النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٧٨ - من لم يعرف بالفقه عند معارضة من عرف بالفقه فى باب الترجيح، اه المراد منه (١). وترى من هذا أنهم يفسرون الضبط تفسيراً دقيقاً، ويجعلون معناه الكامل شاملا لفقه الراوى ، ولكنهم لا يعتبرون فقه الراوى شرطاً لقبول روايته ، بل أساساً فى الترجيح، فإذا تعارضت روايتان : إحداهما من راو فقيه، والأخرى من راوغير فقيه، يؤثرون رواية الفقيه، لأنه أضبط ، وأشد تحرياً، وأكثر فهماً للدين. وقد وجدنا الترجيح بفقه الراوى يجى. على لسان أبى حنيفة فى مجادلته مع الأوزاعى، ولننقل لك المناظرة كما رويت ، وهاهى ذى : ((روى سفيان بن عيينة، قال: اجتمع أبو حنيفة والأوزاعى فى دار الخياطين بمكة ، فقال الأوزاعى لأبى حنيفة : ما لكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع، وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول اللّه عَّ له أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع، وعند الرفع. قال: كيف !! وقد حدثنى الزهرى عن سالم، عن أبيه، عن رسول اللّه فَّ الله أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع، وعند الرفع . فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى عَّ التي كان لا يرفع يديه، إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود إلى شىء من ذلك. فقال الأوزاعى أحدثك عن الزهرى عن سالم، عن أبيه، وتقول حدثنا حماد عن إبراهيم، فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهرى ، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر ، وإن كان لابن عمر صحبة، فالأسود له فضل كثير ... )). ولقد رويت العبارة الأخيرة برواية أخرى وهى: ((إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت إن علقمة أفقه من عبد الله بن عمر، وعبد الله هو عبد الله(٢)) وعبد الله هو ابن مسعود، أى أن مكانته هى التى لا يساميه أحد من المذكورين فيها (١) أصول نخر الإسلام الجزء الثاني ص ٧١٧ (٢) حجة الله البالغة الدهلوى الجزء الأول ص ٣٣١ - ٢٧٩ - وهذه المناظرة تدل على أن أبا حنيفة كان يلاحظ فقه الراوى عند الترجيح ، فهو يقدم رواية الأفقه على من دونه فقها ، ولذلك تقصر رواية غير الفقيه عن أن تعارض رواية الفقيه ، إذ الأول أشد وعياً، وأقوى ضبطاً ، وأكمل إدراكا ، وأولى بالاتباع . وإن هذه المناظرة لتومى. بإشارتها من جهة ثانية إلى تعصب كل فقيه للمحدثين الذين تلقى عليهم ، وروى عنهم، وهو منشأ التعصب الأقليمى ، أو بعبارة أدق منشأ انحياز كل إقليم بطائفة من الأحاديث أخذت عن رواته الذين تلقوا عن بعض الصحابة الذين نزحوا إلى هذا الأقليم . ولقد علل شمس الأئمة السرخسى قلة الروايه عند أبى حنيفة بتشديده فى أمر الضبط ، وتأسيه بالسلف الصالح الذين كانوا يقلون من الروايه ، ولذلك قال : (( قلت الرواية عند أبى حنيفة رحمه الله، حتى قال بعض الطاعنين إنه لا يعرف الحديث وليس الأمر كما ظنوا ، بل كان أعلم عصره بالحديث ، ولكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلت روايته))(١) . ١١٣ - أبو حنيفة إذن يقبل خبر الآحاد، ولا يتردد فى قبوله ، ولكنه يشدد كان يستنبط فقهاء مذهبه فى أمرضبط الراوى، ويرجح الروايات عند التعارض بفقه الرواة ، فيرجح حديث الفقهاء من الرواة على حديث غيرهم ، وحديث الأفقه على حدیث من دونه . ولكن القضية التى اختلف فيها العلماء ، هى موقف أبى حنيفة إذا تعارض خبر الآحاد مع القياس ، أيرد خبر الآحاد ، لمخالفته القياس ، وتعتبر هذه المخالفة علة فى الحديث ؟ أم يقبل الحديث، ويهمل القياس ، لأنه لا قياس بجواز النص ؟ أم يقبل الحديث من الراوى الفقيه ، ويرده من غيره ، أم يقبل بشرط ألا يفسد باب الرأى ؟ هذا معترك من الآراء ، وقد اختلف العلماء أولا بشأن خبر الآحاد المتعارض (١) كشف الأسرار الجزء الثانى ص ٧١٨ - ٢٨٠ - مع القياس ، أو مع أصل عام من الأصول المعروفة فى الفقه الإسلامى، واختلف. العلماء ثانياً فى حقيقة موقف أبى حنيفة، وأى رأى منها يعد رأيه، ولنذكر الاختلاف الأول ببعض البيان، ثم نعرج على الاختلاف الثانى، ثم نتجه مستعينين بالرواية إلى تعرف رأى أبى حنيفة . ١١٤ - لقد اختلف العلماء - كما رأيت - فقال بعضهم، وهم فقهاء الأثر: إن خبر الآحاد مقدم على القياس، لأن الرأى لا يكون إلا حيث لا نص ، وقد وجد النص ، فلا مجال للرأى، ولأن الرأى لا يكون إلا فى حال الضرورة، والضرورة تدفع بوجود أثر منسوب لرسول اللّه صَ لّ ، ولأن القياس فى الجملة ظنى، وحديث الآحاد ظنى فى ثبوته . وإذا تعارض ظنى منسوب إلى الرسول بظنى منسوب إلى الفقيه . فالمنطق يوجب ترجيح المنسوب إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولأن كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى ، وكبار التابعين من بعدهم ، كانوا يرجعون عن آرائهم، إذا نقل إليهم حديث يخالفها، فعمر رضى الله عنه ترك رأيه فى عدم توريث المرأة من دية زوجها بالحديث الذى رواه الضحاك الكلابى، وترلك ابن عمر رأيه فى المزارعة بالحديث الذى رواه رافع بن