النص المفهرس
صفحات 1-20
الإِمَامِ محمّد أبوزهرة إبن نيك حياته وعصره- آراؤه وفقهه ملتَّْمُ الطَّيِّعُ والنشرْ دَار الفكر العَرَبى دَارُ الحَمَالِى لِبَائعة شارع الجيش - الكنيسة الأرمن بسم الله لحين الرَّحِيْ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد فإن دروس هذا العام بقسم الشريعة من أقسام الدراسات العليا بكلية الحقوق - موضوعها الإمام أحمد بن حنبل إمام دار السلام ، وهذا الكتاب الذى أقدمه لللأ من الأمة الإسلامية هو خلاصتها ، وفيه لبابها. ولقد اتجهت فى دراسة ذلك الإمام التقى الورع إلى دراسة حياته أولا، تتبعته منذ نشأته الأولى طفلا ثم يافعاً، وشاباً، وكهلا ، وكلها يتجه به نحو الإمامة فى السنة وبها كانت إمامته فى الفقه . ولقد عنيت فى أثناء دراسة حياته ببيان المحنة التى نزلت به ، وأسبابها وأدوارها وكيف أعلت منزلته ورفعت درجته، فسارت الركبان بذكره، وصار ورعه وزهده حديث الناس فى كل البلدان الإسلامية . حتى إذا أتمعت دراسة حياته، اتجهت إلى دراسة موجزة لعصره، بينت فيها المجاوبة النفسية التى كانت بينه وبين معاصريه، والآراء الدينية التى كانت سائدة بين علماء الحديث والفقهاء، والأفكار التى كانت تتواردعلى العقل الإسلامى، ومحاولة بعض الأمراء والخلفاء أن يسوغوا آراء لدى الفقهاء والمحدثين، ولا يكادون يسيغونها، وأن المحاولة أنتجت مقاومة، وأن المقاومة انتهت بالاستمساك الشديد بما كان عليه السلف فى نظر أولئك العلماء. ولما بلغت من ذلك البيان الغاية التى أبتغى بيانها، اتجهت إلى النتيجة التى كانت هذه مقدماتها، وهى آراؤه فى أصول الدين ، وقيامه محق السنة النبوية ، وفقه . أما آراؤه فى أصول الدين فقدبينتها ببعض البيان، لأنها تصور آراء السلفيين فى عصره أصدق تصوير، وهى صدى المقاومة العلمية الأثرية للمشارات الفكرية التى أثارها الذين نظروا فى الحقائق الإسلامية نظرات فلسفية. ٤٠- وبعد بيان ذلك بينت عمله فى السنة ، وعكوفه طول حياته على إذاعتها بين المسلمين، وعمله المسند، وأثر المسند، وقوة أحاديثه، وغرضه من جمعه، ثم اتجهت إلى فقهه، فبينت أنه ثمرة ناضجة لدراسته السنة، وتتبعه الأقضية النبى صلى الله عليه وسلم، وأقضية الصحابة، وفتاويهم، وفتاوى الصفوة الممتازة من التابعين، وأنه كان إن لم يجد أثراً يعتمدعليه فى فتواه قايس على هذه الآثار ، وقارب منها ولم يباعد، حتى كان يصدر عن مشكاتما دائماً رضى الله عنه، ففقه آثار مروية، أو شبيهة بالآثار المروية . ولقد بينت كيف روى فقهه ، وكشفت طرائق فوايته، وبينت صدقها ، ووثائق قبولها . ثم بينت الأصول الفقهية التى بنى عليها، والأدوار التى مربها ذلك المذهب الجليل، وطرائق نموه، وأساليب التخريج فيه، وضبط قواعده، وجمع فروعه، حتى صار مذهباً نامياً حياً متسعاً مرناً فيه صلاح، وفيه إصلاح. ولولا فضل الله وتوفيقه وعونه، ماوصلنا فى بحثنا إلى ما وصلنا، إنه نعم المولى ونعم النصير ؟ محمد أبو زهرة تمهيد ١ - قال أبو ثور فى أحمد بن حقبل: «لوأن رجلاقال إن أحمدبن حنبل من أهل الجنة ماعنف على ذلك، وذاك أنه لو قصد رجل خراسان ونواحيها لقالوا: أحمد بن حنبل رجل صالح، وكذلك لوقصد الشام ونواحيها لقالوا: أحمد ابن حنبل رجل صالح، وكذلك لو قصد العراق ونواحيها لقالوا: أحمد بن حنبل رجل صالح، فهذا إجماع، ولو عنف هذا علىقوله بطل الإجماع،(١). هذاقول فقيه محدث معاصر لأحمدفيه، وهو فوق أنه يكشف عن منزلة أحمد فى نفسه، بين منزلته فى نفوس كل معاصريه؛ انعقد إجماع أهل الأقطار الإسلامية المتنائية على أنه رجل صالح ، وتسايرت الركبان بذكر