النص المفهرس
صفحات 361-380
- ٣٥٨ - دراسة فروع فقهية تكشف عن تفكير أبى حنيفة - ١ - بعض الفروع الفقهية التى تكشف عن تفكير أبى حنيفة التاجر ١٨٨ - كان أبو حنيفة رحمه اللّه تاجراً ذا خبرة بالصفق فى الأسواق، وقد قسم وقته بين التجارة ، والفقه، والعبادة قسمة عادلة ، فهو فى الليل المتهجد العابد ، وفى صحوة النهار التاجر الذى يتولى العقود كاسباً رابحاً، حتى إذا صلى الغداة عكف على العلم دارساً ومذاكراً، مفرعاً الفروع، أو مؤصلا الأصول ، وهو فى فقهه المالى، متأثر بفكره التجارى، يفكر فى العقود الإسلامية المتصلة بالتجارة تفكير التاجر الذى تمرس بها، وعرف عرفها ، واستبان معاملات الناس فيها، وواءوم مواءمة الخبير بين نصوص الشريعة من كتاب وسنة ، وبين ما عليه الناس من تعامل. ١٨٩ - وإنك لتلمح ذلك فى أمرين: (أحدهما) عظم عنايته بالاستحسان حتى لقد عد فيه الخبير الذی لا يلحق به أحد من أصحابه ، فقد روى كما نقلنا عن محمد ابن الحسن أنه قال: ((كان أبو حنيفة يناظر أصحابه فى المقاييس، فينتصفون منه، ويعارضونه، حتى إذا قال استحسن لم يلحقه أحد منهم؛ لكثرة ما يورد فى الاستحسان من مسائل ، فيذعنون جميعاً، ويسلمون له(١) . وليس الأخذ بالاستحسان وإحكام التخريج به ، والاستنباط عن طريقه ، إلا لإدراكه لمصالح الناس ، وعلمه بطرق تعاملهم، ومعرفة ما يقره الشارع الإسلامى وقدرته على استخراج العال الخفية، والأوصاف المناسبة، وبناء الأحكام علها، ورد الأقيسة الظاهرة، بتلك الأقيسة الخفية ، التى تؤثر فى اطراد الأحكام، وقد تخفى على غير الفقبه الذى يستبطن الأمور. ولعل العقل التجارى الذى امتاز به أبو حنيفة مع إكثاره من الاستحسان هو السبب الذى من أجله اعتبر العرف أصلا من أصول الفقه الإسلامى فيما لانص فيه من كتاب أو سنة، ولقد صرح بذلك الذين تتبعوا أصوله ، فقد قال سهل بن (١) مناقب أبي حنيفة للموفق المكى ج ١ ص ١٧٩ - ٣٥٩ - .مزاحم كما نقلنا: («كلام أبى حنيفة أخذ بالثقة، وفرار من القبح، والنظر فى معاملات الناس ، وما استقاموا عليه ، وصاحت عليه أمورهم ، يمضى الأمور على القياس ، فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان، ما دام يمضى له ؛ فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به ، وكان يصل الحديث المعروف الذى أجمع عليه ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً ثم يرجع إلى الاستحسان، أيهما كان أو ثق يرجع إليه))(١). ألا ترى من هذا النص أنه يجعل لمعاملات الناس ، وما استقاموا عليه المكان الثانى لمقام النص ، ويأخذ بها ، ويقدمها على القياس ما لم تكن علة القياس واضحة تقارب المنصوص عليه، فإنه يقدم القياس ، لأنه أو ثق، وفى غير هذه الحال ، يكون الاستحسان ، إن عارض القياس - أو ثق. ثانيهما - أنا رأينا فى المأثور من فقه أبى حنيفة عناية كبيرة بتفصيل أحكام عقود من البيوع ، تبين أنواع الصفق فى الأسواق ، وهى تكشف بما أعطيت من أحكام عن العرف التجارى الذى كان يسود فى عصور الاجتهاد ، ومن هذه البيوع بيع المرابحة والتولية(٢)، والوضيعة، والإشراك، ثم السلم، ونخص بذكر بعض أحكامها . فقد فصل فى المروى عن أبى حنيفة من فروع فقهية ، ومنها كتب محمد وغيرها الكلام فى هذه العقود، ولعل الفقه الحنفي أول فقه تعرض لتشعيب مسائلها، وتفريع فروعها ، وذلك لأن إمام ذلك الفقه كان التاجر الذى يتكلم فى هذه العقود كلام الفقيه الذى عاين معاملات التجار وشاهدها ، ولم يكن فى فهمها مقصوراً على تأصيل الأصول وتفريع الفروع ، من غير نظر إلى ما يسير عليه الناس ، وما تجرى عليه أمورهم ، وما تستقيم عليه أحوالهم . (١) الكتاب المذكور جزء ١ ص ٨٢ (٢) المرابحة معناها بيع الشىء بمثل الثمن الذى قام على البائع مع زيادة ربع معلوم بالنسبة أى الخمس أو العشر، والتولية بيعه بمثل الثمن من غير زيادة، والإشراك بيع بعضه بما يقابله من الثمن من غير رج والوضيعة بيعه بأقل من الثمن ، والسلم بيع دين بعين بأن يكون المبيع موصوفاً معلوماً مؤجلا ، ويسمى المبيع المسلم فيه ، ويسمى الثمن رأس المال . - ٣٦٠ - ولقد تلمح فى تفصيل أحكام هذه العقود نوع التجارة التى كان يتجر فيها أبو حنيفة فترى عند الكلام فى المرابحة والتولية والإشراك والسلم فى الثياب أبا حنيفة الخزاز الخبير بعرف الناس فى الثياب، وتعامل أهل عصره فيه، حتى لترا يفصل أنواع الثياب فى الأحكام ، ويذكر خصائصها ، ويبين أحكام التعامل فيها فيذكر أحكام تبادلها ، مشيراً إلى أوصافها وميزاتها ، وغير ذلك مما يتبين منه على الفقيه بأنواعها ، وخبرته بها، وإدراكه لما يمتاز به كل نوع من أنواعها . ١٩٠ - ولقد وجدنا أبا حنيفة، ومعه أصحابه يقيدون تفريعهم فى أحكام هذه العقود بأصول أربعة : الأصل الأول - العلم بالبدل علماً تنتفى معه الجهالة التى تفضى إلى النزاع، ولذ لابد من معرفة الثمن الأصلى فى المرابحة والتولية والإشراك، وأن يكون الربح معلوما فى المرابحة ، ولا بد من معرفة رأس المال والمسلم فيه فى السلم، لأن الجهل