النص المفهرس
صفحات 301-320
- ٢٩٨ - من كل الوجوه ، بل يكون له شاهد منها ، ويكون الموضوع تنازعه أصلان ، (أحدهما) أصل يؤيد تطبيقه فى الموضوع الحديث، و(الثانى) أصل لا يؤيد تطبيقه الحديث ، ولا شك أن أبا حنيفة عندما يكون ذلك وضع الحديث لا يقول قط إنه يعارض الأصول ، بل الذى يجب أن يقرر أن أبا حنيفة لا يرد خبر الآحاد إذا كان يشهد له أصل قطعى ، انما يرده فقط إذا كان شاذا لا يتفق مع أصل من الأصول القطعيه، بل يعارضها كلها، والخلاف بين الحنيفة والمالكية فى حديث العرايا، ليس أساسه أن الحنفية يردون الحديث مع شهادة الأصل، وأن المالكية لا يردونه فى هذه، بل أساس الخلاف هو أن الحديث معارض بحديث مشهور أقوى منه فى نظرهم ، وهو حديث الربا، وعند تعارض خبر آحاد بخبر مشهور يعمل بالمشهور دون الآحاد ، فالمسألة خارجة عن باب القياس ١٣٠ - وخلاصة القول فى نظر أبى حنيفة إلى أخبار الآحاد أنها إن لم تعارض قياسا قبلها، وإن عارضت قياسا علته مستنبطة من أصل ظنى ، أو كان استنباطها ظنيا ، ولو من أصل قطعى ، أو كانت مستنبطة من أصل قطعى، وكانت قطعية ، ولكن تطبيقها فى الفرع ظنى، تقدم الأخبار أيضاً على القياس لأنها ظنى يعتمد على النسبة إلى الرسول عَّ اله، وهو مبين الشرع، ومفصل أحكامه. أما إذا عارضت أخبار الاحاد أصلا عاما من أصول الشرع ثبتت قطعيته، وكان تطبيقه على الفرع قطعيا، فأبو حنيفة يضعف بذلك خبر الاحاد ، وينفى نسبته إلى الرسول عَّ اله ، ويحكم بالقاعدة العامة التى لا شبهة فيها. لهذا ولما علمت من الأخذ بعمومات القرآن ، وعدم احتياج الخاص فى القرآن إلى بيان، وللثقة المطلقة برواة الكوفة وفقهاء العراق، ولعدم وصول أحاديث المدينة إلى العراق أثر عن أبى حنيفة أخذ بعموم القرآن ، وبالقياس فى موضوع بعض أخبار الاحاد . - ٢٩٩ - حجية الحديث المرسل عند أبى حنيفة ١٣١ - المرسل من الحديث هو ما يترك فيه التابعى ذكر الصحاى الذى وصل إليه حديث التى يَّ عن طريقه، فيقول التابعى قال رسول اللّه صَّ اله، من غير أن يبين من أوصل إليه الحديث ، وهذا التعريف يجعل الإرسال مقصوراً على التابعى ، ولكن فخر الإسلام يفسر الارسال تفسيراً أعم ، فيذكر أنه هو الذى لم يذكر فيه السند إلى الرسول عَّ له ، فيشمل إرسال الصحابى فيما لم يسمعه عن رسول اللّه صَّ له، وإرسال التابعى، وارسال العدل فى أى عصر من العصور، ولقد قال الحنفية، ان الارسال يقبل من الصحابى والتابعى، والقرن الثالث أى تابع التابعى، ولا يقبل وراء ذلك، وذلك الرأى مقابل لرأيين آخرين: أحدهما عدم قبوله وهو رأى طائفة كبيرة من المحدثين ، قد عدها النووى رحمه الله جمهور المحدثين ، فقد جاء فى التقريب: ((ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين، وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول . ويستدل لذلك الرأى بأنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله ، فرواية المرسل أولى ، ولأن الراوى الذى يصل التابعى بالرسول يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وإذا كان تابعياً فيحتمل أن يكون ضعيفا ، ويحتمل أن يكون ثقة ، ويحتمل أن يكون هذا " التابعى الذى لم يذكر روى عن صحابى أو تابعى ضعيف أو ثقة، ومع كل هذه الاحتمالات لا يمكن أن يكون حجة)). والرأى الثانى ((وهو رأى الشافعى، وهو يقبل المرسل بشرطين : أحدهما أن يكون التابعى الذى أرسل من كبار التابعين الذين التقوا بكثير من الصحابة كسعيد ابن المسيب الذى التقى بعدد كبير من الصحابة . والشرط الثانى أن يوجد ما يقوى الإرسال ، (١) بأن يروى الحديث بسند آخر متصل ، وتلك أقوى أحوال الارسال (٢) أو يروى مرسل فى معناه قبله أهل العلم، وتلك هى المرتبة الثانية (٣) أو يكون المرسل موافقا لبعض أقوال - ٢٠٠ - الصحابة أو أفعالهم ، وتلك هى المرتبة الثالثة من مراتب الارسال (٤) أو يوجد جماعات من أهل العلم يفتون بمثل ما جاء فى المرسل، فان لم توجد معاضدة للارسال على ذلك النحو . لا يقبل المرسل فى عمل ، ولا يلزم به أحد . وإذا قبل الشافعى العمل بالمرسل عند وجود شروطه لا يكون فى قوة المسند ؛ لأنه منقطع السند إلى الرسول ، فلا تثبت الحجة به ثبوتها بالمتصل ، ويقول الشافعى فى ذلك: ((يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمى، وأن وافقه مرسل مثله، فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحداً، من حيث لو سمى لم يقبل)) (١). ١٣٢ - هذه هى المذاهب فى المرسل ، والمذهب الحنفى على قبوله حتى إلى طبقة تابعى التابعين ، فمرسل التابعى ، لا يقبل هو فقط ، بل يقبل أيضاً مرسل تاح التابعى. ونظرة عاجلة إلى المسندات المنسوبة لأبى حنيفة ، وكتب الآثار ترينا ذلك فيها بيناً واضحاً ، وأنك لا تخرج صفحة من کتاب الآثار لآبی یوسف ، حتى تجد فيها طائفة من المرسلات من الأحاديث التى أخذ بها رضى الله عنه. ولنلق إليك بعض الأمثلة : ١ -(( عن أبى