صلاحه، وتقواه، وورعه، وقوة إيمانه، وزهده، وإذا كان الإجماع حجة فقد قامت الحجة على صلاح أحمد ، ليس فى ذلك من ريب ، ولا مجال للشك فيه . وفى الحق: إن أحمد قدابتلى فأحسن البلاء، وصقلت نفسه)، وفتن بالشديدة والكريهة ، فرج منها كما يخرج الذهب من الكير ، وقدنق وطهر من كل فلز غريب عنه، واختبر أحمد بالدنيا وزيفتها فصدف عنها، وإن كانت له نفس تطلب طيبات الحياة، ولكنه فدعها عن شهواتها، وقطعها عن الترف وترك مايريبه إلى ما لا يريبه، طلبته الملاذفردها وزايلها فلم يعلق به شىء من طارف الحياة، كما لا تستمسك الأدران بالأجسام المجلوة المصقولة. اختبر أحمد بالضراء والسراء فلم تخضع الضراء قلبه، ولم تفتن السراء عقله، اختبره خلفاء أربعة، خرج من الاختبار رجلا صالحاً ، وقد تنوعت طرائق الاختبار، اختبره المأمون بالقيد)، فساقه إليه مقيداً مغلولا يثقله الحديدمع بعد الشقة وعظم المشقة، واختبره المعتصم بالحبس والضرب. واختبره الوائق بالمنع والتضيق، فمانهنهو امن نفسه وما يعنقد، وبعد (١) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزى س ١٢٤. - ٦ - تلك البلايا ابتلى بالبلاء الأكبر، فساق إليه المتوكل النعم، فردهاوهو عيوف النفس ، وكان يشد على بطنه من الجوع، ولا يتناول مما يشك فى حله أو يتورع عنه، ثم ابتلى أحمد بعدكل هذا بأعظم بلاء ينزل بالنفس البشرية، وهو إعجاب الناس، فقدابتلى بعد أن انتصر على كل أنواع الرزايا بإعجاب الناس، فما أورثه ذلك عجباً ولادلاه بغرور، بل كان المؤمن المحتسب المتواضع لعزة الله وجلاله، الذى لم يأخذه الثناء، وبذلك نجح فى أعظم البلاء، فإن الشيطان قد يعجز عن الغواية فى الشديدة والكريهة، ويعجز عن الغواية فى الملاذ والمناعم، وينجح فى غوابته عند الثناء بيث العجب والغرور والخيلاء ولكن أحمد سدكل منافذ الشيطان، حتى هذا السبيل، فما استولى عليه حب المحمدة وجره إلى مهاوى الغرور، بل كان ينفر من الثناء، ويفر منه عالماً بأنه أشد بلاء وكان رحمه الله يقول: ((لووجدت السبيل خرجت، حتى لا يكون لى ذكر، ويقول: «أريدأن أكون فى بعض الشعاب بمكة، حتى لا أعرف: قد بليت بالشهرة، إنى لأتمنى الموت ، صباح مساء)). ٢- كان أحمدرجلاصالحاً، تلك هى الكلمة الصادقة التى رددتها الأقطار الإسلامية، وأحمد حى، ثم سجلها التاريخ بعد ذلك للأجيال، وهى التى توارثها الناس من بعده مكشوفة غير مستورة، وهى المفتاح الذى يكشف صورة أحمد، فهو المحدث، لأنه الرجل الصالح، وهو الفقيه الذى غلب وصفه بالصلاح وصفه بالفقه، بل إن صلاحه كان يمنعه من السير فى فقهه إلى أقصى مداه ، فكان يتوقف حيث يسير غيره ، ويتردد حيث يجزم سواه، يجمجم بالمعنى حيث ينطق غيره ، ويسكت عن الفتيا حيث يسارع سواء. ولذلك طغت على فقهه نزعته إلى التحديث، ووقوفه عند الأثر ، حتى لقد حسبه بعض العلماء السابقين محدثاً، وليس فقيهاً، فترى ابن جرير الطهرى لم يذكر مذهبه فى اختلاف الفقهاء ، وكان يقول عنه إنه رجل حديث ، لارجل فقه ، وامتحن لذلك، ولم يذكره بعض الفقهاء الذين كانوا يدرسون الخلافيات ، (١) ترجمة الإمام من تاريخ الإسلام الحافظ الذهبي ،طبع المعارف، فى مقدمة المسند ص ٧٤ - ٧ - كالطحاوى ، والدبوسى، والنسفى والأصيلى المالكى والغزالى، فى الفقهاء الذين يعتد بخلافهم، ولم يذكره ابن قتيبة فى كتابه المعارف فى ضمن الفقهاء)) وذكره المقدسى فى أحسن التقاسيم فى أصحاب الحديث . وقال القاضى عياض فى المدارك : (( إنه دون الإمامة فى الفقه وجودة النظر فى مأخذه، ولقد زكى نظر هؤلاء المنكرين على أحمد أن يكون فقيهاً أنه لم يؤثر عنه كتاب فى الفقه، وأثر