بهذه الأمور، قد يؤدى إلى النزاع وأساس العقود فى الشريعة العلم التام بالإبدال . حتى لا تكون ذريعة إلى التخاصم، وكلمة يعلم بها العقد تمنع خصومات فى المستقبل تقطع بتركها المودة بين الناس، وتضطرب شئونهم ، وتحير القضاء فى الفصل بينهم ، فكان من الحتم اللازم العلم التام سد الذرائع الخصام . الأصل الثانى - تجنب الربا وشبهة الربا، وهذا أصل عام فى كل البياعات فى الإسلام ، فإن الربا بسائر أنواعه أبغض التصرفات فى العقود فى فقه الإسلام. لشديد نهى القرآن والسنة، ولقد روى أن النى صَّ له قال: «كل درهم واحد من الرا أشد من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها الرجل ، من نبت لحمه من حرام فالنار أولى به ،(١) ولقد شدد أبو حنيفة فى منع الربا، حتى إنه ليمنع الربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب(٢)، وإذا كان للربا هذه المنزلة من التحريم، فكل عقد يشتمل على ربا أو فيه شبهة الربا لا يحل ، ويفسد سداً للذرائع ومحافظة على الأموال أن تؤكل (١) المبسوط = ١٢ ص ١١٠ (٢) المبسوط = ١٢ ص ١٢٣ - ٣٦١ - بالباطل ، ولأن أساس العقود المالية التساوى فى نظر العاقدين ، ونظر الشارع. الإسلامى ، والربا فى نظره زيادة باطلة لا يقرها ، ولا يحترم القضاء العقود التى اشتملت عليها . الأصل الثالث - أن العرف له حكمه فى هذه العقود ، حيث لا يكون نص ، فما يقره العرف يؤخذ به وما لا يقره العرف يترك، فمثلا عند ذكر الثمن الأول. فى المرابحة تصح إضافة ما جرى العرف بإضافته إلى الثمن ، ولا تصح إضافة ما لم يجر العرف بإضافته ، فأجرة الصباغ والخياط فى الثياب تجوز إضافها لجريان العرف بهذه الإضافة، ويقول فى ذلك الكاسانى: ((لا بأس أن يلحق برأس المال أجرة. القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط والسمسار والكراء ... ويباع مرابحة وتولية على الكل ، للعرف ، لأن العادة فيما بين التجار أنهم يلحقون هذه المؤن برأس المال، ويعدونها منه، وعرف المسلمين وعادتهم حجة مطلقة، قال النبي صَّ اله: ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)) إلا أنه لا يقول عند البيع: اشتريته بكذا، ولكن يقول: قام علىَّ بكذا، لأن الأول كذب والثانى صدق، وأما أجرة الراعى والبيطار، وما أنفق على نفسه ، فلا يلحق برأس المال، ويباع مرابحة وتولية على الثمن الأول الواجب بالعقد الأول لا غير ، لأن العادة ما جرت بين التجار بإلحاق هذه المؤمن برأس المال، والتعويل فى هذا الباب على العادة)) (١). الأصل الرابع - أن الأصل فى هذه العقود التجارية الأمانة ، فلن كانت. الأمانة أصلا فى كل عقد من العقود الإسلامية ، لأنها رأس الفضائل فى معاملات الإنسان مع الإنسان - هى فى المرابحة والتولية وأخواتها أصلها الفقهى ، لأن المشترى ائتمن البائع فى إخباره عن الثمن الأول من غير بينة ولا يمين ، فتجب صيانتها عن الخيانة، والتهمة، ويقول فى ذلك الكاسانى: ((التحرز عن ذلك كله واجب ما أمكن))، قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله، وتخونوا (١) ملخص من البدائع = ٥ س ٢٢٣ - ٣٦٢ - أماناتكم، وأنتم تعلمون))، وقال عليه السلام: ((من غشنا ليس منا) (١). هذه أصول ثابتة فى كل الفروع التى أثرت عن أبى حنيفة فى هذه العقود التجارية وهى تتفق مع نزعته الدينية وتحرجه ، وتتفق مع خبرته فى الأسواق وتتفق مع أصوله العامة . ولنتجه إلى دراسة إجمالية لهذه العقود، ولا نقصد بالدراسة ذكر أحكامها لمجرد بيانها ، ولكن نرمى من ذكرها إلى إعطاء صور كاشفة ، وإن أحاطت بها بعض الظلال، للأسواق الإسلامية، وتصور الفقهاء لها ، واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة وسائر الأصول الإسلامية لما يجرى بين التجار، لنبين النواحى العقلية والفكرية فى شيخ فقهاء الرأى، أبى حنيفة التاجر الورع، أو بشكل خاص تاجر الثياب الورع الخبير بالناس وأحوالهم. ١٩١ - السلم: يقول كمال الدين بن الهمام: ((إن البيع ينقسم إلى بيع مطلق ، ومقايضة، وصرف، وسلم. لأنه إما بيع عين بثمن، وهو المطلق ، أو قلبه، وهو السلم، أو ثمن بثمن فصرف، أو عين بعين فالمقايضة))(٢). فالسلم على هذا التقسيم حقيقته أن يكون بيع دين بعين ، أو هو بيع آجل بعاجل وهذا ما يرمى إليه تعريف الكاسانى، فقد جاء فيه: ((اعلم أن السلم أخذ عاجل بآجل)) (٣). والسلم عقد معروف فى الجاهلية، وهو يكون حيث يكون الاتجار، وإذا كانت مكة والمدينة سوقين من أسواق التجارة فى العصر القديم فلا شك أن السلم كان معروفاً فيهما ، إذ مؤداه أن يدفع الشخص ثمن بضاعة ويعرفها بوصفها ، ويبين مكان الاستيفاء وزمانه ، ثم يترقب تسليمها بعد ذلك. ولقد كانت التجارة قبل الإسلام بين الشرق والغرب فى البر لا فى البحر . (١) البدائم = ٢ ص ٢٢٥ (٢) فتح القدير ج ٥ ص ٣٢٣ (٣) المبسوط : ١٢ ص١٢٤، وقد انتقد ذلك التعريف ابن الهمام بأنه يدخل فيه البيع المطلق إذا تأجل الثمن. لأنه أخذ عاجل بآجل، والأولى أن يقال بيع آجل بعاجل، لأن المميز للسلم هو تأجيل المبيع - ٣٦٣ - .