النص المفهرس
صفحات 261-280
- ٢٥٨ - يكون معارضاً لما يكون موجباً قطعاً، كذا ذكره شمس الأئمة رحمه الله))(١). هذا ما ساقه شمس الأئمة لاستنباط ذلك الأصل، وهو ظنية العام فى دلالته على الباقى بعد تخصيصه، وترى من هذا أن أبا حنيفة يخصص العام الذى خصص بالقياس. فلا يخصصه فقط بحديث الآحاد ، بل بما هو دون حديث الآحاد فى القوة، وهو القياس، ولم يضرب لذلك مثلا . ولعل حديث الربا مع آية إحلال البيع يصلح مثلا لذلك ، فإن الله تعالى قال: ((وأحل الله البيع وحرم الربا، فكان إحلال البيع مخصصاً بكونه خالياً من الربا وقوى ذلك المعنى أو دل على التخصيص قوله صَ لّه فيما رواه أبو سعيد الخدرى: ((الذهب بالذهب، مثل بمثل، يداً بيد، والفضل ربا. والملح بالملح، مثل بمثل، يداً بيد والفضل ربا. والشعير بالشعير، مثل بمثل، يداً بيد، والفضل ربا. والتمر بالتمر مثل بمثل ، يداً بيد، والفضل ربا. وهذا حديث مشهور تلقاه العلماء بالقبول والعمل به ويخص به القرآن، وقد اتفق العلماء على قبوله وعللوه، وقاسوا(٢) الأشياء غير المنصوص عليها على المنصوص عليه؛ فكأن آية إحلال البيع، قد خصصت بتخصيصين بتحريم الربا فى الأمور المنصوص عليها فى الحديث، وبتحريم غيرها ما هو فى معناها على اختلاف بين العلماء . (١) كشف الأسرار ج ١ ص ٢١٨. (٢) إن الظاهرية الذين نفوا القياس الذى لم ينص على علته اقتصروا على الأمور المذكورة . وعامة العلماء قاسوا عليها غيرها ، واختلفوا فى العلة، فأبو حنيفة وأصحابه قالوا: إن العلة الكاملة اتحاد الجنس واتحاد التقدير بالكيل أو الوزن ، فإن توافرت العلتان حرم الفضل ( أى الزيادة) وحرم النساء ( أى تأخير أحد البدلين )، وإن فقد أحد الأمرين كانت العلة ناقصة، فيباح الفضل، ويحرم النساء ، وقال الشافعى: إن العلة فى منع الفضل اتحاد الجنس مع الثمنية فى الذهب والفضة. وفى غيرهما اتحاد الجنس مع الطعم . وعلة النساء الثمنية أو الطعم مع اختلاف الجنس ، وقال حذاق المالكية ما يقوله الشافعية ، غير أنهم اشترطوا فى المطعومات أن تكون قابلة للادخار . - ٢٥٩ - ٩٦ - ولا شك أن القضية تنتهى لا محالة إلى أن العام الذى يخصص يصبح بعد تخصيصه دون حديث الآحاد فى الاحتجاج به ، إذ أن حديث الآحاد يقدم فى الاستدلال على القياس ولا يعارضه ، بينما القياس يعارض العام الذى يدخله التخصيص ويخرج بعض آحاده من عموم لفظه، وذلك لأنهم يقولون: إن النص الخاص يكون معللا ولو بعلة مستنبطة ، وبعد استنباطها تكون ظاهرة، فتسرى علتها إلى غير ما نص عليه من بقية آحاد العام ، فلا يدرى ما يخرج منها بهذه العلة ؛ فكان ثمة شبهة فى صلاحية أصل العام فى دلالته، فصلح القياس أن يكون معارضاً، وأن يكون مقدماً فى الأخذ ، ولقد قال صاحب كشف الأسرار فى ذلك: ((إن إرادة التخصيص تثبت بعلة النص ، والنص ظاهر، والعلة التى هى وصفه كانت ظاهرة أيضاً . فثبتت الإرادة الباطنة فى الخصوص على سبل الجهالة بدليل ظاهر ، وإذا كان احتمال الإرادة ، أوجب شبهة فسقط العلم دون العمل ، إلا أن خبر الواحد كان فوق هذا العام ، لأن الخبر ثابت بأصله ، وإنما وقع الشك فى طريقه ، والشبهة فى الطريق لا تبطل أصله، وههنا أعنى فى العام إذا خصص منه شىء ، وقعت الشبهة فى أصله أنه لم يتناول ، فصار نظير القياس ؛ فإن القياس فى أصله شبهة ، من حيث يحتمل ألا يكون موجباً، وهذا لأن النص الخاص لما كان معلولا يثبت احتمال التعدى إلى ما بقى، والاحتمال لا يسقط العمل بالأول، ولكن يزيل اليقين ... ))(١) ومؤدى هذا كما بينا إلى أن اللفظ الخاص لا يثبت وحده ، بل يثبت مع علته ، وكل ما تثبت فيه ، وذلك قدر مجهول، قام إثباته على دليل ظاهر ، فكان ثمة شبهة فى أصل الدليل أسقطت اليقين ، ولم تزل أصل العمل به ، وإذا اعترت الشبهة أصل الدليل كان فى قوة القياس ، لأن ما فى القياس من ضعف إنما يكون من شبهة عدم اتحاد طرفيه فى علة الحكم. ٩٧ - هذا سياقهم . قد ساقوه فى إثبات أن العام بعد تخصيصه يصبح ظنياً وهو ظاهر التطبيق فى حديث الربا مع آية إحلال البيع ؛ لأن حديث الربالم يخص (١) كشف الأسرار جـ ١ ص ٣١٣ - ٢٦٠ - الآية بما اشتمل عليه من بيع الأمور المنصوص عليها فقط ، بل القائسون من الفقهاء، أخرجوا من عموم آية إحلال البيع كل ما تنطبق عليه العلة التى است بطوها، فالحنفية أخرجوا منها كل ما ينطبق عليه التقدير بالكيل أو الوزن واتحاد الجنس ، والمالكية أخرجوا منها كل ما ينطبق وصف الطعم ، وإمكان الادخار واتحاد الجنس ، والشافعية أخرجوا منها ما ذكر المالكية، ولم يشترطوا إمكان الادخار كما علمت ، وما أخرج بالعلة قدر مجهول، فتعترى الشبهة أصل الدليل ، فيزول ما فيه من يقين . ولنا ملاحظة على ذلك الكلام ، وذلك أن الحنفية إذ يقررون أن العام قطعى فى دلالته قبل التخصيص كان عليهم أن يخرجوا منه فقط مانص عليه الخاص، وليس لهم