يوسف، عن أبى حنيفة، عن زيد بن أبى أنيسة، عن رجل من أهل مصر، قال خرج رسول اللّه صَّ ل ذات يوم، وقد أخذ الحرير بيد» والذهب بيد، فقال هذان محرمان على الذكور (٢) من أمتى حلال لانائهم)). ب - عن أبى يوسف عن أبى حنيفة عن الهيثم عمن حدثه عن النبى عَليه إنه كان إذا دخل رمضان صلى وصام؛ حتى إذا كان فى العشر الأواخر شد المنزر ، وأحيا الليل)) (٣) . (١) الرسالة للشافعى . (٢) الآثار صفحة ٢٣، وزيد بن أنيسة من تابعى التابعين توفى سنة ١٢٤، أو سنة ١٢٥ على اختلاف. الروايات فى ذلك . (٣) الآثار س ٤١، والهيثم من تابعى التابعين . - ٣٠١ - (جـ) عن أبى يوسف عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن النبي صَّ له قال لعائشة رضى الله عنها : مرى أبا بكر أن يصلى بالناس: فقال أبو بكر: قولى: أن أبى شيخ كبير رقيق، متى أقوم مقام رسول اللّه صَ لهل يشق على، فقولى له: يأمر عمر، فذكرت ذلك للنبي صَّاللّه ، فقال مرى أبا بكر يصلى بالناس فأرسل إليها أن أغنونى أنت وحفصة وقولا له: إن أبا بكر رقيق ، فمر عمر ، فقال: إنكن صواحب يوسف، مرى أبا بكر !! قال وأقيمت الصلاة ، فوجد الذى عَّ ◌ُلّ من نفسه خفة، خرج إلى الصلاة بين اثنين، فقالت له عائشة، إنك لا تستطيع، أن تشق على نفسك ، قال جعلت قرة عينى فى الصلاة ، حتى دخل المسجد، فسمع أبو بكر حس النى صَّ اللّه فذهب ليستأخر، فأوماً إليه النبى معَِّلّه أن مكانك، فقعد التى عَّ اله، وقام أبو بكر عن يمينه فكبر النبى مَّ اله وكبر أبو بكر وكبر الناس بتكبير أبى بكر، فكان أبو بكر يصلى بصلاة التى صَّ اله ، ويصلى الناس بصلاة أبى بكر (١). (د) عن أبى يوسف، عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن النبي صَا﴾ أنه قال: ((العجماء جبار، والقليب جبار، والمعدن جبار)) (٢). (هـ) عن أبى يوسف عن أبى حنيفة عن الهيثم أن النبي صَّ له تزوج ميمونة رضى الله عنها، وهو محرم بعسفان (٣). ١٣٣ - هذه كلها مرويات لأبى حنيفة رضى الله عنه، وتراه قد قبل المرسلات (١) الآثار لأبي يوسف صفحة ٥٧ ، وإبراهيم هو إبراهيم النخعى شيخ حماد ابن أبي سليمان، وهو تابعى وقد تقدم الكلام فيه . (٢) الآثار لأبي يوسف ص ٨٩، وجبار بالضم ففتح أى هدر، وقد فسر الإمام محمد الحديث فى كتاب الآثار له فقال: ((والجبار الهدر، إذا سار الرجل على الدابة فقتلت رجلا أو جرحته ، فذلك حدر . والعجماء الدابة المنفلتة ليس لها سائق، ولا راكب تطأ رجلا فتقتله ، فتاك هدر والمعدن والفليب : الرجل يستأجر الرجل يحفر له بئرا أو معدناً ، فيسقط ، فيموت، فذلك هدر . (٣) الآثار لأبي يوسف ص ١١٦ - ٣٠٢ - من الطبقة الثانية ، والطبقة الثالثة ، فلم يكن رأى الحنفية قبولها من بعده إلا تبعاً له، وما كانوا فى ذلك مخرجين أو مستنبطين ، بل كانوا متبعين صريح رواياته. بيد أنه يلاحظ أن أبا حنيفة إنما كان يقبل الارسال من ناس عرفهم ، وتأثر طريقهم ، وهم عنده فى مقام من الثقة ، لا يتطرق الريب إليه ، فابراهيم النخعى شيخ شيخه، وهو متأثر بطريقه، راو فقه، يخالفه أو يوافقه، فهو فى الحالين فى مكان الثقة الذى لا يشك فى مروياته ، والحسن البصرى واعظ العراق له مثل هذه الثقة ، وكذلك كل من قبل أبو حنيفة مرسلاته ، وقمول المرسلات ممن لهم تلك المكانة من الثقة لا يدل على قبوله لمطلق إرسال ، فمن الناس من لا يقبل المتصل منه فضلا عن أن يقبل المرسل ، وعلى ذلك نقول: إن قبول المرسلات من. روی عنهم أبو حنيفة ، ليس دليلا على أنه یجیز قبول المرسلات باطلاق ، فلا بد أن يكون قد لاحظ ، أن يكون التابعى أو تابع التابعى من الثقات الذين يؤخذ عنهم ، ولا يروون إلا عن الثقات ، فلا يأخذون عن ضعيف ، ولا يكون فيمن يتلقون. عنهم من لا يكون ثقة يطمأن اليه ، ويؤخذ عنه ، ولا يصح حينئذ أن يقال عن أبى حنيفة إنه يعتبر كل مرسل من تابعى أو تابع تابعى حجة من غير قيد ولا شرط . ١٣٤ - ويظهر أن قبول المرسل من الأخبار كان أمراً شائعاً فى عصر أبى حنيفه. رضى اللّه عنه؛ لأن الثقات من التابعين الذين التقى بهم، أو بتلاميذهم كانوا يصر حون بأنهم يرسلون اسم الصحابى إذا كانوا قد رووا الحديث عن عدة من الصحابة . فقد روى عن الحسن البصرى أنه كان يقول: «كنت إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا)) وعنه أنه قال: ((متى قلت لكم حدثنى فلان ، فهو حديثه لا غير، ومتى قلت، قال رسول اللّه صَّ اله سمعته من سبعين أو أكثر)): ولقد روى أن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: ((إذا رويت لى حديثاً عن عبد الله، فاسنده لى ، فقال إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبد اللّه، فهو الذى روى لى ذلك، وإذا قلت. قال عبد الله، فقد رواه لى غير واحد)). - ٣٠٣ - ويظهر أن الإرسال كان هو الكثير بين التابعين قبل أن يكثر الكذب على رسول. اللّه عَّ له، فاضطر العلماء إلى الإسناد، ليعرف الراوى، فتعرف نحلته، ولقد