وكانت بلاد العرب ، واقعة بين الفرس والروم ، فكانت التجارة بينهما تجىء عن طريقها، ولذلك شقت فيها طرق تسير فيها الركبان والرواحل محملة بالمتاجر ، وكانت مكة والمدينة واقعتين على طريق هذه القوافل التجارية ، ذلك الطريق الذى يربط بين اليمن والشام ، فكان فى هاتين المدينتين تجار يصلون حبل التجارة بين هذين الإقليمين ، كانوا ينقلون بضائع الرومان إلى اليمن ، ومنها تنتقل إلى فارس، وينقلون بضائع فارس إلى الشام ، ومنها إلى الرومان ، ولذلك كانت رحلتان إحداهما إلى الشام صيفاً ، وثانيتهما إلى اليمن شتاء، وهذا ما أشار الله تعالى إليه فى قوله جل وعز (( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا رب هذا البيت الذى أُطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ، ولم يكن عقد السلم فى الصفقات التجارية التى تنقل بها البضائع من بلد إلى بلد فقط ، بل كان فى معاملات الناس أيضاً ، فقد روى عن ابن عباس أنه قال: ((إن النبي صَ ل٣ دخل المدينة فوجدهم يسلفون (١) فى الثمار السنة والسفتين ، فقال صلوات الله وسلامه عليه من أسلم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم . ، ولقد استمر عقد السلم عند المسلمين بإقرار الرسول له في الله، فقد جاء فى البخارى عن عبد الله بن أبى أوفى قال: ((إن كنا لنسلف على عهد رسول اللّه عَّ له وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما فى الحنطة والشعير والتمر والزبيب)). ١٩٢ - ولقد كان اتساع الفتوح الإسلامية، وانضواء الأمم والأقاليم تحت حكم المسلمين ، من أسباب اتساع تطلق التجارة ، وتنوعها، وكان لابد أن تتنوع عقود السلم وتكثر ، لأن حاجة التجارة ماسة إليه ، وفيه من المزايا التجارية ما يرغب فيه ، إذ يستفيد منه المشترى والبائع معاً ، كما أشار إلى ذلك ابن الهمام بقوله: ((إن المشترى يحتاج إلى الاسترباح، وهو بالسلم أسهل، إذ لابد أن يكون البائع نازلا عن بعض القيمة ، فيربحه المشترى ، والبائع قد يكون له حاجة فى (١) يسلفون أى يعقدون عقد سلم وعقد السلم هو عقد السلف، فالسلف والسلم إسمان لهذا العقد . - ٣٦٤ - الحال إلى المال ، وقدرة فى المآل على المبيع ، فتندفع حاجته الحالية إلى قدرته المآلية)) (١) ولقد كانت كثرة عقود السلم داعية لضرورة ضبط أبوابها، ووضع القيود المانعة للخلاف بين العاقدين ، والمنظمة للتعامل بذلك العقد الضرورى للنظام التجارى ، ونقل البضائع من بلد إلى بلد ، ومن إقليم إلى إقليم وانتفاع كل إقليم بخيرات الأقاليم الأخرى . ولعل أول فقه نظم ذلك العقد ، وضبط أحكامه ، وقيده بالقيود الضابطة للعاقدين هو فقه أهل العراق ؛ لاتساع نطاق التجارة بالعراق ، فقد كانت تفد إليه البضائع من كل بقاع العالم ، فبضائع الهند والسند وما وراء النهر ، وخرسان وأذربيجان وغيرها من أقاليم الشرق ترد إليه ، يباع الحاضر منها فى الأسواق. وتعقد على الغائب صفقات السلم ، وازداد ذلك ونما لما صارت فى العراق حاضرة الدولة الإسلامية ، وكانت الكوفة هى الحاضرة ، ثم بغداد بعدها ، وكل ذلك فى عهد الاجتهاد الفقى ، ولم يكن ذلك بالحجاز ، لأن الحجاز بعد أن انتقلت منه حاضرة الخلافة إلى الشام أولا ، ثم العراق ثانياً ، قل شأنه من ناحية التجارة والاقتصاد، فلم يكن به تلك المادة التى تمد الفقيه ، وتفتق ذهنه فى تلك الناحية وهى التجارة المتعقدة المتشعبة ، المتسعة فى آفاقها ، فكان لابد أن يكون الفقه العراقى فى هذه الناحية أسبق من الفقه الحجازى . ١٩٣ - جاء أبو حنيفة فى تلك السوق الرائجة الماتجة بشتى البضائع، وشتى المعاملات ، ومختلف البيوع ، وقد اختبر التجارة وغشى الأسواق ، وعرف ما يجرى فيها، وما يثير النزاع ، وما يدفعه ، وما بقى منه فى الحاضر والقابل ، ولقد كان دفع النزاع هو الأساس الذى سارت عليه أحكام ذلك العقد ، وذلك لأن النزاع فى ذاته ما تحاربه الشريعة الإسلامية وتدفعه، وكل جهالة تؤدى إليه أويحتمل أن تؤدى إليه يجب دفعها ، والعمل على كشفها ، وقد كانت عقود السلم بما يحتاط للنزاع فيها ، لأن العلاقة بين العاقدين لا تنتهى بمجرد الإيجاب والقبول (١) فتح القدير الجزء الخامس ص ٣٢٤ - ٣٦٥ - هل تستمر العلاقة إلى أن يستمر التسليم ، وفى أجل التسليم، ومكانه ، وصفات المال المسلم فيه ، وغير ذلك مثار نزاع ، إذا لم تعرف تعريفاً كاملا . وقد عاين ذلك أبو حنيفة فى الأسواق ورآه بين التجار ، حاول فى فقهه أن يسد ذرائع ذلك الخلاف ، ويدفع أسبابه ، ويغلق أبوابه. ١٩٤ - ولقد اشترط فى رفع الجهالة المفضية إلى النزاع إعلام ستة أمور فى المسلم فيه هى (١) إعلام الجنس (٢) وإعلام النوع إن كان المسلم فيه ما يختلف فيه النوع (٣) وإعلام القدر (٤) وإعلام الصفة (٥) وإعلام الأجل (٦) وإعلام المكان الذى يوفيه فيه ، ويشترط أبو حنيفة لكى يستيقن العاقدان من إمكان الوفاء أن يكون المسلم فيه موجوداً فى الأسواق من وقت العقد إلى وقت التسليم. والأصل فى إعلام ما يجب إعلامه أمران: (أحدهما) قوله عَّ اله: (( من أسلم