عنه المسند، وذلك فى عصر قدسار فيه التدوين فى الفقه شوطاً بعيداً، فمحمد بن الحسن قد جمع فقه العراق، وأبو يوسف كتب كتباً فى الفقه، والشافعى أملى مذهبه أو كتبه، وأحمد لم يكن له شىء من ذلك بإجماع المؤرخين، فكان ذلك دليلا على أنه محدث ، وليس بفقيه ، أو على الأقل على غلبة حديثه على فقهه، ولاشك أن من المحدثين من له رأى فى مسائل فى الفقه، فالبخارى له فقه ، ومسلم كذلك ، وليس ذلك بمخرجهم من جماعة المحدثين إلى جماعة الفقهاء، إذ العبرة بغلبة المنهاج ، فمن غلب عليه التحديث تخصص فيه ، وكان محدثاً ، ومن كثر إفتاؤه، وغلبت عليه الفتيا كان فقيهاً، ولم نجد من التق فيه الأمران بقدر متقارب كما وجدنا فى مالك رضى الله عنه؛ فى ذلك نسيج وحده. ٣ - ونحن مع هذا الاعتبار نرى أن أحمد بن حنبل فقيه مع كونه محدثاً ، وإن كنا نقر بأن نزعة المحدث فيه أوضح، ونقر بأنه لم يترك أثراً مدوناً له فى الفقه، وترك ذلك المسند العظيم فى الحديث، والذى صارمن بعده إماماً كما توقع هو له، ذلك أن الإمام أحمد قد عنى تلاميذه بجمع أقواله وفتاويه وآرائه، وتكونت بذلك مجموعة فقهية منسوبة إليه ، تخالفت فيها الرواية عنه أحياناً، واتفقت فى كثير من الأحيان، وما كان لنا أن نترك تلك المجموعة التى تلقاها العلماء بالقبول لمجرد أنه اشتهر بالحديث، وأنه لم بدون كتاباً فى الفقه، مع غلبة التدوين فى عصره، وله فيمن دونواأسوة حسنة. ولقد نظر ذلك النظر ابن القيم ، فقد قال فى أعلام الموقعين، وعلل ترك أحمد تدوين كتاب فى الفقه بأنه كان شديد الكرامة لتصنيف الكتب فىغیر - ٨ - الحديث ، ولكن الله علم حسن نيته ، جعل تلاميذه يعنون بتدوين كلامه وفتاويه، وقال ابن القيم فى ذلك: «جمع الخلال نصوصه فى الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفراً أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله ، وحدث الناس بها قرناً بعد قرن، فصارت إماماً وقدوة لأهل السنة. على اختلاف طبقاتهم، حتى أن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره، ليعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون حقها وقربها من النصوص، وفتاوى الصحابة ومن تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة، رأى مطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة ». ٤ ۔۔ وإذا کان أحمد رضى الله عنهلم یکتب فی الفقہ کتاباً، بلکان ینهی عن ذلك، وينهى أصحابه عن القراءة فى كتب الفقه المدونة خشية أن يستغنوا بها عن الحديث - فإن المعول فى نقل فقهه كان على رواية أصحابه عنه ، وقد نقلوا الفتاوى والنصوص فى كتب مبسوطة بلغ بعضها نحواً من ثلاثين سفراً وقد اختلف النقل، لأنه مادامت الرواية أساس النقل، ولم يتول الإمام بنفسه كتابة فقهه، فلا بدأن يختلف الناقلون، وأن تختلف النقول، وأن يكون الترجيح. ولقد وجدنا كتاب الطبقات يتكلمون فى نقل بعض الأصحاب، فوجدنا ابن الفراء فى طبقاته ينقل عن أبى بكر المروزى، والأثرم ومسدد ، وحرب وغيرهم، وقد رووا الكثير من الفقه الحنبلى؛ ونسبوه إلى ذلك الإمام الجليل ويوثقهم، ثم وجدنا مع هذا بعض كتاب الأثر يقول: (( رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد ، وأحمد بن حنبل، أما جعفر بن محمدفهو جعفر الصادق بن محمد الباقر من أئمة الشيعة ، وقد نسبت إليه أقوال كثيرة دونت فى فقه الإمامية، وأما أحمد فقد نسب إليه بعض الحنابلة آراء فى العقائد ، وإن هذا بلا شك يثير بعض الريب فى مقدار نسبة الفقه الحنبلى إلى أحمد ، أو على الأقل فى بعض هذا الفقه، لأنه إذا جرى الشك فى صدق