النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٥٨ -
الصحيح من المأثور عن الرسول الأمين ، ويعدون طلب الدين من غير هذا الطريق
شططاً وتحيفاً وعرجاً ، والمعتزلة يرون أن إثبات العقائد بالأفيسة العقلية جائز إن
لم يكن واجباً ، ما دامت لم تخالف نصاً فى الدين بل تؤيده، وهم لذلك يستخدمون
المنطق والبحوث الفلسفية فى إثبات عقائد الإسلام ، وأولئك الفقهاء يخافونها
يرون الوقوف عند النص ، حتى لا تزال الأقدام فى مزالق الضلال ، ومخاطر
الأوهام ، والعقل يخدع ويغتر ؛ فيضل .
وليس معنى هذا الكلام أنه لم یکن هناك خلاف ، بل كان بينهما خلاف فى
جزئيات كثيرة ، ولكنه لا يصيب لب العقيدة، ولذلك هم لا يكفرون الفقهاء
والمحدثين. وهؤلاء لا يكفرونهم، بل يعدونهم مبتدعة .
وجدالهم كان صورة لاختلاف هاتين العقليتين ، واقرأ مجادلتهم فى مسألة
خلق القرآن ، تجد المعتزلى منطلقاً وراء الأقيسة العقلية من غير أى قيد يقيد به
نفسه إلا النهزية والفقيه أو المحدث متوقف متحفظ، غير متهجم على مالم ينص
عليه فى كتاب ولا سنة ، وقد علمت أن الجمهور كان وراء الفقهاء والمحدثين
على ما أسلفنا .
١٤٨ - المأثور من مجادلات المعتزلة : كان العصر العباسى عصر المناظرات
حقاً وكانت هى ميدان البيان ومظهر الفصاحة واللسن . وقد كانت المعتزلة فرسان
الحلبة فى المناظرات فى العقائد .
وقدت كثر مجالس مناظراتهم. فقد تناظروا بين أيدى الأمراء، وفى المساجد،
وفى كل مكان يصلح للجدل والمناظرة، ولكن المأثورات من المناظرات قليل بالنسبة
لما كان، ولعل اضطهاد المعتزلة فى عصر المتوكل، وما والاه ، وكراهية الجماهير
الإسلامية لهم، كان سبباً فى ضياع كثير من آثارهم، وانداثار أكثر مناظراتهم،
. وما بقى على قلته يعطينا صورة من قوة جدلهم ، ويبين لنا أنهم قوم خصميون .

القْم الثانى
آراؤه وفقهه

- ١٦٠ -
آراء أبى حنيفة وفقهه
١ - نتكلم فى هذا القسم من الكتاب على أمرين: أحدهما: آراؤه فى المسائل
السياسية والاعتقادية التى كانت تشغل كثيرين من علماء عصره ، وثانيهما فقهه .
والقسم الأول يشمل رأيه فى الخلافة ولمن تكون ، وما شروط الخليفة ،
وما أساس البيعة ، ويشمل رأيه فى الإيمان ومرتكب الذنب ، وأفعال الإنسان
وعلاقتها بالقدر ، وهكذا ما يشمله على الكلام بالقدر الذى كان معروفاً فى عصره.
ثم آراؤه فى النواحى الاجتماعية والخلقية .
آراؤه فى السياسة
٢ - لم نعثر فيما قر أنا من كتب المناقب والتاريخ على رأى أبى حنيفة فى السياسة
محرراً مجموعاً مضبوطاً ، ولذلك وجب علينا أن نبحث عنه فى نثير الأخبار ،
ومطوى الكتب ، فعسى أن نكون من ذلك وحدة متناسقة ، وصورة واضحة
لتفكيره السياسى .
لقد استبان من الأخبار التى سقناها فى بيان حياته أمران لأمرية فيهما :
( أحدهما ) أنه كان له ميل مع ذرية على من فاطمة ، وأنه أوذى بسبب ذلك
الميل وتلك المحبة ، وأنه يكاد أن يكون من المستشهدين فى ذلك .
وثانيهما - أنه لم يشترك فى الخروج فعلا مع الذى خرجوا من أولاد على،
سواء أخرجوا فى العهد الأموى أم خرجوا فى العهد العباسى ، بل كان يكتفى من
المعاونة بالكلام فى درسه ، والتحريض والتثبيط أن استفتى فى ذلك ، كما فعل مع
الحسن بن قحطبة، وهو فى ذلك لا يعدو طور المفتى الذى يستفتى ، فيفتى بمقتضى
ما يوحى به ضميره من غير أن يجعل لسلطان ذوى السلطان أثراً فى فتياه ،
ولا توجيها لها .