فليسلم فى كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم . و ( ثانيهما) أن الجهالة مفضية إلى النزاع كما بينا . فوجب العمل على دفعها عند الإنشاء ، سداً لذرائعها. ومنعاً لأسبابها. ولا شك أن جهالة النوع فيها إفضاء للمنازعة ، إذ المشترى مطالب بأعلى مراتب النوع جودة ، والبائع ربما لا يقدم إلا أقل الرتب ، فكانت جهالة الجنس والنوع والصفة والقدر مفضية إلى النزاع لا محالة . ولقد ذكر السرخسى فى مبسوطة تعليلا آخر لضرورة بيان الجنس والنوع والوصف فقال. (( إن المقصود بهذا العقد الاسترباح، ولا يعرف ذلك إلا بمعرفة مقدار المالية، والمالية تختلف باختلاف الجنس والصفة والقدر. فلابد من إعلام ذلك، ليصير ما هو المقصود لكل واحد منهما معلوماً)). ١٩٥ - ولكى يكون القدر معلوماً وجب أن يكون المسلم فيه من الأشياء التى تكال أوتوزن أو من العدديات المتقاربة . وذلك لأن العلم النافى للجهالة المفضية إلى النزاع هو العلم الضابط للقدر والصفة ، وذلك يتحقق فى المكيلات والموزونات؛ إذبعد بيانها بجنسها، ونوعها، ووصفها وقدرها، لا يبقى إلا تفاوت يسير - ٣٦٦ - لا تفضى جهالته إلى نزاع ومنعها غير مكن ، وهو أقصى ما يتأتى به التعريف ، ولو اشترط نفى مثل هذه الجهالة لامتنع عقد السلم، إذ يتعذر نفى ذلك التفاوت ولا يكون منعه ، إلا بشراء الشىء المعاين الحاضر. والسلم بطبيعته بيع موصوف، فهو بيع دين، والدين يكون تعريفه بالوصف المبين ، ويكتفى فى التعريف بالوصف المبين ببيان النوع والجنس والوصف والقدر التى لا تتفاوت الآحاد فيه تفاوتاً فاحشاً ، وذلك بأن يكون مكيلا أو موزوناً، أو عددياً لاتتفاوت آحاده تفاوتاً يعتد به التجار ، أومن بعض المذروعات كالثياب. والعددى المتفاوت هو العددى (١) الذى تتفاوت آحاده فى القيمة تفاوتاً يعتد به التجار ، كالبطيخ ونحوه . والعددى المتقارب هو العددى الذى لا تتفاوت آحاده فى القيمة تفاوتاً يعتد به التجار كالبيض إن عرف نوعه ونحوه، وكوحدات الآلات الميكانيكية التى لا تتفاوت قط ، أو تتفاوت تفاوتاً يسيراً لا يعتد به التجار . ولقد شدد أبو حنيفة فى العدديات المتقاربة شدة استمدها من الخبرة التجارية فروى عنه الحسن بن زياد اللؤلؤى أنه كان يمنع السلم فى بيض النعام مع أن آحاده متقاربة ، وذلك لأن أبا حنيفة التاجر يفكر فى بيض النعام تفكير التاجر الخبير، فهو لا يؤخذ فقط للأكل ، بل يتخذ قشره لأغراض الزينة ، واستعماله يختلف باختلاف عرف الناس. ولذا قال كمال الدين بن الهمام: ((الوجه أن ينظر إلى الغرض فى عرف الناس ، فإن كان الغرض فى عرف من بيع بيض النعام الأكل ليس غير كعرف أهل البوادى ، يجب أن يعمل بظاهر الرواية (٢) فيجوز، وإن كان الغرض فى ذلك العرف حصول القشر ، فيتخذ فى سلاسل القناديل ، کا فی دیار مصر وغيرها من الأمصار، يجب أن يعمل بهذه الرواية، فلا يجوز السلم فيها، (٣) (١) مسائل السلم فى العدديات المتقاربة وغير المتقاربة ذكر السرخسى إنها مروية عن طريق أبى يوسف ولذلك قال (( أصل هذا الجنس مروى عن أبى يوسف)) (٢) المروى فى ظاهر الرواية أن أبا حنيفة اعتبر بيض النعام كسائر أنواع البيض يمكن تعريفه (٣) فتح القدير = ص ٣٢٦٥ بالعدد فى السلم . - ٣٦٧ - وخلاصة ما يدل عليه الكلام أن أبا حنيفة اعتبره كسائر أنواع البيض على رواية ظاهر الرواية، ولكن يظهر أنه لاحظ فى الأسواق أغراض الناس فى اتخاذ هذا البيض ، فأفتى تحت سلطان ذلك الاختبار بأن الآحاد فيها متفاوتة ؛ لأن قيمتها فى قشرها عند من يأخذونها للزينة ، وحلية المكان . ١٩٦ - ولا يكفى فى المسلم فيه أن يكون ما يكال أو يوزن، بل لابد ((أن يكون مما يمكن ضبط قدره وتعريفه بالوصف على وجه لا يبقى بعد الوصف إلا تفاوت يسير، فإن كان ما لا يمكن ضبطه بالوصف ، بل يبقى بعد الوصف تفاوت فاحش لا يجوز السلم فيه ، (١). وعلى هذا الأصل لم يجز أبو حنيفة السلم فى اللحم ؛ لأنه وإن كان يوزن ، لا يضبط وصفه ؛ فتبقى بعد تعيين القدر وذكر الصفات جهالة قد تفضى إلى النزاع، ولا يمكن دفعها، ولقد ذكر أن هذه الجهالة تأنى من طريقين (أحدهما) أن اللحم يشتمل على ماهو المقصود، ويلابسه ما ليس بمقصود وهو العظم، فيتفاوت المقصود بما يلابسه ، والماكسة تجرى بين البائع والمشترى فى ذلك ، المشترى يطالبه بنزعه ، والبائع يدسه فيه ، والمنازعة بينهما لا ترتفع بتعين الموضع. والطريق الثانى- أن اللحم بعمومه يشمل لحم السمين والهزيل، ومقاصد الناس فى ذلك مختلفة ، وهذه الجهالة لا ترتفع بالوصف ، وهى مفضية إلى النزاع (٢). وإذا كان اللحم قد اشترط خلوه من العظم أيجوز السلم فيه عند أبى حنيفة أم لا يجوز قد روى ابن شجاع عن أبى حنيفة الجواز، وهذا غير ظاهر الرواية. وظاهر الرواية منع السلم عند أبى حنيفة فى الحالين ، ولا شك أنه لو كان الطريق الأول هو وحده المفضى إلى الجهالة لكانت رواية ابن شجاع منطقية مستقيمة ، ولكن الجهالة لا تأتى من الطريق الأول وحده ، بل تأتى من الطريق الثانى أيضاً، واشتراط الخلو من العظم يدفع الجهالة