الراوى كان ذلك طعناً فى صحة المروى . - ٩ - ٥ - هذه مثارات تثار حول نسبة الفقه الحنبلى إلى الإمام أحمد، ولو أن مسلكنا فى دراسة المذاهب أن ندرسهادراسة موضوعية، بأن ندرس المجموعة الفقهية التى تكون المذهب الحنبلى باعتبارها مجموعة فقهية متحدة المنهاج والنهاية، وحدتها الفكرة والاتجاه، وإن لم توحدها النسبة - لاكتفينا بدراسة تلك المجموعة من غير بحث فى نسبتها . ولكنا ندرس الإمام وفقهه، لحق علينا أن ندرس مقدار نسبة هذه المجموعة الفقهية إليه، وما يثار حولها من ظنون أوشك ندرسه ، فإما أثبتناها ونفيناه وإما بينا مقدار قوته ومداه. لذلك كان لابد لنا من دراسة هذه الأمور المقررة المثيرة للريب ؛ غير أنا فبادر، فنقرر أن مسلكنا فى دراسة هذه الأمور المقررة التى تلقاها العلماء فى العصور المختلفة بالقبول هو أن نقبلها، حتى يقوم الدليل على بطلان نسبتها ، ذلك لأن تلقى العلماء بالقبول لأمر من الأمور يجعل الظاهر يشهد له بالصدق ، وصحة النسبة، إذ أن الأصحاب هم الذين نقلوا، والطبقة التى وليتهم هى التى تلقت كلامهم بالقبول ، ثم الذين جاءوا من بعدهم صادقوا على ذلك النقل ، فكان هذا التضافرمع قرب العصر شهادة لا ترد ، حتى يقوم الدليل الناقض لبنيانها. المقوض لأركانها ، إذا الظاهر شاهد بالصدق ، ولا يرد الظاهر إلا إذا ثبت بالبرهان نقيضه، ولو أن كل ريب يبطل المقررات التى تلقاها العلماء بالقبول، ما نقل تاريخ ، وما استفاد الناس من علم الأولين ، وما تحت نسبة ، وما قيل قول عن قائل ، من أجل هذا نقبل فقه ابن حنبل على أن نسبته من المقررات ، وندرس ما يثار حول هذه النسبة ، فلا تقبل من هذه المثارات إلا ما يثبت بالبرهان بطلان نسبة فتوى أو قول ، فلسنا ترد نسبة المذهب جملة لشك . ولا نهمل ما يقال، بل ندرس ونقابل ونقايس، ونعطى كل أمر حقه من الدراسة ومما ينتهى إليه ، ولا نقف محاجزين بين المقدمة وما تنتجه، ولا بين الدليل وما يؤدى إليه فإن ذلك ليس من العلم فى شىء. - ١٠ - ٦ - وإننا إذنتجه إلى دراسة الفقه الحنبلى بعد تحقيق نسبته، أو بالأحرى بعد إزالة مايثار من الشك حول هذه النسبة- سنجدفقهاً خصباً قوياً حياً تجلى فيه عنصر ان، كلاهما أمده بقوة ، حتى كان واسع الرحاب فى باب التعامل أكثر من غيره من ضروب الفقه: (أحد العنصرين)-أن فقه أحمد هو الفقه الذى يتجلى فيه الفقه الأثرى بأقوى ما يكون التجلى، وأوضح ما يكون الظهور، فهو يختار آراء الصحابة ، وإذا كان للصحابة رأيان، يختار من بينهما، بل يختارهما أحياناً، ويكون فى المسألة عنده رأيان، وكان ذلك وقوفاً عند الأثر، لأنه لا يرى لنفسه الحق فى الترجيح بين آراء أولئك العالية الأكرمين من غير نص أو قريب منه، إذ الترجيح يقتضى بيان نقص فى أحدهما، وكمالا فى مقابله، وهو لا يعطى نفسه هذه الرتبة إلا بنص أوقريب منه، ولا يضعها فى هذه المنزلة من غيره، وأنه لفرط تأثره طريق السلف واقتفائه أثر الصحابة ليبدو فيما يجتهد فيه من الفتاوى التى لا نص فيها ولا أثر، أن اجتهاده فيه سلك مسلك الصحابة، بالمشاكلة، والمشابهة ، وإن لم يكن بالنص . (العنصر الثانى) أنه فى باب التعامل إذا لم يكن نص ولا أثر ولا مقايسة لواحد منهما، يترك الأمر على أصل الإباحة الأصلية، ولذلك كان فى العقود والشرط أوسع الفقه الإسلامى رحاباً وأخصبه جناباً، لأنه جعل الشروط والعقود الأصل فيها الصحة، حتى يقوم الدليل على البطلان فهو لا يحتاج فى صحتها إلى دليل ، كما سلك جمهور الفقهاء المسلمين، أو يحتاج إلى الدليل فى البطلان لا فى الصحة ، وسنجعل لذلك مكاناً من دراستنا لتقبين خصائص ذلك المذهب الخصب