خديج ، ونقض عمر بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب، عندما روى له قوله عليه : ((إن الخراج بالضمان)) ونظائره أكثر من أن تحصى. هذا مسلك عامة فقهاء الأثر ، لا يجعلون للرأى مجالا عند وجود حديث ؛ ولو كان من أخبار الآحاد ، ولا يشترواون فقه الراوى، ولا موافقة القياس، ولو كان ضعيفاً، ولقد سلك ذلك المسلك الشافعى من بعد، وبينه فى الرسالة بياناً كاملا ، ولذا أخذ بأحاديث كثيرة رد بعضها مالك لمخالفته بعض الأصول العامة ، أو القواعد المعروفة ، من تتبع مجموع آيات القرآن والأحاديث المشهورة، وقال ذلك القول من فقهاء الحنفية الشيخ أبو الحسن الكرخى . ١١٥ - وقال عيسى بن إبان ، وهو من الحنفية أيضاً : إن كان راوى خبر - ٢٨١ - الآحاد عادلا فقيهاً ، وجب تقديم خبره على القياس ؛ وإلا كان موضع الاجتهاد. واحتج لذلك بأنه قد اشتهر بين الصحابة الأخذ بالقياس ، ورد خبر الواحد إذا لم يكن فقيهاً، فإن ابن عباس لما سمع أبا هريرة رضى الله عنهم يروى الوضوء ما مسته النار ، قال: لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه، ولما سمعه يروى: ((من حمل جنازة فليتوضأ)) ، قال : أتلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة، ورد على بن أبى طالب رضى الله عنه حديث بروع بالقياس، وهو حديث من أخذت مهر المثل. وهى لم يسم لها مهر ، ومات عنها زوجها ، وهكذا تتضافر الأخبار عن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم فى رد الخبر بالقياس. وقد احتجوا لذلك أيضاً بأن القياس حجة بإجماع السلف من الصحابة ، وفى اتصال خبر الواحد إلى النى صَّ له شبهة، فكان الثابت بالقياس الذى هو ثابت بالإجماع أقوى من الثابت بخبر الواحد، وبأن القياس أثبت من خبر الواحد، لجواز السهو والكذب على الراوى ، ولا يوجد ذلك فى القياس ، وبأن القياس لا يحتمل تخصيصاً ، فكان غير المحتمل أولى من المحتمل . وهكذا يسترسلون فى استدلالات من شأنها أن تقدح فى خبر الواحد جملة ، إن استقامت مقدماتها ، ولا تخص خبر الراوى غير الفقيه، ولكن فى كل هذه المقدمات نظر ، إذ أساسها فى الجملة أن القياس قطعى، لا احتمال فيه، ولا شبهة فيه، والواقع أن القياس فى الجملة يدخله الاحتمال من كل ناحية، فإن أساسه هو استخراج الوصف الذى يكون مناط الحكم وتعيينه من بين أوصاف الشىء المنصوص عليه، وهو أمر ظنى، إذ يحتمل أن يكون ذلك الوصف هو المؤثر فى الحكم، ويحتمل ألا يكون، بل التأثير اغيره ، فكان الاحتمال فيه لا يقل عن الاحتمال فى خبر الواحد ، بل إن الاحتمال فيه أقوى ، إذ يدخل فى أصل الثبوت ، بينما الاحتمال الداخل فى خبر الآحاد، ليس فى الأصل، إذ الشبهة لعارض الغلط والنسيان، والأصل عدمهما من الشخص الضابط . - ٢٨٢ - وقبل أن نترك بيان ذلك الرأى الذى يقدم القياس أحياناً على خبر الآحاد يجب ((أن نقرر أنه لا يقول إن القياس لا يتقدم على كل أخبار الآحاد التى يكون الصحابى الذى رواها غير فقيه، بل يقول إنه إذا كان الراوى غير فقيه لا يرد خبره المخالف للقياس جملة ، بل يجتهد المجتهد ، فإن وجد ذلك الخبر له وجه من التخريج ، أى لا ينسد فيه باب الرأى مطلقاً قبل، بأن كان يخالف قياساً ، ولكنه يوافق من بعض الوجوه قياساً آخر لا يترك، بل يعمل به، وهذا معنى قولهم لا يترك خبر الواحد العدل الضابط غير الفقيه إلا للضرورة ، بأن ينسد فيه باب الرأى من كل الوجوه. وهذا كله إذا كان الراوى عدلا ، أما إذا كان الراوى مجهولا لم تعرف عدالته فإن خبره المخالف للقياس يرد عند أصحاب هذا الرأى ، ويؤخذ بالقياس، ولا يجتهد المجتهد فى تخريجه باستنباط ضرب من ضروب الرأى يوافقه(١). ولقد دافع غر الإسلام عن رأى عيسى بن إبان هذا، حتى لقد زعم أن هذا رأى أبى حنيفة وأصحابه ، ولنا فى ذلك نظر سنبينه فى آخر الكلام فى هذا الموضوع. ١١٦ - ولقد فصل أبو الحسين البصرى الكلام فى معارضة خبر الآحاد للقياس تفصيلا حسناً ، فقسم القياس إلى أربعة أقسام: ( القسم الأول ) قياس مبنى على نص قطعى ، بأن كان الحكم المنصوص عليه .قد نص عليه فى مصدر قطعى الثبوت، وكانت العلة منصوصاً عليها، أو كالمنصوص عليها، وفى هذه الحال لا يعارض خبر الآحاد القياس، لأن ما ثبت بالقياس فى حكم الثابت بنص قطعى، إذ الأصل منصوص عليه، والعلة منصوص عليها، وخبر الآحاد ظنى فلا يثبت أمام النص القطعى، بل يرد خبر الآحاد، وترفض نسبته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه . (القسم الثانى) أن يكون القياس معتمداً على أصل ظنى، والعلة ثبتت بالاستنباط لا بالنص، وفى هذه الحال يقدم خبر الآحاد، لأنه يدل على الحكم بصريحه، والقياس (١) راجع هذه الأدلة وتوجيهات الأقوال فى كشف الأسرار ، الجزء الثاني ص ٦٩٨ ، وما يليها . - ٢٨٣ -٠ يدل على الحكم بوسائط ، ولأن القياس دخلنه الظنون من كل ناحية . فالظن دخل استنباط العلة، ودخل فى الأصل الذى بنى عليه، إذ هو ظنى، كبر الآحاد فى ثبوته فلا يرجح عليه ، إذ أن ما دخله ظن واحد أقرب إلى الاطمئنان مما أحاطت به الظنون فى كل طرق الإثبات به . وقد ادعى أبو الحسين البصرى إجماع العلماء