الأولى، ولا يدفع الجهالة الثانيه . (١) البدائع = ٥ س ٢٠٨ (٣) المبسوط = ١٢ ص ١٣٧، وتبعه السكاساني فى البدائع = ٥ ص ٢١٠ - ٣٦٨ - ١٩٧ - هذا رأى أبى حنيفة فى السلم فى اللحم، وهو رأى يدفعه إليه أمران (أحدهما) منعه المنازعة ما أمكن، فإنه لا شىء يفسد التجارة، ويذهب بالريح أكثر من المنازعة فوق ما تؤدى إليه من التقاطع بين الناس ، فوجب العمل على دفعها ، والابتعاد عن كل عقد يؤدى إليها، ( وثانيهما) أن خبرته التجارية أدته إلى معرفة مطالب الناس فى هذا النوع من التجارة ، وترى رأيه فيها ليس رأياً نظرياً مستمداً من اتجاهات نظرية مجردة، بل هو رأى عملى مستمد من مقاصد الناس وأغراضهم. ولقد خالف أبا حنيفة فى ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد ، أن بين العاقدان موضعاً معلوماً، وحجتهما أنه موزون معلوم موصوف، فيجوز السلم فيه، كسائر الموزونات المعلومة ، ولقد جاز قرضه ، فيجوز السلم فيه، والربا يجرى فيه بسبب أنه موزون . فكان كسائر الموزونات . ومخالطته بالعظم وهو ليس بمقصود لا تمنع السلم ، كما أن النمر يخالطه النوى ، وهو ليس بمقصود، فيجوز السلم فيه. وترى من هذا الاستدلال أن الصاحبين يتجهان إلى النظر ، ويكثران من المقايسات والتشبهات، وأبو حنيفة لا يتجه إلى المقايسات ، لأنها لا تغنيه شيئاً عما يرى من مقاصد الناس وأغراضهم ، ومثارات النزاع بينهم ، فهو قد عاين الناس يتنازعون بسبب الهزال، وقصد السمين، وكثرة العظم وقلته، ورأى أن كل ما يتخذ لبيان وصف مانع للنزاع ، قاطع للخلاف غير مجد فأفتى بمنع السلم فيه آخذاً بالقاعدة العامة ، أن كل جهالة مفضية إلى النزاع تمنع صحه العقد، فمنع السلم فى اللحم لذلك. ١٩٨ - هذا هو السلم فى المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة ، والمذروعات لا يصح السلم فيها بمقتضى القياس ، وذلك لأن المذروعات لا تعد من الأموال المثلية ، إذا أن التبعيض يضرها، فالآحاد فيها تختلف قيمتها باختلاف مقدار المجموع الذى هى جزء منه ، فالفدان تختلف قيمته فى ضمن عشرة أفدنة عن قيمته فى ضمن مائة ، وعن قيمته غير شائع مطلقاً ، هذا هو مقتضى القياس ، ولكن جَوزوا استحساناً السلم فى بعض المزروعات كالثياب، والبسط ، وغيرها - ٣٦٩ - من المزروعات التى يمكن ضبطها، ومعرفة أوصافها معرفة لا تفضى إلى نزاع، ووجه الاستحسان، أن الناس تعارفوا ذلك، وأبو حنيفة كما علمت يترك القياس إلى تعامل الناس ما دام أو ثق، وليس فيه ما يخالف نصاً من كتاب أو سنة، وإنه إذا بين نوع الثياب وصفاتها وطولها وعرضها وسمكها ، ويتقارب التفاوت بينها فلا يكون فى السلم فيها ما يفضى إلى النزاع . وأبو حنيفة إذ يجيز السلم فى الثياب مع أنها غير مثلية، خضوعاً لقانون التعامل الجارى بين الناس يشترط أن يضبط المسلم فيه ضبطاً يمنع الجهالة المفضية إلى النزاع، لكى يعرف مقصد العاقد من عقده ، فلا تكون مشاحة ، فإذا كان بيان الجنس والنوع والطول والعرض لا يكفى لضبط المسلم فيه ، وكان بيان الوزن ضرورياً لضبطه إذا كانت قيمته تختلف باختلاف الوزن ، كان لا بد من الوزن ، لمنع كل جهالة مفضية إلى المشاحة . ولقد كان أبو حنيفة تاجر خز، ولذلك يكون كلامه فى هذا المقام كلام الخبير العارف المتمرس بالتجربة ، لا كلام من ينظر إلى الصور والفروض نظرة قياسية مجردة. فتراه يشترط فى السلم فى الحرير مع بيان الطول والعرض، بيان الوزن ، لأن المالية لا تصير معلومة إلا ببيان ذلك ، وبيان الطول والعرض فى الثياب ، يكون بمقياس معروف فى الأسواق ، لكى يمكن التسليم ، ولكن يكون معروفاً مقدار الذرع فلا يجرى الخلاف فى أمره من بعد . ويعترف أبو حنيفة بخبرة أهل الخبرة، فيجعل لحكمهم مكاناً عند الاختلاف فى المسلم فيه ، فإذا اشترط المشترى فى المسلم فيه من الثياب أن يكون جيداً ، ثم اختلفا فيه عند التسليم ، فقال المشترى ليس بجيد ، فقد قال أبو حنيفة إن الحاكم يريد اثنين من أهل الخبرة فى تلك الصناعة ، لأن الحاكم لا علم عنده فيما اختلفا فيه ، فيرجع إلى من له فيه علم ، كما لو احتاج إلى معرفة قيمة المستهلك ولقد قال فى ذلك السرخسى: ((الأصل فى ذلك قوله تعالى: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم (٢٤ - أبو حنيفة) - ٣٧٠ - لا تعلمون)، فإن اجتمعا على أنه جيد ما يقع عليه إسم الجودة ، وإن كان ليس. بنهاية الجودة ، أجبر رب السلم(١) على أخذه، لأن المسلم إليه وفىّ بما شرط له، فالمستحق بالتسمية أدنى ما يتناوله الإسم ، إذ لا نهاية للأعلى ، فإنه ما من جيد إلا وفوقه أجود منه(٢)). ونجد أبا حنيفة فى فقه فى الثياب يعترف بميزة كل بلد فى صناعته ، اعتراف الخبير الممارس ، الفاهم لخواص كل صنف ، ولذلك يجوز فى السلم أن يشترط أن تكون الثياب من صناعة بلد معين ، فيصح أن يكون السلام فى ثوب هروى(٣) مثلا وعلى عكس ذلك إذا كان المسلم فيه حنطة ، فقال مثلا : حنطة هرأة لا يصح السلم ، وقد قال السرخسى فى علة ذلك ما نصه: ((قيل إن الثوب الهروى لا يتوهم انقطاعه بخلاف الطعام ، فالجراد