قال. فى ذلك أن سيرين: ((ما كنا نسند الحديث، إلى أن وقعت الفتنة)). لهذا قبل أبو حنيفة المرسل فى تلك الحدود التى لاحظناها، وهى أن يكون الذين أرسلوا من الثقات، ويظهر من تقع كتب الآثار المنسوبة إلى أبى حنيفة أن المرسل يكون فى مرتبة خبر الآحاد عنده ، فعند تعارضهما يرجح بينهما بطرق الترجيح التى تتبع عند تعارض خبرين من أخبار الآحاد . ولقد اختلف بعد ذلك الحنفية فى مرتبة المرسل وخبر الاحاد عند تعارضهما: فبعضهم قدم المرسل ، وبعضهم قدم المتصل ، وفى ذلك كلام طويل ، فليرجع إليه فى موضعه ، وهو لا يجدينا فى بيان ما كان يتبعه أبو حنيفة ، إذ هو إختلاف لا يمس طريقه . ١٣٥ - هذه نظرات أبى حنيفة إلى السنة ، قد جعلها بعد الكتاب عمادفقهه يتجه إليها إن ثبتت برواية الثقات الذين اطمأن إليهم، ولم تعتره ريبة فى أقوالهم، يقدم. السنة على القياس، ويؤخر آحادها عن عمومات القرآن ، وإذا تعارضت المرويات مع قاعدة من القواعد المقررة فى الدين التى أجمع عليها المسلمون كان ذلك طعناً فيها وترد الشذوذها عن المقررات فى الشريعة ، والأمور الثابتة فيها ؛ ولم يكن هو بدعاً فى ذلك ، بل معه جمهور الفقهاء، ومنهم شيخ فقهاء الحجاز مالك رضى الله عنه، ثم هو يقبل أخبار الاحاد والمرسلات ما دامت لا تناقض الكتاب، أو السنة المشهورة. أو مقررات الشريعة . - ٣٠٤ - ٣ - فتوى الصحابى ١٣٦ - ذكرنا فى صدر كلامنا فى أصول أبى حنيفة رضى الله عنه أنه قال: (( إن لم أجد فى كتاب اللّه، ولا سنة رسول اللّه مَّ اله ، أخذت بقول أصحابه آخذ بقول من شئت ، وادع من شئت منهم ، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر أو جاء إلى إبراهيم، والشعبى، وابن سيرين والحسن، وعطاء ، وسعيد بن المسيب، وعد رجالا ، فقوم اجتهدوا ، وأجتهد كما اجتهدوا. وهذا الكلام يدل على أنه يأخذ بقول الصحابى، ويعتبره واجب الاتباع ، وأنه إذا اجتهد فى موضوع كانت للصحابة آراء فيه، يختار من هذه الآراء، ولا يخرج عن آرائهم إلى غيرها ، وإنه إذا لم يكن لهم رأى اجتهد ، ولا يتبع رأى التابعى ، فهو لا يقلد التابعى، ولكن يقلد الصحافي. هذا ما يدل عليه صريح قوله ، وليس لنا إلا أن نقبله على أنه طريقة اجتهاده لأن الأخبار تضافرت عنه بذلك ، وهو أصدق الناس قولا فى إعلان مسلكه فى اجتهاده ، فليس لنا أن نتعرف طريقه من غير بيانه ، إذا كان له فى المقام بيان ولكن نتجه إلى غيره فى معرفة الفروع التى طبق عليها ذلك الأصل ، إذ لم يدون هو فروع مذهبه . ١٣٧ - وعندما نتجه إلى الفروع نجد فخر الإسلام البزدوى ، الذى عنى باستخلاص الأصول التى بنى عليها الاستنباط الحثفى يقرر أن تلك القاعدة ، وهى تقليد الصحابى موضع خلاف فيقول: ((قال أبو سعيد البردعى : تقليد الصحابى واجب يترك به القياس، وعلى هذا أدركنا مشايخنا، وقال الكرخى لا يجب تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس ... وقد اختلف أصحابنا فى هذا الباب ، فقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إن إعلام قدر رأس المال ( فى السلم ) ليس بشرط ، وقد روى عن ابن عمر خلافه، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فى الحامل إنها تطلق - ٣٠٥ - ثلاثاً للسنة، وقد روى عن جابر وابن مسعود خلافه، وقال أبو يوسف ومحمد فى الأجير المشترك إنه ضامن، ورويا ذلك عن على، وخالف ذلك أبو حنيفة بالرأى))(١). هذا ما قاله غير الإسلام ، وهو فيه يثبت أن كلا من أبى حنيفة وأصحابه قد ثبت عنهم أنهم خالفوا رأى الصحابى، فمحمد وأبو يوسف خالفا رأى ابن عمر ، فلم يشترطا إعلام رأس المال فى السلم إذا كان معرفاً بالوصف ، وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف فتوى جابر ، وابن مسعود فى طلاق الحامل للسنة ، فقرر أنها تطلق ثلاثاً، ويكون ذلك من طلاق السنة قياساً على الآيسة والصغيرة، وخالف أبو حنيفة فتوى على رضى الله عنه فى ضمان الأجير المشترك، فقرر أنه لا يضمن إلا بالتعدى فإذا هلك بسبب لا تعدى فيه ، ولو كان يمكن الاحتراز عنه ، لا يضمن عند أبى حنيفة، لعدم توافر سبب الضمان؛ لأن الضمان سببه أحد أمرين لا ثالث لهما التعدى أو العقد، ولم يوجد واحد من الأمرين، فلا تعدى، ولا عقد ، ولا شرط فى عقد يترتب عليه ضمان ما ، وهذا يخالف فتوى على بوجوب الضمان إذا كان السبب يمكن الاحتراز عنه، فإنه كان يضمن القصار والخياط ، صيانة لأموال الناس وقال لا يصلح الناس إلا ذاك . وهذا البيان يستفاد منه أن أبا حنيفة كان يخالف الصحابة فيما للرأى فيه مجال أما ما لا مجال فيه للرأى، بل لا يثبت إلا بالنقل كالمدد، فإنه كان يقلدهم ، ولا يخالفهم ولذلك أخذ فى مدد الحيض وهى أن أقله ثلاثة وأكثره عشرة بقول أنس، وعثمان ابن أبى العاص ، ومثل ذلك ما يثبت أن طريق الصحابى فى معرفته هو السماع ، لا مجرد الإجتهاد، مثل قول عائشة رضى الله عنها لمن باعت إلى زيد بن أرقم بثمانمائة درهم ثم اشترت منه قبل