على رد خبر الآحاد فى القسم الأول ورد القياس فى القسم الثانى . (القسم الثالث ) أن يكون أصل القياس ثابتاً بنص ظنى؛ والعلة قد نص عليها بنص ظنى، وفى هذه الحالة تتحقق المعارضة بين خبر الآحاد، والقياس. ويدعى البصرى أيضاً إجماع العلماء على تقديم خبر الآحاد، على القياس لأنه دليل دال على الحكم بصريحه. ( القسم الرابع ) أن تكون العلة مستنبطة ، والأصل الذى بنى عليه القياس أصل قطعى، من نص قرآنى أو حديث متواتر، وهذه الصورة موضع خلاف بين العلماء(١). هذه هى الأقسام التى ذكرها أبو الحسين البصرى لمعارضة القياس لأخبار الآحاد وقد أدعى اتفاق العلماء فى الأقسام الثلاثة الأولى ، وحصر الخلاف فى الصورة الأخيرة ، ولكن العلماء يذكرون الخلاف بين الفقهاء مطلقاً من غير قيد. ١١٧ - والحق أننا إذا استثنينا الشافعى وأحمد، وفقهاء الظاهر الذين جاءوا من بعده ، نجد الفقهاء جميعاً من لدن عصر الصحابة إلى آخر عصر الاجتهاد قد تركوا أخبار آحاد، وردوا نسبتها إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، لمخالفتها لأصول ثابتة لديهم قد أخذوها بالاستنباط من القرآن، أو المشهور من الآثار. فعائشة رضى الله عنها قد ردت خبر: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) (١) راجع هذه الأقسام الأربعة فى كشف الأسرار الجزء الثانى ص ٦٩٩، ٧٠٠، هذا ويجب التنبيه إلى أن الآمدى وابن الحاجب قالا: إن المختار أنه إذا كانت العلة ثابتة بنص راجح على الخبر ثبوناً أو دلالة ، وقطع فى الفرع قدم القياس . وإن تساويا فى الظنية توقف المجتهد، أو طبق قواعد المعارضة بين نصين، وإن كانت العلة مستنبطة قدم الخبر. (راجع التحرير ص ٣٠٠ من الجزء الثانى). - ٢٨٤ - بالأصل العام الثابت من القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى))، وردت حديث رؤية النبي صَّ لّه لربه بما فهمته من قوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار)) ، وردت هى وابن عباس خبر أبى هريرة فى غسل اليدين قبل إدخاله) فى الإناء بالأصل العام الثابت من تتبع مجموع الأحكام الإسلامية، وهو رفع الحرج. وهكذا تضافرت الأخبار بمثل ذلك . ولقد كان مالك شيخ فقهاء المدينة فى عصر المجتهدين ، يرد بعض أخبار الآحاد لمخالفتها الأصول العامة القطيعة، فقد رد خبر: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) ، ورد حديث إكفاء القدور التى طبخت من الإبل والغنم قبل القسم تعويلا على أصل رفع الحرج .. فأجاز أكل الطعام قبل القسم لمن احتاج إليه .. قال أن العربى : ونهى عن صيام ست من شوال مع ورود الحديث فيه تعويلا على أصل سد الذرائع ... ورد حديث ولوغ الكلب الذى يوجب غسل الإناء سبعاً، إحداهن بالتراب الطاهر - إذا ولغ الكلب فيه - وقال فيه: ((جاء حديث، ولا أدرى ما حقيقته !! ))، وقال ابن العربى فى ذلك: ((إنه عارض أصلين، أحدهما قوله تعالى: ((فكلوا مما أمسكن عليكم))، وثانيهما أن علة الطهارة هى الحياة، وهى قائمة فى الكلب. ورد مالك أيضاً كأهل العراق حديث المصراة، وهو: ((لا تصروا الإبل والغنم، ومن ابتاعها ، فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها ، إن شاء أمسك ، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر))، لأنه قد خالف أصل الخراج بالضمان ، ولأن متلف الشىء إنما يقدم مثله، أو قيمته. وأما غرم جنس آخر من الطعام ، أو العروض، فلا، وقد قال فيه مالك: ((إنه ليس بالموطأ ولا الثابت)). وترى من هذا أن إمام أهل الحجاز كان يرد أحياناً أخبار الآحاد إذا وجدها قاعدة قطعية . ١١٨ - هذه آراء العلماء واختلافاتهم بالنسبة لأخبار الآحاد إذا عارضها القياس والآن نريد أن نعرف رأى أبى حنيفة فى وسط ذلك المزدحم من الآراء. لقد اختلف العلماء فى حقيقة رأى أبى حنيفة فى هذه المسألة ، فيقول ابن عبد البر: - ٢٨٥ - ((كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبى حنيفة لرده كثيراً من أخبار الآحاد العدول ، لأنه كان يذهب فى ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعانى القرآن ، فما شذ من ذلك رده، وسماه شاذاً)). وهذا الكلام يستفاد منه أن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يرد الأحاديث إذا خالفت معانى القرآن ، سواء أ كانت مأخوذة بالنص أم مستنبطة باستخراج عال الأحكام ، وأنه يسمى الحديث شاذاً إذا لم يوافق تلك المعانى ، والأحاديث المجتمع عليها. ١١٩ - والذى ذكره فخر الإسلام على أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه أن خبر الآحاد إن كان رواية من الصحابة المعروفين كالخلفاء الأربعة ، وعبد الله ابن مسعود ، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبى موسى الأشعرى ، وعائشة رضى الله عنهم، وغيرهم مما اشتهر بالفقه والنظر، قدم على القياس ، وإن كان الراوى من الصحابة الذين لم يعرفوا بالفقه، وإن عرفوا بالعدالة والحفظ مثل أبى هريرة ، وأنس بن مالك رضى الله عنهما، فإن وافق القياس عمل به ، وإن خالف القياس لم يترك إلا بالضرورة ، وانسداد باب الرأى وقد وجه ذلك القول نفر الإسلام بقوله: (( ووجه