النص المفهرس
صفحات 441-460
- ٤٣٨ - مرتين ، خالفه فى عدم الأخذ برأيه الجديد أولا ، ثم خالفه فى حكمه بأن ما عدل عنه ما كان يصح العدول عنه ثانياً، ومن خالف هذه المخالفة لا يصح أن يقال إن إسناد الرأى إليه على سبيل المجاز، لا على سبيل الحقيقه. وإن مخالفة بعض أصحابه قد يكون سببها أنهم أطلعوا على حديث من بعد وفاته لم يعلم به فى حال حياته ، فكيف يقال حينئذ إن هذا قول له، وإنه لا ينسب إليهم إلا على سبيل المجاز، ولقد حاول ابن عابدين أن يعد ذلك قولا له، ولكن لم يحاول تجريدهم من نسبته إليهم إلا على سبيل المجاز، فقال: ((إن الإمام لما أمر أصحابه بأن يأخذوا من أقواله بما يتجه لهم منها الدليل عليه صار ما قالوه قولاً له لا بتنائه على قواعده التى أسسها لهم، فلم يكن مرجوعاً عنه من كل وجه ... وقد صح عن أبى حنيفة أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبى، وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البرعن أبى حنيفة وغيره من الأئمة، ونقله أيضاً الإمام الشعرانى عن الأئمة الأربعة(١))). ٢٥٩ - وإن الحق الذى نراه هو أن أصحاب أبى حنيفة كانوا من المجتهدين المستقلين، وكان كل واحد منهم صاحب رأى مستقل يقارب رأى شيخه أو يباعده وإن كان المنهج فى جملته متقارباً، وإنك تقرأ كتب أبى يوسف فترى الخلاف فى كثير من الآراء، وإن كان لا يتناول الأصول، فقد وجد فى كثير من الحلول ، ومثل ذلك كتب الإمام محمد ، وليس ذلك صفيح التابع الذى يختار من آراء شيخه ولا يعدوها، حتى تكون نسبة الآراء إليه على سبيل المجاز . وإنك إن استقريت كتب الفقه ورجعت إلى أمهات المسائل الفقهية التى اشتهر فيها الخلاف بينهم كلافهم فى لزوم الوقف، والحجر على السفيه ، والحجر على المدين ونحو ذلك، ترى اختلاف النظر واضحاً ، حتى أنه يكاد يكون اختلافاً فى المنهج فى خصوص المسائل المذكورة ، وهكذا ... فمن التهجم على الحقائق سلبهم شخصيتهم الفقهية ، لتفى فى شخصية الإمام . (١) رسم المفتى ص ٢٤ . - ٤٣٩ - وما كان خلط أقوال شيخهم بأقوالهم فى كتبهم ، إلا لحرصهم على إطلاع المنفقهين على وجوه النظر المختلفه للمسائل، ولاتحاد الأصول فى الجملة كما بينا، ولعناية فقهاء العراق منذ عهد أبى حنيفة أو قبله بدراسة الفقه المقارن ، ايستطيع المتفقه وزن الآراء بمعرفة مقابلها، حتى لقد كان أبو حنيفة يقول ((إن أعلم الناس هو أعلىهم باختلاف الناس )). ٢٦٠ - ولم يكن أصحاب أبى حنيفة وحدهم هم الذين اختلطت أقوالهم بأقواله بل جاء من بعدهم من أضاف أقوالا أخرى لم تكن فى المأثور عنه وعن أصحابه ، بعضها اعتبر من المذهب الحنفي، وبعضها لم يعتبر منه، وبعضهم رجح بعض الأقوال على بعض ، وهكذا كبر الإختلاف ، وكثر الترجيح، وكان ذلك كله مبنياً على أصول دقيقة محكمة ، وفى ضوابط بينة، وبذلك نما المذهب، واتسع رحابه لملابسات الزمان ، ومعالجة عامة الأحوال. ونستطيع أن نلخص عوامل النمو فى ثلاثة أمور ، تضافرت ، فكانت سبب زيادته . وهذه العوامل الثلاثة هى: المجتهدون، والمخرجون فيه، وكثرة الأقوال المأثورة عن الإمام وأصحابه رضى الله عنهم، ومرونة التخريج فيه، واعتبار أقوال المخرجين ، ولنخص كل واحد من هذه الأمور بجملة مبينة، او مفصلة بعض التفصيل. - ٤,٤٠ - ١ - المجتهدون والمخرجون فى المذهب ٢٦١ - يقسم ابن عابد الفقهاء إلى سبع طبقات : ( الطبقة الأولى ) طبقة المجتهدين فى الشرع الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة ، وليسوا تابعين لأحد فى اجتهادهم ، سواء أ كان ذلك فى الأصول التى يبنى عليها الاستنباط ، أم فى الحلول الجزئية المستخرجة من الأصول العامة ، وهؤلاء كالأئمة الأربعة، والأوزاعى، والليث بن سعد، وغيرهم من الأثمه الأعلام، فهم لم يقلدوا أحداً، لا فى الدليل، ولا فى الأصل العام الذى يقيد الإستدلال ، ولا فى الفروع الجزئية. التى تستنبط حلولها بالتطبيق للأصول العامة ، وإن توافقت الأصول، فليس ذلك للتقليد ، بل للاقتناع، مع الاستعداد للمخالفة ، إن لم يتوافر ذلك الإقتناع . ولا شك أن شيخ المذهب أبا حنيفة هو من هذا الصنف من الفقهاء ، ولكن أيعد أصحابه أبو يوسف ، ومحمد ، وزفر ومن فى طبقتهم من ذلك الصنف من المجتهدين ؟ لقد عدهم ابن عابدين تابعاً لبعض الكتاب فى المذهب الحنفى من الصنف الثانى لا من هذه الطبقة . فعدهم من طبقة المجتهدين فى المذهب ، لا من طبقة المجتهدين المستقلين ، فقال: (( طبقة المجتهدين فى المذهب، كأنى يوسف ومحمد ، وسائر أصحاب أبى حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة المذكورة على حسب القواعد التى قررها أستاذهم، فإنهم خالفوه فى بعض أحكام الفروع، لكنهم يقلدونه فى قواعد الأصول))(١) . وهذا الكلام فيه نظر، فإن أبا يوسف ، ومحمداً، وزفر ، وغيرهم من الأصحاب كانوا مستقلين فى تفكيرهم الفقهى كل الاستقلال ، وما كانوا مقلدين لشيخهم (١) شرح رسالة رسم المفتى ص ١١ - ٤٤١ - بأى نحو من نواحى التقليد، وكونهم درسوا آراءه، أو تلقوها عليه، وتثقفوا فى أولى دراساتهم عليه، لا يمنع استقلال تفكيرهم، وحرية اجتهادهم ، وإلا كان كل من يتلقى على شخص لا بد أن يكون مقلداً له ، وتنتهى القضية لا محالة إلى أن تنزل بأبى حنيفة نفسه عن مرتبة المجتهدين المستقلين، فإنه ابتدأ دراساته بتلقى فقه إبراهيم النخعى على شيخه حماد بن أبى سليمان ، وكان كثير التخريج عليه، وكذلك قال من أراد أن يبخس أبا حنيفة حظه من الفقه والاجتهاد ، ولكن أبا حنيفة فقيه مستقل، لأنه درس آراء إبراهيم، وخالفه أحياناً، ووافقه أحياناً، وما وافقه فيه وافقه على بينة واستدلال ، لا على مجرد التقليد والإتباع ، وكذلك كان أصحاب أبى حنيفة منه . درسوا فقهه ، وتلقوا عليه طريقة اجتهاده ، فوافقوه فى بعضها ، وخالفوه فى غيره ، وما كانت الموافقة عن تقليد ، بل عن اقتناع واستدلال ، وتصديق للدليل ، وما ذلك شأن المقلد . وإذا كانت الأصول التى بنى عليها الاستنباط عند هؤلاء التلاميذ ، وشيخهم متحدة فى أكثرها ، فليست متحدة فى كلها ، وحسبهم تلك المخالفة لتثبت لهم صفة الاستقلال، وإنهم إن اتحدوا فى طريقة الاستنباط ، فليس ذلك عن إتباع ، بل عن اقتناع، وهذا هو الحد الفارق بين من يقلد ومن يجتهد، وهو القسطاس المستقيم. وإن من يدرس حياة أولئك الأئمة يبعد عنهم صفة التقليد إبعاداً تاماً ، فهم لم يكتفوا بما درسوه على شيخهم بل درسوا من بعده، فأبو يوسف لزم أهل الحديث وأخذ عنهم أحاديث كثيرة ، لعل أبا حنيفة لم يطلع على كثير منها ، ثم هو قد اختبر القضاء، وعرف أحوال الناس ، فصقل ما وافق فيه شيخه ، بصقل قضائى، وخالف شيخه متسلحاً بما هداه إليه اختباره للحكم والقضاء بين الناس ، ومن التجنى على الحقائق أن نقول إن ذلك كله قد قاله أبو حنيفة ، واختاره أبو يوسف . ومحمد لم يلازم أبا حنيفة إلا مدة قليلة فى صدر حياته العلمية ، ثم اتصل بمالك ، وروى عنه بالموطأ، وروايته له تعد من أصح الروايات إسناداً، فإذا كان مقلداً، - ٤٤٢ - فلأى الإمامين ، ألأبى حنيفة أم لمالك أم لهما معاً، إن الإنصاف، والمنطق يوجبان أن نقول إنه لا محالة كان مجتهداً اجتهاداً مطلقاً مستقلا، وكذلك كل الصحاب. ٢٦٢ - (الطبقة الثانية) من الطبقات السبع التى يعدها ابن عابدين، طبقة المجتهدين فى المذهب ، القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة التى بنى عليها الاستنباط فى مذهب أبى حنيفة ، على حسب القواعد التى قررها ، وقد عد هذه الطبقة أمثال أبى يوسف ومحمد ، وزفر ، وسائر أصحاب أبو حنيفة ، وقد بينا ما فى ذلك من خطأ ، وإذا كان لا يوجد فى هذه الطبقة إلا هم وأمثالهم ، فليس لهذه الطبقة وجود فى المذهب الحنفى لأن أبا يوسف ومحمداً وأشباههما مجتهدون مستقلون كل الاستقلال، ولهم مثل ما لشيخهم من آراء ، وإن كان له فضل السبق ، والتعليم ، والتثقيف . ٢٦٣ - (الطبقة الثالثة) طبقة المجتهدين فى المسائل التى لارواية فيها عن صاحب المذهب ، أو أحد من أصحابه، وهؤلاء يستنبطون أحكام غير المنصوص عليه على حسب الأصول المقررة فى المذهب ، وليس لهم أن يجتهدوا فى مسائل قد نص عليها إلا فى دائرة معينة ، وهى التى يكون استنباط السابقين فيها على اعتبارات لا وجود لها فى عرف المتأخرين، بحيث لو كان السابقون موجودين لأفتوا بمثل فتواهم. وهؤلاء عملهم فى الحقيقة يتكون من عنصرين ( أحدهما) استخلاص القواعد العامة التى كان يلتزمها الأمة أبو حنيفة وأصحابه من الفروع المأثورة عنهم ، فإن المأثور نثير من الفروع كما بينا فى موضعه من بحثنا ، وأولئك هم الذين جمعوها فى ضوابط وقواعد واعتبروها الأصل الذى كان على أساسه الاستنباط وكان مقياس الاستخراج السليم للأحكام الفقهية ، وكان هو السنن القويم للاجتهاد. ثانيهما - استنباط الأحكام التى لم ينص عليها بالبناء على تلك القواعد، حتى لا يحيدوا عن المذهب . ومن هذه الطبقة الخصاف ، والطحاوى، وأبو الحسن الكرخى، وشمس الأئمة - ٤٤٣ - الحلوانى، وشمس الأئمة السرخسى، ونخر الإسلام البردوى، ونخر الدين قاضيخان (١). وهذه الطبقة هى التى خدمت الفقه الحنفي ، إذ هى التى وضعت الأسس لموه، والتخريج فيه، والبناء على أقواله، وهى التى وضعت أسس الترجيح فيه، والمقايسة بين الآراء، وتصحيح بعضها وتضعيف الآخر ، وهى التى ميزت الكيان الفقهى للمذهب الحنفى . ٢٦٤ - (الطبقة