النص المفهرس

صفحات 181-200

-- ١٧٨ -
ولكن هنا مسألة ، وهى : أتقع الطاعة والعصيان بمشيئة العبد أم بمشيئة الرب،
فإن كان العصيان بمشيئة العبد، فهل أراده الرب، وهل تتخالف الإرادة والأمر،
هذه هى المعضلة ؟ يجيب أبو حنيفة عن هذه المسألة إجابة مشتقة من طاقة المعرفة
الإنسانية المشاهدة ، ومن أوصاف الجلال والكمال التى تليق بذات الله وكمال
"قدرته وشمول علمه، فيقول: ((وإنى أقول قولا متوسطاً، لا جبر ولا تفويض
ولا تسليط ، واللّه تعالى لا يكلف العباد بما لا يطيقون، ولا أراد منهم مالا يعملون،
ولا عاقبهم بما لم يعملوا ، ولا سألهم عما لم يعملوا، ولا رضى لهم بالخوض فيما ليس
لهم به علم، والله يعلم بما نحن فيه (١))) .
هذا كلام المتفكر الذى لا يريد أن يخوض خشية الغرق ، وغلبة الأمواج
المتلاطمة ، فهو يعطى للإرادة الإنسانية حريتها ، لأنه هو الأمر المحسوس ،
وغيره ليس بملموس ، وهو يعطى اللّه ما يليق به .
وإذا أراد أن يأخذه مناقش إلى الشقة التى حرمها على نفسه ، وهى أن يقفوا
ما ليس فى طاقته العلم به - حد الحدود المانعة ، ولم يخض فيما وراءها ،
ولقد سأله وفد القدرية (٢) : أخبرنا عن الله عز وجل إذا أراد من عبده أن
يكفر أحسن إليه أم أساء؟ قال لا يقال : أساء ولا ظلم إلا لمن خالف ما أمر به،
والله جل عن ذلك )).
ولقد جاء فى تاريخ بغداد عن أبى يوسف: «سمعت أبا حنيفة يقول: « إذا
كلمت القدرى، فإنما هو حرفان ، إما أن يسكت ، وإما أن يكفر . يقال له : هل على
اللّه فى سابق علمه أن تكون هذه الأشياء، كما هى، فإن قال : لا فقد كفر ، وإن
قال نعم ، يقال أفأراد أن تكون كما على ، أو أراد أن تكون بخلاف ما علم ، فإن
قال أراد أن تكون كما علم، فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان ، ومن الكافر
(١) ماخوذ من كلامه مع يوسف ابن خالد السمتى السابق.
(٢) القدرية هم الذين يقولون إن الإنسان يخلق أفعال نفسه. والمعاصى لا يريدها الله

- ١٧٩ -
الكفر وإن قال: أراد أن تكون بخلاف ما على، فقد جعل ربه متمنياً متحسراً؛
لأن من أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون ، أو لا يكون ما علم أنه يكون فإنه
متمن متحسر ، ومن جعل ربه متمنياً متحسراً فهو كافر )).
والخلاصة أن أبا حنيفة كان يخوض فى هذه المسألة بقدر محدود، لا يتجاوزه،
وهو فى هذا يؤمن بالقدر خيره وشره ، وشمول على الله وإرادته وقدرته للأكوان
وأنه لا شىء من أعمال الإنسان بغير إرادته ، وأن طاعات الإنسان ومعاصيه
منسوبة إليه، وله فيها اختيار وإرادة ، وأنه بذلك يسأل ويحاسب، ولا يظلم مثقال
ذرة من خير أو شر، وهى عقيدة قرآنية تستمد من محكم الكتاب ، وإن ناقش
القدريين فلكى يقطع عليهم السبيل ، ويجعل كيدهم فى تضليل .
٢٠ - لا يأخذ أبو حنيفة برأى الجهمية الذين يأخذون بنظرية الجبر ، وإن
أفعال الإنسان لا إرادة له فيها ، وإن أحس وشعر بالإرادة، ومع ذلك نجد الذين
يحاولون النيل منه دائماً يرمونه بأنه جهعى ، بل يفترون الكذب، فيزعمون أنه يقدس
الجهم هذا ، ويأخذ بزمام بغير مولاة الجهم ، يفترون هذا الكذب وينقلونه، مع
أنه كان يناقش الجهم ، ويبطل حجته ، ومع أن أبا يوسف روى عنه أنه كان
يقول: ((صنفان من شر الناس بخراسان. الجهمية والمشبهة)).
وهكذا يكون الظلم للعلماء ممن لا خلاق له من فضيلة علمية . إن لم يحكم بالقدر
خيره وشره، قالوا عنه معتزلى قدرى ، وإن حكم به خيره وشره قالوا عنه جہمی،
ولو كان يقول إنه منه براء ، ولو أثبتت الروايات الصادقة ، أنه كان يقطع على
الجهم طريق دعوته .
خلق القرآن
٢١ - فى عصر أبى حنيفة ابتدأ بعض الناس يشيع بين المسلمين القول فى
خلق القرآن، ويقرر أنه مخلوق لله، وإن كان معجزة النبى موافقة ، وأول من
عرف أنه قال هذا القول الجعد بن درهم ، وقد قتله خالد بن عبد اللّه والى
خراسان ، وكان يرى هذا الرأى الجهم بن صفوان .

- ١٨٠ -
وقد ادعى خصوم أبى حنيفة أنه قال هذا الرأى ، وأنه استتيب من ذلك.
مرتين ، استتابه يوسف بن عمر والى العراق من قبل الأمويين مرة، واستتابه ابن.
أبى ليلى القاضى مرة .
وليس من دأبنا أن ندفع تهمة ثابتة، أو رأياً له ثبت بدليل راجح ، ولكن
الروايات التى رويت مسندة له ذلك الرأى نتردد فى قبولها ، لأنها جاءت عن
طريق خصوم قصدوا التشنيع ، ولأن هناك روايات أخرى تعارضها، وهى أقرب
إلى القبول، لأنها رواية ثقات غير متهمين ، ولأنها هى التى تتفق مع التحفظ فى
القول فى العقائد الذى اشتهر به أبو حنيفة؛ إذ كان لا يخوض إلا فى أمر خاص
فيه السلف ، أو للدفاع عن آراء السلف ، وعن حقائق الدين .
فلنطرح جانباً الروايات التى تنسب إليه أنه قال أن القرآن مخلوق واستتيب .
ولنتجه إلى تعرف موقفه فى هذه المسألة من الروايات الأخرى، ولنذكر فى
هذا خبرين .
( أحدهما) أنه جاء فى تاريخ بغداد: «وأما القول بخلق القرآن . فقد قيل إن
أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه، وجاء فيه: ((ما تكلم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف.
ولا زهر ، ولا محمد ، ولا أحد من أصحابهم فى القرآن، وإنما تكلم فى القرآن.
بشر المريسى وابن أبى داؤد، فهؤلاء شانوا أصحات أبى حنيفة،(١).
(ثانيهما) أنه جاء فى الانتقاء أن أبا يوسف قال: «جاءرجل إلى مسجد الكوفة
يوم الجمعة يسألهم عن القرآن وأبو حنيفة غائب بمكة ، فاختلف الناس فى ذلك ،
والله ما أحسبه إلا شيطاناً تصور فى صورة الإنس. حتى إنتهى إلى حلقتنا. فسألنا
عنها وسأل بعضنا بعضاً ، وأمسكنا عن الجواب ، وقلنا ليس شيخنا حاضراً
وفكره أن نتقدم بكلام ، حتى يكون هو المبتدىء ، فلما قدم أبو حنيفة .. قلنا
له بعد أن تمكنا منه رضى الله عنه : إنه وقعت مسألة، فما قولك فيها ، فكأنه كان.
فى قلوبنا، وأنكرنا وجهه، وظن أنه وقعت مسألة معنتة، وأنا قد تكلمنا فيها بشىء
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٣٧٧، ٠٣٧٨