أن يخرجوا ما جرت فيه علة الخاص ، لأن ذلك قياس ، والقياس لا يقف أمام النص ، فلا يصلح سبباً لنقض أصله ، فإعمال العلة فى غير المنصوص عليه لا يستقيم مع أصل القطعية الثابتة العام، ولا يصلح ذلك سبباً لسقوط هذه القطعية ثم دليلا على الظنية، إذ تكون الدعوى قد أخذت مقدمة فى الدليل ، إذ الدعوى هو الظنية وجواز التخصيص بالقياس، ومقدمة الدليل هى إمكان إعمال علة النص، وطروء الشبهة بسبب ذلك الإعمال ، إذ يكون مجهولا ما تشتمل عليه للعلة ، وإعمال علة النص تخصيص بالقياس ، وهو من نتاتج الدعوى . ولو تنزلنا وسلمنا جواز إعمال العلة ، فيجب أن تكون العلة ظاهرة بحيث تكون قريبة من النص ، وإذا كانت كذلك ، كان ما تنطبق عليه معروفاً فى حكم المنصوص عليه ، فيكون الباقى بعد الخاص بنصه وعلته محدوداً معلوماً ، فتكون الدلالة عليه قائمة ثابتة من غير شبهة ، ومواضع الخروج هو المنصوص عليه وما تشمله علته معلوم غير مجهول . ٩٨ - هذه ملاحظة نبديها فى هذا السياق الذى ساقه نفر الإسلام البزدوى ، وقبعه فيه غيره لإثبات أن العام بعد تخصيصه يكون ظنياً ، ويكون فى الاحتجاج به دون خبر الآحاد ، وكان حقاً علينا أن نبديها لأن آيات كثيرة من القرآن الكريم قد خصصت ، فلو كان الاستدلال بها ضعيفاً إلى حد أن القياس يخصها ، - ٢٦١ - لوقف القياس أمام نصوص كثيرة من القرآن الكريم ، ولأخرج بعض آحادها والحنفية يذكرون فى كتبهم كثيراً من الآيات الكريمة التى خصت ، ويذكرون منها آية المواريث، فإنها مخصوصة بمنع ميراث القاتل وغير المسلم ، فهل آية المواريث بعد هذا التخصيص تكون فيها شبهة فى الاستدلال، بحيث يمكن أن يعارضها القياس حاش لله أن يقول أحد من الفقهاء ذلك، حتى أشدهم أخذاً بالقياس، ولكنه الحرص على الدفاع عما ارتأوه قاعدة تستقيم عليها فروعهم ، وتضبط بها أصول الاستنباط عند شيوخهم . ٩٩ - ومهما تكن نسبة القضايا الخاصة بألفاظ الخصوص والعموم ودلالتها من حيث القطعية والظنية إلى أبى حنيفة شيخ فقهاء العراق وأهل الرأى . فإن شواهد هذه القضايا تكشف عن اتجاه أهل الرأى فى الجملة ، ذلك الاتجاه الذى دفعهم إليه قلة الأحاديث الصحيحة عندهم ، أوشكهم فى بعض ما وصل إليهم من آثار ؛ فإنك تراهم قد بالغوا فى الأخذ بنصوص القرآن ، ولم يلتفتوا إلى أحاديث واردة فى موضوع الآية . فقد قرر أن الخاص لا يحتاج إلى بيان فى موضوعه ، فلم يستعينوا فى بيانه إلى أحاديث واردة فى بابه، لأنه فى نظرهم، لا يحتاج إلى بيانها ، وما أتت به يكون زيادة، فإن كانت مستفيضة أو مشهورة قبلت، وإن كانت آحاداً ردت، وسلكوا ذلك المسلك ، حتى فى العبادات ؛ وقالوا إنهم قد أخذوا شاهده من فروع كثيرة استمسك فيها بنص الكتاب الخاص ، مع وجود حديث آحاد قد يزيده بياناً ويوضح الدقيق من معناه . وقلنا فى هذا المقام موضعه إن أبا حنيفة لعله قد اعتمد على النص القرآنى وحده لأن الحديث لم يبلغه ، ولو كان قد بلغه لاستعان به فى بيانه القرآن الكريم. وقرروا أيضاً أن العام قطعى فى دلالته ، وبسبب الاستمساك بهذه القطعية لم يلتفتوا إلى أحاديث آحاد واردة فى هذا الباب وجعلوا تلك القضية هى السبب - ٢٦٢ - فى رد هذه الأحاديث؛ لأنها ظنية فى ثبوتها ، وعام القرآن قطعى فى ثبوته ثم هو قطعى فى دلانه أيضاً، فكيف يقف أمامه حديث آحاد ، وساقوا لذلك الشواهد من فروع أخذ أبو حنيفة وأصحابه فيها بعموم القرآن ، ولم يلتفتوا إلى أحاديث آحاد صحيحة مخصصة قد تكون مخصصة لذلك العموم، ونقول هنا أيضاً ما قلناه فى الخاص ، وهو أن أبا حنيفة لعله لم يطلع على هذه الأحاديث ، فأجرى الآيات على عمومها . ولقد وجدناهم يقررون أن العام إذا خصص جاز تخصيصه بعد ذلك بالقياس . وذلك بلا شك توسيع لمدى القياس، ومد لأطرافه ، فهم قد وسعوا شمول النص المخصص ، حتى تجاوزوا لفظه إلى علته ، جعلوا التخصيص به لا يقتصر على ما يشتمل عليه اللفظ ، بل إن ما يشير إليه الأوصاف وما يستنبط من علل له قوة التخصيص كاللفظ ، ولم يقتصروا على ذلك ، بل إنهم يسيرون فى عموم دعواهم ، حتى ليزعم هؤلاء الذين استفبطوا القاعدة أن القياس يقف موقف المعارض للنص القرآنى بعد تخصيصه بأى مخصص ، وذلك إفراط فى القياس من المتأخرين ، لا يصلح بياناً لما قام به المتقدمون ؛ ولكنه على أى حال يكشف عن كثرة أقيستهم. - ٢٦٣ - بيان القرآن الكريم ١٠٠ - والقرآن الكريم هو مصدر المصادر لهذه الشريعة، وينبوع ينابيعها والمأخذ الذى اشتقت منه أصولها وفروعها ((وأخذت منه الأدله قوة استدلالها. فهو بهذا الاعتبار كلى الشريعة ، وجامع أحكامها ، ولقد روى عن عبد الله بن عمر أنه قال (( من جمع القرآن فقد حمل أمراً عظيما، وقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه))، ولقد قال ابن حزم الظاهرى (( كل أبواب الفقه. ليس منها باب، إلا وله أصل فى الكتاب ، والسنة تعلنه)، ولقد