ذلك أن ضبط حديث النبى مَّ اله عظيم الخطر، وقد كان النقل بالمعنى مستفيضاً فيهم ، فإذا قصر فقه الراوى عن درك معانى حديث النبي صٍَّ وإحاطتها لم يؤمن من أن يذهب عليه منه شىء، فتدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس ، فيحتاط فى العلة. وإنما نعنى بما قلنا قصوراً عند المقابلة بفقه الحديث ، فأما الازدراء بهم فمعاذ الله من ذلك، فإن محمداً يحكى عن أبى حنيفة رضى الله عنه فى غير موضع أنه احتج بمذهب أنس ابن مالك رضى اللّه عنه وقلده، فما ظنك فى أبى هريرة ، حتى إن المذهب عند أصحابنا ، رحمهم الله فى ذلك أنه لا يرد حديث أمثالهم، إلا إذا انسد باب الرأى ، فإذا انسد باب الرأى صار الحديث ناسخاً للكتاب والحديث المشهور ، ومعارضاً - ٢٨٦ - للإجماع، ومثل ذلك حديث أبى هريرة فى المصراة ،. (١) ١٢٠ - هذا ما ذكره نفر الإسلام على أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه. ولكن يذكر فى التقرير والتحبير على التحرير غير ذلك ، فهو يذكر أن مذهب أبى حنيفة كمذهب الشافعى وفقهاء الأثر أن خبر الآحاد يقدم على القياس مطلقاً، سواء أكان الراوى فقيهاً أم كان غير فقيه، وسواء انسد باب الرأى. أم لم ينسد باب الرأى وهذا نص ما جاء فيه وفى التحرير: ((إذا تعارض خبر الواحد والقياس بحيث لاجمع بينهما يمكن قدم الخبر مطلقاً عند الأكثرين، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد ، (٢). ١٢١ - وترى من هذا أن العلماء اختلفوا فى استخراج رأى أبى حنيفة رضى الله عنه من الفروع الفقهية التى أثرت عند تعارض القياس مع خبر الآحاد ، فان عبد البر يومىء كلامه إلى أنه يقدم القياس، ونفر الإسلام يفصل التفصيل الذى ذكرنا وغيرهما يبرر أنه يقدم خبر الآحاد فى كل الأحوال، ولو كان الجمع بين الخبر والقياس غير ممكن، وكان الراوى من الصحابة غير فقيه . والحق فى هذا الأمر أنه رويت عن أبى حنيفة فروع كثيرة أخذ فيها بالحديث وترك القياس ، ورويت أخرى أخذ فيها بالقياس ، وخولف خبر الآحاد. ومن القسم الأول، وهو الذى أخذ فيه بخبر الآحاد، وترك القياس ، تقديم. خبر القهقهة على القياس، فإنه يروى أن أعمى تردى فى بئر، والنبى صَّ له يصلى (١) ذكر صاحب كشف الأسرار وجه كون الحديث إذا اند باب الرأى يكون ناسخاً للاجماع والحديث المشهور والكتاب، فقال: ((إذا تحققت الضرورة بانسداد باب الرأى من كل وجه وجب ترك الخبر، لأنه لو عمل به وترك القياس صار الحديث ناسخاً للكتاب، وهو قوله تعالى: ((فاعتبروا يا أولى الأبصار)) فإنه يقتضى وجوب العمل بالقياس ، والحديث ، وهو حديث معاذ، وصار معارضاً للاجماع ، فإن الأمة أجمعت على كون القياس حجة عند عدم دليل أقوى منه ، ونفاة القياس حدثوا بعد القرون الثلاثة ، فلا يعبأ بخلافهم)). كشف الأسرار ج ٢ ص ٧٠٠ (٢) راجع التقرير والتحبير شرح تحرير الكمال الجزء الثاني ص ٣١٨، وهو مذهب أبى الحسن الكرخى وإليه يميل كثيرون، ويعدونه موافقاً للمنقول عن أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين. - ٢٨٧ - بأصحابه، فضحك بعضهم، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، فإن نقض القهقة للوضوء إذا حدثت فى وقت الصلاة، مخالف للقياس، إذ هى لا تنقض الوضوء خارج الصلاة ولأنها ليست حدثاً يخرج من السبيلين، ولكن مع ذلك رجح أبو حنيفة وأصحابه ذلك الخبر، وهو خبر آحاد، على القياس، وقرروا أن القهقهة داخل الصلاة تنقض الوضوء، وإن كانت لا تنقضه فى غيرها، تقديماً للخبر على القياس (١). ومن ذلك الأخذ بحديث أبى هريرة فى عدم إفطار من أكل أو شرب ناسياً وتقديمه على القياس ، ولقد صرح أبو حنيفة رضى الله عنه بأنه يقدمه على القياس ويقول فى ذلك: ((لولا الرواية لقلت بالقياس)). وشواهد ذلك القسم كثير لا سبيل إلى تعدادها ، وإنه من القواعد المقررة فى الفقه الحنفي ترك القياس للأثر ، وسمى ذلك استحساناً . ومن القسم الثانى ترك العمل بخبر: ((لا تصروا الأبل والغنم، الذى مر ذكره فقد رد ذلك الخبر لمخالفته القياس (٢) وأخذ بالقياس ، ولم يعتبروا النصرية عيباً ولا غروراً فى العقد، إذ المشترى مغتر لا مغرور ، ومنه حديث العرايا، وهو ما روى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أن رسول اللّه عَّ الله رخص فى العرايا أن تباع بخرصها كيلا، والعرابا جمع عرية، وهى النخلة ، وهى فى الأصل هبة ما على النخلة من تمر ، ثم أطلقت على التمر نفسه، وهى هنا النمر، وقد رد أبو حنيفة وأصحابه (١) قد أجاب عن ذلك الذين قالوا إن مذهب أبي حنيفة تقديم القياس إذا انسد باب الرأى بأن هذا الحديث مشهور لاحديث آحاد ، وفى ذلك نظر. (٢) ذكر ثر الإسلام مخالفة هذا الخبر للأصول، وذكر فى ذلك وجوهاً منها: ((أولا أنه أوجب رد صاع من تمر بإزاء اللبن ، واللبن يحلب بعد الشراء والقبض ، وهو فى ضمان المشترى ، لأنه فرع ملكه فلا يضمنه بالتعدى ، لأنه لم يتعد ، ولا يضمنه بالعقد لأن ضمان العقد ينتهى بالقبض ، ألا ترى أنه لا يضمن اللبن الذى يحدث ، فكذا اللبن الذى كان حادثاً ثم جاء بعد العقد، وثانياً أنه لم يكن مالا فهو كالحمل ، فلا يضمن ، وثالثاً