- ١٨١ -
فقال ما هى؟ . قلنا كذا وكذا. فأمسك ساكتاً ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟
قلنا : لم نتكلم فيها بشىء، وخشينا أن نتكلم بشىء فتنكره ، فسرى عنه ، وقال
جزاكم الله خيراً احفظوا عنى وصيتى : لا تكلموا فيها ولا تسألوا عنها أبداً ،
انتهوا إلى أنه كلام اللّه عز وجل بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسألة
تنتهى ، حتى توقع أهل الإسلام فى أمر لا يقومون ولا يقعدون معه ، (١)
٢٢ - هذا الكلام بلا ريب يفيد أن أبا حنيفة كان يمتنع عن الخوض فى هذا
الأمر ، ولکن خصومه یکثرون من القول فيه فى ذلك . وقدعاونهم على ترويج
كلامهم وقبوله، واشتهاره - أن بعض الحنفية قد قالوا ذلك قول، حمل أبو حنيفة
مغبة قولهم ، أو حمله منتقصوه جريرة ذلك القول . ولقد عاون على ذلك أيضاً أن
إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة قد قال هذا القول ، ونسبه إلى آبائه فى عبارة عامة ،
فيروى أنه قال القرآن مخلوق ، وهو رأيى ورأى آبائى. ولكن رده بشر بن الوليد
وقال ، أما رأيك فنعم ، وأما رأى آبائك فلا ، ولقد كان المعتزلة الذين اعتنقوا
من بعد مذهب خلق القرآن يروجون لذلك المذهب بأن ينحلوه رجالا ذوى
مكانة وعلم وفقه .
نحن إذن نرى أن أبا حنيفة لم يخض فى مسألة خلق القرآن ، ولم يقل بالأولى
إنه مخلوق ، وإن كنا لا نعتقدأن فى الخوض والقول إئماً مبيناً .
(١) الانتقاء ص ١٦٦.

- ١٨٢ -
٣ - آراء لأبى حنيفة
فى الفكر والأخلاق والاجتماع
٢٣ - امتاز أبو حنيفة فى عقله بأنه بعيد الغور فى تفكيره ، عميق النظرة ،.
شديد الغوص فى تعرف البواعث والأسباب والغايات لكل ما يقع تحت نظره من
أعمال وأمور، ولقد كان يغشى الأسواق ، ويتجر ويعامل الناس ، ويدرس الحياة
كما يدرس الفقه والحديث ، ويجادل الرجال فى شئون العقيدة ومناهج السياسة،
لذلك أثرت عنه آراء محكمة فى مناهج الفكر ، وأخلاق الناس ، ومعاملتهم ،
وما ينبغى أن يتبعه الشخص معهم ، ولننقل لك طائفة من مأثور قوله تبين منحى
فكره، ونظراته إلى الحياة والاجتماع .
٢٤ - لقد كان أبو حنيفة يرى أن العمل القويم يجب أن يكون مبنياً على
المعرفة الصحيحة ، فليس الخّير عنده من يعمل الخير فقط بل الخِّير عنده من
يعلم الخير والشر، ويقصد إلى الخير عن معرفة لمزاياه، ويجتنب الشر فاهماً لمساويه ،
وليس العادل هو الذى يكون منه العدل من غير معرفة للظلم ، بل العادل هو الذى
يعرف الظلم ومغبته ، والعدل وغايته . ويقصد إلى العدل لما فيه من شرف الغاية
وحسن المغبة .
ولقد قال فى هذا المقام فى كتاب العالم والمتعلم: ((أعلم أن العمل تبع للعلم ، كما
أن الأعضاء تبع للبصر، والعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير،
ومثل ذلك ، الزاد القليل الذى لابد منه فى المفازة مع الهداية بها أنفع من الجهل
مع الزاد الكثير، وكذلك قال الله تعالى: ((قل هل يستوى الذين يعلمون والذين
لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب. قال المتعلم لأبى حنيفة رحمه الله: أرأيت إن كان
رجل يصف عدلا ، ولا يعرف جور من يخالفه ، ولا يسعه ذلك ، أو يقال إنه
عارف بالحق أو هو من أهله. فأجابه : العالم إذا وصف عدلا ، ولم يعرف جور
ما يخالفه، فإنه جاهل بالعدل والجور، واعلم يا أخى أن أجهل الأصناف كلها وأردأهم