القوى . ٧ - هذا وإننا إذ ندرس ذلك المذهب الجليل سندرس لا محالة أمرين: (أحدهما) الأصول التى قام عليها الاستنباط فى ذلك المذهب، وكيف استخرجت فروعه. ( وثانيهما) القواعد الضابطة لفروعه . المنقصية لأشتات المسائل، والجامعة لأكثر ثمرات الاجتماد فيه، وإن الأصول ء - ١١ - والقراعد جميعاً لم تكن كلاهما من صنع الإمام أحمد،، ولم تؤثر عنه بالنقل تفصيلا، ولكنها فصلت تفصيلا من بعده ، مستنبطة من الفروع بالجمع بين العناصر المؤدية واستنباطها ، واستخراج أصل جامع أو قاعدة ضابطة . ٨ - والفرق بين الأصل والقاعدة - على ما سنوضح فى موضعه - أن الأصل هو سبيل الاستنباط للفرع. فهو سابق عليه فى الوجود ، وإن كانت أصول أكثر الأئمة قد كشفت عنها الفروع ، أما القاعدة فهى الضابط للفروع المتجانسة ، ووضعها فى ضمن عموم شامل ، فهى متأخرة عن الفروع وجوداً . وهى تسهل طريق معرفة الفروع. القسم الأول حياته وعصره م حياة أحمد بن حنبل ١٦٤ - ٠٢٤١ ٩ - مولده ونسبه: ولد أحمد رضى الله عنه، فى المشهور المعروف، فى ربيع الأول من سنة ١٦٤ من الهجرة النبوية، وقد ذكر ذلك ابنه صالح، وحكاه ابنه عبدالله، فقد قال: سمعت أبى يقول ولدت فى شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، ولم يختلف الرواة فى زمن ولادته ، كما اختلفوا فى زمن ولادة أبى حنيفة ومالك رضى الله عنهما ، ذلك بأنه قد ذكر هو تاريخ هذه الولادة ، وكان على علم به ، ولم يترك الأمر لظن الرواة ، وتخرص المؤرخين. فكان بيانه فى ذلك قاطعاً ، ومانعاً للشك أو الظن . وإذا كانت ولادته قد علم تاريخها من غير ظن أو مجال للشك ، فقد علم أيضاً تاريخ وفاته من غير ما شك ، فقد تطابقت الأخبار على أنه توفى لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وكانت جنازته يوم الجمعة ، وأخرجت بعد منصرف الناس من إقامة صلاة الجمعة، ولا غرابة فى أن يعرف تاريخ وفاته بالتعيين ، فقد كان يوماً مشهوداً فى تاريخ بغداد، تجاوبت بذكره الأقطار الإسلامية، لكثرة الذين شيعوا جنازته ، فقد أحصوا فكانت عدتهم لا تقل عن ثمانمائة ألف، ولأنه عندما مات كانت شهرته قد تجاوزت آفاق العراق إلى كل البقاع الإسلامية ، فكانت وفاته حدثاً كبيراً تعرفه الجماعات، وتتناوله الأخبار من غير ظن ولا ريب. ١٠ - وقد ولدأحمد ببغداد، وقد جاءت أمه حاملا به من مرو التىكان بها أبوه ، وقيل أنها ولدته بمرو ، ولكن الصحيح أنه ولد ببغداد، وحمات به فى مرو، وقد نقلت عنه ذلك، فلم يعد ثمة مجال للخرص ، ونسبه عربى، فهو شيبانى فى نسبه لأبيه وأمه ، أبوه شيانى، وأمه كذلك ، فلم يكن أعجمياً ولا هجيناً ، بل كان عربياً خالصاً . = ١٠ - وشيبان قبيلة ربعية عدنانية ، تلتقى مع النبى صلى الله عليه وسلم فى نزار ابن معد بن عدنان ، وفى هذه القبيلة همة وإباء ، وحمية ، كان منها المثنى بن حارثة الذى تولى قيادة الجيوش الإسلامية عند مهاجمة العراق فى عهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وهو الذى حسن لخليفة رسول الله ذلك، وتولى بهمته أولى الحملات ، فشهد له الصديق فى ذلك بأحسن البلاء. ولقد اشتهرت شيبان بالحمة والصبر، وحسن البلاء ، فى الجاهلية والإسلامية ، حتى كانت أبرز القبائل الربعية وغيرها، ولقد قيل: « إذا كنت فى ربيعة فكاثر بشيبان وفاخر بشيبان ، وحارب بشيان)، (١)، فشيبان فى الجاهلية والإسلام أكثر القبائل الربعية عدداً، وأعزها نفراً، وأعظمها مآ ثر . وشيان كانت منازلها بالبصرة وباديتها ، وقد كانت فى الجاهلية قريبة المقام من العراق ، فلما بنى عمر بن الخطاب رضى الله عنه البصرة مطلة