تسليم الثمن بستمائة درهم: ((بئسما شريت واشتريت، بلغى زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل جهاده وحجه مع رسول اللّه عليه إن لم يتب)) فأناها زيد بن أرقم معتذراً، فنلت قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه ، فانتهى فله ما سلف ». (١) أصول نغر الإسلام ص ٩٢٧، الجزء الثالث . (٢٠ - ابو حنيفة) - ٣٠٦ - فإن إبطال الحج والجهاد بسبب مثل ذلك البيع لا يمكن أن يثبت إلا سماعاً، وكلام الصحابى فيما لا مجال فيه للرأى لا يكون إلا عن سماع. ١٣٨ - وخلاصة القول إن ما يستخرجه الكرخى من الفروع أن فتوى الصحابى فيما للرأى فيه مجال لا يصح تقليده فيها على رأى أبى حنيفة، وما لا مجال للرأى فيه. يجب اعتبار قوله فيه ؛ لأن مثل ذلك لا يكون إلا عن نقل ، فاحترامه حينئذ من قبيل الأخذ بالسنة، إذ أن فتواه حينئذ تكون عن سماع النى صَّ ◌ِلّه لا محالة ، فيجب التقليد لقوله على أنه حديث حجة ، وبهذا التحليل ينتهى القول إلى أن أبا حنيفة لا يتقيد بقول الصحابى، ما دام رأياً . ولكن ذلك يخالف المنقول عنه رضى الله عنه ، فبأيهما نأخذ، أبما صرح به. أم بما استنبط من فروع له؟ لا شك أننا نأخذ بما صرح به، وإن الفروع التى رويت عنه مخالفة لما صرح به فى ظاهرها ، يمكن أن تخرج تخريجاً يتفق مع صريح قوله بل إنه لا تعارض فى الواقع ونفس الأمر ؛ لأنه لكى يثبت التعارض يجب أن يثبت مدعيه أن أبا حنيفة كان يعلم بفتوى الصحابى ، وعدل عنها إلى القياس وأن يثبت أن الصحابى لا مخالف له من بين الصحابة ، وإن شيئاً من ذلك لم يثبته. نفر الإسلام وأبو الحسن الكرخى، فإن أبا حنيفة إذا أفتى بعدم ضمان الأجير المشترك لا نستطيع أن ندعى أنه أفتى بذلك ، وهو على علم بفتوى على وعمر أو بالأحرى عمل الخلفاء الراشدين الأربعة ، فإن ذلك قد روى عنهم، ولا نستطيع ندعى أن تلك الفتوى كانت محل إجماع من الصحابة ، بلا خلاف بينهم ، وإذا كان. الأمر كذلك ، فليس لأحد إذن أن يدعى أن أبا حنيفة يترك قول الصحابى إلى القياس ، ما دام قد أثر عنه غير ذلك ، وإن ذلك المأثور قد تضافرت به الأخبار وأيده استنباط أبى حنيفة فى كثير من المسائل ، وقد رأينا أبا حنيفة يترك. القياس إلى الأخذ بفتوى عمر رضى الله عنه فى مسألة أمان العبد ، لأنه بعد أن يقرر أن القياس يوجب ألا يقبل أمانة ، وأن الاحتياط لجماعة المسلمين يوجب عدم إقراره، إذ لا يجوز أن يسترق شخص فى صباح يوم الموقعة ، ويسلم فيصدر أماناً - ٣٠٧ - يلزم جماعة المسلمين ، ولكنه يبلغه أن عمر رضى الله عنه أمر بإمضاء أمان العبد، فيترك قياسه أو استحسانه، ويفتى برأى عمر رضى الله عنه، مقلداً له تابعاً. ١٣٩ - ولقد ساق شمس الأئمة السرخسى طائفة من الأدلة تثبت وجوب اتباع قول الصحابى فى كل الأحوال، حيث لا نص يعارضه، وهذه الأدلة تقوم على أصل من النقل؛ وعلى وجوه من العقل . أما النقل فقوله تعالى: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)) فالله تعالى مدح أصحاب رسول اللّه صَّ له من المهاجرين والأنصار، ومدح الذين اتبعوهم ، والتعبير بالموصول يفيد أن الاتباع هو سبب المدح ، وبذلك المدح وسببه يدعو الله سبحانه وتعالى إلى اتباعهم فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة، وذلك لا يكون إلا باتباع آرائهم فيما يتصل بالدين . ولقد قال صِّ لّه((أنا أمان لأصحابى؛ وأصحاب أمان لأمتى)). وأما العقل فمن وجوده . ( أحدها) أن الصحابة أقرب لرسول اللّه عَّ الهي من سائر الناس وهم الذين شاهدوا التنزيل ، وعاينوا مواضعه ، ولهم من العقل والإخلاص وحسن الفهم ما هم به أقدر على معرفة مرامى الشرع الشريف وغاياته، إذهم رأوا الأحوال التى نزلت فيها النصوص ، والأماكن التى تتغير الأحكام باعتبارها أحيانا ، ولهم مزايا على سائر الناس بالجد، والحرص على طلب الحقائق الدينية ، وتثبيت قوام الدين ، وتقوية اليقين . ( ثانيها) أن احتمال أن تكون آراؤهم سنة نبوية احتمال قريب، لأنهم كثيراً ما كانوا يذكرون الأحكام التى بينها النبى محمد له لهم من غير أن يسندوها إليه عَ الَ} لأن أحداً لم يسألهم عن ذلك، ولما كان ذلك الاحتمال قائماً مع أن رأيهم له وجه من القياس والنظر كان رأيهم أولى بالاتباع ، لأنه قريب من المنقول ، موافق للمعقول. ( ثالثها) أنهم إن أثر عنهم رأى أساسه القياس ، ولنا رأى آخر له من القاس - ٣٠٨ - وجه، فالاحتياط اتباع رأيهم، يقول النى صَّظله: ((خير القرون قرنى الذين بعثت فيهم ، ولأن رأى أحدهم قد يكون مجمعاً عليه منهم، إذ لو كان له مخالف لعرفه العلماء الذين تتبعواآثارهم، وإذا كان قد أثر عن أحدهم رأى ، وأثر عن غيره رأى آخر، فالخروج عن مجموع آرائهم ، خروج على جمعهم، وذلك شذوذ فى التفكير يرد على صاحبه ، ولا يقبل منه . ١٤٠ - وهذه بعض الأدلة التى سيقت لإثبات أن قول الصحابى حجة، وهو مقدم على القياس ، وقد قلنا إن ذلك رأى أبى حنيفة، كما هو صريح المنقول