- ١٨٣ -
منزلة عندى لهؤلاء، لأن مثلهم كمثل نفر أربعة ، يؤتون ثوب أبيض . فيسألون
عن لون ذلك الثوب ، فيقول واحد من هؤلاء الأربعة : هذا ثوب أحمر ، ويقول
الآخر هذا ثوب أصفر ، ويقول الثالث: هذا ثوب أسود، ويقول الرابع : هذا
ثوب أبيض ، فيقال له: ما تقول فى هؤلاء الثلاثة أصابوا أم أخطئوا ، فيقول :
أما أنا ، فأعلم أن الثوب أبيض ، وعسى أن يكون هؤلاء قد صدقوا ، كذلك أهل
هذا الصنف من الناس ، يقولون إنا نعلم أن الزانى ليس بكافر ، وعسى أن يكون
الذى يرى أن الزانى إذا زنى ينزع منه الإيمان كما ينزع السربال_ صادقً، نا لا نكذبه
ويقولون من مات، ولم يحج، وقد أطاق الحج ، فنحن نسميه مؤمناً ، ونصلى عليه
ونستغفر له، ونواريه، ونقضى عنه حجة ، ولا نكذب من يقول مات بهودياً
أو نصرانياً، ينكرون قول الخوارج، ويقولون قولهم، وينكرون قول الشيعة،
ويقولون قولهم، وينكرون قول المرجئة ويقولون قولهم)).
وترى من هذا الكلام القيم الذى يسند لأبى حنيفة أنه يقرر أمرين :
(أحدهما) أن العمل المستقيم لا بد أن ينبنى على فكر مستقيم، وعلم مقرر ثابت.
( ثانيهما) أن العلم يجب أن يكون جزماً قاطعاً لا تردد فيه فى مسائل الاعتقاد
واليقين ، وهو يتحقق بإثبات ونفى ، إثبات للمعتقد ، ونفى لما عداه، تصديق للحكم،
وإبطال لغيره ، ولا شك أن ذلك هو الأمر المستقيم فيما يتعلق بالعقائد ،
أما ما يتعلق بالعمل الذى يكتفى فى إثباته بالأدلة الظنية ، فإنه لا يكون ثمة علم
يقينى، بل يكون ثمة ترجيح ظنى ، وفى مثل هذه الحال لا يجزم الشخص ببطلان
قول مخالفه ، بل يرجح قول نفسه ، ويقول فيه : صواب يحتل الخطأ ، ويقول
فى قول مخالفه: خطأ يحتمل الصواب ، وذلك الكلام يتفق ولا يتنافى مع المأثور
عنه رضى الله عنه، فقد كان يقول عن آرائه فى الفقه: إنها أحسن ما وصل إليه ،
ومن رأى غيرها أحسن فليتبعه، وليس هذا قول من يبطل من قول المخالف جازماً.
٢٥ - وآراء أبو حنيفة فى الناس والاجتماع ، وعلاقة العالم بالمجتمع الذى
یعیش فیه آراء عالم خبير بأحوال النفوس، دارس لها ، متعمق فى دراستها ، فاحص

- ١٨٤ -
لأحوالها ، قد ذاق حلوها ومرها ، وقد اشتملت وصيته التى ودع بها تلميذه
يوسف بن خالد السمتى على شىء كثير من محكم تفكيره ، ولننقل لك زبداً منها ،
فقد جاء فيها :
((أعلم أنك متى أسأت عشرة الناس صاروا لك أعداء، ولو كانوا لك أمهات
وآباء، وإنك متى أحسنت عشرة قوم ليسوا لك بأقرباء صاروا لك أمهات وآباء
كأنى وقد دخلت البصرة ، وأقبلت على المخالفة بها ، ورفعت نفسك عليهم ،
وتطاولت بعلمك لديهم ، وانقبضت عن معاشرتهم ومخالطتهم ، ومهجرتهم ومجروك
وشتمتهم وشتموك، وضالتهم وضللوك وبدَّعوك، واتصل ذلك الشين بنا ، وبك،
واحتجت إلى الهرب والانتقال عنهم . وليس هذا برأى ، إنه ليس بعاقل من
لم يدار من ليس له من مداراته بد ، حتى يجعل اللّه مخرجاً ... إذا دخلت البصرة
استقبلك الناس وزاروك وعرفوا حقك: فأنزل كل رحل منزلته ، وأكرم أهل
الشرف. وعظم أهل العلم ووقر الشيوخ، ولاطف الأحداث ، وتقرب من العامة
ودار الفجار ، واصحب الأخيار ، ولا تتهاون بسلطان ، ولا تحقرن أحداً ،
.ولا تقصرن فى مروءتك ، ولا تخرجن سرك إلى أحد، ولا تثق بصحبة أحد ،
حتى تمتحنه، ولا تخادن خسيساً، ولا وضيعاً ، ولا تألفن ما ينكر عليك فى ظاهره
وإياك والانبساط إلى السفهاء ... وعليك بالمداراة والصبر والاحتمال وحسن
الخلق وسعة الصدر ، واستجد ثياب كسوتك ، واستفره دابتك ، وأكثر استعمال
الطيب ... وابذل طعامك، فإنه ما ساد بخيل قط، ولتكن لك بطانة تعرفك
أخبار الناس . فمتى عرفت بفساد بادرت إلى صلاح. ومتى عرفت بصلاح ازددت
فيه رغبة وعناية ، واعمل فى زيارة من يزورك ، ومن لا يزورك ، والإحسان
إلى من يحسن إليك أو يسىء، وخذ العفو وأمر بالمعروف، وتغافل عما لا يعنيك،
وأرك كل ما يؤذيك وبادر فى إقامة الحقوق ، ومن مرض من إخوانك فعده
بنفسك ، وتعاهده برسلك ومن غاب منهم افتقدت أحواله ، ومن قعد منهم عنك
فلا تقعد أنت عنه ... وأظهر تودداً للناس ما استطعت ، وافش السلام، ولو على

- ١٨٥ -
قوم لئام .. ومتى جمع بينك وبين غيرك مجلس أو ضمك وإياهم مسجد ، وجرت
المسائل، وخاضوا فيها بخلاف ما عندك ، لم تبد لهم خلافاً ، فإن سئلت عنها أخبرت
بما يعرفه القول ، ثم تقول: فيها قولٌ آخر، وهو كذا وكذا، والحجة له كذا،
فإن سموه منك عرفوا مقدار ذلك ومقدارك ، فإن قالوا هذا قول من ؟ قل بعض
الفقهاء ((إذا استمروا على ذلك وألفوه، عرفوا مقدارك وعظموا محلك، وأعط
كل من يختلف إليك نوعاً من العلم ينظرون فيه ، ويأخذ كل واحد منهم بحفظ
شىء منه، وخذهم بحلى العلم دون دقيقة ، وآنسهم ومازحهم أحياناً ، وحادثهم ،
فإن المودة تستديم مواظبة العلم ، وأطعمهم أحياناً؛ واقض حوائجهم ، واعرف
مقدارهم؛ وتغافل عن زلاتهم ، وارفق بهم ، وسامحهم ، ولا تبد لأحد منهم ضيق
صدر أو ضجر؛ وكن كواحد منهم .. واستعن على نفسك بالصيانة لها ، والمراقبة
لأحوالها ... ولا تكلف الناس ما لا يطيقونه، وأرض لهم مارضوا لأنفسهم،
وقدم إليهم حسن النية ، واستعمل الصدق، واطرح الكبر جانباً ، وإياك والغدر،
وإن غدروا بك؛ وأد الأمانة وإن خانوك ، وتمسك بالوفاء، واعتصم بالتقوى ،
وعاشر أهل الأديان ، وأحسن معاشرتهم، .
٢٦ - هذه وصية أبى حنيفة لبعض تلاميذه وقد فارقه إلى البصرة ، يعلم أهلها
فقه الكوفة ، وآراء شيوخها ، وهى تكشف عن ثلاث نواح فى ذلك الإمام الجليل :
(أولاها) أنها تكشف عن أخلاقه وقوة استمساكه بالفضيلة، وقد صارت له
ملكة كالطبع والجبلة ، وليس بغريب أن تكون أخلاق الإمام على ذلك النحو ،
فقد راض نفسه على مكارم الأخلاق ، والبعد عن سفساف الأمور ، حتى لقد كان
يترك المعاصى لأنها تنافى المروءة ، لا لأنها تنافى الدين فقط ، فقد كان يقول :
(((رأيت المعاصى نذلة ، فتركتها مروءة ؛ فصارت ديانة)).
(الناحية الثانية) دراية أبى حنيفة بشئون الاجتماع وأخلاق الناس، وما يعالجون
به، وقد انتهى رحمه الله فى علاجه إلى أن مصلح الجماعة يجب أن يكون ودوداً ،
يألف ويؤلف، لا يخالف ولا ينافر، بل يجىء إلى الناس من ناحية ما يألفون ويطيقون،