على الصحراء لينزل بها العرب، يستنشقون فيها هواء الصحراء ، ولا يستوخمون بهواء الريف - نزلت شيبان بتلك المدينة الحضرية الصحراوية فسكنوها، وسکنوا فى بادیتها . وكانت أسرة أحمد وأسرة أمه تنزل بتلك المدينة وبيدائها ، إذكان جدها عبد الملك بن سواده بن هند من وجوه بنى شيبان ، ينزل عليه قبائل العرب ، فيضيفهم . ولأن أسرته أصلها من البصرة عرف بأنه بصرى (٢)، ويروى أن أحمد رضى الله عنه كان إذا جاء البصرة صلى فى مسجد مازن ، وهم من فى شيبان، فقيل له فى ذلك ، فقال إنه مسجد آ بائى . ١ ١١ - كانت أسرة أحمد من شيبان، وأصل مقامها بالبصرة كما رأيت، والآن نريد أن نذكر أباه وجده بكلمات موجزة ؛ فأبوه محمد ابن حنبل، وجده حنبل بن هلال، ومع أن مقام الأسرة بالبصرة كما نقلنا وكما تبين من سياق سيرة أحمد، فإن أسرة أحمد لم يستمر مقامها بها، بل إن ( ١) تاريخ بغداد ج٤ ص٤١٥ ٠ (٢) المناقب لابن الجوزى ص ٢١ . - ١٦ - جده قد انتقل إلى خراسان ، وكان والياً على سرخس فى العهد الأموى ، ولما لاحت فى الأفق الدعوة العباسية عاون دعاتها، وانضم إلى صفوفهم حتى أودى فى هذا السبيل، وقدقال الخطيب البغدادى فى ذلك: « جده حنبل ابن هلال، ولى سرخس ، وكان من أبناء الدعوة ، فسمعت إسحاق بن يونس صاحب ابن المبارك يقول ضرب حنبل بن هلال ، أبا النجم إسحاق بن عيسى السعدى - والمسيب بن زهير الضى، فى دسهم إلى الجند فى الشغب، وحلقهما ١)). وأبوه محمد كان جندياً ، وقد وصفه ابن الجوزى عن الأصمعى ، بأنه كان قائداً، فقد قال عن أبى بكر الأعين:« سمعت الأصمعى يقول: أبو عبد الله أحمد ابن حنبل من ذهل، وكان أبوه قائداً، (٢)، وذهل هو جد شيان الذهلى، وقد قال ابن الجزرى: ((كان أبوه فى زى الغزاة)) (٢). وسواء أكان قائداً كما ذكر فى المناقب لابن الجوزى ، أم كان فى زى الغزاة كما ذكر ابن الجزرى، فقد كان جندياً، كشأن العرب فى ذلك العصر لا يكونون زراعيين ولا صناعاً ، بل يكونون حماة وغزاة ، وكان جده قد بلغ مبلغ الولاة ، فكان والياً على سرخس، حتى صار من أبناء الدعوة العباسية ، وأوذى فى ذلك . ويظهر أن أسرته كانت بعد انتقالها إلى بغداد تعمل الخلافة العباسية ، ولم ينقطع اتصالها بها ، وإن لم يكن منها ولاة، فإنه يروى أن عم أحمد كان يرسل إلى بعض الولاة بأحوال بغداد ليعلم بها الخليفة إذا كان غائباً عنها ، وكان أحمد بتورع عن المشار کة فى ذلك منذ صباه، حتى أنه یروی أن بعض الولاة قال : أبطأت على أخبار بغداد، فوجهت إلى عم أحمد بن حنبل: لم تصل إلينا الأخبار اليوم، وكنت أريد أن أحررها وأوصلها إلى الخليفة، فقال قد بعثت بها مع أحمد ابن أخى ، ثم أحضر أحمد ، وهو غلام. فقال أليس قد بعثت معك الأخبار ؟ قال: نعم ، قال فلأى شىء لم توصلها؟ (١) تاريخ بغداد ج٤ ص ٤١٥ (٣) المصعد لابن الجزرى. (٢) المناقب ض ١٤ - ١٧ عد قال: أنا كنت أرفع تلك الأخبار !! رميت بها فى الماء ، جعل الوالى يسترجع، ويقول: ((هذا غلام يتورع، فكيف نحن(١)، ! فهذه القصة تدل على أن أسرة أحمد لم تنقطع صلتها بالخلافة والولاة ، ولم يكن أحمد يستحسن ذلك. تورعاً وابتعاداً عن الريب منذ صباه . ١٢ - ولد أحمد الورع النقى من هذين الأبوين العربيين الكريمين ، فهذه أمهقدكان أبوها من بنى شيبان ، جواداً كريماً ، قدفتح بابه للعرب ، تنزل عليه القبائل فيضيفها ، وهذا جده ندب محتسب قوى يتولى الولاية، ثم يرى دعوة بحسبها الحق، فيناصرها ، وينزل به فى سبيل هذه المناصرة الأذى الشديد ، فيصبر صهر الكرام، وهذا أبوه جندى يحمى الخمى ، ويدافع عن الحوزة، وما خلع زى الغزاة ، بل كان على ذلك