عنه ، كما يتفق فى كثير مع الفروع الفقهية المأثورة عنه، والمدونة فى بطون كتب المذهب الحنفى. ومن الإنصاف أن نسوق حجة الكرخى فى عدم اعتبار قول الصحابى حجة أو بالأحرى فى عدم جواز تقليده، وأساسها أن الحكم بالرأى من أصحاب رسول اللّه عَّ له مشهور، واحتمال الخطأ فى اجتهادهم ثات، إذ ليسوا بمعصومين عن الخطأ، وكان يخالف بعضهم بعضاً ، ثم هم لإخلاصهم كانوا لا يدعون الناس إلى تقليدهم فى أقوالهم ، وكانوا يتظننون فى صحتها ، ولقد كان ابن مسعود رضى الله عنه يقول فى رأيه ((فإن يكن خطأ، فمنى ومن الشيطان، وإذا كان علينا أن نقتدى بهم ، فعلينا أن نسلك مثل مسلكهم فى أن نجتهد آرائنا ، كما اجتهدوا آرائهم، وهذا هو الاقتداء الذى أمرنا به فى الحديث (( أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم )) . وخلاصة القول أن أبا حنيفة رضى الله عنه، كان يتبع قول الصحابة، وإن بعض المخرجين فى مذهبه ذهب إلى أنه كان يرجح الرأى على قول الصحانى معتمداً على بعض الفروع، ولكنا رجحنا الأخذ بنص قوله، لأن قوله هو المعتبر فى بيان مسلكه، ولأنه هو الذى تؤيده الفروع المختلفة، وهو الذى يتفق مع ورعه وتقواه، وتقديره للسلف الصالح واتباعه لأقوالهم. ولم يكن أبو حنيفة يأخذ بفتوى التابعى، على أنها واجبة الاتباع . - ٣٠٩ - ٤ - الإجماع ١٤١ - التعريف الذى تتلاقى فيه أقوال أكثر العلماء الذين ارتضوا الإجماع أصلامن أصول الفقه الإسلامى، هو أن الإجماع أتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية فى عصر على الحكم فى أمر من الأمور. فهذا التعريف أصح تعريف ، وهو الذى اختارته الجمهرة الكبرى من علماء الأصول ، وهو الذى ذكره الشافعى فى رسالته ، وأن الشافعى يعد أول من حرر معناه، وبين وجه الاحتجاج به ، واعتباره فى الفقه الإسلامى . وهل كان أبو حنيفة يعتبر الإجماع أصلا من أصول فقهه ، يبنى عليه اجتهاده لقد أجاب عن ذلك علماء المذهب الحنفى بالإيجاب، وفرعوا فيه الفروع ، وبينوا أن أبا حنيفة وأصحابه كانوا يأخذون بالإجماع فى شتى طرائقه، فهم يأخذون بالإجماع القولى ، والإجماع السكونى ، ويعتبرون من مخالفة الإجماع ، أن يكون العلماء قد اختلفوا فى أمر على رأيين اثنين ، ولم يقل أحد فى عصر من العصور غيرهما، فيجىء عالم بعد ذلك ويأتى برأى يغار هما تمام المغايرة، ولا يعتبر موافقاً لهما، أو لأحدهما بأى وجه من وجوه الموافقة . ١٤٢ - هذا ما ينسبه إليه الحنفية، وما يستنبطونه من فروعمأثورة عنه، وأقوال لأصحابه، بل يذكرون شروطً له فى الإجماع على ما سنبين . ولقد رجعنا إلى الذين رووا تاريخ أبى حنيفة لنجد عبارة تفيد أنه كان يأخذ بالإجماع، كما كان يأخذ بالسنة والكتاب، ثم آراء الصحابة، والقياس ، فلم نجد إلا العبارتين اللتين ذكرناهما فى صدر الكلام فى أصوله : (إحداهما) ما جاء فى المناقب للمكى: ((كان أبو حنيفة .... شديد الاتباع لم كان عليه الناس ببلده (١). ( ثانيهما) ما قال عنه سهل بن مزاحم: ((كلام أبى حنيفه أخذ بالثقة، وفرار من القبح ، والنظر فى معاملات الناس، وما استقاموا عليه. وصلح عليه أمورهم)) (٢). (١) = ١ ص ٨٩. (٢) المناقب للمكى ج ١ ص ٨٢ - ٣١٠ - فهاتان الروايتان عن معاصرين له قد تبينوا طرائق استنباطه تثبتان أنه كان يتبع ما يجمع عليه فقهاء بلده. وكان يسير عند عدم النص على ما عليه تعامل الناس وهذا يثبت بلا ريب أنه كان بالأولى يأخذ بإجماع المجتهدين عامة ، فمن يكون شديد الاتباع لفقهاء بلده أحرى أن يكون شديد الاتباع لما يجمع عليه العلماء. ١٤٣ - ويظهر أن اعتبار الإجماع حجة عند الفقهاء ، قد قام على ثلاث دعائم تدرج الاتجاه إليها: ( أولاها ) أن الصحابة كانوا يجتهدون فى المسائل التى تعرض لهم، وقد كان عمر فى كثير من الأحوال التى تتصل بالسياسة العامة للدولة يجمعهم ، ويستشيرهم ويبادلهم الرأى ، فإذا اجتمعوا على أمر معين سارت عليه سياسته ، وإن اختلفوا تجادلوا حتى ينتهوا إلى أمر تقره جماعة العلماء فيهم. كما كان الشأن فى أرض سواد العراق ، عندما استشارهم فى تقسيمها بين الغزاة، أو تركها فى يد الإمام ، لتكون للذوارى ، ويحمى بغلاتها الثغور ، وينفق منها على المسالح والمقاتلة، فقد اختلفوا واستمرت المجادله بينهم يومين ، جمعهم فيهما مرتين ، وانتهى الخلاف بالاتفاق على بقائها فى يد الإمام ، فكان ذلك أمراً مجمعاً عليه ، لا يجوز منهم خلافه . ( ثانيهما) أنه فى عصر الاجتهاد كان كل إمام يجتهد فى ألا يشذ بأقوال يخالف ما عليه فقهاء بلده، حتى لا يعتبر شاذاً فى تفكيره، فأبو حنيفة كان شديد الاتباع لما هو موضع إجماع عند من سبقوه من فقهاء الكوفة ، ومالك كان يعتبر إجماع أهل المدينة مقدماً على حديث الآحاد ، وبذلك تكونت فكرة اعتبار الإجماع حجة لا تصح مخالفتها . ( ثالثها) ما ورد من آثار تثبت الاحتجاج بالإجماع من مثل قوله صَ طالت: ((لا تجتمع أمتى على ضلالة)، وقوله عليه السلام: ما