- ١٦١ -
وعلى ذلك يصح أن نقول إن أبا حنيفة رضى الله عنه كانت فيه نزعة شيعية ،
ولكن ما مداها ، وما حدها ، وإلى أى الفرق الشيعية يصح أن يكون أقرب ؟
ذلك ما نريد أن نتعرفه فى هذ المقام .
٣ - لم يكن تشيع أبى حنيفة من التشيع الذى يعمى صاحبه عن إدراك
فضائل الصحابة ، وترتيب درجاتهم ، فقد كان مع تشيعه لآل على يضع أبا بكر
وعمر فى المكان قبل على رضى الله عنه، وكان يذكر بالتقدير والإكبار تقوى
أبى بكر وسجاياه حتى كان يحاول أن يحاكيه فى سخائه وتجارته، جعل لنفسه حانوت
بز فى الكوفة، كما كان لأبى بكر حانوت بز بمكة. ويجعل عمر الفاروق بعد أبى بكر.
ولكنه لا يقدم عثمان على على رضى الله عنه، ولذلك جاء فى الانتقاء لابن عبد البر:
((كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويتولى علیاً وعثمان، وروى عنه ابنه حماد
أنه قال. ((على أحب إلينا عن عثمان)، (٢) ولكنه مع إيثاره علياً بالمحبة لم يكن
من يسب عثمان ، بل كان يدعو له بالرحمة إن ذكر ، حتى لقد قال بعض من حضر
درسه ، إنه لم يسمع بالكوفة من يدعو بالرحمة لعثمان سواه .
وفى الجملة لم يستجز سب السلف قط ، بل لم يعرف أنه سب أحداً ، ولما التقى
بعطاء بن أبي رباح فى مكة ، وقال له هذا : أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم
وكانوا شيعاً ، ثم قال له من أى الأصناف أنت أجابه: ((من لا يسب السلف،
ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحداً بذنب(٣)).
ويظهر أنه كان يميل كل الميل لجعل شيعة آل البيت نزهة اللسان بالنسبة
لأبى بكر وعمر، فقد جاء فى المناقب للمكى أن أبا حنيفة قال . . قدمت المدينة ،
فأتيت أبا جعفر محمد بن على ، فقال يا أخا العراق ، لا تجلس إلينا ، جلست، فقلت
أصلحك الله ، ما تقول فى أبى بكر وعمر ، فقال رحم الله أبا بكر وعمر ، قلت إنهم.
(١) راجع المناقب للكى جزء١ ص ٩٢.
(٢) المناقب للسكى جزء ٢ ص ٨٢ .
(٣) تاريخ بغداد جزء ١٣ ص ٠٣٣١
(١١ أبو حنيفه)

- ١٦٢ -
يقولون بالعراق : إنك تبرأ منهما ، فقال معاذ الله كذبوا، ورب الكعبة،
أو لست تعلم أن علياً زوج ابنته أم كلثوم بنت فاطمة من عمر بن الخطاب ، وهل
تدرى من هى لا أبا لك ، جدتها خديجة سيدة نساء أهل الجنة ، وجدها رسول الله
صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين ، ورسول رب العالمين، وأمها
فاطمة سيدة نساء العالمين ، وأخوها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ،
وأبوها على بن أبى طالب ، ذو الشرف والمنقبة فى الإسلام، فلو لم يكن لها أهلا
لا أبا لك ، لم يزوجها إياه . قلت: فلو كنتبت إليهم ، فكذبت عن نفسك ، قال
لا يطيعون الكتب ، هذا أنت، قد قلت لك عياناً: لا تجلس إلينا ، فعصيتنى ،
فكيف يطيعون الكتاب(١)).
فمن هذا الحديث الذى جرى بين أبى حنيفة ومحمد الباقر ، وهو من أئمة
الإمامية نعرف أن أبا حنيفة كان يريد أن ينقى التشيع لآل البيت ما علق به من
أدران مسخته وشوهته ، وكان من أعظمها سوءاً سب الإمامين أبي بكر وعمر
رضى الله عنهما، وكان ذلك من أعظم ما يحز فى نفس أبى حنيفة .
٤ - ولقد كان أبو حنيفة يعتقد أن علياً كان على الحق فى كل قتال تولاه ،
ولا يحاول أن يتأول لمخالفيه، كما لا يمسهم بسب أو طعن؛ ولذلك يقول: «ما قاتل
أحد علياً ، إلا وعلى أولى بالحق منه، (٢) . ويقول فى الأمر الذى كان بين على
وبين طلحة والزبير: (( لا شك أن أمير المؤمنين علياً، إنما قاتل طلحة والزبير
بعد أن بايعاه وخالفاه)) .
ولقد سئل عن يوم الجمل، فقال: ((سار على فيه بالعدل، وهو أعلم المسلمين
بالسنة فى قتال أهل البغى ، (٣) وترى من هذا أنه كان صريحاً جريئاً فى الحق،
ولكن من غير أن يذكر بالسوء المخالفين، ولم يتمحل لهم بباب من أبواب التأويل
(١) المناقب للسكى جزء٢ ص ١٦٥
(٢) المناقب للمکی جزء ٣ ص ٨٣
(٣) المناقب للسكى جزء ٢ ص ٨٤