قد يستأصل طعام هراة، ولا يستأصل حركة هراة، وهذا ضعيف ... ولكن المعنى الصحيح فى الفرق أن نسبة الثوب إلى هراة لبيان جنس المسلم فيه ، لا ليتعين المكان، فإن الثوب الهروى ما ينسج على صفة معلومة ، فسواء نسج على تلك الصفة بهراة أو بغير هراة يسمى هروياً ... )) وإلى هذا أشار إليه فى الكتاب، فقال: ((الثوب الهروى من الثياب بمنزلة الحنطة من الحبوب، يعنى بهذا بيان الجنس ، بخلاف الحنطة ، فإن حنطة هراة ما نثبت بأرض هراة ، حتى إن النابت فى موضع آخر لا ينسب إلى هراة، وإن كان بتلك الصفة ، فكان هذا تعييناً منه للمكان ، ولذلك يتوهم انقطاعه)، (٤). وترى من هذا أن الفقة الحنفى فى الثياب يعتبر النسبة إلى المدن ، لبيان الخواص فى الصناعة، لا بيان المكان ، وذلك كلام الخبير الذى عرف الأسواق، وخبرها . وعرف أحوالها ، ومقاصد الناس فى العقود . ١٩٩ - ولقد اشترط أبو حنيفة لصحة السلم أن يكون المسلم فيه موجوداً فى (١) رب السلم هو المشترى، لأنه صاحب الثمن المسمى رأس المال. والمسلم إليه هو البائع. (٢) المبسوط جـ ١٢ ص ٠١٥٣ (٣) نسبة إلى هراة مدينة بخرسان . (٤) المبسوط = ١٢ ص ١٧٥ ٠ - ٣٧١ - الأسواق أو فى أيدى الناس وقت العقد، ويستمر موجوداً إلى وقت التسليم ، وقد خالف أبا حنيفة فى ذلك مالك والشافعى ، فمالك اشترط الوجود وقت العقد، ووقت التسليم ، ولم يشترط الاستمرار بينهما، والشافعى اشترط الوجود وقت التسليم فقط، ولم يشترط الوجود وقت العقد . وتحرير الخلاف بين هؤلاء الأئمة الثلاثة أن أبا حنيفة يشترط الوجود عند العقد إلى التسليم ، فإن انقطع بينهما بطل العقد ، ومالك يشترط هذين الوجودين ، ولكن الانقطاع بين العقد والتسليم لا يبطله عنده ، والشافعى لا يعتبر الوجود إلا عند التسليم ، ووجهة الشافعى أن موجب العقد وهو وجوب التسليم عند حلول الأجل. ولقد يؤيد رأى مالك أن ابن عباس رضى الله تعالى عنه قال: ((إن النبى صل} دخل المدينة ، فوجدهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين ، وربما قال ثلاث سنين ، فقال من أسلم منكم فليسلم فى كيل معلوم ، والثمار الرطبة لا تبقى إلى هذه المدة الطويلة ، ومع هذا أقرهم على السلم فيها . وأما حجة أبى حنيفة، فإنها تقوم على أصلين مقررين عنده : (أحدهما ) أن الديون المؤجلة بالموت تصير حالة، والمسلم فيه دين فى ذمة المسلم إليه ، فهو يحمل بمجرد وفاته، ويكون من الواجب على ورثته أن يؤدوا ما كان يجب عليه أداؤه . ( ثانيهما) أن قدرة البائع على تسليم المبيع شرط لصحة كل البيوع، فيجب أن تستمر هذه القدرة ثابتة ما دام الوفاء واجباً ، وإذا كان الوفاء محتمل الوجوب فى أى زمن من الأزمان فيما بين العقد والأجل ، فيجب أن تكون القدرة ثابتة طول هذه المدة. بناء على هذين الأصلين قرر أبو حنيفة ومعه أصحابه اشتراط وجود المسلم فيه من وقت العقد إلى وقت الوفاء، لاحتمال وفاة المسلم إليه فى أى وقت من هذه الأوقات ، فيحل الدين ، ويكون مقتضى العقد وجوب الوفاء فى ذلك الوقت ، ويجب أن تثبت القدرة على التسليم فى ذلك الوقت، فيجب إذن أن يستمر الوجود من وقت العقد، إلى وقت حلول الأجل ، لذلك الاحتمال. - ٣٧٢ - ولقد يقال إن حياته موجودة معلومة ، فيفرض بقاؤها ، حتى يتم التسليم ، ويكون احتمال الموت احتمالا بعيداً عن المفروض المعلوم ، فلا يلتفت إليه فى الأحكام، إذ هى تقرر على الأساس الثابت وقتها، ويفرض استمراره إلى ما بعدها، إن كان ممكناً ، وذلك الكلام سير على أصل من أصول الشافعية، وهو أن استصحاب الحال يصلح مقرراً للحقوق منشئاً لها ، إذ جعلت الحياة مفروضة البقاء باستصحاب الحال ، فكانت موجبة صحة العقد بهذا الفرض، ولكن الحنفية يعتبرون استصحاب الحال دافعاً مانعاً لإسقاط الحقوق ، لا لإنشائها . ولقد قال فى ذلك السرخسى: ((فإن قيل حياته معلومة فى الحال، والأصل بقاؤه حياً إلى ذلك الوقت، وإنما الموت موهوم قبله، قلنا: نعم، ولكن بقاؤه حياً إلى ذلك الوقت باستصحاب الحال، فيكون معتبراً فى إبقاء ماله على ملكه، لا فى توريثه من مورثه ، فهذا الطريق لا يثبت قدرته على التسليم إلا أن يكون موجوداً فى الحال حتى تكون حياته متصلة بأوان ذلك الشىء ((أى وقت التسليم)) (١). هذا مسلك السرخسى فى الاستدلال ، وقد سلك الكاسانى مسلكا آخر فى إثبات رأى الحنفية، فقال: ((إن القدرة على التسليم ثابتة للحال، وفى وجودها عند المحل شك ، لاحتمال الهلاك، فإن بقى إلى وقت المحل ثبتت القدرة، وإن هلك قبل ذلك لا تثبت ، والقدرة لم تكن ثابتة ، فوقع الشك فى ثبوتها ، فلا تثبت مع الشك ، (٢) . وخلاصة ذلك الكلام أن اشتراط وجوده إلى وقت التسليم إنما كان ليزول كل شك فى وجوده عند التسليم ، إذ أن حال التسليم مشكوك فى وجوده فيها ، فلكيلا يكون ثمة أى غرر ، كان لا بدمن وجوده وقت العقد ، وأن يستمر ذلك الوجود إلى وقت التسليم ، الذى هو الأساس فى القدرة. (١) المبسوط الجزء الثاني عشر ص ٠١٥٣ (٢) البدائع الجزء الخامس ص ٢١١. - ٣٧٣ - ٢٠٠ - وهذا النظر الذى نظره أبو حنيفة فى