قال عز وجل : (« ما فرطنا فى الكتاب من شىء، ولقد كانت عائشة تقول: ((من قرأ القرآن فليس فوقه أحد ،: وإذا كان القرآن هو كلى الشريعة ، كما يتبين من هذه النصوص وغيرها ، مما لا يتسع المقام لذكره، فلا بد أن يكون بيانه لها بياناً إجمالياً يحتاج إلى تفصيل وأمراً كلياً يحتاج إلى تبيين فى بعضه؛ لذلك كان لابد من الاستعانة بالسنة لاستنباط بعض الأحكام منه ، واستخراج بعض الشرائع من بين ثناياه ، ولقد قال عز من قائل: (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)). والمستقرى الآيات القرآنية المبينة للأحكام الشرعية يجد بعض هذه الأحكام لا يحتاج إلى بيان، مثل آية حد القذف وهى قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا نقبلوا لهم شهاده أبداً، وأولئك هم الفاسقون ، . وكذلك الآية التى تبين اللعان وطريقته ، وهى قوله تعالى: ((والذين يرمون أزواجهم ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ، فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه ، إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب -- ٢٦٤ - الله عليها إن كان من الصادقين، ففى هذه الآية يتبين اللعان والحال التى يجب فيها .. وقد بينت السنة الآثار المترتبة عليه . وبعض آى القرآن المتعلقة بالأحكام يحتاج إلى بيان ، كأن يكون مجملا ، فيحتاج إلى تفصيل ، أو فيه بعض الخفاء، فيحتاج إلى تفسير ، أو تأويل، أو يكون مطلقاً فيقيد، وهكذا ... ولقد اتفق العلماء على أن السنة هى التى تتولى البيان، يستوى فى ذلك فقهاء الرأى، وفقهاء الأثر، وإن كان ثمة فرق بينهما، فهو أن فقهاء الرأى يحدون مواضع الحاجة إلى البيان فى القرآن ، وفقهاء الأثر يوسعون فيه مواضع الحاجة إلى البيان من السنة ، وقد رأيت ذلك فى الخاص ، ففقها. الرأى قد اعتبروه بيناً فى مدلوله. لا يحتاج إلى بيان ، فكل ما جاء من السنة متعلقاً بموضوعه، فهو زيادة عليه لا تقبل إلا إذا كانت فى قوته من حيث الثبوت، ويرى فقها. الأثر أن كل ماصح من الآثار فى موضع من المواضع التى ذكرها القرآن الكريم فهو مبين له مخصص لعمومه ، أو مقيد لمطلقه ، أو مبين لخاصه ، وهكذا فالخاص يحتاج إلى بيان أحياناً ، وما جاء من. السنة متعلقاً بموضوعة يكون بياناً له . ١٠١ - ففقهاء الرأى إذن وعلى رأسهم أبو حنيفة يرون أن السنة مبينة للكتاب. إن احتاج إلى بيان ، وإن كانت الحاجة إلى بيان فى نظرهم أقل من الحاجة. فى نظر فقهاء الأثر . ولقد تصدى الفقهاء الذين بينوا الأصول فى مذهب أبى حنيفة وأصحابه لبيان. القرآن ، ويستفاد من كلامهم أن بيان السنة للقرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : بيان التقرير ، وهو أن يحىء البيان من السنة مؤكداً لمعنى الآية، مقرراً له ، كقوله مَّ اليه فى بيان حد رمضان بالهلال بقوله: (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، أى صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته، فهو ٠ؤكد ومقرر لمعنى قوله تعالى: ((شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس ، وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)). - ٢٦٥ - والقسم الثانى: بيان التفسير، وهو بيان ما فيه خفاء كالمجمل فى القرآن، والمشترك فيه ، ومن بيان المجمل بيان الصلاة، وبيان الزكاة، وبيان الحج ، ففى هذه العبادات كان القرآن الكريم مجملا، قد أمر بالصلاة، ولم يبين أركانها، وأوقاتها، وقد بيها النبى عَّ الّ بالعمل، وقال: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)) وأمر بالزكاة، وتولت السنة البيان، فقال رسول اللّه صَّ اله فى زكاة النقدين: ((هاتوا ربع عشر أموالكم))، وبين زكاة النعم ، وزكاة الزرع بكتب أرسلها لولاته ، وأحاديث مأثورة . وكذلك الحج جاء فى القرآن مجملا ، وبينت السنة النبوية مناسكه. ومن المجمل الذى بينته السنة آية السرقة، وهى قوله تعالى: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه)) فإنه مجمل فى النصاب الذى يقطع به وفى شروطه ، وفى الجزء الذى يقطع ، وقد بينت السنة ذلك . ومن المجمل الذى بينته السنة أيضاً عند الحنفية آية الربا، وهى قوله تعالى: ((وأحل الله البيع وحرم الربا)) فإنهم يذكرون أن السنة بينت حدوده، وما يكون فيه من الأموال . ومن المشترك (١) الذى بينته - القروء - فى قوله تعالى: ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)) فهى تحتمل أن يكون المراد منها الأطهار، وتحتمل أن يكون المراد منها الحيضات، وقد استبان من السنة المأثورة أن المراد الأطهار فقد قال صَّ له: (طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان)) فتبين من هذا أن المراد من القروء الحيضات لا الأطهار، وإلا كانت عدة الأمة طهرين وما قال عليه السلام: ((عدتها حيضتان)). هذا النوع من البيان يجوز متصلا بالمبين ، وبجوز منفصلا ، ويجوز متراخياً فى الزمان ، ومقارناً، ولكن لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل (١) المشترك هو اللفظ الذى يدل على أحد معنيين أو معان بأصل وضعه كلفظ عين، فإنها بأصل الوضع اللغوى تطلق على الباصرة ، وعلى العين الجارية ، وعلى الذات ، وكلفظ القرء، فإنه يطلق على الحيض ، وعلى الطهر . - ٢٦٦ - لأن ذلك يكون تكليف ما لا يطاق، إذ العمل بما فيه خفاء غير ممكن ، فالمطالبة به .