الرابعة ) طبقت أصحاب التخريج ، كما سماهم ابن عابدين تابعاً لمن أخذ عنه ، ونسميهم طبقة المرجحين وهؤلاء لا يستنبطون مسائل لا يعرف حكمها، ولكن يرجحون بين الآراء المروية بوسائل الترجيح التى ضبطتها لهم الطبقة السابقة، فلهم أن يقروا ترجيح بعض الأقوال على بعض بقوة الدليل أو الصلاحية للتطبيق بموافقته لأحوال العصر، ونحو ذلك ، مما لا يعد استنباطاً مستقلا ، أو تابعاً، بل ترجيحاً، وموازنة، ومن هؤلاء أبو بكر الرازى (٢). وأن الفرق بين هذه الطبقة وسابقتها دقيق لا يكاد يستبين ، ومن عدهما طبقة واحدة لا يعدو الحقيقة ، لأن الترجيح بين الآراء، على مقتضى الأصول ، لا يقل وزنا عن استنباط أحكام فروع لم تؤثر لها أحكام عن الأئمة ، وليس الرازى الذى يذكرونه فى هذه الطبقة بأقل من قاضيخان، أو الكرخى ، أو غيرهما من المعدودين فى الطبقة السابقة، وكتابه أحكام القرآن ينى عن فضله وعله . ٢٦٥ - ( الطبقة الخامسة ) طبقة الفقهاء الذين يستطيعون الموازنات بين أقوال المذاهب، وقد قال ابن عابدين فى هذه الطبقة: وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم : وهذا أولى ، وهذا أصح رواية ، وهذا أوضح وهذا أوفق القياس، وهذا أوفق للناس )). (١) أبو الحسن الكرخى توفى سنة ٣٤٠، وشمس الأئمة الحلوانى توفى سنة ٤٥٦ وشمس الأمة السرخسى وهو صاحب المبسوط توفى سنة ... ، وخر الإسلام البزدوى توفى سنة ٤٨٢، وقاضيخان .توفى سنة ٠٥٩٣ (٢) أبو بكر الرازى هو الجصاص وقد توفى سنة ٣٦٠. - ٤٤٤ - وإنا نرى أن التفرقة بين هذه الطبقة وسابقتها ليست واضحة ، وأنه لكى تكون الأقسام متميزة غير متداخلة يجب حذف طبقة من هذه الطبقات الثلاث ، وهى الثالثة، والرابعة ، والخامسة، واعتبارهما طبقتين اثنتين: أحدهما طبقة المخرجين الذين يستخرجون حكاما لمسائل لم تؤثر أحكام لها عن أصحاب المذهب الأولين بالبناء على قواعد المذهب، والثانية طبقة المرجحين، الذين يرجحون بين الروايات المختلفة ، والأقوال المختلفة ، فيبينون أقوى الروايات ، ويميزون أصح الأقوال وأوفقها للقياس ، أو أرفقها بالناس . ولقد أشرنا من قبل إلى أن الطبقة الثانية التى يعتبرونها أصحاب أبى حنيفة وينزلون بهم عن مرتبة المجتهدين المستقلين إلى مرتبة التابعين لشيخهم لا وجود لها. وعلى ذلك تكون الطبقات التى عدوها خمساً ، هى ثلاث فقط الأولى طبقة أبى حنيفة وأصحابه، الثانية طبقة المخرجين ، والثالثة طبقة المرجحين . ٢٦٦ - ( الطبقة السادسة ) على حسب العدد الذى يذكره ابن عابدين وغيره هى طبقة المقلدين الذين لا يرجحون بين الأقوال والروايات ، ولكنهم على علم بما رجحه السابقون، واختاروه، وبينوا أنه الأقوى ، ويقول عنهم ابن عابدين : ((إنهم القادرون على التمييز بين الأقوى والقوى، والضعيف وظاهر الرواية، وظاهر المذهب، والرواية النادرة ، كأصحاب المتون المعتبرة، كصاحب الكنز، وصاحب المختار، وصاحب الوقاية ، وصاحب المجمع، وشأنهم ألا ينقلوا فى كتبهم الأقوال المردودة ، والروايات الضعيفة ، فعمل هذه الطبقة ليس الترجيح، ولكن معرفة مارجح، وترتيب درجات الترجيح؛ وقد يؤدى ذلك إلى الحكم بين المرجحين، فقد يرجح بعضهم رأياً ، ويرجح الآخر غيره ، فيختار هو من أقوال المرجحين أقواها ترجيحاً، وأكثرها اعتماداً فى الترجيح على أصول المذهب ، أو ما يكون أكثر عدداً ، وأعز ناصرا . ولقد قال الخير الرملى فى فتاويه: ((ولا شك أن معرفة راجح المختلف فيه من مر جوحه، ومراتبه قوة وضعفً هونهاية آمال المشمرين فى تحصيل العلم ، فالمفروض. - ٤٤٥ - على المفتى والقاضى التثبيت فى الجواب، وعدم المجازفة فيه ، خوفاً من الافتراء على الله تعالى بتحريم حلال أو ضده (١)). فمعرفة ما رجحه العلماء والموازنة بين ترجيح المرجحين من حيث قوة الدليل ، أو كثرة العدد ليس أمراً سهلا. ٢٦٧ - الطبقة الأخيرة هى من دون السابقين ، وهم المقلدون الذين لا يقدرون على أمر بماسبق؛ فليس عندهم القدرة على التخريج ، ولا قدرة على الترجيح ، ولا قدرة على الاختيار من المرجحين ، وقد وصفهم ابن عابدين، فقال: ((لا يفرقون بين الغث والثمين، ولا يميزون الشمال من اليمين ، بل يجمعون ما يجدون كاطب ليل ، فالوبل لمن قلدهم كل ألويل)). ولست أدرى إذا كان هؤلاء على ذلك الوصف ، كيف يعدون من الفقهاء، إنهم نقلة، إن أردنا أن ترفق بهم فى الاسم. ٢٦٨ - هؤلاء هم طبقات الفقهاء كما يذكرهم كتاب الحفية، ويظهر أن ترتيبهم الوجودى يتفق مع الترتيب الذى ذكر ناه، فالطبقة الأولى، وهم المجتهدون المطلقون، هم أبو حنيفة وأصحابه ، ثم الذين يلونهم هم المخرجون الذين أفتوا فيما لم يؤثر عنهم بمقتضى قواعدهم وأصولهم ، وبالقياس على فروعهم ، ثم الذين يلونهم هم المرجحون بين الأقوال المختلفة ، ثم جاء من بعدهم من لهم قدرة على معرفة ما رجحه سابقوهم وليس لهم الحق فى أن يرجحوا هم ما لم يؤثر ترجيحه عمن سبقهم ، لأن الطبقات الثلاث الأولى من المج تهدين، سواء كان اجتهادهم مطلقاً ، أم اجتهادهم فى المذهب ، فلما غلق باب الاجتهاد، وارتضى فقهاء المذهب الحنفى ذلك التغليق ، كما ارتضاه غيره من فقهاء المذاهب الأربعة لم يعد لأحد حق الترجيح، بل ليس للفتى أو القاضى إلا تعرف الراجح والبحث عنه، وسنبين ذلك عند الكلام فى اختلاف الأقوال فى المذهب. (١) الفتاوى الخيريه = ٢ ص ٢٣١. - ٤٤٦ - ٢ - كثرة الأقوال فى المذهب الحنفى ٢٦٩ - كثرت الأقوال فى المذهب الحنفي، واختلفت، وتباينت الأحكام فيه. بتباين الأقوال المختلفة، فروايات مختلفة عن أبى حنيفة وأصحابه ، فيروى الحكم لهم فى المسألة أحيانا برواية، وبرواية أخرى يروى ما يخالفه ، واختلف أئمة المذهب ، فأبو حنيفة قد يخالفه صاحباه، وقد يخالف زفر الثلاثة ، وقد يختلف الصاحبان فما بينهم، بل قد يكون لأبى حنيفة رأيان فى المسألة الواحدة يثبت رجوعه عن أحدهما، وربما لا يثبت الرجوع ، ولا يعرف المتقدم منهما من المتأخر ومثل ذلك ثبت عن كل واحد من الصحاب ، وأن الذين اجتهدوا فى المذهب من بعد قد اختلفوا هم فيما خرجوه من مسائل لم يؤثر حكمها عن أئمة المذهب، بل إنهم ربما خالفوا أئمة المذهب نفسه فى المسائل التى كان الاستنباط فيها متأثراً بالعرف بحيث لو كان أئمة المذهب فى عصرهم، لقالوا مثل مقالهم، ولخرجوا مثل تخريجهم . وإن أسباب كثرة الأقوال فى المذهب الحنفي يمكن ضبطها فى أربعة أمور: أولها - اختلاف الرواية، وثانيها تعدد أقوال الإمام فى المسألة ، وثالثها اختلاف الأئمة فى المسألة الواحدة ، ورابعها اختلاف المخرجين ، ومخالفة بعضهم أحياناً للأئمة . ولنفصل بكلام موجز بعض التفصيل كل عنصر من هذه العناصر. ٢٧٠ - اختلاف الرواية : قلنا فى صدر كلامنا فى فقه أبى حنيفة إنه لم يدونه بنفسه وإن كنا رجحنا أن تلاميذه كانوا يدونون أقواله ، وكان يراجع ما دونه ابو یوسف، أو غیرہ أحياناً ، وإذا كان لم یدون أقواله فی کتاب يسطره، ويؤثر عنه، فقد اكتفى فى العلم بها بنقل أصحابه هذه الاقوال ، فنقل الإمام محمد جلها فى كتبه، ولكن كتبه لم تكن مرتبة واحدة ، ومهما تكن قيمة نقل الإمام محمد من الصحة ، وصدق الذين رووا كتبه ، فإن النقل ما دام أساسه الرواية ، وتعدد - ٤٤٧ - الرواة، يكون اختلاف الروايات، وتضاربها أحياناً، نتيجة محتومة ، وكذلك كان، فقد اختلفت الروايات عن أبى حنيفة وأصحابه، وتضاربت أحياناً ، وقد كان ترجيح بعض هذه الروايات على بعض موضع اجتهاد المرجحين من العلماء، وهم الطبقة الثالثة من طبقات الرجال فى المذهب الحنفي ، كما بينا. ولقد نقل ابن أمير الحاج فى شرحه على التحرير أسباب اختلاف الرواية عن أبى حنيفة، فقال: ((ذكر الإمام أبى بكر البليغى فى الغرر أن الاختلاف فى الرواية عن أبى حنيفة من وجوه ، منها الغلط فى السماع كأن يجيب بحرف النفى إذا سئل عن حادثة ، ويقول لا يجوز، فيشتبه على الراوى فينقل ما سمع . ومنها أن يكون له قول قد رجع عنه ، ويعلم بعض من يختلف إليه رجوعه، فيروى الثانى ، والآخر لم يعلمه فيروى الأول . قلت وهذا أقرب من الأول، ومنها أن يكون قال الثانى على وجه القياس، ثم قال ذلك على وجه الاستحسان ، فيسمع كل واحد أحد القولين، فينقل ما سمع ( قلت وهذا لا بأس به أيضاً، غير أن تعيين أن يكون الثانى على وجه القياس غير ظاهر، بل الظاهر أن الذى يكون على وجه القياس هو الأول غالباً، لما تقرر أن القياس مقدم (١) على الاستحسان إلا فى مسائل، فالقياس بمنزلة القول المرجوع عنه ، والاستحسان بمنزلة القول المرجوع إليه، على أن الأولى أن يقال قال أحدهما على وجه القياس ، والآخر على وجه الاستحسان فيسمع كل واحد. وجهاً ، فينقله، ومنها أن يكون الجواب فى المسألة من وجهين من جهة الحكم، ومن ـجهة البراءة للاحتياط، فينقل كل كما سمع (٢). هذه هى الأسباب التى نقلها ابن أمير الحاج فى اختلاف الرواية عن أبى حنيفة ، وقد نقلناها بنصها تقريباً ، ولنا على ماساقه من قول ملاحظتان . (إحداهما) أنه يستبعد أن يكون سبب اختلاف الرواية الغلط ، وهو فى هذا الاستبعاد كأنه ينزه المذهب الحنفى عن أن يكون فيه نقل خطأ عن أبى حنيفة ، (١) المراد بكلمة مقدم أنه سابق فى الزمن لا مقدم فى الترجيح. (٢) منقول بتصرف قليل من شرح التحرير الجزء الثالث ص ٣٣٤. - ٤٤٨ - وهذا غريب، لأنه إذا كان الخطأ فى النقل قد فرض فى رواية السنة ، والمروى عنه هو الرسول المبلغ، فكيف