- ١٨٦ -
لا من ناحية ما ينكرون . فإذا كان له رأى يخالفهم فيه لا يفجؤهم بالمخالفة، حتى
لا تجمح نفوسهم، بل يقرر رأيهم ثم يقرر أن هناك ما يخالفه؛ ويدلى برأيه من
غير أن ينسبه إليه ، ويدعمه بالحجة ، ويقويه بالبرهان ، فإن سألوه عن صاحب
هذا الرأى قال إنه بعض الفقهاء، وبذلك يقبلون الرأى من غير اصطدام .
( الناحية الثالثة ) التى تكشف عنها هذه الوصية ناحية المربى الذى يتعهد
تلاميذه ، والذى يعرف كيف يبث فيهم علمه وآراءه، ويقربها إليهم، وهو فى ذلك
يعطى نصائح الخبير المجرب ، فهو يدعو المعلم إلى أن يعطى تلاميذه من أنواع العلم
وأبوابه ما يتفق مع مواهبهم ونزوعهم ومداركهم ، حتى يستأنسوا به ، ولا يتقدم
لهم من العلم أولا ما يخالف منازعهم، فينفروا . ثم يبتدى. من المسائل بالواضح
الجلى ، ويتدرج بهم حتى يصير إليهم الخفى واضحاً جلياً. ويوصى المربى بأن يحادث
تلاميذه فى فنون الأحاديث ليجلب مودتهم ، ويستديم مواظبتهم ، ثم يدعو
إلى أن يمازجهم ويؤنسهم ، ويتغافل عن زلاتهم ، ويرفق بهم ويسامحهم، ولا يضيق
صدره حرجاً بهم، وليكن كواحد منهم .
وإن من عالج الدرس وخبر التعليم ليعرف قيمة تلك النصائح وجدواها
فى النفوس ، وأثرها فى تحبيب الطلبة للعلم ، وتسهيله عليهم ، وتشويقهم إليه .

- ١٨٧ -
فقه أبى حنيفة
٢٧ - هذا هو المقصد الأكبر من بحثنا ، إذ فقه أبى حنيفة هو الميزة التى تميز.
بها واشتهر ، وعرف وذكر ، وهو مطلبنا وغايتنا من دراسته .
ولكنا وقد وجهنا إلى دراسة هذا الفقه نجد السبيل ليس معبداً فإن أبا حنيفة
لم يؤلف فى الفقه كتاباً ، وما ذكر من كتب منسوبة إليه وهو فى العقيدة وما حولها
وهى الفقه الأكبر، ورسالة العالم والمتعلم ، ورسالة إلى عثمان البتى ، وكتاب الرد
على القدرية ، والعلم شرقاً وغرباً ، بعداً وقرباً (1) والذى عثر عليه العلماء منها
رسائل صغيرة .
ولقد قيل إن كتاب الفقه الأكبر هو كتاب فى الفقه لا فى العقائد، وأنه يحتوى
على ستين ألف مسألة ، وقيل أكثر ، ولكن لم يوجد هذا ، ولا يمكن الكلام
فى شىء ليس تحت العيان ، حتى يتأتى لنا اختباره وخصه، ومقدار الصحة فيه ،
وعلى أى حال فالمشهور أن كتاب الفقه الأكبر فى العقائد ، والمشهور بين الناس
هو فيها ، فلا يفرض سواه، حتى يكون الآخر فى العيان ، وإن كان هذا المشاهد
المعاين ما زالت نسبته موضع خطر .
نقل الفقه الحنفى
٢٨ - لم يعرف لأبى حنيفة كتاب فى الفقه ، رتب أبوابه وعقد نظامه ، کما
علمت، وإن ذلك هو الذى يتفق مع روح العصر ، وسير الزمان ؛ إذ أن تأليف
الكتب لم يشع وينتشر إلا بعد وفاة أبى حنيفة، أو فى آخر حياته ، وقد أدركته
الشيخوخة ، وقد كان المجتهدون فى عصر الصحابة يمتنعون عن أن يدونوا فتاويهم
أو اجتهادهم ، بل امتنعوا عن تدوين السنة نفسها ، ليبقى المدون من أصول الدين
الكتاب وحده ، وهو عمود هذه الشريعة ، ونورها المبين ، وحبل الله الممدود
إلى يوم القيامة ، ثم اضطر العلماء إلى تدوين السنة ، وتدوين الفتاوى ، والفقه،
(١) الفهرس لابن النديم ص ٢٨٥