مطالبة بمحال، وذلك غير جائز فى نظر جمهور الأصوليين . بيد أن تخصيص العام لا يجوز متراخياً عند الحنفية ، لأنه بيان أن المراد باللفظ العام بعض آحاده؛ فهو نقل اللفظ من العموم إلى الخصوص، والمخصص هو قرينة .ذلك، فيجب أن تكون متصلة به غير متراخية عنه ، ولأن العموم عند الحنفية مثل الخصوص فى إيجاب الحكم، فإذا تأخر ، فقد وجب العمل به ، فهو بعد ذلك مبطل لجزء من العام بعد العمل به ، وذلك نسخ لا تخصيص ، وهو تبديل لا تفسير . ولقد فرق علماء الأصول من الحنفية بين بيان المجمل والمشترك، وتخصيص العام بأن الأول بيان محض ، أو تفسير محض، لأن اللفظ من غير ذلك البيان لا يوجب العمل ؛ لما فيه من خفاء أو احتمال. أما الدليل المخصص للعام ، فليس بياناً من كل وجه ؛ لأن العام فى ذاته لا احتمال فى دلالته ، ولا خفاء فى معناه وشموله ، فكان المخصص له أشبه بالمعارض ، فكان بياناً من وجه، ومعارضة من وجه . فلترجيح جانب البيان على جانب المعارضة إشترط الاتصال أو عدم التراخى الزمنى، ولقد قال فى هذا المعنى شمس الأئمة ما نصه: ((بيان المجمل بيان محض لوجود شرطه ، وهو كون اللفظ محتملا غير موجب للعمل بنفسه ، واحتمال كون البيان الملتحق به تغيراً أو إعلاماً لما هو المراد به، فيكون بياناً من كل وجه، ولا يكون معارضاً، فيصح مفصولا . فأما دلیل الخصوص فليس بییان من كل وجه ، بل هو بيان من حيث احتمال الصيغة للخصوص، وهو ابتداء دليل معارض من حيث كون العام موجباً للعمل بنفسه فيما تناوله، فيكون بمنزلة الاستثناء والشرط ، فيصح موصولا على أنه بيان، ويكون معارضاً ناسخاً للحكم الأول إذا كان مفصولا، (١). ( القسم الثالث ) بيان التبديل، وهو النسخ، ونسخ القرآن بالقرآن جائز عند الحنفية، ونسخ القرآن بالنسبة أيضاً جائز إذا كانت ثابتة بالتواتر، أو مشهورة مستفيضة ، والكلام فى ذلك النوع من البيان هو الكلام فى النسخ بأحكامه (١) راجع كشف الأسرار الجزء الثاني ص ٨٣٠ - ٢٦٧ - .وشروطه، ولا نعرض لذلك فى هذا الموضع من بحثنا هذا. ١٠٢ - هذا كلام علماء الأصول الحنفية وهذه الضوابط قد استنبطوها من شتى الفروع الفقهية التى تبين أحكامها مقدار اعتماد أئمة المذهب الحنفي الأولين أبى حنيفة وأصحابه عن السنة فى بيان القرآن الكريم، وإن ذلك أصل مقرر مجمع عليه ، لا يمكن أن يحيد عنه فقيه قد اتسعت نواحى استنباطه ، وكثرت الفروع التى أثرت عنه كأنى حنيفة رضى الله عنه، فإن اعتماد المستخرج لأحكام القرآن على السنة أمر بدهى ما دام القرآن كلياً فى جملة أحكامه ، ولذلك قال الشاطى فى موافقاته؛ (( لا ينبغى فى الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه، دون النظر فى شرحه وبيانه، وهو السنة، لأنه إذا كان كلياً ، وفيه أمور كلية ، كما فى شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها . فلا محيص عن النظر فى بيانه ، (١) . (١) الموافقات الجزء الثالث - ٢٦٨ - ٢ - السنة ١٠٣ - هذا هو الأصل الثانى الذى اعتمد عليه أبو حنيفة رضى الله عنه فى استنباطه، وهى تلى الكتاب فى مرتبته ، لأن الكتاب هو عمود هذه الشريعة وأصلها وينبوعها ، ومنه تبين أن السنة مصدر من مصادرها، وهى بهذا متأخرة عنه فى الاعتبار، ثم هى مبينة لكليه، والمبين متأخر عن المبين ، فهو له خادم ، وهو منه بمنزلة التابع من المتبوع، والآثار متضافرة فى تأخر السنة عن الكتاب فى الاستدلال تحديث معاذ يثبت ذلك، إذ سأله النبي صَّ الله بم تحكم، قال: بكتاب الله، قال : فإن لم تجد ؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد رأبى))، ولقد كتب عمر رضى الله عنه إلى شريج القاضى: (( إذا أتاك أمر فاقض بما فى كتاب الله فإن أتاك ما ليس فى كتاب الله، فاقض بما سن رسول اللّه عَّ له، وعن ابن مسعود أنه قال: ((من عرض له منكم قضاء فليقض بما فى كتاب الله، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه منخلقه)، ومثل ذلك روى عن ابن عباس رضى الله عنه . هذه حقيقة مقررة فى المأثور عن أبى حنيفة ، وقد صرح هوبها ، کما بينا فى صدر كلامنا فى أصول الاستنباط عنده ، ولقد وجدنا الحنفية يفرقون بين أمر ثابت بالقرآن إذا كانت الدلالة قطعية ، وأمر ثابت بالسنة الظنية والثابت بالقرآن من الأوامر فرض، والثابت بالسنة الظنية من الأوامر واجب ، وكذلك النهى ، فالمنهى عنه فى القرآن حرام إذا لم يكن ثمة ظن فى الدلالة ، والثابت بالسنة الظنية مكروه كراهة تحريمية مهما تكن الدلالة ، وذلك لتأخر مرتبة السنة الظنية عن القرآن من حيث الثبوت من جهة ، والاستدلال بها على الأحكام من جهة أخرى . ١٠٤ - ولقد كانت معركة بين الفقهاء فى مقدار اعتماد أبى حنيفة فى استنباطه الفقهى على السنة ، حتى لقد زعم بعض الذين نقصوا من مقدار ذلك الاعتماد أنه كان يقدم القياس على السنة . - ٢٦٩ - وإن تحرير ذلك يحتاج إلى شىء غير قليل من البحث، وتتبع الفروع، والآثار التى رواها، وآرائه الفقهية فى موضع المروى أخالفه أم وافقه، وإن خالفه فعن جهل لأنه لم يصل إليه أم عن علم به ؟ ، وإن كان خالفه بعد علمه به أعن أصل من كتاب وسنة أخرى مستفيضة أم عن غير أصل ، وإن ذلك يحتاج إلى جهد كبير ، وإن بيانه بإنصاف فيه بيان كامل لعقل أبى حنيفة الفقهى ، والمميزات التى امتاز بها فقه ، وما كان مثار القول حوله، ما بين قادح ومادح. وقبل أن نتجه إلى ما قرره علماء الأصول الذين عنوا باستخراج أصول ذلك الإمام الجليل ، ونتعرف من فروعه مقدار اعتماده على السنه فى استنباطه . نسارع بنفى الاتهام الذى اتهم به ، وهو تقديمه القياس على الخبر، ورفضه للأحاديث التى صحت عند بعض العلماء. لقد رمى أبو حنيفة رحمه الله تعالى فى حياته بمخالفة السنة ، واكثر الذين أرادوا انتقاص قدره بعد وفاته من ذكر ذلك ، ولقد نفى هذه النهمة عن نفسه ، فقد كان رحمه الله يقول: ((كذب واللّه وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى قياس)(١) ففى هذا النص يضع أبو حنيفة الأمر فى موضعه ، فهو يقول إنه لا يلجأ إلى القياس إلا عند عدم العثور على النص، فإن عثر عليه ، لم يكن ثمة حاجة إلى قياس . بل لقد صرح رضى الله عنه بأنه كان لا يقيس إلا عند الضرورة الشديدة ، فقد كان يقول ((نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة وذلك أننا ننظر فى دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة ، فإن لم نجد دليلا قسنا حينئذ مسكوتاً عنه على منطوق به ، (٢) . ويقول فى رواية أخرى: ((إنا نأخذ أولا بكتاب الله ثم بالسنة، ثم بأقضية الصحابة ، ونعمل بما يتفقون عليه ، فإن اختلفوا قنا حكما على حكم بجامع العلة بين المسألتين، حتى يتضح المعنى ،(٣). (١) الميزان للشعرانى ص ٥١. (٢) الكتاب المذكور . (٣) الكتاب السابق . - ٢٧٠ - وروى عنه رضى الله عنه ((إنا نعمل أولا بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله. ◌َّالول. ثم بأحاديث أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم. وكان يقول: ((ماجاء عن رسول اللّه صَّ له فعلى الرأس والعين بأبى وأمى، وليس لنا مخالفته، وما جاء عن أصحابه تخيرنا، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال)) ويروى أن أبا جعفر المنصور كتب إليه: ((باغنى أنك تقدم القياس على الحديث)، فرد عليه أبو حنيفة برسالة جاء فيها: ((ليس الأمر كمابلغك يا أمير المؤمنين إنما أعمل أولا بكتاب الله، ثم بسنة رسول اللّه صَ ل، ثم بأقضية أبى بكر وعمر، وعثمان ، وعلى رضى الله عنهم، ثم بأقضية بقية الصحابة ، ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا، وليس بين الله وبين خلقه قرابة))(١). ١٠٥ - هذه نصوص صريحة مروية عن الإمام أبى حنيفه، وقد بلغه الافتراء عليه، فرد الفرية وأنكرها، وبالغ فى إنكارها، وسجل ذلك فى رسالة إلى الخليفة ، ولذلك نقرر أنه ليس من مذهبه تقديم القياس الظنى على الحديث، بز نستطيع أن نقرر مطمئنين إلى أنه ليس أحد من فقهاء المسلمين يقدم القياس الظى على الحديث الصحيح ، ولقد ترفض الرواية، ولا يقبل كلام الراوى إذا خالف أصلا من أصول الدين ، أو ناقض القرآن الكريم ، وليس معنى ذلك ترجيح القياس على الحديث، والأخذ بالقياس دون الحديث ، بل مؤداه ومرماه عدم تصديق الرواية لمخالفتها أصلا مقطوعاً بأنه من أحكام الدين ، ونسق الاستنباط الفقهى ألا يقف أمام الأصل القطعى، الأصل الظنى ، بل يؤخذ بالقطعى ، ويحكم بعدم صحة النسبة فى الظنى؛ ولذلك فضل بيان نذكره عند الكلام فى أخبار الآحاد . ١٠٦ - ولنتجه لبيان ما كان يقبله الإمام من الأحاديث وما كان يرده. لقد قسم علماء الحديث والأصول الأحاديث بالنسبة لعدد رواتها ، إلى ثلاثة أقسام: أحاديث متواترة، وأحاديث مشهورة، وأحاديث آحاد، أو أخبار الخاصة كما جرى بذلك التعبير فى القرن الثانى الهجرى عن أخبار الآحاد . (١) الميزان للشعراني = ١ ص ٥٢. - ٢٧١ - والمتواتر من الأخبار والأحاديث فسره نفر الإسلام ((بأن يرويه قوم لا يحصى. عددهم ، ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم ، وتباين أماكنهم. ويدوم هذا الحد، فيكون آخره ، وأوسطه كطرفيه ، وذلك مثل نقل القرآن والصلوات الخمس ، وأعداد الركعات، ومقادير الزكوات، وما