لا يفرض فى النقل عن فقيه ، مهما تكن درجة إمامته ، والحرص على النقل الصحيح عنه لا يمكن أن يكون فى درجة الحرص على النقل الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قد اختلفت أحياناً الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكان تمحيص الحق من بين الروايات المختلفة موضوع دراسة علماء الحديث . ( الملاحظة الثانية ) أن الأسباب التى رجحها هى فى الواقع أسباب اختلاف الأقوال، وهو يرجحها ، فيجعل اختلاف الرواية مقصور على اختلاف الأقوال فترى وأفوال قد عدل عنها، وتروى فى مقابلها أقوال تعتبر هى الأخيرة التى استقر الرأى عليها، ولعله مما يزكى هذا أن اختلاف الرواية فى النقل قد يكون من ناقل واحد ، فالإمام محمد قد يروى رواية فى ظاهر الرواية، ويروى رواية فى النوادر، وما كان ذلك إلا لأنه وجد القواين، فروى الروايتين . والحفى أن اختلاف الرواية كما يكون لاختلاف الأقوال ، قد يكون لخطأ النقل من سمع، أو من تلقى عمن سمع ، وهكذا . وإذا كان اختلاف الرواية ناشئاً عن اختلاف الأقوال ، فإن وقت القولين كان مختلفاً ، لا محالة، ولم يعرف الراوى المتقدم من المتأخر ، ولو عرف لكان قولا واحداً ، وعد الأول منسوخاً أو معدولا عنه . ولقد درس العلماء المرجحون فى المذهب روايات الكتب المختلفة فرجحوا بعضها على بعض ، فرجحوا كتب ظاهر الرواية على كتب الإمام محمد الأخرى ، وعلى كتب غيره، كالحسن بن زياد، ومنها كتب الأمالى لأنى يوسف (١). وإذا وجدت روايات مخلفة فى مسألة واحدة فى ظاهر الرواية رجحوا بينها فربما كان ذلك من قبيل اختلاف الأقوال الذى كان سبباً فى اختلاف الرواية فيرجح أحد القولين على الآخر بطرق الترجيح التى اتجه إليها المرجحون فى المذهب (١) قدبينا مراتب الكتب فى المذهب الحنفى، فارجع إلى ذلك البيان عند الكلام فى نقل الفقه الحنفي - ٤٤٩ - ٢٨١- اختلاف أقوال الإمام قد كان أبو حنيفة أحياناً يكون له قولان فى المسألة الواحدة ، يعرف المتقدم منهما من المنأخر ، فيعد الثانى ناسخاً للأول، أو يعد الأول متروكا معدولا عنه، وربما لا يعلم المتأخر، فيروى القولان ، من غير بيان متروك، أو مستقر، فيؤثر عنه قولان فى المسألة، ويكون عمل المرجحين أو المخرجين قبلهم أن يبينوا أصلح القولين ، لأنه يعد رأيه الذى مات من غير رجوع عنه . واختلاف القولين فى زمنين مختلفين ليس دليلا على نقص فى الفقهية، ولكنه دليل على إخلاصه فى طلب الحقيقة ، وبيان ما هو متصل بهذا الدين ، فإنه قد يرى رأياً قد بناه على قياس استقام له، ثم علم أن موضع القياس حديثاً صحيحاً، فيرجع عن قياسه إلى حكم الأثر الصحيح، وقد يكون مبنى حكمه الأول قياساً، فلما رأى العمل به، وأنه نافر من تعامل الناس ، عدل عن القياس إلى الاستحسان الذى يتفق مع تعامل الناس، وقد يكون قوام الحكم قياساً أساسه وصف معين ، ثم يتبين له أن هناك وصفاً آخر أقوى تأثيراً من الوصف الذى بنى عليه القياس الأول، فيكون أصلح لأن يكون علة ، فيعدل عن القياس الأول إلى القياس الثانى، وهكذا يعرض له ما يوجب العدول عن رأيه لدليل أقوى ، فيعدل ، ولا رواية تبين آخر الرأيين ، فيتجه المخرجون أو المرجحون، إلى ترجيح أقواهما دليلا عندهم ، أو أصلحهما للعمل. ولقد يفرض أنه يتردد المجتهد المخلص فى طلب الحق فى الحكم فى المسألة الواحدة لتعارض الأدلة الموجبة، ولتصادم الأمارات الكاشفة له وجه الحق، فيجعل للمسألة وجهين ، ويترك فيها بذلك قونين ، ليس بينهما تراخ زمنى ، فيؤثر عنه القولان ، وقد يكون راويهما واحداً ، وقد يسمى بعض العلماء ذلك اختلاف رواية. ولقد قال فى ذلك ابن عابدين ، وقد يقال من وجوه الاختلاف أيضاً تردد المجتهد فى الحكم لتعارض الأدلة عنده بلا مرجح ، أو لاختلاف رأيه فى مدلول الدليل الواحد فإن الدليل قد يكون محتملا لوجهين أو أكثر، فيبنى على كل واحد جواباً ، (٢٩ - أبو حنيفة) - ٤٥٠ - ثم قد يترجح أحدهما ، فينسب إليه ، وقد لا يترجح عنده ، فيستوى رأيه فيهما ،. ولذا تراهم قد يحكمون عنه فى مسألة القولين على وجه يفيد تساويهما عنده، فيقولون: وفى المسألة عنه روايتان أو قولان ، وعن الإمام القرافى أنه لا يحل الحكم والإفتاء بغير الراجح، إلا إذا تعارضت الأدلة عند المجتهد، وعجز عن الترجيح، فإن له الحكم. بأيهما شاء، لتساويهما عنده، وعلى هذا تصح نسبة كل من القولين إليه، لا كما يقول بعض الأصوليين من أنه لا ينسب إليه شىء منهما ، وما يقوله بعضهم من اعتقاد نسبة أحدهما إليه (١)، لأن رجوعه عن الآخر غير معين، إذ الفرض تساويهما فى رأيه وعدم ترجح أحدهما على الآخر ، ورجوعه عنه - ينسب إليه الراجح عنده. ويذكر