أنه لو كان مالا لكان تابعاً كالصوف فلا يضمن ، ورابعاً أن الضمان لو كان بسبب العقد لوجب إسقاط ما يقابله من الثمن ، ولو كان بالتعدى لوجب مثله أو قيمته ، وفى كلتا الحالين لا يضمن بصاع من تمر)). - ٢٨٨ - ذلك الخبر، لأنه مخالف للقياس ، إذ هو من الأموال الربوية فلا يجوز إلا مثلا بمثل، ويحرم فيه ربا الفضل، وفى بيعه بالخرص مظمة الربا، وشبهة الربا تعمل كالربا، فتوجب التحريم . ومن ذلك القسم أيضاً حديث القرعة، وهو ماروى من أن التى يَ الج أفرع بين مماليك ستة أعتقهم سيدهم عند موته ، ولا مال له سواهم، خرجت القرعة الإثنين فأجاز عتقهما، وأبقى الأربعة أرقاء ، وقد رد أبو حنيفة ذلك الخبر، لأنه مخالف للقياس؛ إذ العتق حل فى هؤلاء العبيد، والإجماع منعقد على أن العتق إذا وقع لا يرفع فالحرية والنسب وغيرهما من الحقائق الشرعية التى إذا ثبتت لا ترفع ، فيثبت العتق فى الجميع ، ولكن يستسعون فى قيمة أربعة منهم أى فى ثلثى قيمتهم ، وهكذا يرد أبو حنيفة أخبار آحاد لمخالفتها القياس . ولكن يجب أن يلاحظ أن المثل الثانى قد رد فيه خبر الواحد ، مع أنه قد رواه زيد بن ثابت رضى الله عنه، وهو من أعلم الصحابة بالفقه، وله مقام فى علم الفرائض فلا يمكن أن يكون رد خبر رواه سببه مخ الفته للقياس ، وأنه غير فقيه ، فإن ذلك التعليل لا يستقيم بالنسبة له رضى الله عنه، إذ هو فقيه أى فقيه. ١٢٢ - هذه أمثلة سقناها، ونراه فى بعضها رجح خبر الاحاد وترك به القياس .وتراه فى الأخرى رد خبر الاحاد، وأخذ بالقياس ، أوبمقتضى القواعد العامة، وإن وإن هذه أمثلة لم ترد بها إحصاء. وإن بين أيدينا رأيين فى التخريج: أحد همارأى عيسى بن أبان الذى يرد أن سبب رد خبر الاحاد هو انسداد باب الرأى. وكون الراوى غير فقيه، وثانيهما رأى الكرخى وهو أن أبا حنيفة كان يرجح خبر الاحاد إذا كان الراوى عدلا ثقة دائماً، وأنه إن ـرد بعض أخبار الاحاد فلسبب غير القياس، ولنزن الرأيين على ضوء هذه الشواهد التى سقناها، وعل ضوء ما وصل إلينا من كلام أبى حنيفة، ومارواه عنه الثقات من أصحابه، ولا شك أن هذه الشواهد، وما روى عن أبى حنيفة من أقوال لا يتفق مع تخريج عيسى بن أبان، ونخر الإسلام، ومن سلك مسلكهما، وذلك لأسباب ثلاثة: - ٢٨٩ - أحدهما - أن حديث القهقهة رواه معبد الجهنى ، وهو راو لم يعرف بالفقه وأن إدعاء شهرته لم يقم عليه الدليل . ثانيها - أن حديث العرايا رواه زيد بن ثابت رضى الله عنه، فلو كان السبب فى الرد مخالفة القياس، وكون الراوى غير فقيه، لوجب أن يقبل على زعمهم، لأنهم يقولون : إن راوى الحديث ، إن كان فقيهاً يقبل حديثه خالف القياس أم وافقه أنسد باب الرأى أم لم ينسد. ثالثها - أن أبا حنيفة رضى الله عنه فى حديث عدم إفطار الصائم بالأكل أو الشرب ناسياً صرح بأنه يرفض القياس، وبأنه يقدمه عليه، وراويه هو أبو هريرة الذى قال عنه نفر الإسلام وعيسى بن إبان إنه لم يكن من فقهاء الصحابة ، وفوق ما تقدم أن المنقول عن أبى حنيفة وأصحابه أن القياس حيث لا نص ، وأنهم لا يتجهون إليه إلا مضطرين. من أجل ذلك لا نرى أن تخريج فخر الإسلام وابن إبان هو التخريج الذى يكشف عن رأى أبى حنيفة رضى الله عنه . ونقبل فى الجملة قول الذين يقولون إن رأى أبى حنيفة وأصحابه كان تقديم السنة ولو خبر آحاد على القياس المستنبط. ولقد مال إلى تخريج أبى الحسن الكرخى هذا أكثر العلماء، وجاء فى كشف الأسرار عن أبى الحسن ما نصه: ((لم ينقل هذا القول (قول عيسى بن إبان ) عن أصحابنا ، بل المنقول عنهم ، أن خبر الواحد مقدم على القياس ، ولم ينقل التفصيل . ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبى هريرة رضى الله عنه فى الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً ، وإن كان مخالفاً للقياس ، حتى قال أبو حنيفة رحمه الله: ((لولا الرواية لقلت بالقياس. ونقل عن أبى يوسف فى بعض آماليه أنه أخذ بحديث المصراة ، وأثبت الخيار للمشترى ، وقد ثبت عن أبى حنيفة أنه قال : ما جاء عن الله، وعن رسوله، فعلى الرأس والعين، ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه فى الراوى، فثبت أن هذا القول مستحدث)). وأجاب عن حديث المصراة والعربة وأشباههما فقال: إنما ترك أصحابنا العمل بها (١٩ - ابو حنيفة) - ٢٩٠ - لمخالفتها الكتاب أو السنة المشهورة، لا لفوات فقه الراوى ، وأن حديث المصراة مخالف لظاهر الكتاب والسنة، كما بينا (١) . وحديث العرية مخالف للسنة المشهورة لا لفوات فقه الراوى، وهى قوله تع الى: ((التمر بالتمر. مثل بمثل. كيل بكيل)) على أنا لا نسلم أن أبا هريرة رضى الله عنه لم يكن فقيهاً، بل كان فقيهاً، ولم يعدم شيئاً من أسباب الاجتهاد، وقد كان يفتى فى زمان الصحابة ، وما كان يفتى فى ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد، وكان من علية أصحاب رسول الله صلێ ، رضى الله عهم، وقد دعا النبى عليه السلام له بالحفظ ، فاستجاب اللّه تعالى دعاءه حتى انتشر فى العالم ذكره وحديثه (٢) . ١٢٣ - انتهينا من ذلك التحليل إلى أن أبا حنيفة ما كان يقدم القياس المستخط عند تعارض الأوصاف، وتصادم الأمارات على الحديث، وإن ما قاله المخرجون فى مذهبه من بعده، أو على التحقيق بعضهم من أنه كان يقدم القياس على خبر الآحاد إذا لم يكن راويه من الصحابة فقيهاً لا تصح نسبته إليه ، لعدم استقامة المقدمات التى تؤدى إليه ، ومخالفتها للأثور من أقواله، ولتضاربها مع الفروع المأثورة عنه . ولكن نجد فى الفروع التى أثرت عنه رضى الله عنه ما يخالف أخبار الآحاد فهل خالفها على علم بها ؟ وإذا كان عالماً بهذه الأخبار، فلماذا آثر تركها ، والسير وراء غیرھا؟ والجواب عن ذلك أن نفرض فيه الفرضين أنه يجهلها، أو يعلمها وردها، فلو أخذنا بالفرض الذى لا تعقد فيه، لقلنا إنه كان يجهلها ، فاجتهد فما اجتهد غير عالم بها، ولو أنه كان عالماً بها فى وقت اجتهاده واستنباطه، لجعل لها مكان الاعتبار ولأفتى فى الفروع بمقتضاها ، وذلك فرض سهل ، ولكنه يجعل جزءاً كبيراً من الاجتهاد الحنفى كان على غير أساس صحيح ، ولذلك لا نستطيع أن نفرضه فى كل (١) الكتاب الذى خالفه حديث المصراة، هو قوله تعالى: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم))، والسنة التى تفيد أن الضمان بالقيمة أو المثل، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق شقصاً له فى عبد قوم عليه نصيب شريكه إن كان موسراً » . (٢) كشف الأسرار الجزء الثانى ص ١٠٣ - ٢٩١ - ما خالف فيه أخبار الآحاد ، بل لا بد من أن نفرض أنه خالف أخبار الآحاد على علم ببعضها، وكانت له وجهة فى ردها، وليست الوجهة عدم فقه الصحابى الذى رواها ولا انداد باب الرأى فيها إلى آخر ما ذكره بعض العلماء . ١٢٤ - وإنه لا بد أن نلقى نظراً فى الاجتهاد العراقى فى شتى ضروبه ، لكى ترى الأسباب التى من أجلها كان أبو حنيفة يرد بعض المروى الذى كان ينسب إلى الرسول صَّ له، لقد قام فقه الكوفة التى كانت معدن العلم فى نظر أبى حنيفة على المأثور من فتاوى عبد الله بن مسعود، وعلى بن أبى طالب ، وعمر بن الخطاب رضى الله عنهم، وقد انتقل، إليها علم هؤلاء لمقام على بن أبى طالب فيها مدة خلافته ومقام عبد الله بن مسعود بها شطراً طويلا من حياته، وابن مسعود كان يتأثر طريق عمر بن الخطاب فى الاجتهاد والفتيا، وقد أذاع فقه هؤلاء العلمية من فقهاء الصحابة بالكوفة شريح القاضى ، وعلقمة بن قيس ، ومسروق بن الأجدع ، وتلقاه عنهم إبراهيم النخعى، وجاء حماد شبخ أبى حنيفة فنقل فقه إبراهيم الذى يرجع إلى هؤلاء الأئمة، كما نقل معه فقه الشعبى الذى كان أقرب إلى أهل الأثر، ولكن يغلب على حماد مذهب النخعى الذى كان يشتمل على فقه عمر ، وابن مسعود ، وعلى ، رضى الله عنهم. وإذا كان إبراهيم قد نقل إلى حماد، وسرى من بعده - إلى أبى حنيفة - فقه هؤلاء الأئمة الثلاثة ؛ فلا بد أنه قد نقل إليه طريقتهم الفكرية فى نقد الأحاديث والحرص الشديد فى الدقة فى النقل. فابن مسعود كانت تعتريه الرعدة عندما يتحدث عن رسول اللّه عَطي ، خشية أن يقع فى نقل ما لم يقل، وما كان يتهيب الفتيا برأيه وعمر بن الخطاب كان يدعو الناس إلى أن يقلوا الرواية ، خشية أن يقعوا فى الكذب وأن يقولوا على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما لم يقل، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه كان يحلف الذى يروى عن رسول اللّه صَّ اله، وإن كان عدلا ثقة ليزكى روايته باليمين ، ولم يستثن من ذلك إلا أبا بكر الصديق رضى الله عنه. - ٢٩٢ - وإذا كان أبو حنيفة قد تأثر طريق هؤلاء فيما نقل إليه عنهم من فتاوى وأقضية فلا بد أنه قد تأثر طريقهم فى التشديد فى قبول ما يرويه له الرواة ، إذا لم يكن قد عرفهم وخبر مقدار عدالتهم ، ولعله كان يرد أحاديث ناس ، لأنهم لم يبلغوا مرتبة الاطمئنان إلى قولهم، وإن لم يعلن ذلك، فما كان رحمه الله من يعلن قدحاً فى أحد ولا يثير الظنة حول الناس ، فكان يكتفى بأن يفتى بما يطمئن إليه ، ويترك رواياتهم. ١٢٥ - والحق أن انقسام المدارس الفقهية فى عصر التابعين، وتابعى التابعين جعل كل مدرسة شديدة الثقة برواتها، لا تقبل بيسر ما عند غيرها من علم وروايات ولقد قال فى ذلك الدعلوى: ((صار لكل عالم من علماء التابعين ، ذهب على حياله ، فانتصب فى كل بلد إمام مثل سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر فى المدينة وبعدهما الزهرى ، والقاضى يحيى بن سعيد ، وربيعة بن عبد الرحمن فيها ، وعطاء ابن أبى رباح بمكة ، وإبراهيم النخعى ، والشعبى بالكوفة، والحسن البصرى بالبصرة وطاووس بن كيسان باليمن ، ومكحول بالشام ، فأظمأ الله أكباداً إلى علومهم فرغبوا فيها ، وأخذوا عنهم الحديث ، وفتاوى الصحابة ، وأقاويلهم ، ومذاهب هؤلاء العلماء، وتحقيقاتهم من عند أنفسهم، واستفتى فيها المستفتون، ودارت المسائل بينهم ، ورفعت إليهم الأقضية ، وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأضرابهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها ، وكان لهم فى كل باب أصول تلقوها من السلف ، وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس فى الفقه ، وأصل مذهبهم فتاوى عبد الله بن عمر، وعائشة وابن عباس ، وقضايا