أشبه ذلك))(١). والأحاديث المتواترة بالمعنى موجودة ومتفق عليها . أما الأحاديث المتواترة المروية بالنص فهى نادرة ، وليس بمتفق على تواترها ، وقد ادعى التواتر باللفظ فى قوله صَّ اله: ((من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)). ومن الأحاديث المتفق على تواتر معناها: (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى. ما نوى. فمن كانت جرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجر ته لدنيا يصيبها. أو امرأة ينكحها، فهجرته لما هجر إليه)». والحديث المتواتر يوجب العلم اليقينى ، وقد قال الكثرة من العلماء : إن العلم. الحادث من المتواتر، كالعلم الناشىء من العيان. وقالت طائفة: إن المتواتر من الأخبار يوجب علم طمأنينة لا يقين ، ومعنى الطمأنينة عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك أو يعتريه وهم، وقالوا فى رأيهم: إن التواتر صار جمعاً بالآحاد، وخبر كل واحد محتمل. للكذب حال الانفراد ، وبانضمام المحتمل إلى المحتمل لا ينقطع الاحتمال ، إذ لو انقطع الاحتمال، واستحال الكذب حال الاجتماع، لا نقلب الجائز ممتنعاً، إذ ينقلب الكذب الذى كان جائزاً مستحيلا ومتفعاً، وذلك باطل ، فما يؤدى إليه باطل ، وهو انقطاع احتمال الكذب، ولقد يؤيد ذلك التفكير المنطقى، الواقع العملى، فقد وجدنا أماً تتفق على وجود أخبار غير صادقة ، وتتواتر بين جموعها ، ويتلقاها الخلف عن السلف ، مع بطلانها ، وقيام الدليل على كذبها . (١) الجزء الثاني من أصول نغر الإسلام على هامش ج١ من كشف الأسرار ص ٦٨١، ولقد ذكر فيه ما يفيد اشتراط العدالة ، واشتراط تباين البلدان ، وقال قوم بعدم اشتراط العدالة ، والجمهور : على أن تباعد الأمكنة ليس بشرط ، بل يكون التواتر ، ولو كان الجميع فى بقعة واحدة . - ٢٧٢ - وقد احتج الجمهور على قولهم إن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقينى ، كالعلم بالعيان بأن الناس تواضعوا على ذلك بمقتضى فطرهم ، فإن الناس يعرفون آباهم بالأخبار المتوازة، كما يعرفون أبناهم بالعيان، ويعرفون بالتواتر نشأنهم صغاراً، ثم صيرورتهم كباراً ، كما يرون ذلك عياناً فى أولادهم، ويعرفون جهة الكعبة بالخبر المتواتر . كما يعرفون جهات منازلهم بالعيان . وقد أثبت التحقيق المنطقى صحة ما تواضع الناس عليه منذ القدم ؛ وذلك لأن الناس خلقوا على مشارب متباينة وطبائع مختلفة، لا يتفقون، فإن اتفقوا فى خبر فإما عن سماع، أو اختراع، واتفاقهم على الاختراع باطل، لأن كثرتهم وعدم إحصائهم تحيل اتفاقهم فيما يخترعون ؛ فلم يبق إلا أن الاتفاق كان مبنياً على السماع وبذلك يثبت العلم قطعاً بالخبر المتواتر (١). والأحاديث المتواترة هى بلا ريب حجة عند أبى حنيفة رضى الله عنه، لم يعرف - رضى الله عنه - أنه أنكر خبراً علم تواتره، وأنى يكون ذلك. ١٠٧ - والأحاديث المشهورة ، هى الأحاديث التى تكون الطبقة الأولى، أو الثانية فيها آحاداً ، ثم تنتشر بعد ذلك وينقلها قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب ولقد قال صاحب كشف الأسرار: «والاعتبار فى الاشتهار فى القرن الثانى والثالث ولا عبرة للاشتهار فى القرون التى بعد القرون الثلاثة ، فإن عامة أخيار الآحاد اشتهرت فى هذه القرون ، ولا تسمى مشهورة، فلا يجوز بها الزيادة على الكتاب (١) راجع هذه الأدلة فى كشف الأسرار وأصول خر الإسلام الجزء الثانى ص ٦١٣، هذا وقد قال بعض العلماء : إن التواتر يفيد العلمى اليقبنى ، ولكن لا على سبيل الضرورة ، كالعيان ، بل على سبيل الاستدلال كالعلم بوحدانية الله تعالى علمت بالاستدلال، لا بالمعاينة، وحجتهم أن العلم به لا يحصل إلا بعد أن يعلم أن المخبر عنه أمر محسوس، وأن المخبرين عنه جماعة لا حامل لهم على التواطؤ على الكذب وأن يعلم أن ما كان كذلك لا يكون كذباً ، فلزم منه الصدق ، وأن العلم بالتواتر لو كان ضرورياً كالعيان ما اختلفوا فيه، كما لم يختلفوا فى أن الشىء أعظم من جزئه ، وأن الموجود لا يكون معدوماً وحيث اختلفوا فيه علمنا أنه مكتسب بمنزله ما يثبت من العلم بالنبوة عند معرفة المعجزات ( راجع كشف الأسرار ) . - ٢٧٣ - هذا هو تعريف المشهور أو المستفيض عند علماء الحديث ، وعلماء الأصول ، قد اختلفوا فى حكمه ، فقال فريق إنه حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ، ويكتفى فيه بالعمل ، وذهب بعض علماء التخريج فى المذهب الحنفى إلى أنه مثل المتواتر ، فيثبت به اليقين ، ولكن بطريق الاستدلال، لا بطريق العلم الضرورى ، كالعيان، وذهب فريق آخر من المخرجين أيضاً فى مذهب أبى حنيفة وأصحابه إلى أنه يوجب علم الطمأنينة لا علم يقين ، فهو دون المتواتر ، وفوق خبر الواحد ، حتى جازت به الزيادة على كتاب الله تعالى. وترى من هذا أن علماء التخريج على مذهب أبي حنيفة وأصحابه قد أجمعوا على أن المشهور يزاد به على كتاب الله تعالى؛ إذ أنه فى مرتبة أقوى من أحاديث الآحاد المطلقة، ولكنهم اختلفوا : أهو يصل إلى مرتبة المتواتر فى إفادة العلم اليقينى ، .