الثانى رواية عنه ، أما لو أعرض عن الآخر بالكلية لم يبق قولا له ، بل يكون قوله هو الراجح(٢)). وهكذا يستبين مما قلناه أن الإمام أبا حنيفة كغيره من المجتهدين المخلصين كان يؤثر عنه قولان فى المسألة الواحدة ، وقد يثبت أن أحدهما قد رجع عنه ، وربما لا يثبت، بل يثبت تساويهما، لتردده فى الحكم بين هذين الرأيين من غير ترجح لأحدهما على الآخر ، فيؤثر عنه القولان . ومثل ذلك قد يكون لكل واحد من أصحابه ، كأنى يوسف ومحمد وزفر ، فإن كل واحد منهم أمام مجتهد مستقل فى اجتهاده ، وإن غلبت عليه طريقة أبى حنيفة فى الاجتهاد ، فقد اختارها باقتناع ، لا على سبيل الاتباع . ٢٧٢ - اختلاف أصحاب أبى حنيفة: قد اختلف أصحاب أبي حنيفة مع شبخهم فى أحكام كثير من المسائل الجزئية . بل قد استنبط الذين تكلموا فى الأصول التى أنبنى عليها الفقه أنهم خالفوه فى بعض قليل من القواعد التى كانت أصولاً (١) أى لا يصح قول بعضهم من أن أحدهما ينسب إليه دون الآخر، وما يجىء بعد ذلك لبطلان ذلك الاعتقاد : (٢) شرح رسالة رسم المفتى ص ٢٢ : - ٤٥١ - للاستنباط ، وأقوالهم ، مختلفين. ومتفقين - تعتبر كأقوال شيخهم من المذهب الحنفى وذلك لأن المذهب الحنفي هو مجموعة آراء تلك المدرسة الفقهية التى كان يرأسها ذلك الإمام ، ولأن الأصول التى بنيت عليها الأحكام فى اتفاقها واختلافها متحدة فى جملتها، لا فى تفصيلها ، وإن تخالفوا فى بعض الأصول ففى قليل نادر ، لا يمنع اتحاد المنهج ، ووحدة الطريقة فى الاستنباط ، ولذلك رويت أقوالهم كلها مخلوطة مزوجة غير منفصلة ، وقد أشرنا إلى ذلك فى مطلع كلامنا فى هذا الباب . وقد يحاول كتاب أن يجعلوا أقوال أصحاب أبى حنيفة أقوالا له ، فقد زعموا أن أولئك الصحاب رضوان الله عليهم تابعون لأبى حنيفة، وأقوالهم هى اختيار من أقوال لأبى حنيفة، وقد رددنا هذا فيما أسلفنا من قول . وقال ابن عابدين إن أقوالهم هى أقوال له من حيث أنه أمرهم بأن يأخذوا من أقواله بما يتجه إليه الدليل ، ومن حيث أنه أثر عنه أنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبى ، وهذه مقالة ابن عابدين : ((( إن الإمام لما أمر أصحابه بأن يأخذوا من أقواله بما يتجه لهم منها الدليل عليه صار ما قالوه قولا له ، لابتنائه على قواعده التى أسسها لهم ... ونظير هذا ما نقله العلامة البيرى فى أول شرحه على الأشباه على شرح الهداية لابن الشحنة الكبير . ونصه: ((إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبه، فقد صح عن أبى حنيفة أنه قال: ((إذا صح الحديث فهو مذهبى ... فإذا نظر أهل المذهب فى الدليل ، وعملوا به صحت نسبته إلى المذهب لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب ، إذ لا شك أنه لو علم بضعف دليله، لرجع عنه ، واتبع الدليل الأقوى ، (١) . وفى هذا الكلام نرى محاولة ابن عابدين ، ومن نقل عنهم أن يرجعوا كل اجتهاد لأصحابه إليه، على أنه قول له ، ليثبت معنى التبعية له ، وأن أقوالهم لا تستقيم فى المذهب الحنفي إلا بذلك الاعتبار فى نظر هؤلاء. (١) شرح رسالة رسم المفتى ص ٢٤ : - ٤٥٢ - وأرى أن التبعية التى يفرضونها فى أولئك الأصحاب ، ليست تبعية المقلد للمجتهد ، أو المجتهد المقيد للمجتهد المطلق، بل مشاركة التلميذ للأستاذ فى مناهجه مختاراً مجتهداً مقتنعاً، لا مقلداً متبعاً، وإن تلك الصلة التى يضعف فيها معنى التبعية هى التى جعلت مذهب الشيخ وتلاميذه مذهباً واحداً أطلق عليه اسم الشيخ، ونسب إليه ، سواء أخالفوه أم والقوه. ومهما يكن نوع الصلة بين أبى حنيفة وأصحابه ، فإن أقوالهم معتبرة من المذهب وبإضافتها إلى أقواله والروايات عنه تكثر الأقوال، وكثرة الأقوال من شأنها أن نجعل المذهب مرناً ، متسع الأفق . ٢٧٣ - أقوال المخرجين: لم يحتهد أبو حنيفة وأصحابه فى كل المسائل ، بل اجتهدوا فى استنباط حكم ما وقع فى عصرهم من أحداث ، وما فرضوه من صور ؛ لكى يطبقوا أفيستهم على كل ما يتصور وقوعه من جنس ما تنطبق عليه علة القياس، ومهما يكن مقدار ما وقع فى عصرهم من حوادث استنبطوا أحكامها ، وما قدروه من أمور استخرجوا حلولها ، فلا بد أن يكون فى كل عصر أمور لم يكن لهم أحكام فيها، وإن الناس يجد لهم من الأقضية بمقدار ما يحدث لهم من أحداث، ولذلك كان لا بد من وجود المخرجين فى المذهب الذين يبنون على قواعده أحكام حوادث تقع فى عصر أئمة المذهب، فلم يؤثر عنهم أحكام فيها . وقد كانت هذه الطبقة من الفقهاء بعد عصر أصحاب أبى حنيفة من تلاميذ أولئك الأصحاب ((ومن جاء بعدهم، فقد اجتهد هؤلاء فى تعرف أحكام الوقائع التى حدثت فى عصورهم المختلفة ، وبنوا ما استنبطوه على القواعد التى استخلصوها