رآه المسلمون حسناً ، فهو عند الله حسن)) ومثل مارواه الشافعى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه سمع رسول اللّه صَ﴾ يقول: ألا فمن سرة بحيحة الجنة، فيلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الإثنين أبعد )). ١٤٤ - على هذه الأسس سار الاحتجاج بالإجماع فى عصر الاجتهاد . - ٣١١ - ويظهر أن معنى الإجماع لم يكن محرراً ، فكان انعقاد الإجماع موضع خلاف بين العلماء فى كثير من المسائل . ولقد وجدنا أبايوسف رضى الله عنه فى الرد على سير الأوزاعى يناقشه فى معنى إجماع الأمة ، عندما منع الاسهام للبراذين، وأسهم للفرس سهمين، ولم يعتبر البرذون كالفرس، فقد قال الأوزاعى فى ذلك: «كان أئمة المسلمين فيما سلف، حتى هاجت الفتنة من بعد قتل الوليد بن يزيد - لا يسهمون فى ذلك البراذين)) فيقول أبو يوسف فى الرد عليه: ((ما كنت أحسب أحداً يجهل هذا، ولا يميز بين الفرس والبرذون، ومن كلام العرب المعروف الذى لا يختلف فيه أن تقول: هذه الخيل ولعلها براذين كلها أوجلها ... ومما نعرف نحن فى الحرب أن البراذين أو فق لكثير من الفرسان من الخيل فى لين عطفها، وقودها، وجودتها ، مما لم يبطل الغاية، وأما قول الأوزاعى على هذا كانت أئمة المسلمين فما سلف ، فهذا كما وصف من أهل الحجاز ، أو رأى بعض مشايخ الشام، من لا يحسن الوضوء ولا التشهد، ولا أصول الفقه)) (١). وترى من هذا أن الأوزاعى يحتج بالإجماع وأبو يوسف يمنع انعقاد الإجماع ويسلم له بأن رأيه عليه علماء الحجاز، وبعض أهل الشام ، من لا يعدون من العلماء وفى هذا يسلم أبو يوسف بأن إجماع الأئمة حجة ، ولكن ينازعه فى انعقاده. وتجد الشافعى رضى الله عنه من بعد يتجادل مع كثيرين من مناظريه فى المسائل فى أمر انعقاد الإجماع فى هذه المسائل . حتى تكاد المناظرة تدفعه إلى إنكار وجود الإجماع، إلا فى أصول الدين، وفى مثل إجماع العلماء على أن الظهر أربع (٢). وترى من هذا كيف كان العلماء فى عصر الإجتهاد يختلفون فى انعقاد الإجماع، وإن كانوا لا يختلفون فى أصل حجيته ، ولعل أول من حرر معنى الإجماع على التعريف الذى بيناه هو الشافعى رضى الله عنه فى رسالته. ١٤٤ - جاء الحنفية وقرروا أن الإجماع حجة ، ونسبوا ذلك التقرير إلى (١) الرد على السير الأوزاعى ص ٢١ طبع مصر. (٢) راجع فى هذا الكتاب جماع العلم الجزء السابع من الأم ص ٢٥١ . - ٣١٢ - أبى حنيفة وصاحبيه، ولم يفرقوا فى هذا بين أنواع الإجماع، بل قرروا أن ذلك قول المشايخ، سواء فى ذلك الإجماع القولى، والإجماع السكوتى. ويعتبر ذلك النوع الأخير من الإجماع عند الحنفية رخصة، وتصويره أن يذهب واحد من أهل الحل والعقد أو الإجتهاد فى عصر إلى حكم فى مسألة قبل استقرار المذاهب على حكم تلك المسألة ، وينتشر ذلك بين أهل عصره، وتمضى مدة التأويل فيه، ولم يظهر له مخالف . ومن الإجماع السكونى أيضاً ما يكون فى الأفعال ، وصورته أن يفعل واحد من أهل الإجماع فعلا . ويعلم به أهل زمانه ، ولا ينكر عليه أحد ، وتمضى مدة التأويل والتفسير (١) . (١) راجع كشف الأسرار، ومن هذا التصوير للاجماع السكوتى يتبين أنه لابد من أمرين لاعتباره ( أحدها ) ألا تكون المسألة التى حدث السكون عليها قد سبق اختلاف المذاهب فيها ، وإلا كان القول الذى يعلن اختياراً لواحد منها، ولا يكون إجماعاً فالسكوت يكون لسبق تقرير الآراء المختلفة، وعدم الإحتياج إلى ذكر بيان جديد لها ، ( وثانيهما ) أن تمضى مدة التأويل والتفسير وتوجيه القول، ولا يوجد اعتراض ومخالفة. هذا ويجب التنبيه إلى أن الإجماع السكوتي لم يأخذ به كثيرون من العلماء ، فالشافعى رضى الله عنه لا يأخذ به، إذ يفسر الإجماع بما لا يدخل فى عمومه الإجماع السكوتي ، فيقول فى الرسالة: ((لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه إلا لما تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه ذلك ». ويحتج لهذا الرأى بأنه لا ينسب لساكت قول ، ولأن السكوت يحتمل أن يكون لأنه موافق ، ويحتمل أن يكون لأنه لم يجتهد بعد فى الواقعة ، ويحتمل أنه اجتهد ، ولكن لم يؤده اجتهاده إلى شىء. وإن أدى اجتهاده إلى شىء، فيحتمل أن يكون ذلك الشىء مخالفاً لذلك القول الذى ظهر، لكنه لم يظهره، إما للتروى والتفكر فى ارتياد وقت يتمكن فيه من إظهاره ، وإما لاعتقاده أن القائل بذلك مجتهد ولم يرد الإنكار على المجتهد ، لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، أو لأنه سكت خفية ومهابة، ومع هذه الإحتمالات لا يكون سكوتهم مع إعلان قول المجتهد فيما بينهم إجماعاً . وقد نقل ذلك الرأى عن الظاهرية وبعض الحنفية والجبائي من المتزلة. وأكثر الحنفية كما تبين فى الصلب لأعلى أنه إجماع، وقال بعض العلماء إن السكوت يكون حجة = - ٣١٣ - وهكذا يعتبر الحنفية الإجماع السكونى حجة ، ولو كان أساسه فعلا ، ولا يلزم أن يكون قولا ، ويقول فى الاستدلال لذلك البزدوى : ((إن النطق منهم