أم لا يصل إلى مرتبته، وقد اتفقوا على قدر الاستدلال به، فيزاد به على النص. ومن الزيادة التى تثبتت بأحاديث مشهورة حد الرجم ، فقد ثبت بحديث مشهور عندهم، وهو قوله عَّ اللّه: ((الشيب بالثيب جلد مائة، ورجم بالحجارة)). وبالخبر المشهور من أن النبى صِّ رجم ما عزا المازنى، والمسح على الخفين ثبت بما روى مشهوراً عن النى مَّ من أنه مسح على الخفين، واشتراط التتابع فى صوم كفارة اليمين ثبت بما روى ابن مسعود. وترى من هذا أن الفروع الفقهية فى مذهب أبى حنيفة قد أدت المخرجين فيه إلى أن يحكموا بأنه كان يرفع المشهور إلى مرتبة اليقين ، أو مرتبة قريبة من اليقين ، حتى إنه يصل إلى درجة تخصيص القرآن الكريم ، والزيادة به على أحكامه ، ولم يكن اختلاف هؤلاء المخرجين فى قوة المشهور من حيث اليقين كالتواتر ، بمؤثر فى أحكام الفروع المروية. ١٠٨ - وحديث الآحاد، أو خبر الخاصة كما يسميه الشافعى ، ومن كان فى عصره، هو كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان أو الأكثر من ذلك ، ولا يتوافر فيه سبب الشهرة، واتصال أحاديث الآحاد إلى النبي صَتِيّة إنما هو على سبيل الظن (١٨ - أبي حنيفة) - ٢٧٤ - الراجح ، لا على سبيل العلم اليقينى، ولذلك يقول العلماء فيه إنه اتصال فيه شبهة ويقول صاحب كشف الأسرار: ((الاتصال فيه شبهة صورة ومعنى ، أما ثبوت الشبهة فيه صورة ، فلأن الاتصال بالرسول لم يثبت قطعاً ، وأما معنى فلأن الأمة. ما تلقته بالقبول ... ولا عبرة بالعدد فيه ، يعنى لا يخرج عن كونه خبر آحاد وإن كان راوى الخبر متعدداً بعد أن لم يبلغ درجة التواتر أو الاشتهار )).(١) ١٠٩ - ولهذه الشبهة فى أحاديث الآحاد وجد فى عصر الاجتهاد من أنكر الاحتجاج بها (٢)، لكثرة من كذبوا على رسول اللّه عَّ له، ولاختلاط الصحيح بغير الصحيح من الأخبار ، ولهذه الشبهة فى الاتصال بالنى مع ذلك الاختلاط وقد ذكر الشافعى أنه ناقش هؤلاء الناس بالبصرة، والبصرة كانت عش الاعتزال فى القديم ، وكانت بها النحل المختلفة والفرق المتباينة ، ولا بد أن القائلين هذا القول كانوا قبل الشافعى أيضاً، وكانوا فى عصر أبى حنيفة رضى الله عنه، إذ أن الاضطراب فى الأقوال وكثرة الكذب على الرسول ، وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح ، كان فى عصر أبى حنيفة أشد وأقوى ، ولم يكن فى عصره قد تم وضع الموازين الضابطة ، ولا جمعت الصحاح من الأخبار ، وكان أهل الأهواء شيعاً وفرقاً، وكل حزب بما لديهم فرحون ، والأمة تعتصم بفقهائها ومحدثيها ، وعندهم تجد منجاتها، واطمئنانها، وهم يمحصون لها الحق فى وسط هذا الديجور المظلم. ولذلك كان رأى جمهور الفقهاء قبول حديث الآحاد من الثقة العدل والاحتجاج به فى العمل دون الاعتقاد به ، لأن الاعتقاد يجب أن يبنى على أدلة (١) كشف الأسرار الجزء الثاني ص ٩٩٠ (٢) قد ذكر الشافعى فى جماع العلم أن الذين ناقشوه كانوا بالبصرة ، وقد وجدنا العلماء ينسبون إلى الجبائي، وهو من شيوخ الاعتزال فى القرن الثالث وأول القرن الرابع نفى الاحتجاج بخبر الواحد عقلا، وشبهته أن واضع الشريعة وهو الله سبحانه وتعالى قادر على أن تبلغ الشريعة إلى الناس بطريق لا شبهة فيه ، فيكون من مقتضى التبليغ إثباته بغير طريق الآحاد ، ورفض بعض الشيعة الاحتجاج بحديث الآحاد بدليل من السمع ، لا من العقل وهو قوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس. لك به علم ) . - ٢٧٥ - يقينية لاشبهة فيها، إذ الاعتقاد علم جازم قاطع عن دليل ، وذلك لا يكون بدليل ظنى فيه شبهة . أما العمل فيبنى على الرجحان، ويكفى فيه نفى الاحتمال الناشىء عن دليل ، لانفى مطلق احتمال ، وكون الراوى عدلا ثقة يغلب جانب الصدق على جانب الكذب فيكون احتمال الكذب غير ناشىء عن دليل ، واحتمال الصدق يؤيده الدليل ، فيكون العمل على مقتضاه؛ هكذا يسير الناس فى أقضيتهم، وهكذا يسير الناس فى معاملاتهم وهكذا يسيرون فى أعمالهم ، ولو كانت الأعمال لا تستقيم إلا إذا بنيت على أدلة لا شبهة فيها لتعطلت الأمور ، وما استقامت أمور الناس ، وما حكم بحق ولا دفع باطل . ١١٠ - ولقد كان أبو حنيفة رضى الله عنه من أول الفقهاء قبولا لأحاديث الآحاد يحتج بها ، ويعدل آراءه على مقتضاها، إن وجد حديثاً يخالفها ، وقد روينا لك كيف رجع عن رأيه فى أمان العبد، لما بلغه فتوى عمر رضى الله عنه، فإذا كان ذلك شأنه مع فتوى صحابى رويت له عن طريق آحاد ، فكيف يكون الشأن فى حديث للنبى فَّ اله يروى عن ذلك الطريق، ولسنا نريد أن نضرب الأمثال على أخذه بأحاديث الآحاد وقبولها، فبين يدى القارىء كتاب الآثار لأبي يوسف وكتاب الآثار لمحمد رضى الله