من مجموع الفروع المأثورة عن أبى حنيفة وأصحابه ، فكان عمل المخرجين الأولين كما بينا آنفاً قائماً على عنصرين: (أحدهما) استخراج المناهج العامة التى تعد أصول للاستنباط فى فقه أبى حنيفة وأصحابه ( وثانيهما) تخريج أحكام المسائل التى لم ينص عليها على ذلك . وجاءت طبقات المخرجين بعد استخلاص القواعد، فكان عملهم فقط استخراج الأحكام للوقائع التى لم تكن قد حدثت فى عصر من عصور السابقين . - ٤٥٣ - ولقد سمى العلماء ما يستخرجه أولئك المخرجون من أحكام جزئية - الواقعات والفتاوى . وإن هؤلاء المخرجين ما كانوا يقتصرون على استخراج أحكام الوقائع التى ليس لها أحكام عند السابقين ، بل كانوا يخالفون السابقين فى بعض أمور تدفع الضرورة فيها إلى المخالفة، أو يدفع العرف إليها، وهى المسائل التى بنيت أحكامها عند السابقين على العرف ، أو كان القياس أو الاستحسان فيهما متأثرين بالعرف ، ووجد عرف آخر، بحيث لو كان الفقهاء الأقدمون أحياء لبنوا الحكم على ما وجب العرف الأخير، ففى هذه الحال يفتى أولئك المخرجون بغير ما قال المتقدمون . هذا عمل هؤلاء المخرجين، ومن الطبيعى أن يختلفوا فى تخريجهم، وأقيستهم، كما اختلف أئمة المذهب فى استنباطهم الأول، فكان ذلك نمواً عظيما ، وإذا كان الأمر كذلك، فقد اتسع المذهب، ونما، وكان باب الترجيح والتخريج متسع الآفاق وذلك ما سنبينه فيما يلى: - ٤٥٤ - ٣ - التخريج والترجيح ٢٧٤ - يقصد من التخريج استنباط أحكام الواقعات التى لم يعرف لأئمة المذهب آراء فيها ، وذلك بالبناء على الأصول العامة التى بنى عليها الاستنباط فى المذهب ، ويقصد بالترجيح بيان الراجح من الأقوال المختلفة لأئمة المذهب أو الروايات المختلفة عنهم. والأول عمل طبقة المخرجين فى المذهب . وهم من المجتهدين المقيدين، والثانى عمل فقهاء المذهب المرجحين الذين أوتوا علماً بطرق الترجيح ، ومعرفة القوى والأقوى، من الآراء والروايات ، ولم يكن لهم الحق فى استنباط أحكام لم ينص عليها، أو مخالفة أحكام منصوص عليها، وإنما لهم فقط التمييز بين الراجح والمرجوح، والقوى والضعيف، والصحيح من الرواية ، والضعيف ، وقد شرحنا هاتين الطبقتين فى بيان الطبقات فى ذلك المذهب . ٢٧٥ - وإن التخريج كان ينبنى على الأصول العامة المستنبطة وعلى إلحاق الأحكام التى يستخرجونها بفروع مشابهة لها ، عرف رأى السابقين فيها، وكثيراً ما كانوا يخضعون الأحكام للعرف ، ولذا تجد كثيراً من الأحكام ناشئة عن العرف العام أو العرف الخاص ، وربما تجد فى أحكام البيوع أو الإجارات ، هذه العبارات: ((على هذا جرى عرف ما وراء النهر، أو عرف الروم ) أو نحو ذلك مما يدل على أن الاجتهاد فى المسألة كان للعرف سلطان فيه، ربما كان هو المؤثر الوحيد فيه . وإن لم يكن هو المؤثر، فهو الموجه الذى رجح قياساً على قياس ولم يقتصر عمل المخرجين على ذلك ، بل تجاوزوا هذا الحد ، وأفتوا فى مسائل أفتى فيها السابقون ، وخالفوهم ، لأن ملابسات الزمان أوجبت ذلك التغيير . وذلك فى المسائل التى لم يعتمد السابقون فيها على نص من كتاب أو سنة ، أو قياس واضح كالنص ، فالمتقدمون من الفقهاء مثلا ، أفتوا بأن المالك حر فيما يملك ، فليس للقضاء أن يتدخل فى تنظيم ما بين الجار والجار ، إلا فيما يتصل بالشفعة ، وتركوا ذلك التنظيم إلى الديانة ، فلما فسد الناس وضعف الوازع الديني ، وصار - ٤٥٥ - بعض الملاك يتصرف فى ملكه تصرفاً يضر بجاره ضرراً فاحشاً . جاء المتأخرون ورأوا هذه الحال ، واعتقدوا أن أبا حنيفة الذى أطلق حرية المالك قضائياً ، وترك تقييدها بالنسبة للجار ، للدين ووازعه، لو كان حياً لأفتى بغير ما أفتى وقيد المالك لحق الجار ، ولذا قالوا إن المالك يمنع من كل ما يضر بالجار ، ضرراً فاحشاً ، وإن القضاء يتدخل لتنظيم العلاقة بينهما . وقد شرحنا فى الكلام على أصل العرف، كيف كان سبيلا تذرع به المخرجون فى المذهب أو المجتهدون فيه إلى مخالفة السابقين لما يقتضيه . ٢٧٦ - هذه الآراء سواء أ كانت استنباطاً لأحكام واقعات لم تؤثر عن الأئمة فى المذهب أحكامها، أم كانت استنباط أحكام خالفوا بها الأئمة بناء على الأصول المنترة عندهم ، وتغير العرف الذى كان هو المؤدى إليها - تعتبر آراء فى المذهب، وجزءاً من الفقه فيه ، ولكن لا يصح أن يقال أنها قول أبى حنيفة، ولقد قال فى هذا المقام ابن عابدين . (( والحاصل أن ما خالف فيه الأصحاب إمامهم الأعظم لا يخرج عن مذهبه إذا رجحه المشايخ المعتبرون : وكذا ما بناه المشايخ على العرف الحادث لتغير الزمان أو للضرورة أو نحو ذلك، لا يخرج عن مذهمه أيضاً، لأن ما رجحوه لترجح دليله عندهم . أذون فيه من جهة الإمام، وكذا