- ١٨٨ -
فكان فقهاء المدينة يجمعون فتاوى عبد الله بن عمر ، وعائشة ، وابن عباس ، ومن
جاء بعدهم من التابعين فى المدينة ، وينظرون فيها ، ويبنون عليها ، وكان العراقيون
يجمعون فتاوى عبد الله بن مسعود ، وقضايا على وفتاواه ، وقضايا شريح وغيره
من قضاة الكوفة . وقد رووا أن إبراهيم النخعى جمع الفتاوى والمبادىء
فى مجموعة ، وأن حماداً شيخ أبى حنيفة كانت له مجموعة .
ولكن يظهر أن هذه المجموعات لم تكن كتباً مبوبة منشورة ، بل كانت أشبه
بالمذكرات الخاصة، يرجع إليها المجتهد، ولا يعانها كتاباً للناس ، وإنما يكتبها خشبة
النسيان ، ولقد كان ذلك يحدث فى أحوال نادرة من بعض الصحابة ، حتى إنه
ليروى أن على بن أبى طالب كرم الله وجهه كان يحمل صحيفة فيها بعض أحكام
فقهية، ويظهر أن هذه الأحوال النادره كثرت قليلا فى عهد التابعين ، ثم صارت
نواة التأليف والتدوين بعد ذلك ، فألف مالك موطأه، ودون أبو يوسف كتاب
الخراج وغيره من كتب الفقه العراقى ، ثم جاء محمد فأوفى على الغاية ، ودون الفقه
العراقى كاملا « أو قريباً من الكمال.
٢٩ - وإذا كان أبو حنيفة لم يعرف أنه كتب كتاباً مبوباً فى الفقه، فقد كان
المعروف أن تلاميذه يدونون آراءه، ويقيدونها وربما كان ذلك بإملائه أحياناً .
فكتب الإمام محمد الحاكية لآرائه لا يمكن أن يكون قد سمعها كلها ، ولم يقيدها ،
ثم قيدها من بعد وفاته ، بل لابد أن تكون مدونة فى مذكرات خاصة أخذها عن
شيخة أبى يوسف أو غيره، وسمع بعضها القليل من أبى حنيفة نفسه ، وذلك لأن
صحبته بأبى حنيفة لم تكن بمقدار من الزمن يسمح بهذا الاستيعاب، ولم تكن سنة
وقت وفاة أبى حنيفة تسمح له بكل هذه الإحاطة ، فإن أبا حنيفة قد توفى ، وهو
فى نحو الثامنة عشرة من عمره ، وما كانت هذه السن لتسمح له بأن يتلقى عن
أبى حنيفة كل ما دونه فى كتبه ، فلابد أن يكون قد أخذه عن مجموعات مدونة
معروفة عند أصحاب ذلك الإمام الجليل . ولا يفرض أنه تلقاها كلها سماعاً عن
-أبى يوسف ثم دونه، لأنه لو كان كذلك لذكر السند وعنى ببيان الرواية .

- ١٨٩ -
ولقد وجدنا أخباراً تدل على أن تلاميذ أبى حنيفة كانوا يدونون فتاويه ،
وكان هو يراجع ما دون أحياناً ليقره أو ليغيره ، فقد جاء فى المناقب لابن البزازى
مانصه: ((عن أبى عبد الله: كنت أقرأ عليه أقاويله ، وكان أبو يوسف أدخل فيه
أيضاً أقاويله ، وكنت أجتهد ألا أذكر قول أبى يوسف بجنبه ، فزل لسانى يوماً،
وقلت بعد ذكر قوله ، وفيها قول آخر . فقال : ومن هذا الذى يقول هذا القول ،
فكنت أعلم بعده على قول أبى يوسف لئلا أذكره عنده، (١).
وإن هذا الخبر ليؤكد المعنى المعقول الذى استنبطناه ، ويظهر أن الذين نسبوا
لأبى حنيفة كتباً، أو قالوا إنه دون الفقه كان كلامهم على هذا الأساس ، وهو أن
تلاميذه دونوا أقواله بإشراف منه ، ومراجعته أحياناً .
٣٠ - ومهما يكن مقدار نسبة هذه الأمالی إلیه، و عمله فى تدوينها. فإنا لا نعرف
كتاباً فى الفقه يعد من تأليفه وينسب إليه، ولكن قد جاء فى المناقب للمكى
مانصه : ((أبو حنيفة أول من دون علم هذه الشريعة، لم يسبقه أحد من قبله، لأن
الصحابة والتابعين رضى الله عنهم لم يضعرا فى علم الشريعة أبواباً مبوبة، ولا كتباً
مرتبة ، وإنما كانوا يعتمدون على قوة فهمهم، وجعلوا قلوبهم صناديق عليهم، ونشأ
أبو حنيفة بعدهم ، فرأى العلم منتشراً ، خاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه،
ولهذا قال ◌َّه: (( إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الناس
وإنما ينتزعه موت العلماء ، فيبقى رؤساء جهال ، فيفتون بغير علم فيضلون
ويُضلون ، فلذلك دونه أبو حنيفة ، جعله أبواباً مبوبة ، وكتباً مرتبة ، فبدأ
بالطهارة ، ثم بالصلاة، ثم بسائر العبادات على الولاء، ثم بالمعاملات ، ثم ختم
بكتب المواريث، وإنما ابتدأ بالطهارة ثم بالصلاة ، لأن المكلف بعدصحة الاعتقاد
أول ما يخاطب بالصلاة؛ لأنها أخص العبادات وأعمها وجوباً .... (٢).
(١) المناقب لابن البزازى ج ٢ ص ١٠٩
(٢) المناقب للمكى ج ٢ ص ١٣١

- ١٩٠ -
والظاهر من هذا القول أنه يقصد بالتدوين ما كان يصنعه تلاميذه، ولعل
ذلك كان بإرشاد منه، بل الراجح ذلك ؛ ولذلك جاء فى هذا الكتاب فى طريقة
دراسة أبى حنيفة وأصحابه للمسائل ما نصه: ((وضع أبو حنيفة رحمه الله مذهبه
شورى بينهم ، لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهاداً منه فى الدين ، ومبالغة فى النصيحة
الله ورسوله والمؤمنين ، فكان يلقى مسألة مسألة ، يقلبها ويسمع ما عندهم ويقول
ماعنده ، ويناظرهم ، حتى يستقر أحد الأقوال فيها ، ثم يثبتها أبو يوسف
فى الأصول ، حتى أثبت الأصول كلها ، (١) .
بهذا النحو من التحرير دون مذهب أبى حنيفة وأصحابه ، وجاء أصحابه فنشروه
كتباً مبوبة مرتبة منظمة .
مسند أبي حنيفة
١
٣١ - وإذا كنا لم نجد لأبى حنيفة كتاباً مدوناً فى الفقه منسوباً إليه ، فقد
ذكر العلماء مسنداً من الأحاديث والآثار منسوباً إليه ، وهو مرتب على ترتيب
الفقه ، ومجمع فى ترتيب الأحكام تجميع الكتب المؤلفة ، أفهذا المسند من عمله ،
وترتيبه منسوب إليه، أم أنه رواية أصحابه عنه، تلقوه بالطريقة التى تلقوا بها فقه،
وهى أن يدونوا ما يذكره لهم فى درسه ، ثم جمعوا تلك المرويات ، فرتبوها
وبوبوها، ونشروها ، ومن المؤكد الذى لا ريب فيه أن أبا يوسف جمع طائفة
كبيرة من تلك المرويات، وسماها الآثار ، وأن محمداً جمع كذلك طائفة ، وسماها
أيضا الآثار ، وقد اتحدت مرويات كثيرة فى كلا الكتابين .
فهل هذه المرويات لأصحابه فى المسند الذى ينسب إليه؟ لقد قال بعض العلماء
ذلك ، ورجحه كثيرون ، وقد قال ابن حجر العسقلانى فى كتاب تعجيل المنفعة
· مانصه: (( أما مسند أبى حنيفة فليس من جمعه ، والموجود من حديث أبى حنيفة
إنما هو كتاب الآثار الذى رواه محمد بن الحسن، ويوجد فى تصانيف محمد بن الحسن
(١) المناقب للمكى ج ٢ ص ١٣٣.