- ١٦٣ -
وإذا كان ذلك هو رأيه فيمكن خالف علياً من الصحابة ، فلابد أن رأيه فى
الأمويين سابقهم ولاحقهم لم يكن الرأى الذى يؤدى حكمهم ، ويثبت خلافتهم ،
ولقد ثبت ذلك ثيوتاً لا يقبل الشك بالنسبة للخلفاء الذين عاصرهم ، وأما الذين
سبقوه ، فالاستنباط المنطقى يجعلنا نصل إلى مثل ذلك الحكم .
ولنترك الاستنباط ، ولنتجه إلى القول والعمل اللذان لا يقبلان امتراء ولا مراء
فقد رأيناه يناصر زيد بن على رضى الله عنه لما خرج على هشام بن عبد الملك ، وقد
سئل عن الجهاد معه فقال خروجه یضامی خروج رسول الله ٹے يوم بدر،
وأمد جنده بالمال، ولكنه كان ضعيف الثقة فى أنصاره. ولذا قال فى الاعتذار
عن حمل السيف معه: ((لو علمت أن الناس لا يخذلونه ويقومون معه قيام صدق
لكنت أتبعه، وأجاهد معه؛ لأنه إمام حق ) .
٥ - ولم يكن موقفه من العباسيين بخير من موقفه من الأمويين بعد أن نشب
الخلاف بينهم وبين آل على رضى الله عنهم، فلقد وجدناه يميل إلى إبراهيم عندما
خرج على المنصور ، فيثبط بعض القواد عندما استفتاه فى حربه ، ويحرض من
يستفتيه فى الخروج معه ، جاء فى مناقب المكى ((عن إبراهيم بن سويد: سألت
أبا حنيفة ، وكان لى مكرماً، أيام إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فقلت أيما أحب
إليك بعد حجة الإسلام الخروج إلى هذا أم الحج؟ فقال: ((غزوة بعد حجة
الإسلام أفضل من خمسين حجة ... وجاءت امرأة إلى أبى حنيفة أيام إبراهيم ،
فقالت إن ابنى يريد هذا الرجل، وأنا أمنعه(١) قال: لا تمنعيه. وقال حماد بن أعين
كان أبو حنيفة يحض الناس على نصرة إبراهيم ، ويأمرهم باتباعه ، ولقد ذكر
محمد بن عبد الله بن حسن عند أبى حنيفة فكان عيناه تدمعان، (٢).
٦ - ولم يكن الميل السياسى وحده هو الظاهر فى صلة أبى حنيفة بآل البيت،
بل الاتصال العلمى كان واضحاً ، ولعله هو السبب فى هذا الميل السياسى ، فقد
(١) المناقب للمكى ص ٨٤ جز٠٢٠
( ٢) المناقب لابن البزازى جزء ٢ ص ٠٧٢