إلى أن مات. من هذين الأبوين الكريمين كان أحمد، وفى عروقه جرى ذلك الدم الأبى الكريم، وورث عن أسرته عزة النفس وقوة العزم، والصبر واحتمال المكاره، والإيمان الراسخ القوى، وكان ذلك كله ينمو كلماشب وترعرع، ويتبين فى سجاياه ، كلما عركنه الحوادث وأصابته نيران الفتن . ١٣ - ولقد هيأ الله لهذه السجايا الموروثة أن تنمو، وأن تقوى، إذ أمدها بالجو النفسى الذى تتنفس فيه وتتغذى من طيب هوائه، وصقلها بالتجارب التى جلت الصدأ الذى يعرض للنفوس بسبب سيطرة البيئات، ثم هداها إلى النزوع الفكرى والنفسى الذى يوائمها ، ولا يناهضها . وذلك أنه لم يكمد يرى فور الوجود، حتى رأى أنه فريد فيه ، قد فقد أباه، وكلاته أمه فإن أباه قد مات وهو طفل، ويذكر أنه لم ير أباه ولا جده، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته ، وإذا كان قد مات بعد ولادته ، فلا به أن ذلك كان وهو صغير لا يعى ولا يدرك شيئاً ، بدليل أنه ففى رؤيته لأبيه وجده، وذكروا أنه مات شاباً فى الثلاثين من عمره ، ولقد قامت (١) المناقب لابن الجوزى ص ٢٢ م ٢ - ابن حنبل - ١٨ - أمه على تربيته فى ظل الباقى من أسرة أبيه، ولم يتركدأبوه كلا طلب المعونة، بل ترك له ببغداد عقاراً يسكنه، وآخر يغل له غلة قليلة وهى تعطيه الكفاف من العيش ، ولم تعطه رافغ العيش ولينه، وبسط الرزق ويساره، فاجتمع له بتلك الغلة الضئيلة أسباب الاستغناء عما فى أيدى الناس . ١٤ - اجتمع لأحمد بهذا النسب، وبهذه الحال التى آل إليها أمره، وهو صبى فى المهد ، وبما كان له من نزوع نفسى من بعد خمسة أمور لم تجتمع لشخص إلا سارت به إلى العلا، والسمو النفسى ، والبعد عن سفساف الأمور، والاتجاه إلى معاليها، تلك الأمور هى: شرف النسب والحسب، واليتم الذى ينشته منذ جر الصبا معتمداً على نفسه وتدبيره وبلائه ، وحال من الفقر غير المقدع لا تستخذى به النفس ، فلا يبطرها النعيم ، ولا تصاب بطراوة الترف، ولا تذلها المتربة ، ولا تلق المتربة أنفها فى الرغام ، ومع هذه الخصال قناعة ونزوع إلى العلا الفكرى بتقوى الله سبحانه وتعالى ، وعدم الشعور بقوة لسواه ، والتق كل هذا بعقل ذكى ، وفكر ألمعى. وكان فى هذا كشيخه الشافعى: نسب رفيع، ويتم ، وحال من الفقر الذى يجد فيه الكفاف ، ولا يستخذى بالحاجة، وهمة عالية ، ونفس أبية، وعقل زكى أريب ، ولقد تشابهت نشأة التلميذ والأستاذ تشابها غريباً ، فكلاهما كان بهذه الأحوال التى ذكر ناها، وكلاهما كانت له أم ترأمه وتدفعه إلى العلا، وتمكنف مواهبه لتزكو وتنمو ولا تجعلها تنطفىء أو تخبو. ١٥ - وإن ما قلناه هنالك فى تأثير هذه الأحوال فى نفس الشافعى وتربيته نقوله هنا، ولقد قلنا هنالك إن النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشىء ( ينشأ ) على خلق قويم ، ومسلك كريم، فإن افتفت الموانع، ولم يكن ثمة شذوذ، ذلك بأن علو النسب بجعل الناشىء منذ نعومة أظفاره يتجه إلى معالى الأمور، ويتجافى عن سفسافها، ويترفع عن الدنايا ، فلا يصيب الفقر نفسه بذل ، ولا يتطامن عن ضعة ، ولا يرضى بالدنية، ويسعى -١٩ ٠ إلى المجمد بهمة وجلد، ليرفع خسيسة الفقر ، ثم إن نشأته فقيراً مع ذلك الطموح، والإحساس بشرف النسب ، يجعله يحس بإحساس الناس ، ويندمج فى أوساطهم ، ويتعرف خبيئة نفوسهم، ودخائل مجتمعهم ، ويشعر بشعورهم ، وذلك ضرورى لكل من يتصدى لعمل يتعلق بالمجتمع ، وما يتصل به فى معاملاته، وتنظيم أحواله، وتوثيق علائقه، وإن تفسير الشريعة، واستخراج حقائقها، والكشف عن موازينها ومقاييسها يتقاضى الباحث ذلك. يروى أن محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة كان يذهب إلى الصباغين ، ويسأل عن معاملاتهم، وما يجرى بينهم ، وما كان يفعل ذلك إلا ليكون حكمه فى مسألة تتعلق بشئون الناس، وتتصل بعاداتهم أقرب إلى تلك العادات ، مالم تخالف أصلا من أصول الشرع وأحكامه . فهذه النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع يتهيأ بها تهذيب كامل، لا يتسامى عن العامة، فيبعدعنهم، ولا يهوى إلى مباذلهم فيصغر، فكان لنسبه علوة، ولفقره طيبته(٣). ١٦ - ولقد كان لنسبه وفقره غير المدقع أثرهما ، عندما ألقيت الدنيا بين يديه فألقاها بعيداً عنمواضع أقدامه ، ونحاها بنفس نزهة، وقلب تقى، كان يهدى إليه المتوكل بدر الأموال، فيردها فى تواضع كريم، وكان متطامن النفس محساً بإحساس الناس ، ما نزل إلى مباذل الناس ، وما تسامى عليهم بنسبة الرفيع، حتى لم يلاحظ عليه قط نفر بنسبه العربى، ولقد قال كتاب سيرته إنه ما رئى الفقير عزيزاً فى مجلس ، كما كان فى مجلس أحمدرضى الله عنه وهذه الخصال الكريمة قد نبعت من ذلك النبع الكريم الذى امتزج فيه شرف النسب بقناعة الفقر، وبسمو الروح وفضل التقى . × ١٧ - تربيته: نشأ الإمام أحمد رضى الله عنه ببغداد ، و تربی بها تربيته الأولى وقد كانت تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم ، وتخالفت مآ ربهم، وزخرت بأنواع المعارف والفنون فيها القراء والمحدثون والمتصوفة وعلماء اللغة والفلاسفة الحكماء، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامى، وقد قوافر (١) كتاب الهافى ص ١٨ - ٢٠ - فيها ما توافر فى حواضر العالم من تنوع المسالك وتعدد السبل وتنازع المشارب ومختلف العلوم وقد اختارت أسرة أحمد له منذ صباه أن يكون رجل الدين الذى يتوافرله، ويعكف عليه. ويتخذله كل العلوم المعهدة له من علم باللغة، والحديث، والقرآن، ومآثر الصحابة والتابعين وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ، وسيرة أوليانه الأقربين الذين اختصوا بطول الصحبة، وفقه الدين، ولب اليقين، وقد اتفقت هذه التربية، أو هذا التوجيه، مع نزوعه النفسى، وما كانت تصبو إليه همته من غايات ، لقد وجهت أسرته إلى القرآن الكريم منذنشأته الأولى، فاستحفظه، وظهرت عليه الألمعية مع الأمانة والتقى، فكان الغلام التقى بين الغلمان، كماصار من بعد الشاب التقى، ثم الكهل الذى أبلى البلاء الأكبر فى الإسلام، واحتمل المكاره فى سبيل ما يعتقد، أو ما يراه تهجما فيما ليس له به علم. حتى إذا أتم حفظ القرآن ، وعلم اللغة، اتجه إلى الديوان ليمون على التحرير والكتابة، ولقد قال فى ذلك: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب ، ثم اختلفت إلى الديوان ، وأنا ابن أربع عشرة سنة)). وكان وهو صبى محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء ، حتى أنه ليروى أن الرشيد وهو بالرقة مع جنده ، كان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم فلا يجد النساء اللاتى يعرفن أحمد غيره يقرأ لمن ما كتب به إليهن، ويكتب لهن الردود، ولا يكتب ما يراه منكراً من القول . ولقد كان نجبه واستقامته أثرين ملاحظين لكل أترابه، وآبائهم، يتخذه الآباء قدوة لأبنائهم ، حتى لقد قال بعض الآباء: ((أنا أتفق على ولدى وأجيتهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون ، وهذا أحمد بن حنبل غلام يقيم !! انظروا كيف، وجعل يعجب من أدبه، وحسن طريقته (١) .. ١٨ - إذا كان الطفل الصغير، هو سر الرجل الكبير، والنواة الصغيرة فى مطوبها الشجرة الكبيرة، فكذلك كان ذلك الغلام اليقيم أحمد بن محمد بن حنبل، الذى (١) المناقب لابن الجوزى ص ٧١