عنهما، وإن نظرة عاجلة لهذين الكتابين ترى القارى. كيف كان أبو حنيفة يقبل أحاديث الآحاد ، ويرويها ويبنى فقهه عليها ، يأخذ بنصها، ويستخرج علل الأحكام من بين ثناياها ، ثم يقيس عليها ما طاب القياس وما استقام أمر الناس عليه، وإنا نحيل القارىء الكريم عليهما، وهما كتابان صادقا النسبة ، لا شك فيهما . ولقد كان أبو حنيفة يقرر ذلك بين تلاميذه، ويأخذونه عنه، وقد رأينا الإمام محمداً فى الأصل يبسط الأدلة من الآثار الصحاح فى إثبات الاحتجاج بخبر الواحد وهو كما يعلم كل ملم بأصول المذهب الحنفى ينقل المذهب ، ويصور التفكير فيه أدق تصوير ، ولقد ذكر طائفة من أخبار الرسول ، وأخبار الصحابة ، تثبت كيف كان الصحابة يأخذون بأخبار الآحاد ويقرهم النبي صَّ ◌َله، ولا يستنكر أحد - ٧٦ ٢ - الأخذ بأخبار الآحاد من بعد وفاته، وإن كان بعضهم يحتاط أحياناً فيستوثق من خبر المخبر بآخر يزكيه، أو بيمين يستوثق بها، ولعل ذلك كان ليطمئن قلبه ، وقد ذكر ذلك كله فى باب الاستحسان من الأصل . ولنقتبس لك قبسة صغيرة منه ، تبين لك كيف كان الفقه العراقى يعتمد على أحاديث الآحاد : لقد روى محمد رضى الله عنه خبر المغيرة بن شعبة فى توريث الجدة، إذ أنه شهد بين يدى أبى بكر رضى الله عنه أن النبى عَّ أعطى الجدة السدس، فقال انت معك بشاهد آخر ، فجاء محمد بن سلمة ، فشهد على مثل شهادته ، فأعطاها أبو بكر رضى اللّه عنه السدس، وهذا أمر من أمور الدين قبل فيه خبر الآحاد ، وإن كان قد طلب تأكيده بشاهد آخر . ويروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، شهد عنده أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه، أن رسول الله صَّ اله قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع فقال انت معك بشاهد آخر ، فشهد أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه بمثل شهادته. ويقول محمد رضى الله عنه فى التعليق على هذين الخبرين بالنسبة لطلب أبى بكر شاهداً، وطلب عمر شاهداً، إنما فعلاه للاحتياط ، والواحد يجزى .. ولقد استدل رضى الله عنه على قبول خبر الواحد فى أمور الدين أيضاً بحديث عمر رضى الله عنه فى ميراث المرأة من دية زوجها، فقد كان لا يورثها منها ، حتى شهد عنده الضحاك بن سفيان الكلابى رضى الله عنه أن رسول اللّه صَّ له كتب إليه أن ورث امرأة أشم الضبابى من دية زوجها أشيم، فأخذ بقوله. ولقد روى محمد أيضاً أن رسول اللّه عَّ اله بعث دحية الكلى إلى قيصر بكتابه يدعوه إلى الإسلام ، فكان حجة عليه ، ويروى قول على رضى الله عنه: ((كنت إذا لم أسمع من رسول اللّه صَّالله حديثاً، حدثنى به غيره استحلفه على ذلك ، وحدثنى أبو بكر رضى الله عنه، وصدق أبو بكر))، يروى قول على هذا، ثم يبين مسألة اليمين فيقرر أنه مذهب تفرد به على رضى الله عنه، فإنه - ٢٧٧ - كان يحلف الشاهد، ويحلف المدعى مع البيئة، ويحلف الراوى ، فكأنه كان يقول إن خبره يصير مزكى بيمينه ، كالشهادات فى باب اللعان ، من كل واحد من الزوجين ومن لم يعصم من الكذب لا يكون خبره حجة ما لم يصر مزكى بيمينه إلا أبا بكر رضى الله عنه، فإن تسمية رسول الله صَّ الله إياه بالصديق كافية فى جعل خبره مزكى)). ١١١ - هذا جزء قليل ما ساقه الإمام محمد رضى الله عنه فى إثبات أن أخبار الواحد تقبل فى أمور الدين، فيثبت بها الهلال، ويثبت التحريم، والتحليل ، وأن ذلك أمر مقرر فى مذهب أبى حنيفة أملاه على تلاميذه، ووافقوه عليه، وأخذوا به فأخبار الآحاد من الناس مقبولة فى شئون الدين من التحليل والتحريم، وقد ساق الإمام محمد ما ساق من الأخبار التى روينا لك بعضاً قليلا منها ، لتأييد هذه القضية وإثباتها، وإذا كانت أخبار الآحاد مقبولة فى شئون الدين عند أبى حنيفة ، فليس من المعقول ألا يقبل أحاديث الآحاد فى الاستنباط ، وقد تروى بعدة طرق . ١١٢ - وبذلك يتبين من فروع الفقه المروى عن أبى حنيفة وأصوله أنه كان يأخذ بأحاديث الآحاد ، ويتخذ منها سناداً لأقيسته وأصولها. ولقد كان أبو حنيفة وأصحابه، والحنفية من بعدهم ، يشترطون فى الراوى ما اشترطه سائر الفقهاء وجميع المحدثين ، وهو العدالة والضبط ، ولكن الحنفية شددوا فى تفسير معنى الضبط بأكثر ما شدد غيرهم ، فإنك ترى تفسيره فى أصول نخر الإسلام البزدوى تفسيراً دقيقاً، إذ يقول : ((وأما الضبط فإن تفسيره هو سماع الكلام ، كما يحق سماعه ، ثم فهمه بمعناه الذى أريد به، ثم حفظه ببذل المجهود له، ثم الثبات عليه بمحافظة حدوده ، ومراقبته بمذاكراته على إساءة الظن بنفسه إلى حين أدائه ... وهو نوعان: ضبط المتن بصيغته ومعناه لغة، والثانى أن يضم إلى هذه الجملة ضبط معناه فقهاً وشريعة، وهذا أكملها، والمطلق من الضبط يتناول الكامل، ولهذا لم يكن خبر من اشتدت غفلته خلقة أو مسامحة ومجازفة حجة لعدم القسم الأول من الضبط ؛ ولهذا قصرت رواية