- ١٦٤ -
وجدناه متصلا علمياً بالإمام زيد ، وعد من شيوخه ، وكان متصلا بعبد الله
ابن حسن والد الشهیدین محمد وإبراهيم ، وعدمن شيوخه، ووجدناه یروی عن
محمد الباقر وجعفر الصادق ، ومسنده شاهد بذلك .
فقد جاء فى كتاب الآثار لأبي يوسف: ((روى أبو يوسف عن أبى حنيفة.
عن أبى جعفر محمد بن على، عن النبى يُؤم أنه كان يصلى بعد العشاء الآخرة إلى
الفجر ، ، فيما بين ذلك ثمانى ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلى ركعتى الفجر)) (١)
ألا تراه فى هذا يروى عنه حديثاً منقطعاً عنده، لا يعلو إلى أكثر من سنده ،
ولا يقبل أبو حنيفة ذلك إلا من هو عنده فى المنزلة الأولى من الثقة والاطمئنان.
إذ هو تلقى علم ، لا تلقى رواية فقط .
ويجىء فى الآثار الرواية عن جعفر الصادق فى المناسك فيروى أبو يوسف
عن أبى حنيفة عن جعفر بن محمد عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال : جاءه رجل،
فقال إنى قضيت ، المناسك كاها غير الطواف ، ثم واقعت أهلى ، قال : فاقض ما بق
عليك، وأهرق دماً ، وعليك الحج من قابل، قال : فعاد ، فقال : إنى جئت من
شقة بعيدة ، فقال مثل قوله (٢) .
٧ - هذه كلها مقدمات تنتهى بنا بلا ريب إلى أن أبا حنيفة رضى الله عنه
كان فيه تشيع ، وأنه فى رأيه السياسى ينحو نحو الشيعة ، ولكن يظهر من مجرى
حياته ومن أخباره أمر ان بارزان.
(أحدهما) أنه لم يكن من يدفعه التعصب لآل البيت ، إلى مجر كل علم من غير
طريقهم ، أو ظن السوء بغيرهم ، بل كان اتصاله قوياً بعلماء عصره من أهل الجماعة
وغيرهم، وكان شيوخه فى كثرتهم من لم يشتهروا بأية نزعة سياسية ، وكان جل
تأثره بهم .
( ثانيهما ) أنه لم يعرف انتماؤه لفرقة معينة من فرق الشيعة ، فهو قد اتصل.
بإمام الزيدية ، وأئمة الإمامية وبعض الكيسانية ولكن لم يعرف عنه انتماؤه
(١) الآثار ص ٣٤.
(٢) الآثار ص ١٢٤.

- ١٦٥ -
لإحدى هذه الفرق ، فهو قد كان من المتشيعين لآل البيت الذين أبقوا لأنفسهم
حرية النقدير ، وحرية البحث ، غير مأسورين بمذهب، ولا منتحلين لنحلة .
ولكن مع أنه لم يعرف بانتمائه لفرقة معينة نجد آراءه فى جملتها كانت تقارب
آراء الزيدية ، فهو من يرى صحة إمامة أبى بكر وعمر ، ولا يرى الإمام قد نص
عليه بوصاية ، وكل هذه آراء الزيدية، ولا غرابة فى أن تتقارب آراء أبى حنيفة
مع آراء الزيدية لأنهم أقرب الفرق الشيعية إلى جماعة المسلمين .
٨ - ننتهى من الكلام السابق إلى أن أبا حنيفة شيعى فى ميوله وآرائه
فى حكام عصره، أى أنه يرى الخلافة فى أولاد على من فاطمة ، وأن الخلفاء
الذين عاصروه قد اغتصبوا الأمر منهم ، وكانوا لهم ظالمين .
ولكن ما هى الطريق لاختيار خليفة من بين من هم أهل للخلافة ؟ قد بحثنا
عن عبارة لأبى حنيفة تجلى رأيه فى هذا المقام ، فعثرنا على عبارة تفيد أنه يرى
أن الاختيار العام للخليفة يجب أن يكون سابقاً على توليه سلطنه ، فقد روى
الربيع بن يونس حاجب المنصور أنه جمع مالكا وابن أبي ذؤيب ، وأبا حنيفة
يسألهم عن خلافته ، فقال مالك قولا ليناً ، وقال ابن أبى ذؤيب قولا عنيفاً،
وقال أبو حنيفة: ((المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب، إن أنت نصحت لنفسك
علمت أنك لم ترد الله باجتماعنا، فإنما أردت أن تعلم العامة أنا نقول فيك ماتهواه
مخافة منك ، ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك إثنان من أهل الفتوى ،
والخلافة تكون باجتماع المؤمنين ومشورتهم)) (١).
فهذه العبارة تفيد بلا ريب أنه يرى أن الخلافة لا تتم إلا بانتخاب سابق
من المؤمنين ، وبيعة كاملة ، فالخلافة عنده ليست بوصاية ، ولا يكون خليفة
من يفرض نفسه على المسلمين ، وإن خضعوا بعد ذلك أو ارتضوه ، إنما الخلافة
باختيار حر سابق على تولى الحكم .
(١) المناقب لابن البزازى ج ٢ ص ١٦