جميعاً متعذر غير معتاد ، بل المعتاد فى كل عصر أن يتولى الكبار الفتوى ، ويسلم سائرهم .. وإنما تجعل السكوت تسليما بعد العرض، وذلك موضع وجوب الفتوى ، وحرمة السكوت لو كان مخالفاً)). ١٤٥ - ولقد بنى على هذا الأصل، وهو أخذهم بالإجماع السكوتى إن الصحابة ومن بعدهم إذا اختلفوا فى حادثة على قولين أو أقاويل محصورة كان ذلك إجماعاً منهم على أنه لا قول فى هذه الحادثة سوى هذه الأقوال، وإن ماخرج عنها باطل ، فلا يجوز إحداث قول آخر ويقول صاحب كشف الأسرار ((إن ذلك قول الجمهور)). ولاشك أن اختلاف الصحابة فى مسألة لا يجوز معه أن يخرج منه إلى قول آخر ليس قول أحد منهم ، بل يختار المجتهد منها، ما يستقيم مع مقابيسه، وذلك على مقتضى مذهب أبى حنيفة الذى نقلناه لك فى صدر كلامنا فى أصوله التى بنى عليها اجتهاده ، ونجد من الحق علينا أن نعيد هذه العبارة المأثورة عنه، والتى تضافرت بها الأخبار وهى: ((إنى آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده آخذ بسنة رسول اللّه صَّ له، فإذا لم أجد كتاب الله ولا سنة رسول اللّه صَّ اله ، أخذت بقول أصحابه، من شئت ، وادع قول من شئت ، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم ، فإذا = ولكن لا يعد إجماعاً، وذهب بعضهم إلى أن الرأى إن كان من حاكم، وسكت العلماء فليس بحجة ، وإن كان من فقيه كان إجماعاً . وحجة من اعتبر السكوت بشروطه إجماعاً أن احتمالات المخالفة أو التروى هى غير الظاهر، إذ السكوت فى موضوع البيان بيان ، وما دام الرأى قد اشتهر وعرف فالسكوت عن الرد دليل الموافقة ، إذ لو كان مخالفاً لكان ذلك وقت البيان، وبعيد أن يسكت؛ لذلك كان احتمال المخالفة احتمال غير الظاهر، وهو احتمال غير ناشىء عن دليل، فلا يلتفت إليه، إنما الاحتمال الذى يسقط به الاستدلال هو الاحتمال الذى تشهد له الإمارات، ولا تناقضه، والإمارات هنا شاهدة لاحتمال الموافقة دون المخالفة، فتعتبر الموافقة . - ٣١٤ - انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبى، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وعدد رجالا ، قد اجتهدوا - فلی أن أجتهد كما اجتهدوا )). فهذه العبارة تفيد أنه يأخذ بأقوال الصحابة مقلداً لهم رضى الله عنه، إن كان لهم قول واحد، وإن كانت لهم أقوال اختار منها ما يتفق مع مسلكه فى الاجتهاد .ويستقيم مع قياسه. وهذه العبارة كما تفيد هذا تفيد أنه لا يتقيد ذلك التقيد بالنسبة لمن جاء بعد الصحابة من التابعين، إذ هى تفيد أن له أن يحتهد كما اجتهد التابعون، لا يتقيد بأقوالهم منفردة، بل إذا استقامت بين يديه الأقيسة مخالفة لها فى مجموعها وآحادها سار على مقاييسه، لأن له أن يجتهد كما اجتهدوا، وهو رجل وهم رجال . ١٤٦ - ونزيد فى هذا المقام أن نشير إلى أمرين: أحدهما - أكان أبو حنيفة يقيد نفسه بأقوال من جاءوا بعد الصحابة لا يخرج عنها إلى غيرها، ويعد ذلك إجماعاً يتقيد به ، ولا يجوز أن يعدوها فى اجتهاده ؟ والجواب عن ذلك قد نوهنا عنه آنفاً ؛ وهو أن تلك العبارة المأثورة عنه رضى الله عنه تدل بعبارتها، أو على الأقل تفيد بإشارتها أنه لا يتقيد، لأنه إذا كان لا يتقيد بأقوال التابعين من أمثال الحسن البصرى ، وابن سيرين، وابن المسيب ، وإبراهيم النخعى ، بل يجوز أن يحتهد كما اجتهدوا، فأولى كل من جاء بعدهم ، لأنهم لم تتوافق آراؤهم، حتى يكون الإتفاق حجة فى ذاته، ولم يكن تفكيرهم ذا صلة بمشاهد الرسول حتى تكون مجاوزة أقوالهم فى معنى مجاوز السنة ، وإن كانوا مختلفين. ولقد كان التقيد بأقوال المختلفين فى عصر من العصور موضع اختلاف بين المجتهدين فى المذهب الحنفى، وفى غير المذهب الحنفى، فقد قال بعض العلماء بالتقيد مطلقاً، ومنع بعضهم ذلك مطلقاً ، وقال: إن اختلافهم دليل على تسويغ الاختلاف فى الحادثة، والمصير إلى ما أدى إليه الاجتهاد، جاز إحداث قول آخرفيها؛ كما لولم يستقر الخلاف. وفصل بعض الأصوليين ؛ فقال : إن كان القول الحادث رافعاً لما اتفقوا عليه يكون مردوداً ، كاختلاف الصحابة فى الجد مع الأخوات والأخوة ؛ فقد - ٣١٥ - اتفقوا على أنه يستحق مع الأخوات والأخوة والأشقاء والأب ، ولكن اختلفوا فبعضهم يحجب به جميع الأخوة والأخوات ، وبعضهم قال يشاركونه ، ولا يحجبهم فإذا قال مجتهد بعد ذلك أنه لا يستحق معهم شيئاً، فقد خرج على إجماعهم . لأنهم اتفقوا على الاستحقاق، فحكمه بعدم الاستحقاق مخالفة لإجماع إيجابى قولى. وإن كان القول الحادث لا ينقض ما اتفقوا ، بل يكون أخذاً ببعض وجوه النظر فى ناحية ، وبالوجوه الأخرى فى الناحية الأخرى كاختلاف الصحابة فى انحصار الأرث فى أحد الزوجين والأب والأم ، فقد قال بعض الصحابة تأخذ الأم الثلث من كل التركة، وقال بعضهم ثلث الباقى بعد نصيب أحد الزوجين ، فإذا قال قائل إن لها ثلث الكل إذا كان الورثه أماً وزوجة وأباً، وثلث الباقى إذا كان الورثة أماً وزوجاً وأباً فهو لم يشذ عن القولين ، ولا يعد خارجاً على الإجماع ولقد قال بعض العلماء : إن الصحابة يتقيد المجتهد بخلافهم، فلا يتجاوز أقوالهم إلى أقوال غيرهم ، أما غيرهم فلا يتقيد به ، وإن عبارة أبى حنيفة تفيد هذا المعنى وتؤدى إليه كما نوهنا سابقاً . الأمر الثانى - أن أبا حنيفة عند تقيده بأقوال الصحابة لا يعدوها إلى غيرها بل يختار منها ما يتفق مع قياسه ، ولم يكن ذلك لأنه إجماع عنده؛ بل لأنه لا يريد أن يترك المأثور ؛ ولا يريد أن يخرج عن أتباع السلف الصالح رضى الله عنهم ، ولأنه يرى أن صحبتهم لرسول اللّه صَ اله كسبتهم علماً بالدين، وفقهاً فيه وفهماً لأحكامه ومعرفة لمراميه أكثر من غيرهم، حتى ليروى عنه أنه كان يقول ((إن جلوس أحدهم مع النبى نَّةٍ ساعة خير من علم سنين ، ثم هم الذين شاهدوا وعاينوا أماكن التنزيل، والحوادث التى اقترنت بالأحكام وأسباب النزول، وفرق بين التقيد بأقوالهم وعدم الخروج عن نطاقها لهذه المعانى والتقيد بها لأنها إجماع حتى لا يخرج عن مجموع هذه الأقوال التى انحصر اختلافهم فيها واعتبار . ذلك إجماعاً منهم . - ٣١٦ - ووجه التفرقة أنه فى الأول إنما يمتنع عن الخروج تقديساً لاجتهاد الصحابة واعتباره قريباً من السنة واعتباره الخروج عن مجموع أقوالهم المختلفة إبتداءاً ينافى الاتباع ونهج طريق السلف الذى يكون فيه الأمن من الشطط ، ومجاوزة الاعتدال. أما فى الثانى ، فيكون الامتناع ، لأنه اتفاق وإجماع ، ويكون داخلا فى عموم قوله عَّه ((لا تجتمع أمتى على ضلالة)) ويكون ذات الاتفاق هو موضع الاحتجاج، لا كونه من الصحابة . وقد علمت عن أن المنقول عن أبى حنيفة يبين أنه لا يجتهد مع اجتهادهم المتفق عليه تقديراً لأقوالهم بسبب الصحبة ، وأن التابعين لا يرتفعون إلى هذه الدرجة فهم رجال له أن يجتهد كما اجتهدوا. ١٤٧ - ولقد ينسب علماء الأصول فى المذهب الحنفى إلى أبى حنيفة وأصحابه تفصيلات فى الإجماع ، مثل أهلية من ينعقد منهم الإجماع ، فلا يدخل فى الإجماع الفساق وأصحاب الهوى والبدع ، لأن الفساق ليسوا ذوى كرامة والأخذ بالإجماع فيه تكريم للمجتمعين ، وحكم بخيريتهم ، عملا بقوله تعالى : ((كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، ولأن أهل الهوى كالخوارج ، والروافض فيهم من التعصب لأقوالهم ، وإهدار آراء الجماعة الإسلامية ما يجعل خلافهم غير معتبر، فينعقد الإجماع ، ويكون حجة فى نظر الحنفية، ولو خالف الإجماع الخوارج أو الروافض، أو بعض الفساق . والاجتهاد ، أهو شرط أم لا، فيقولون ليس بشرط فى أمهات الشريعة الممهدة للعامة التى لا تحتاج إلى نظر ورأى كنقل القرآن الكريم إلى الأخلاف والصلوات الخمس، وأما ما يحتاج إلى نظر ورأى واجتهاد ، فلا يكون الإجماع إلا باتفاق المجتهدين ، حتى لو خالف بعض العوام فى ذلك لا يلتفت إلى خلافه، وينعقد الإجماع مع هذا الخلاف . ١٤٨ - وكما ينسبون إلى الأئمة تفصيلات فيمن يتكون منهم الإجماع ينسبون - ٣١٧ - إليهم تفصيلات فى شروط الإجماع ، فهم لا يشترطون انقراض العصر لينعقد الإجماع، كما ينسبون إلى الشافعى (١). ويذكرون اختلاف أبى حنيفه وأصحابه فى شرط من شروط الإجماع ، وهو كون الأمر المجتهد فيه ، كان فيه اجتهاد وخلاف من السلف. فيقولون إن محمداً رضى الله عنه لا يشترط شيئاً فى هذا، فينعقد الإجماع، ولو كان الأمر المجمع عليه موضع اجتهاد واختلاف بين الصحابة، ويكون الإجماع حجة ملزمة ، ليس لأحد أن يخالفه من بعد، ولو كان فى هذه المخالفة متبعاً لبعض آراء السلف الصالح من أصحاب النبى مِّ الِ. وذكر الكرخى أن أباحنيفة يشترط لحجية الإجماع ألا يكون الأمر المجمع عليه كان موضع اختلاف بين الصحابة. وإن ما أثر عنهم فيه خلاف لا يكون الإجماع فيه حجة ، لأن من يأخذ برأى واحد من المختلفين يكون متبعاً لبعض آثار السلف ، ولا يكون مبتدءاً . ١٤٩ - وقد أخذ ذلك الخلاف من حكم فرع من الفروع روى عن أبى حنيفة وخالفه فيه محمد، وذلك الفرع هو بيع أمهات الأولاد (٢). وذلك أن بيعهن كان مختلفاً فيه بين الصحابة ، فأكثرهم لم يجوزوه، حتى قال عمر رضى الله عنه: كيف تبعونهن وقد اختلطت لحومكم بلحومهن ، ودماؤكم بدمائهن، وجوزه على وجابر وغيرهما ، حتى لقد قال على رضى الله عنه: اتفق رأبى ورأى عمر على ألاتباع أمهات الأولاد والآن رأيت بيعهن . وقال جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد الرسول صَّ الج (٣). ولقد ذكر العلماء أنه لما جاء عهد التابعين أجمعوا على أنه لا يجوز بيعهن . فهل يعتبر اتفاق التابعين هذا إجماعاً لا تجوز مخالفته؟ وتعتبر المسألة متفقاً عليها لا خلاف فيها؟ ولو اعتبرت كذلك ما جاز لقاض من بعد أن يحكم بصحة بيعهن (١) والصحيح أن الشافعى لا يشترك انقراض العصور، فإن ذلك الشرط لم يجىء فى الرسالة وعموم ما جاء بها يخالفه . (٢) أم الولد هى الأمة التى يغشاها سيدها ، فتعقب منه ولداً ويدعى نسبه ، فيقال (٣) كشف الأسرار = ٣ ص ٠٩٦٨ لها أم ولد .