اشتراط وجود المسلم فيه من وقت العقد إلى وقت التسليم هو نظر التاجر الذى يريد أن يبعد بالتجارة عن كل مواطن الغرر ، ومظان العجز، بحيث يكون العاقد قادراً على الوفاء، متی لزم ، وفى الوقت الذى تعين الإيفاء ، فإذا لم يكن على يقين بوجوده وقت ذلك الوفاء ، لم يستيقن بتحقق القدرة وقت التسليم ، فلكى يتم ذلك الاستيثاق اشترط هذه القدرة من وقت العقد، ليكون البعد عن الغرر ، والعجز. وهكذا تجد أبا حنيفة فى كل مسالكه التجارية ، يحرص على أمرين: الأمانة من كل نواحيها، والابتعاد عن الغرر ، وتجنب كل مظانه . ومع أن الحرص على البعد عن كل غرر فى العقد قد دفع أبا حنيفة إلى ذلك الشرط، لكى يتم تنفيذ العقد فى إبانه قد تساهل فى وجوده بعد وقت التسليم ، ولو لم يتم التسليم ، حتى انقطع عن أيدى الناس، فإنه فى هذه الحال قد قرر أن السلم لا يفسخ بذلك الانقطاع، لأن العقد قد بعد عن مظان الغرر، إذ المسلم فيه قد استمر من وقت العقد إلى وقت التسليم ، وبذلك يتقرر العقد ويثبت ، وإذا كان قد انقطع لعارض بعد تقرر العقد وثباته، وإبعاده عن كل مظان التغرير بإمكان استيفاء كل أحكامه فى أوقاتها المقررة لها بمقتضاه فلا مبطل له من هذه الناحية، وإنه إذا كان قد عرض له الانقطاع بعد ذلك التقرر والثبات ، فقد يعرض له الوجود بعد ذلك فيمكن التسليم(١). ٢٠١ - وإذا كان أبو حنيفة حريصاً كما رأيت على إبعاد العقود عن كل مظان الغرر والجهالة ، فقد اشترط فى السلم أن يعين العاقدان عند إنشائه مكان تسليم المسلم فيه ، إذا كان له حمل ومؤونة ، وخالفه فى ذلك صاحباه ، إذ لم يشترطا ذلك واعتبرا مكان العقد هو مكان التسليم إذا لم يذكر فى العقد مكان للتسليم. (١) الكتاب المذكور ، وقد خالف فى ذلك زفر وقال ببطل العقد إذا انقطع ويسترد رأس المال . لأن الانقطاع من أيدى الناس فيه عجز عن أدائه ، فيبطل العقد كما يبطل إذا هلك المبيع فى يد البائع قبل التسليم إذ العجز عن أداء المبيع الموصوف ، كهلاك المبيع المعين . -- ٣٧٤ - ومن الحق أن نقرر أن رأى الصاحبيْن كان هو رأى أبى حنيفة أولا، ولكنه غير رأيه ، وقرر أن بيان المكان شرط ، فهل كان ذلك التغيير. لأنه لمس فى البياعات ما أوجب ذلك التغيير ، ولاحظ فى الأسواق أن تلك الجهالة أفضت إلى النزاع. وجرت إلى مفاسد هذا الباب من أبواب التجارة ؟ إنا نرجح أنه غير رأيه لما عاين وشاهد ما يفضى إليه ذلك التجهيل من نزاع، وأنه أراد أن يحمى بذلك العقد من كل ذرائعه وأسبابه . ولنسق الآن حجة الصاحبين ثم حجته ، أو بالأحرى لنسق ما يمكن أن يكون حجة رأيه الأول ، ثم ما يمكن أن يكون حجة لرأيه الثانى الذى يرجح لدينا أنه استمده من التجربة والاختبار، لا من القواعد الفقهية وحدها . حجة الرأى الأول، وهو أنه لا حاجة إلى ذكر مكان الإيفاء ، وأنه عند عدم ذكره يكون مكان الإيفاء هو مكان العقد تقوم على ثلاث شعب: ١ - أن موضع العقد هو موضع الإلتزام ، فيتعين الإيفاء ما التزم به كلا المتعاقدين ، كموضع الاستقراض ، فهو موضع الأداء، وموضع الاستهلاك ، فهو موضع الضمان . ٢ - أن المسلم فيه دين مقابل برأس المال، وهو الثمن، ورأس المال يجب أداؤه فى مكان العقد، لأن قبض رأس المال فى المجلس شرط فى صحة السلم ، فالمساواة بين العاقدين توجب أن يكون مكان تسليم البدلين واحداً ، إلا إذا شرط غير ذلك، فالثابت إذن بمطلق العقد هو التسليم فى مكان العقد . ٣ - أن المسلم فيه دين ثبت حقاً للمشترى بما سلمه للمسلم إليه فى المجلس ، فمكان ثبوت ذلك الدين إذن هو مكان العقد ، فهو مكان ملكية ذلك الحق ، ومكان ملكية الشيء هو مكان لتسليمه ، فمن اشترى شيئاً فى مكان معين، فمكان تسليمه هو الذى كان فيه وقت أن ثبتت الملكية عليه فيه . هذه حجح الرأى الأول ، وكلها أقيسة فقهية ، فيها دقة وفيها إحكام ، وفيها تطبيق دقيق لقواعد العقود . - ٣٧٥ - أما حجج الرأى الثانى فأساسها أمران: (أحدهما) وهو العماد ، ولعله هو الذى دفعه لتغير رأيه ، أن فى عدم تعيين موضع التسليم جهالة تفضى إلى النزاع ، إذ أن استحقاق التسليم لا يكون إلا بعد أجل قد يكون طويلا ، وقد يكون المكان عند حلول الأجل غير صالح للتسليم ، أو يتعذرفيه التسليم ، أو يتعذر تعيينه، ولذلك أثر عنه أنه قال: «أرأيت لو عقداً عقد السلم فى السفينة فى لجة البحر أ كان يتعين موضع العقد للتسليم عند حلول الأجل))(١) وهكذا ترى أبا حنيفة تنتهى به التجربة إلى أن جهالة مكان التسليم تفضى إلى المنازعة ، وأن تعين مكان العقد ليس فيه جدوی کبیرة تدفع النزاع ، أو تحد دائرته . الأمر الثانى - أن العقد لا يوجب مكاناً معيناً بنفسه، ولو كان كذلك ما جاز تغييره بالشرط ، إذ يكون ذلك مخالفة لمقتضى العقد، ولكن جاز التغيير بالشرط الاتفاق، فدل ذلك أن العقد بذاته لا يعين مكاناً ، وقد يرد هذا الدليل بأن الشروط التى يجرى بها العرف أو يرد بها نص قد تأتى بزائد على أحكام العقود ، ومثال ذلك أن حكم البيع المطلق ثبوت الملكية عقب العقد للمشترى ، ولكن إن شرط الخيار للبائع لا تثبت هذه