- ١٩١ -
وأبى يوسف قبله من حديث أبى حنيفة أشياء أخرى، وقد اعتنى الحافظ أبو محمد
الحارثی، وكان بعد الثلاثمائة بحديث أبى حنيفة ، جمعه فى مجلد، ور تبه على شيوخ
أبى حنيفة ، وكذلك خرج منه المرفوع الحافظ أبو بكر بن المقرى، وتصنيفه أصغر
من تصنيف الحارثى، ونظيره مسند أبى حنيفة للحافظ أبى الحسن بن المظفر ، وأما
الذى اعتمده أبو زرعة أبى الفضل بن الحسين العرقى الحسينى على تخريج رجاله
فهو المسند الذى خرجه الحسين بن خسرو ، وهو متأخر ، وفى مسند بن خسرو
زبادات عما فی مسند الحارثی وابن المقرى » .
وترى من هذا أن ابن حجر يقرر أن المسند المنسوب إلى أبى حنيفة ليس من
جمعه، ثم يذكر روايات العلماء لذلك المسند، وهناك روايات أخرى غير التى ذكر
ابن حجر ، منها روايات الحصكفى(١).
وقد ذكر حاجى خليفة فى كشف الظنون رواية مسند أبى حنيفة واختلافها
وجمعها وترتيبها ، وتلخيصها فقال: ((رواه الحسن بن زياد اللؤلؤى ، ورتب المسند
المذكور الشيخ قاسم بن قطلوبغا برواية الحارثى على أبواب الفقه ، وله عليه الأمالى
فى مجلدين ، ومختصر المسند المسمى بالمعتمد لجمال الدين محمود بن أحمد القونوى
الدمشقى المتوفى سنة ٧٧٠، ثم شرحه، وسماه المسند، وجمع زوائده أبو المؤيد محمد
ابن محمود الخوارزمى المتوفى سنة ٦٦٥ ، قال(٢) وقد سمعت فى الشام عن بعض
الجاهلين بمقدار أبى حنيفة ما ينقصه ويستصغره، ويستعظم قدر غيره، وينسبه إلى قلة
رواية الحديث ، ويستدل على ذلك بمسند الشافعى، وموطأ مالك ، وزعم أنه ليس
لأبى حنيفة مسند ، وكان لا يروى إلا عدة أحاديث ، فلحقتنى حمية دينية ، فأردت
أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده التى جمعها له حول علماء الحديث: الأول الإمام
الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العدل . الثانى الإمام الحافظ
(١) طبع بالأستانة سنة ١٢٠٩ على هامش الأدب المفرد البخارى وهو صغير.
(٢) الضمير يعود إلى أبى المؤيد .

- ١٩٢ -
أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثى البخارى المعروف بعبد اللّه الأستاذ،
الثالث الإمام الحافظ أبو الحسن محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد. الرابع
الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهانى الشافعى ، الخامس الشيخ أبو بكر محمد بن
عبد الباقى بن محمد الأنصارى. السادس الإمام أبو أحمد عبد الله بن عدى الجرجانى
السابع الإمام الحافظ عمر بن حسن الشيبانى. الثامن أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد
الكلاعى . التاسع الإمام أبو يوسف القاضى ، والمروى عنه يسمى بنسخة
أبى يوسف ، العاشر الإمام محمد بن الحسن الشيبانى ، ويسمى بنسخة محمد ، الحادى
إبنه الإمام حماد ، الثانى عشر الإمام محمد أيضاً ، وروى معظمه عن التابعين ،
ويسمى الآثار . الثالث عشر الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن أبى العوام
السعدى . الرابع عشر الإمام الحافظ أبو عبد الله حسن بن محمد بن خسرو البلخى
المتوفى سنة ٥٢٢، وقد خرجه تخريجاً حسناً ... الخامس عشر الإمام الماوردى،
نجمعها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد ، وترك تكرير الأسناد )).
هذا نقل حاجى خليفة وكلام أبى المؤيد الخوارزمى فى جمعه هذه الروايات
المختلفة ، ومن هذا يتبين أن إضافة ذلك المسند إلى أبى حنيفة ليس كإضافة الموطأ
إلى مالك ، فإن مالكا رضى الله عنه قد دونه ورواه عنه غيره مرتباً مبوباً.
أما ما ينسب إلى أبى حنيفة ، فإنه روايات عنه لم يجمعها ولم يبوبها، وإنما رتبها وبوبها
من رواها . وليس ذلك بقادح فى صحة نسبتها فى الجملة . ولكن هذه النسبة تختلف
باختلاف رواتها ، وعندى أن أقواها سنداً الآثار لأبي يوسف ، والآثار لمحمد ،
بل إن الدقة فى هذين الكتابين ، تجعلنا نطمئن تمام الاطمئنان إلى أن ما فيهما من
روايات مسندة لأبى حنيفة صحيحة السند إليه بلا ريب . وإن كان الجمع والترتيب.
والتبويب لآبی یوسف ومحمد ، کل فما رواه .