قضاة المدينة ، فجمعوا من ذلك ما يسر الله لهم؛ ثم نظروا نظر اعتبار وتفتيش. وكان إبراهيم وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس فى الفقه كما قال علقمة لمسروق: «هل أحد منهم أثبت من عبد الله ... وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر، ولحديث أبى هريرة، وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة )». - ٢٩٣ - وجد إذن ذلك الاختلاف الإقليمى الذى نجم عن اختلاف الصحابى الذى توارث علماء الأقليم مروياته وفتاويه وأقضيته، وطريقة اجتهاده ، وأقيسته ، وفى الجملة توارثوا كل ما ترك من آثار فقهية، ما بين منقول ومستنبط ، وكان ذلك الاختلاف الأقليمى سباً فى أن أهل كل إقليم إطمأنوا إلى منقوله، وأقضيته وفتاويه فكان لكل إقليم مجموعة الأحاديث والفتاوى المأثورة التى بنى عليها استنباطه ، فلم يكن من السهل أن يسرى إليه ما عند الآخر من رواية وفتاوى ، فإن اطمئنانه إلى ما عنده لا يسهل ذلك . ولعله يتجلى من ذلك السياق الذى ساقه الدهلوى قلة الرواية فى فقه العراق عن أبى هريره؛ ووجود أقيسة عند العراقيين، قدروى عن أبى هريرة أحاديث فى موضوعها فإن حديث أبى هريره اختص بحفظها وروايتها ابن المسيب والمدنبون ، كما اختص فقهاء الكوفة بحفظ أحاديث بن مسعود وفتاويه، فلم تكن مخالفة أحاديث أبى هريرة أحياناً فى فقه أبى حنيفة سببها عدم فقه، كما قال ابن ابان ونخر الإسلام ، بل سببها عدم وصولها إلى أهل العراق ، بسبب المحاجزات الإقليمية أو صعوبة قبولها لديهم بسبب تلك المحاجزات . ولذلك لما اختلطت المدارس، وتبادلت المعارف، وانتشرت أحاديث كل إقليم لدى الآخر، تقاربت الآراء ، وأخذ كل ما عند الآخرين ، فالتقى الفقه العراقى والحجازى، وتدانت الاتجاهات المختلفة، ولكن تم ذلك بعد أبى حنيفة. ١٢٦ - ولقد كان اختلاف الاتجاهات ، بسبب اختلاف الأقاليم سبباً واضحاً فى أن يرد كل إقليم مرويات الآخر إن عارضتها مرويات عنده؛ لأن التلاميذ دائماً يؤثرون ما يتلقونه عن شيوخهم ، فوق أن اطمئنانهم لهم ومعرفتهم لهم وعدم معرفة الآخرين ، يجعلهم يؤثرون رواية من يعرفون على من لا يعرفون ، ومنهاجهم على منها جهم . ولقد كان تشدد العراقيين فى قبول الرواية وهو الأمر الذى ورثوه عن عبد الله ابن مسعود، وعلى ابن أبى طالب ، وعمربن الخطاب رضى الله عنهم سياً فى أن يؤثروا - ٢٩٤ - فتوى الصحابى على رواية يشكون فى نسبتها إلى صاحب الرسالة في لجعل حتى لقد كان الشعبى ، وهو من فقهاء الكوفة الذين كانوا يستمسكون بالآثار أشد الاستمساك يقول: ((على من دون النبى ◌ّ الج أحب إلينا، أى أنه أحب إليه أن يقول قال على مستوثقاً من أن يقول قال النى بت الي شاكاً فى النسبة خشية الكذب على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، ويقول إبراهيم النخعى وهو إمام أهل الرأى، ولهم الغلبة فى الكوفة: ((أقول قال عبد اللّه وقال علقمة أحب إلينا ، (١) . فتري من هذا أن تشددهم فى قبول الرواية حملهم على أن يأخذوا بفتاوى الصحابة ويردوا بعض المرويات التى يشكون فى نسبتها إلى النبي صَّ له. وإن لهذا التشدد من فقهاء العراق فى قبول الرواية سبباً آخر فوق اتصالهم بالصحابة ، الذين كانوا يتشددون فى أمر الرواية ، وذلك السبب هو أن العراق فى عصر التابعين ، ومن تبعهم من تابعيهم وسار الفقهاء كان موطن النحل المختلفة والفرق المتضاربة ، فكان به الشيعة بكل فرقهم ، والخوارج بكل مذاهبهم والمرجئة والجهمية والقدرية ، ثم كان به الزندقة والزنادقة ، وأولئك كانوا لا يتحرجون عن رواية ما لم يقله الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه استخفافاً بالدين ، ومحاماة على نحلهم وقد عاين فقهاء العراق ذلك ، ورأو كثرة الكذب على الرسول ، فتولد عندهم روح الشك تحرجاً وتأثماً من أن ينسبوا إلى الرسول ما لم يقل ، فدفعهم الاستيثاق والاستحفاظ على الدين إلى ألا يقبلوا إلا ممن يعرفون ، ومن استقامت مناهجهم العلمية ، ولم تنحرف آراؤهم ، ودفعهم لأن يرفضوا مرويات ، رواتها ثقات فى أنفسهم وعند من يعرفونهم ، ولكن العراقيين لا يعرفونهم ، وعندهم روح الشك غالبة ، لكثرة ما رأو من الكذب ولتأمهم منه . ١٢٧ - ولقد وجدنا الفقه العراقى يتجه إلى الأخذ بعموم الألفاظ، والاستمساك (١) حجة الله البالغة ج ١ ص ١٥١. - ٢٩٥ - جبيان القرآن، فقد علمت فيما مضى من بحثنا أنهم لا يعتبرون خاص القرآن فى حاجة : إلى بيان ، وقد خالفوا بذلك أحاديث قد وردت فى موضوعه اعتبرها الحجازيون بياً لذلك الخاص ، ولم يعتبرها العراقيون، بل ردوا نسبتها إلى الرسول لأخذهم باعتبار الخاص مبيناً غير محتاج إلى بيان وراء بيانه، وقد قلنا إن ذلك أيضاً من شكهم فى الرواية عن كثيرين من الرواة . وكذلك كانوا يرون أن أحاديث الآحاد لاترتفع إلى درجة معارضة عموم القرآن حتى يمكن أن تخصصه، بل إن عموم القرآن يسير على شموله، وترد نسبة المرويات التى تخالفه إلى الرسول صلوات اللّه تعالى وسلامه عليه؛ لأن الحديث لا يمكن أن يكون مخالفاً للقرآن، ولا يمكن أن يكون حديث الآحاد ناسخاً لنص القرآن الكريم والتخصيص عندهم