- ١٦٦ -
٣ - آراؤه فى مسائل علم الكلام
٩ - قلنا فى سرد حياة أبى حنيفة إنه خاص فى أقوال الفرق التى عاصرته ،
وجادلهم فيها ، وكان يرحل الرحلات المختلفة لهذه المجادلة ، وإنه ابتدأ حياته العدية
بدراسة ما تخوض فيه هذه الفرق ، ثم اتجه إلى الفقه من بعد ذلك ، حتى صار إمام
أهل الرأى غير منازع، ولكن لم ينقطع عن المجادلات مع بعض الفرق المختلفة،
عندما يجد الواجب العلمى والحسبة الدينية يوجبان عليه ذلك .
ولذلك أثرت عنه آراء فى المسائل التى كان يخوض فيها المتكلمون فى عصره ،
فأثرت عنه آراء فى حقيقة الإيمان ، ورأى فى مرتكب الذنب ، ـ كلام فى القدر ،
وإرادة الإنسان بجوار إرادة الله أهى حرة مختارة ، أم مجبرة مكرهة .
وقد وصلت إلينا هذه الآراء عن طريقين :
( أحدهما) عن طريق روايات متناثرة قوية وضعيفة ، ويمكن تمييز ضعيفها
من قویها .
( ثانيهما ) بعض كتب منسوبة إليه . وأولها كتاب الفقه الأكبر ، وقد جاء
فى الفهرس لابن النديم أن أبا حنيفة له أربعة كتب ، هى كتاب الفقه الأكبر ،
والعالم والمتعلم ، ورسالة إلى عثمان بن مسلم البنى ، وهى فى الإيمان وارتباطه
بالعمل ، وكتاب الرد على القدرية . وكلها فى علم الكلام والعقائد .
وقد نال العناية من المتقدمين من بين هذه الكتب كتاب الفقه الأكبر ، وهو
رسالة صغيرة طبعت وحدها فى بضع ورقات فى حيدرأباد بالهند، وله عدة روايات
منها رواية حماد بن أبى حنيفة، وقد شرحها على القارىء، وراية أبى مطيع البلخى،
وهى معروفة بالفقه الأبسط، شرحها أبو الليث السمر قندى، وعطاء بن على الجوزجانى
وهناك روايات وشروح أخرى ، منها شرح منسوب للإمام أبى منصور الماتريدى ،
ونسبة هذا الشرح إلى الماتريدى موضع نظر ، لأنه يحتج على الأشعرية ويحتج لهم،
وذلك يشير بلا ريب إلى أنه متأخر عن أبى الحسن الأشعرى ، مع أنهما فى الحقيقة
متعاصران، إذ الماتريدى توفى سنة ٣٣٢، والأشعرى توفى سنة ٣٣٣ أو سنة ٣٣٤