- ١٩٣ -
تلاميذ أبى حنيفة نقلة فقهه
٣٣ - ليس لنا أن نعرف فقه أبى حنيفة إلا عن طريق أصحابه، وإن السبيل
كان بين أيديهم معبداً ، فقد رأيناهم يكتبون المسائل الفقهية التى يتذاكرونها مع
شيخهم بعد أن ينتهوا إلى رأى معين ، ولكن يجب هنا أن نلاحظ ثلاثة أمور :
(أحدهما) أن ما ذكره الصحاب لا يغنى عن أن يكتب أبو حنيفة فقهه بنفسه؛
ذلك بأن كتابة الفقيه آراءه بنفسه تنقل إليك الفكرة ، كما انبعثت فى خاطره
مستقيمة مبينة اتجاهات نفسه ، وإن تدوين الآراء ، كما انبعثت فى الخاطر يعطيها
حيوية، فتكون الفكرة حية، والأفكار نيرة، والكلام مستساغا عذباً. وقد عثرنا
على رسائل لأبى حنيفة كتبها ، فوددنا أن لو كتب فقهه بلغة هذه الرسائل
وأسلوبها ، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه .
(ثانيها ) أن الأقوال التى نقلها أصحابه خالية من الدليل إلا ما يكون من أثر
منقول ، أو خبر مشهور، أو اعتماد على فتوى صحابى ، أو انتهاء إلى رأى تابعى ،
وقليلا ما يذكر قياسها ؛ أو عماد استحسانها ، اللهم إلا ما فى كتب أبى يوسف،
وأنها لا تحكى إلا القليل، ولا شك أن ذلك يبعد بنا عن معرفة أبى حنيفة القَّاس
الذى عد أقوى قائس فى عصره ، واتهمه المخالفون له بالإغراق فى القياس ، حتى
زعموا بأنه بمقايساته قد فارق السنة ، وعدا طور المجتهد الإسلامى ، فإنا إن قرأنا
كتب محمد لا نجد إلا فى النادر قياساً قد بينت العلل فيه ، واستنباطها، واطرادها ،
ثم أين استحسانات أبى حنيفة الذى لم يستطع تلاميذه أن ينازعوه إذا قال استحسن،
لعظم إدراكه، ونفاذ بصيرته، وإن نازعوه القياس إذا قايس ؟ لا شك أن هذا
كله ثلمات فى الدراسة كنا نود رأيها ، ليكون البناء كاملا. نعم إن الطبقة التى.
وليت أصحابه قد عنيت بالاستدلال ، واستخراج الأقيسة فى الإحكام،وبيان أوجه
الاستحسان ، وأحكام العرف ، ولكنا لسنا على ثقة كاملة من أن هذا الاستدلال.
الذى يسوقونه هو نفس ما كان يفكر فيه أبو حنيفة ، وما اهتدى على ضوئه إلى
(١٣ أبو حنيفة)

- ١٩٤ -
ما قرره من أحكام ، وإن من المقرر أن أبا حنيفة قد أفتى فى مسائل بالقياس
والاستحسان، ثم عثر تلاميذه من بعده على أحاديث تؤيد ما قرره قائساً أو مستحسناً
جاء الذين ساقوا الأدلة، وذكروا الأحاديث المؤيدة، وربما لا يتجهون بعد ذلك
إلى القياس أو الاستحسان ، وبذلك يباعدون بيننا وبين تفكير أبى حنيفة.
( ثالثها ) أن خدمة أصحاب أبي حنيفة لمذهبه بنقله للاختلاف محرراً مبيناً،
وعنايتهم بذلك قد جعل لأبى حنيفة جلالا . وذلك لأن كل واحد من هؤلاء
الأصحاب إمام فى ذاته ، فأبو يوسف إمام جليل ذو شأن ، وكان قاضى قضاة
الدولة ردحاً غير قصير ، ومحمد إمام ، جمع كأبى يوسف بين فقه الرأى وفقه
الحديث ، فكان راوياً لموطأ مالك ، كما كان رواياً لفقه العراق ، وجمعت مداركه
بين الإثنين جمعاً متناسباً، فرضاً هؤلاء الأئمة بأن يكونوا رواة لشيخهم ، ونقلة
فقهه للاختلاف وقد شاركه بعضهم النظر فيه - قد جعل لأبى حنيفة مكانة علمية
فى الأجيال والعصور من بعده .
وقد دفع هذا بعض الأوروبيين الذين درسوا هذه المسائل إلى أن يشكوا
فى الآراء المنقولة عن هذا الإمام الجليل ؛ لأن تفكيرهم الملتوى جعلهم يحسبون أن
بعض ما ينسب إلى أبى حنيفة يمكن أن يكون غير صحيح ؛ لأنه ليس لديهم
إلا مصادر قليلة موثوق بها ، تذكر حياة أبى حنيفة وعصره، والأحوال التى عاش
فيها ، وعمله الذى يكون فى دائرة الإمكان ، وما دام الأمر كذلك فنسبة هذه
الآراء إليه محل نظر. وهذا تفكير غريب! إن الذين نقلوا هذه الآراءهم تلاميذه
الذين شاهدوه وعاينوه ، وكلهم ثقة ذو فضل ، لم يتهم بتزيد فى خبر ، أو كذب
فی قول، وکاهم له مكانة فى عصره، وأثر فی جیلہ ــ يقولون إن شيخنا قال وقرر،
ويقول بعد ذلك فى العصر الأخير علماء أوروبيون: كلامكم محل نظر فى نقلكم
عن شيخكم، ولكن هكذا يفكرون، وبهم يقتدى مفكرون من الشرق .
٣٣ - ومهما يكن من الأمر، فإنا سنأخذ فقه أبى حنيفة عن هؤلاء الأصحاب
وليس لنا طريق غير ذلك ، ومن الواجب علينا أن نذكر هؤلاء الأصحاب
الذين نقلوا فقهه ، ونخص كل واحد بكلمة موجزة .

- ١٩٥ -
لقد كان لأبى حنيفة تلاميذ كثيرون، منهم من كان يرحل إليه ، ويستمع أمداً
ثم يعود إلى بلده بعد أن يأخذ طريقه ، ومنهاجه ، ومنهم من لازمه . وقد قال فى
أصحابه الذين لازموه من مرة «هؤلاء ستة وثلاثون رجلا ، منهم ثمانية وعشرون
يصلحون للقضاء ، وستة يصلحون للفتوى ، وإثنان أبو يوسف وزفر يصلحان
لتأديب القضاة وأرباب الفتوى، (١).
ولا شك أن هؤلاء الصحاب الذين يقرر صلاحيتهم للقضاء والإفتاء وتأديب
القضاة كانوا فى حياته من النضج العلمى بحيث يمكن أن تعهد إليهم هذه الأمور
الخطيرة ، وكانوا فى سن تؤهلهم لها ، وهذا لا يسمح لنا أن نعد محمد بن الحسن منهم
لأنه عندما توفى أبو حنيفة كان فى الثامنة عشرة ، فلا يمكن أن يكون ناضج العقل
والفقه نضجا يؤهله للقضاء، وما كان القضاة يختارون فى هذا السن ، ولكن سنجد
أن فقه أبى حنيفة خاصة ، وفقه العراقيين عامة مدين لمحمد بن الحسن بكتبه ، فهى
التى حفظته وأبقته للإخلاف مرجعاً يرجع إليه ، ومنهلا يستقى منه .
ولذلك سنختار بالبيان الموجز بعض أصحابه الذين لهم تدوين ، سواء أكانوا
من طالت ملازمتهم ، أم كانوا من لم تطل ملازمتهم ، كمحمد بن الحسن ، مادام لهم
أثر فى نقل فهمه إلى الأجيال اللاحقة ، ولنبدأ بأعظمهم أثراً ممن لقوه، ثم لنلحق
بهم من الطبقات التى تليهم من يكون لهم أثر فى النقل أيضاً .
٢٤ - أبو يوسف ، وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصارى نسباً ،
والكو فى منشأ وتعلماً ومقاماً، فهو عربى، وليس بمولى من الموالى، ولد سنة ١١٣
وتوفى سنة ١٨٢. وقد نشأ فقيراً تضطره الحاجة لأن يعمل ليأكل ، وتدفعه الرغبة
فى العلم، لأن يستمع إلى العلماء حتى إذا لميح أبو حنيفة فيه ذلك أمده بالمال، فانصرف
لطلب العلم وكان قد جلس إلى ابن أبى ليلى قبل أن يجلس إلى أبى حنيفة، ثم انقطع
إليه، ويظهر أنه بعد وفاة أبى حنيفة أو فى أثناء حياته كان يتصل بالمحدثين ، ويتلقى
(١) المناقب لابن البزازى ج ٢ ص ١٢٥