الملكية . وإن كان ذلك القياس فى الإمكان رده بقياس مثله ، فالدليل الأول العملى لا يمكن رده ، وقد يرد على الأقيسة التى ساقوها، لإثبات أن المكان إذ لم يعين مكان هو مكان العقد ، بأنه فى الاستهلاك والقرض يتعين الاستحقاق فيهما ، لأن الاستحقاق غير مؤجل ، بل يثبت الاستحقاق فور وجود السبب ، فلا ضرر فى اعتبار أن المكان الواجب الوفاء فيه هو مكان وجود السبب ، وكذلك رأس المال يجب فور وجود العقد ، بل فى مجلس العقد، فكان هو مكان الإيفاء، ولذلك لم يجز تغيير المكان ، فلا يقاس عليه تسليم المسلم فيه ، وإن قضية المساواة بين البدلين غير ثابتة فى هذا العقد الاستثنائى بالنسبة للتسليم ، إذ هو قائم على تأجيل تسليم أحد البدلين ، وتعجيل الآخر لفائدة يجنيها العاقدان من ذلك ، فلو كانت المساواة (١) المبسوط : ١٢ ص ١٣٨. - ٣٧٦ - فى المكان ثابتة لوجب أن تكون المساواة فى الزمان ثابتة ، ولكن انتفت الثانية، لأن طبيعة العقد تقتضى ذلك ، فوجب أن تنتفى الأولى. واستدلال أبى حنيفة يتجه كما نرى إلى الناحية العملية أولا وهى العماد ، ثم. يعاضدها بأقيسة تقويها ، وتدعمها، وتكون أساسها الفقهى، بينما الصاحبان اللذان استمسكا بر أبه الأول قد اتجها اتجاهاً نظرياً . ٢٠٢ - هذا الخلاف بين الإمام والصاحبين فى الحال التى يكون فيها المسلم فيه ما له حمل ومؤونة ، أما إذا كان ما ليس له حمل ومؤونة، فقد اتفق الإمام والصاحبان على أن ذكر مكان الإيفاء ليس بشرط ، ولكن الصاحبين استمسكا بأصلهما وهو أن مكان الوفاء هو مكان العقد، لأنه موضع الإلتزام. أما أبو حنيفة التاجر العملى، فهو يرى أن السليم يكون حيثما كان ، ولو بين العاقدان مكانا، لأن الشرط لا فائدة فيه عنده ، فهو فى حكم اللغو، والعقد لم يعين مكاناً، لأن تعيين مكان الإلتزام ، حيث تكون الفائدة فى التعيين ، ولقد قال فى ذلك السرخسى: ((إن الشرط غير المفيد لا يكون معتبراً، والمالية فيما لا حمل له ومؤونة لا تختلف باختلاف الأمكنة ، إنما تختلف لعزة الوجود ، أو كثرة الوجود فأما فما له حمل ومؤونة فتختلف ماليته باختلاف المكان ، فإن الحنطة أو الحطب موجود فى المصر والسواد (١) جميعاً، ثم يشترى فى المصر بأكثر مما يشترى فى السواد ، وما كان ذلك إلا لاختلاف المكان )) . وهكذا تري فى فقه أبى حنيفة خبرة التاجر فيما يتعلق بمكان الإيفاء ، إذا كان له حمل (٣) ومؤونة أو لم يكن، فهو يستمد آراءه من أمور عملية، وخبرة بالأسواق وعلم بشؤونها. (١) المراد بالسواد هو ما نسميه فى عرفنا فى مصر القرى أو الريف، والمصر المدينة . وقد فرض السرخسى كما رأيت أن مالا حمل له ولا مؤونة لا تختلف فيه المالية باختلاف المكان ، بل الاختلاف فيها لغزة الوجود ولكثرته ولكن ألا يكون اشتراط فى التسليم فى مكان معين لا لاختلاف المالية بالأمكنة، إنما لرفع خطر الطريق ، ويكون الشرط فيه فائدة . (٢) الخلاف بين أبي حنيفة والصاحبين بالنسبة لتعيين المكان فيما له حمل ومؤونة يجرى فى أربعة = - ٢٧٧ - ٢٠٣ - وأعلام رأس المال فى السلم لازم لصحته كما بينا، وذلك ببيان قدره. وجنسه ووصفه أو يعينه بالإشارة إليه، وقد اتفق أبو حنيفة والصاحبين على أن التعيين بالإشارة كاف إذا كان رأس المال قيمياً ، أما إذا كان مثلياً فلا يكتفى بالإشارة. بل لابد مع الإشارة من بيان الجنس والنوع والقدر ، ولو كان معيناً بالتعيين ، وذلك عند أبى حنيفة، ووافقه فى هذا سفيان الثورى ، وخالفه الصاحبان ، وهكذا نرى أبا حنيفة يسير على وفق منطقه ، وهو التعريف يبدلى العقد بكل ما يمكن من طرائق ووسائل ، فيكتفى فى القيمى بالإشارة ، لأنها أقصى ما يمكن من تعريفه، ولا يكتفى فى المثلى بتعريفه بالإشارة ، لأنه يمكن مع الإشارة زيادة التعريف ببيان قدره، وهو لا يكتفى بالتعريف القليل ما دام قد أمكن الأكثر بياناً، أما الصاحبان فيريان أن التعيين بالإشارة كاف ما دام القبض سيتم فى المجلس ، على ما سفبين إن شاء الله تعالى، ولنوضح بعض التوضيح وجهة نظر كلا الفريقين ، ونوجه رأيه. حجة الصاحبين أن الحاجة إلى معرفة رأس المال ، إنما هو لدفع الجهالة المفضية إلى النزاع، وإن هذه الجهالة مدفوعة بالتعيين بالإشارة ، فلا حاجة إلى تعريف وراءها ، ولا فرق فى ذلك بين قيمى ومثلى، إذ المثلى المعين بالإشارة كالقيمى فى معرفته، فما دامت الإشارة كافية لتعريف القيمى ، فيجب أن تكون كافية فى تعريف المثلى . هذا نظر الصاحبين أما نظر أبى حنيفة ، فهو أن جهالة قدر المثلى قد تفضى إلى جهالة المسلم فيه ، وجهالة المسلم فيه مفضية إلى النزاع ، وبيان ذلك أن المثلى = فصول: (أحدها ) هذا الذى ذكر فى السلم، ( ثانيها ) فى ثمن المبيع إذا كان له حمل ومؤونة وهو مؤجل، ( ثالثها ) فى أجرة الإجارة إذا كانت شيئاً موصوفاً، ومؤجلا، (رابعها ) فى القسمة إذا كان بدلها شيئاً موصوفاً مؤجلا له حمل ومؤونة . ففى كل هذه الفصول يشترط أبو حنيفة ببيان مكان الإيفاء ، ولا يشترط الصاحبان ، ويعتبر أن مكان الإيفاء هو مكان العقد ، عند عدم ذكر مكان سواه .