلاثين. وإن الجمع بين هذا الخبر وما قررناه من أنه لم يجلس للتحدث واقتيا إلا بعد أن بلغ الأربعين يكون بأن الفتيا عند الضرورة أمر لابد منه تجب على كل من يعلم موضع الفتوى مهما يكن ، أما الجلوس للدرس يقصده أهل العلم لطلبه والأخذ عنه، والرجوع إليه ، فذلك ما لم يتصد له أحمد إلا بعد الأربعين، عندما وجد المكان شاغراً ببغداد فلأه، وعندما وجد أن الاتباع ألا يجلس للتحديث والإفتاء إلا بعد بلوغ سن الرسالة والله أعلم. لم يجلس أحمد للدرس والإفتاء إلا بعد أن اكتمل كما بينا، وسرى بين الناس حدیث صلاحه و تقواه وورعه وزهده وعفته عما فى أيدى الناس ، - ٢٨ - وعكوفه عنى الحديث يسير لطلبه، ويركب الصعب والزلول حتى يصل إلى عالم يتلقى عنه . ذلك لأن الناس ( ولو كانوا غير فضلاء) يشيع فيهم ذكر أهل الفضل، وبنوهون بهم، وهم دونهم، فقد تسايرت الركبان بذكر أحمد وفضله ودينه قبل أن يجلس للتحديث والإفتاء ، حتى أنه عندما ذهب إلى عبد الرزاق بصنعاء كان قد وصل إليه زهده وتقواه وورعه وهديه وعلمه وحفظه . ويظهر أنه ماجلس للدرس والإفتاء إلا بعد أن قصده الناس للسؤال عن الحديث والفقه، فاضطر لأن يجلس لإجابتهم فى المسجد، وكانت حياته بعد ذلك تنمى هذه الشهرة وتقويها ، فلقد عاين الناسْ فضله . ووجدوا تعففه عما عند الولاة والأمراء، ومراعاته لحرمة المسلمين ، ثم نزلت المحنة التى صهرت نفسه، وبينت مقدار جلده وصبره، وقوالت الغوازل ، فزاده ذلك علواً ورفعة؛ وزادت مكانته عند الله والناس، ثم كان تواضعه ، ورغبته الواضحة فى الخمول ، وفراره من التنويه، فعرفه الناس ، وأذاعوا ذكره، فكان يفر من الشرف فيتبعه الشرف ، كما قال خليفة رسول الله مرات أبو بكر الصديق رضى الله عنه . ٣٧ -. وإذا كان أحمد قد ذاع ذكره فى الآفاق الإسلامية قبل أن يجلس للدرس والإفتاء ؛ فلابد أن يكون الازدحام على درسه شديداً ، ولقد ذكر بعض الرواة أن عدة من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف، وأنه كان يكتب منهم نحو خماة (١)، ولابد أن المكان الذى يسع هؤلاء هو المسجد الجامع ببغداد دون سواه . فلابد أن درس أحمد كان فيه ، ولسنا نسلم بأن ذلك العدد هو الإحصاء الدقيق الصحيح لمن كانوا يحضرون درسه، ولكن ذلك العدد يدل على الضخامة، ولو نزل العدد إلى النصف بل إلى الخمس لكان كثيراً ، ولدل على مكانة أحمد عند البغداديين ، (١) المناقب لابن الجوزى ص ٢١٠. - ٣٩ - وإنها لمكانة عظيمة، وإن كثرة هؤلاء الذين كانوا يحضرون درسه فى المسجد كانت سبباً فى كثرة رواة فقهه وحديثه، كما سنشير إلى ذلك عند الكلام فى فقهه. ويجب أن نذكر فى هذا المقام أنه لم يكن كل الذين يحضرون راغبين فى علم أحمد، بل منهم من كان يتيمن به ، ومنهم من كان يريد أن يتعظ به ، ومنهم من كان يجىء ليعرف حال ذلك الرجل الغريب، وينظر إلى هديه وخلقه وأدبه، ولقد جاء فى المناقب لابن الجوزى عن بعض معاصريه أنه قال: ((اختلفت إلى أبى عبد الله أحمد بن حنبل أثنى عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولادهفما كتبت منه حديثاً واحداً! وإنما كنت أميل إلى هديه وأخلاقه