- ١٩٦ -
عليهم ، فقد قال ابن جرير الطبرى ((كان أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضى
فقيهاً عالماً حافظاً، ذكر أنه كان يعرف بحفظ الحديث وأنه كان يحضر المحدث،
فيحفظ خمسين أو ستين حديثاً ، ثم يقوم فيمليها على الناس وكان كثير الحديث .
ولقد ولى القضاء لثلاثة من الخلفاء: للمهدى ، ثم الهادى ، ثم للرشيد ، ويقول
ابن عبد البر ((كان الرشيد يكرمه، ويجله، وكان عنده حظياً مكيناً، (١).
ولقد كان توليه القضاء من أسباب تحامى بعض المحدثين لحديثه ، فوق أنه من
الفقهاء الذين غلب عليهم الرأى ، ولذا قال فيه الطبرى: « تحامى حديثه قوم من
أهل الحديث من أجل غلبة الرأى عليه ، وتفريعه الفروع فى المسائل والأحكام ،
مع صحبة السلطان؛ وتقلده القضاء)) (٢).
وقد استفاد الفقه الحنفى من أبى يوسف فوائد جليلة ، إذ أن اختباره للقضاء
جعله يصقل المذهب صقلا عملياً ، فإن القضاء فيه مواجهة لمشاكل الناس ، وتنبيه
لطرق معالجتها ، وطب لأدواء الناس وأمراضهم، وبه قد اطلع على الشئون العامة
فأصبح قياسه واستحسانه مشتقاً من الحياة العملية ، لا من الفروض النظرية فقط .
وقد مكِّن للمذهب الحنفى بتولى أبى يوسف القضاء حتى صار القاضى الأول
للدولة ، فكان كل نفوذ له يستمد منه مذهبه نفوذاً .
ولعل أبا يوسف أول فقهاء الرأى الذين عملوا على دعم آرائهم بالحديث ،
وبذلك جمع بين طريقة أهل الرأى وأهل الحديث ؛ إذ تلقى عن المحدثين ، وحفظ
عنهم ، حتى عد أحفظ أصحاب أبى حنيفة للحديث .
٣٥ -. کتب أبی یوسف ، ولابی بوسف کتب كثيرة دون فيها آراءه، وآراء
شيخه. وقد ذكر ابن النديم تلك الكتب، فقال: ((ولأبى يوسف من الكتب
فى الأصول والأمالى : كتاب الصلاة ، كتاب الزكاة ، كتاب الصيام ، كتاب
الفرائض ، کتاب البيوع ، کتاب ، کتاب الحدود ، کتاب الو کالة ، کتاب الوصايا ،
(١) الانتقاء لابن عبد البر ص ١٧٢
(٢) الانتقاء ص ١٧٣

- ١٩٧ -
كتاب الصيد والذبائح، كتاب الغصب والاستبراء، كتاب اختلاف الأمصار ،
كتاب الرد على مالك بن أنس، رسالة فى الخراج إلى الرشيد ، كتاب الجوامع
ألفه ليحيى بن خالد يحتوى على أربعين كتابا ، ذكر فيه اختلاف الناس والرأى
المأخوذ به . ولأبى يوسف إملاء رواه بشر بن الوليد القاضى ، يحتوى على سنة
وثلاثين كتابا مما فرعه أبو يوسف)) (١).
هذا ما ذكره ابن النديم ، ولكن هناك كتباً قد رأيناها لم يذكرها ، وهى رواية
لآراء أبى حنيفة، ودفاع عنها ، من هذه الكتب كتاب الآثار ، واختلاف
ابن أبى ليلى، والرد على سير الأوزاعى ، ولنقف وقفة صغيرة عند كل كتاب
من هذه الكتب، ومعها كتاب الخراج .
٣٦ - وكتاب الخراج رسالة كتبها أبو يوسف إلى الرشيد ، فى مالية الدولة
فبين المصادر المالية للدولة ، وأبواب الدخل فى تفصيل محكم دقيق يعتمد فيه على
القرآن، والمأثور عن النبى يُِّ، وفتاوى الصحابة ، يروى الأحاديث ويستنبط
عللها ، ويذكر أعمال الصحابة ، ويستخرج من أقوالهم مناطها ويبنى على العلل
مخالفة الصحابة فى التقدير .
فهو يقدر أحياناً تقديراً يخالف تقدير عمر ، ويدافع عن تقديره بعد فرض
الاعتراض الوارد عليه، وهذا نص الاعتراض المفروض والرد: ((قيل لأبي يوسف
لم رأيت أن يقاسم أهل الخراج ما أخرجت الأرض من صنوف الغلات، وما أثمر
النخل والشجر والكرم على ما قد وصفته من المقاسمات ، ولم تردهم إلى ما كان
عمر بن الخطاب رضى الله عنه وضعه على أرضهم، ونخلهم وشجرهم ، وقد كانوا
بذلك راضين ، وله محتملين . فقال أبو يوسف إن عمر رضى الله عنه رأى
الأرض فى ذلك الوقت محتملة لما وضع عليها ، ولم يقل حين وضع عليها ما وضع
من الخراج : إن هذا الخراج لازم لأهل الخراج وحتم عليهم ، ولا يجوز لى ولمن
بعدی من الخلفاء أن ينقص منه ولا یزید فیه ، بل كان فما قال لحذیفة وعثمان حین
(١) الفهرس ص ٢٨٦ .