مابنوه على تغير الزمان ، والضرورة باعتبار أنه لوكان حياً لقال بما قالوه ، لأن ما قالوه إنما هو مبنى على قواعده أيضاً فهو مقتضى مذهبه، لكن ينبغى ألا يقال قال أبو حنيفة كذا، إلا فما روى عنه صريحاً، وإنما يقال فيه مقتضى مذهب أبى حنيفة كذا. ومثله تخرجات المشايخ بعض الأحكام من قواعده، أو بالقياس على قوله، ومنه قولهم، وعلى قياس قوله بكذا يكون كذا، فهذا كله لا يقال فيه قال أبو حنيفة، نعم يصح أن يسمى مذهبه بمعنى أنه قول أهل مذهبه أو مقتضى مذهبه(١))). ٢٧٧ - هذا هو التخريج فى مذهب أبى حنيفة، وقد كان باباً لنموه ، وإن (١) رسم المفتى ص ٢٥. -207 - مرونة أصوله ، وخصوصاً أصل العرف ، جعلت ذلك المذهب يتسع رحابه لكل ما يجد من أحداث ، ويتفق مع ملابسات الناس ، ومقتضيات الزمان ، وقد سد حاجتهم بذلك الأفق الفقهى الذى اتسعت به عقول العلماء السابقين، وبتلك الحرية فى التفكير ، وعلاج الأدواء الاجتماعية التى اتصل بها المخرجون. وإنا لنعتقد أنه لو كان باب التخريج فى ذلك المذهب مطلقاً ذلك الإطلاق ، والمخرجون يرتفعون إلى تلك الآفاق الفقهية التى ارتفع إليها السابقون، لأمكن علاج. مشاكل الزمان ، واستنباط أحكام تتفق مع مقتضياته وملابساته، مع عدم الخروج عن قواعده وأصوله، ومع عدم الخروج على نص فى الكتاب والسنة الثابتة وتعد الآراء التى تكون وليدة ذلك - من المذهب الحنفي ، ولكن جمد الناس حبوه جمود الفقه الإسلامى ، وما هو كذلك . ٢٧٨ - والترجيح فى المذهب الحنفى، كان عملا شاقاً قام به فقهاء؛ وإن قيدوا أنفسهم بنطاقه لا يعدونه - يدل ترجيحهم على عقل فقهى منظم . يعرف قوى الأدلة. وضعيفها، وكان يستطيع أن يستنبط ويخرج ، ولكنهم أقاموا بينهم وبين ذلك. حواجز مانعة . وإن الترجيح يتناول فى عمومه ترجيحاً بين الروايات المختلفة؛ وترجيحاً بين الأقوال المختلفة، ولكل سبيل ؛ فالترجيح بين الروايات يكون أولا بمرتبة الكتب التى اشتملت عليها؛ فإذا كانت إحدى الروايتين فى ظاهر الرواية كانت أولى وأحرى ولا تعتبر روايات غيرها، إلا لم تكن ثمة معارضة فيها، بل لقدجاء فى الفتاوى الخانية أن غير ظاهر الرواية لا يؤخذ به إلا إذا كان موافقاً الأصول، فقد جاء فيها «وإذا كانت المسألة فى غير ظاهر الرواية إن كانت توافق أصول أصحابنا يعمل بها)). وكان غير ظاهر الرواية لا يقبل إلا إذا كان له شاهد من ظاهر الرواية ، وذلك. بشهادة الأصول له، والأصول معتمدة فى تخريجها على ظاهر الرواية ، وإذا كانت مخالفة للأصول، فقد اعتراها الضعف من ناحيتين ، من ناحية سندها وروايتها، ومن. ناحية شذوذها ، بمخالفتها للأصول العامة للمذهب . - ٤٥٧ - وإذا كانت الروايتان فى قوة واحدة، كأن يكونا فى ظاهر الرواية ، أو فى غيرها وكلاهما لا يعارض الأصول، ولا يمكن اعتباره شاذاً ، فإنه يتحرى عن أصحهما بقوة. الرواة، أو بملابسات تقترن بها، ونحوذلك من أسباب التحرى، فإن لم يكنمرجح، وعلم أن واحدة تتصل بحادثة أسبق زمناً من الأخرى على أن الثانية أولى لأنها قول ثان رجع به عن الأولى ، فإن لم يصل التحرى إلى شىء اعتبر أنهما قولان ورجح بينهما بقوة الدليل ، وكان ذلك من الترجيح بين الأقوال المختلفة . ٢٧٩ - هذا هو الترجيح الذى يقوم به المرجحون فى الروايات المختلفة ، أما الترجيح بين الأقوال، فهو إما بترجيح الشخص القائل، وإما بترجيح الدليل، ويدخل فى القسم الثانى ما يكون الترجيح فيه لما تستدعيه الضرورة أو الحاجة ، أو العرف ، فإن الترجيح لذلك يعتبر ترجيحاً للدليل . وإن الترجيح لمزلة القائل قد قالوافيه إنه إذا كان أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد على رأى واحد فى مسألة كان رأيهم هو المعتبر إلا إذا وجدت ضرورة أو عرف اقتضى المخالفة بالبناء على أصولهم المعتبرة، وكان الرأى أساسه القياس الظنى . وإذا كان أبو حنيفة ومعه واحد منهما على رأى رجح على الرأى الثانى فى الحدود التى بيناها، وإذا انفردكل واحد من الثلاثة برأى رجح قوله، فى الدائرة التى بناها. أيضاً ، والسبب فى ذلك هو أنه إمام المذهب ، حيث لم يكن ثمة داع من ضرورة أو عرف، ولم يتجه المجتهدون الأولون فى المذهب إلى بيان قوة الدليل فى واحد ، وأنه أولى بالأخذ لدليله ، بقى قول شيخ المذهب هو المعتبر . وأما إذا كان أبو حنيفة فى رأى وصاحباه فى رأى، فإذا كان المفتى مجتهداً فى المذهب ووجد ما اقتضى ترجيح قول أحد الفريقين أخذبه، وإن كان غير مجتهد. فبعض العلماء قال يرجح قول الإمام مطلقاً، ومنهم عبد الله بن المبارك، وبعضهم قال. للمفتى أن يختار أيهما شاء، وقالوا أن الأول أصح، وقد فصل هذا المقام قاضيخان. تفصيلا حسناً ، فقال :