وآدابه، (٤). ٣٨ - ويظهر أنه كان له مجلسان الدرس والتحديث (أحدهما) فى منزله يحدث فيه خاصة تلاميذه وأولاده ، والثانى فى المسجد يحضر إليه العامة والتلاميذ ، وقد رأينا كيف كان يذكر بعضهم أن درسه يبلغ من يحضره خمسة آلاف، وأن خممائة فقط هم الذين يكتبون أى نحو عشر الحاضرين الذين ينقلون عنه الحديث ، ويروونه وهم الخاصة من تلاميذه والمستمعين إليه ، وخاصة الخاصة من تلاميذه هم الذين كانوا يذهبون إلى بيته ويتلقون عنه مع أولاده وأهله . وقد كان وقت درسه فى المسجد بعد العصر كما جاء فى تاريخ الذهبي ، ولعله كان يختار ذلك الوقت، لأنه قبل عتمة الليل، وبعد وهج النهار ، ولأنه وقت راحة لأكثر الناس ، فيتدر لهم أن يحضروا، ولأنه وقت صفاء النفس وفراغها من مشاغل الحياة واضطرابها ، فيكون الحديث أو الإفتاء والنفس مستجمة مقبلة، لا كايلة مديرة ، والدرس عند إقبال النفس أعمق أثراً فيها ، وأكثر شيوعاً فى نواحيها . ٣٩ - ويلاحظ فى درس أحمد ثلاثة أمور جعلت له أثراً فى النفوس جيداً ، وهذه الأمور هى : (١) المناقب لابن الجوزى ض ٢١٠ . - ٤٠ - أولا : أنه كان يسود مجلسه الوقار والسكينة مع تواضع واطمئنان نفسى، ولم يكن الوقار فى مجلس علمه وحده . "كان فى كل مجالسه لا يمزح ولا يلهو، لأن اللهو فى جملته باطل، ولأن كل • زحمة مجة من العقل، وقد علم مخالطوممنه ذلك، فكانو الا يمز حون فى حضر تهقط فى مجلس علم أو فى غير مجلس علم ، بل إن شيوخه علموا ذلك، فكانواهم أيضاً لا يمز حون فى حضرته، فقد روى ابن نعيم عن خلف بن سالم أنه قال: « كنا فى مجلس يزيدبن هارون، فمزح يزيد مع مستمليه فتنحنح أحمد بن حنبل، أضرب بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتمونى أن أحمد منا، حتى لا أمزح)). كانت روح الجد والسكينة هى التى تظل مجلسه، لأن ذلك هو الذى يتفق مع رواية السنة النبوية الشريفة، وآثار الرسول الكريم، وفتاوى السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم، ومن شأن السكينة أن تجعل للقول مكانه من القلب، ومنزلته من النفس، وإنه وإن كانت الدعابة تذهب بالملال ، كثرتها تذهب بالروعة وراء العلم ، وقد تجنب أحمد المزاح جملة إذ رواية السنة عبادة عنده . ولا مزح فى وقت العبادة ، بل المزح ينافيها ، ولا خير فيمن يمل من العبادة برواية علم الرسول . وخير ما وصل إليه أصحابه . ٤٠ - ثانى الأمورالتى كانت تلاحظ فى درسه أنه كان لا يلقى الدرس من غير طلب، بل يسأل عن الأحاديث المروية فى موضوع فيستحضر الكتب التى دون فيها تلك الأحاديث، فهو أولا ما كان يقول حتى يطلب منه. وثانيا كان إذا قال حديثاً نبوياً لا يقوله إلا من كتاب حرصاًعلى جودة النقل، وإبعاداًلمظنة الخطأ ما أمكن كما بينا، وفى الأحوال النادرة جداً كان يقول الحديث من غير رجوع إلى كتاب. حتى أنهم أحصوا المرات التى قال فيها الحديث من غير كتاب فى مدى تحديثه . فكانت عدتها لا تتجاوز مائة حديث فى حياة مديدة فى الرواية والنقل مكت فيها يفتى ويحدث ما يقارب الأربعين عاماً. وقدجاء فى تاريخ النهى عن المروذى صاحب أحمد فى وصف مجالسه: ((لم أر