يتقارب فى رتبته من النسخ، بل لقد كان كثيرون من الصحابة والتابعين، يعبرون عن التخصيص بكلمة النسخ . فكان حكمهم بأن العام فى القرآن لا يعارضه حديث الآحاد ، لشكهم فى روايته وأخذهم بالخاص واعتبارهم إياه غير محتاج إلى البيان ، بسبب نظرتهم إلى الرواة تلك النظرة المنظننة سبباً فى أن أفتوا فتاوى أخذوها من عموم القرآن أو خصوصه، وقد وردت أحاديث حت عند غيرهم فى موضوع ما أفتوا ، فزعم بعض الذين جاءوا من بعدهم أن سبب ذلك أخذهم بالقياس دون الأثر ، وتقديمهم القياس على . حديث الآحاد . ١٢٨ - أن أبا حنيفة إذن لم يكن يرجح مطلق القياس على خبر الآحاد ، وان الأخبار التى وجدت مخالفة لأقيستة التى أخذ بها لم يكن الأساس فى المخالفة ترجيح الأقيسة على تلك الأخبار، مع العلم بصدق رواتها، وبلوغهم كمال الثقة ، بل السبب أمور أخرى قد أشرنا فى هذا المقام إلى بعضها . ولكن يجب أن نقرر أيضاً أن هناك أقية تعتمد على أصول عامة أخذت من الشرع الإسلامى من مجموع أحكامه ، وقد تضافر العلماء على اعتبارها أو جاءت نصوص قطعية ببيانها، وأن هذه الأصول فى مرتبة الأمور القطعية - ٢٩٦ - فهل يقدم خبر الآحاد على هذه الأصول القطعية ، فترفض كل قياس اعتمد عليها. لخبر آحاد وارد فى ذلك، وهل يرد أبو حنيفة الأقيسة التى تعتمد على تلك الأصول إذا عارضها خبر آحاد ؟ إن ذلك موضع نظر. ولقد ذكرنا أن أبا الحسين البصرى يحكى أن العلماء مجمعون على أن القياس إذا كانت العلة منصوصاً عليها، أو كان يعتمد. على أصل قطعى ، وهو قطعى فى الفرع ، كما هو قطعى فى الأصل ، يقدم على خبر الواحد، ويعد خبر الواحد بذلك شاذاً ، فهل أبو حنيفة فى هذا الإجماع . إن هذا المقام يحتاج إلى فضل من البيان، فلنذكره بتفصيل ، متجنبين الإطناب. ومتوخين الإيجاز. ١٢٩ - إن أدلة الشريعة قسمان: أدلة ظنية، وأدلة قطعية ، ومن المتفق عليه أن أخبار الآحاد من القسم الأول، ومن المتفق عليه عند جميع الفقهاء أن الدليل الظى. إذا عارضه دليل قطعى أخذ بالقطعى دون الظنى ، هذه قضية تقرها بدائه العقول وتتفق مع المنقول، بل هى لب المنقول؛ لأن المعلوم من الدين بسبيل القطع ، يضعف بجواره ما هو ظنى، وتكون معارضته له سبباً فى الحكم بشذوذه، وعلة فى منه. تقدح فی رواته . ومن الدليل القطعى، الأصل القطعى، أو القاعدة العامة القطعية التى تضافرت فى تكوينها مجموعة الأحكام الثابتة فى الدين ، ولم تثبت بنص، مثل قاعدة ((لا حرج فى الدين ، وقاعدة سد الذرائع ، وقاعدة ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وغير ذلك من القواعد المنصوص عليها فى القرآن الكريم المصدر الأول لهذه الشريعة أو الأقيسة المنصوص على علها بأصل قطعى ، أو القواعد التى ثبتت من مجموع الأحكام الشرعية ، فإن جمهور العلماء على أن الأقيسة القطعية التى تبنى على هذه النصوص أو تعتمد على هذه الأصول يرد بها خبر الواحد ، ويطعن بها فى نسبته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا يكون تخريج بعض ما روى عن أبى حنيفة رضى الله عنه فى رد بعض أخبار الآحاد، وقبول بعض آخر ، إذا كان عالماً بالخبر فى حال استنباطه، فهو يقبل خبر من أكل أو شرب ناسياً . لأنه وإن -- ٢٩٧ - خالف القياس لم يعارض أصلا قطعيا ، ويقول الشاطى ((انه قدم خبر القهقهة فى. الصلاة على القياس؛ إذ لا اجماع فى المسألة ... ورد خبر القرعة (١)، لأنه يخالف الأصول، لأن الأصول قطعية ، وخبر الواحد ظنى، والعقق حل فى هؤلاء العبيد والاجماع منعقد على أن العتق بعد ما نزل فى المحل لا يمكن رده (٢)). وكذلك يكون اعتماده فى رده خبر المصراة ، وغيره من الأحاديث التى تتعارض مع نص قرآن، أو علة نص عليها ، وكانت متحققة فى الفرع ، على سبيل القطع . ولقد نقل الشاطى عن ابن العربى آراء العلماء فى الحديث الظنى إذا عارض الأصول، فقال: ((وقال ابن العربى: إذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع فهل يجوز العمل به، قال أبو حنيفة لا يجوز العمل به ، وقال الشافعى يجوز وتردد مالك فى المسألة قال ، ومشهور قوله، والذى عليه المعول أن الحديث إن. عضدته قاعدة أخرى ، قال به ، وإن كان وحده تركه، ثم ذكر مسألة مالك فى ولوغ الكلب، قال: لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين: أحدهما قوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم. الثانى أن علة الطهارة هى الحياة، وهى قائمة فى الكلب)). وحديث العرايا إن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف ، وكذلك لم. يأخذ أبو حنيفة بحديث منع بيع الرطب بالتمر لتلك العلة أيضا ، (٣). وقد ذكر فى هذا التفرقة بين رأى أبى حنيفة ورأى مالك ، وهو أن أبا حنيفة يقدم الأصل القطعى ، ومالك يقدم الأصل إن لم يوافق الحديث قاعدة أخرى . والحق فى هذا أن الحديث أن وافق قاعدة أخرى، لا يكون مخالفا للأصول. (١) خبر القرعة هو خبر العبيد الستة الذين اعتقوا فى مرض الموت، والاقراع بينهم لينفذ العتق فى اثنين . (٢) الموافقات الجزء الثالث ص ٢٣ طبع التجارية . (٣) الموافقات جزء ثالث من ٢٤ طبع التجارية، وقد نوهنا إلى هذا من قبل.