- ١٦٧ -
١٠ - هذا ويجب التنبيه إلى أن نسبة الفقه الأكبر إلى أبى حنيفة موضع نظر
عند العلماء، فلم يتفقوا على صحة نسبة هذا الكتاب إليه ، ولم يدع أحد الاتفاق على صحة
هذه النسبة ، حتى أشد الناس تعصباً له ، ورغبة فى زيادة آثاره وكتبه ، فنجد أن
البزازى فى المناقب عندما يتكلم عن الفقه الأكبر والعالم والمتعلم يقول: فإن قلت ليس
لأبى حنيفة كتاب مصنف. قلت هذا كلام المعتزلة، ودعواهم أنه ليس له فى علم
الكلام تصنيف، وغرضهم بذلك نفى أن يكون الفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم
له؛ لأنه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السنة والجماعة ، ودعواهم أنه كان من المعتزلة ،
وذلك الكتاب لأبى حنيفة البخارى ، وهذا غلط صريح؛ فإنى رأيت بخط العلامة
مولانا شيخ الملة والدين الكردى العمادى هذين الكتابين، وكتب فيهما إنهما
لأبى حنيفة، وقد تواطأ على ذلك جماعة كثيرة من المشايخ ،(١) .
وترى من هذا أنه يصرح بأن نسبة هذا الكتاب إلى أبى حنيفة هو اتفاق جماعة
كبيرة من المشايخ ، وليس باتفاق جميع المشايخ ، فالنسبة إذن موضع شك
أو إنكار عند بعض العلماء.
١١ - هذا هو كتاب الفقه الأكبر من ناحية صحة النسبة عند العلماء
واختلافهم بشأنه، واختلاف الروايات فيه ، ومقدار قوة هذه الروايات .
والدقة توجب عليه أن نلتفت التفاتة سريعة إلى ما حواه متنه، أنصح نسبته كاه
إلى أبى حنيفة أم أن فى هذا المتن ما يشير إلى أن نسبته كله لأبى حنيفة موضع
نظر أو شك .
لقد رجعنا إلى الفقه الأكبر المطبوع فى الهند ، فوجد ناه يرتب أفضل الناس
بعد النبيين هكذا أبو بكر فعمر فعثمان، فعلى ، والروايات المذكورة فى كتب المناقب
جميعها تتفق على أنه لا يقدم عثمان رضى الله عنه على على، وما ذكرته الروايات
ذات السند المتصل أقوى من متن لا سند له فى قوة إحداها .
(١) المناقب لابن البزازى جزء ٢ ص ١٠٨

- ١٦٨ ~
ونرى فى الفقه الأكبر تصدياً لمسائل لم يكن الخوض فيها معروفاً فى عصره
ولا العصر الذى سبقه ؛ فلم نجد فيمن قبله ولا من معاصريه فى المــ ادر التى تحت
أيدينا من تصدى للتفرقة بين الآية والكرامة والاستدراج ، ففيه ما نصه :
((والآيات للأنبياء، والكرامات للأولياء حق، وأما التى تكون لأعدائه مثل
إبليس وفرعون والدجال فما روى فى الأخبار أنه كان ، ويكون لهم لا نسميها
آيات ، ولا كرامات. ولكن نسميها قضاء حاجاتهم؛ وذلك لأن اللّه تعالى يقضى
حاجات أعدائه استدراجاً لهم ، وعقوبة لهم ، فيفترون بها ويزدادون طغياناً
و كفراً ، وذلك كله جائز ممكن » .
فمسألة كرامة الأولياء ، والتفرقة بينها وبين ما يجرى على أيدى الكفار من
خوارق لم نعثر على مناقشة حولها فيما وقفنا عليه من مناقشات ومجادلات فى ذلك
العصر ، ولكنها كانت موضع بحث بين علماء الكلام عندما وجد التصوف فى
الإسلام ، خاض العلماء فى أولياء الله الواصلين ، وما يكرمهم الله به، وما يجرى
على أيديهم من خوارق ، وهذا قد يدفعنا إلى ظن أن هذه المسألة زيدت فى الرسالة
فى العصور التى خاض العلماء فيها فى هذه المسائل، أو أن الرسالة كلها كتبت فى تلك
العصور ، متلافية مع آراء الماتريدية والأشاعرة فيها .
١٢ - لهذا لا نريد أن نستقى آراء أبى حنيفة فى العقائد من الفقه الأكبر
أو العالم والمتعلم فقط ، بل نستقي ذلك من الروايات المختلفة فى كتب التاريخ، وما يتفق
معها ما جاء بهاتين الرسالتين ، وسنتكلم فى أربع مسائل هى : معنى الإيمان ،
.ومر تكب الذنب، والقدرة والإرادة ، وخلق القرآن
الإيمـان
١٣ - يتلاقى ماجاء فى الفقه الأكبر عن حقيقة الإيمان عند أبى حنيفة بما
جاءت به الروايات المختلفة ، ولذا نعتبره صحيحاً فى هذا لا مرية فيه ، وقد جاء فيه

- ١٦٩ -
ما نصه: (( الإيمان هو الإقرار والتصديق)) (1) ويقول فى الإسلام: هو التسليم
والانقياد لأوامر الله تعالى، فمن طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام، ولكن
لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان، وهما كالظهر مع البطن .
والدين إسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها ، (٢).
١٤ - وترى من هذا أن أبا حنيفة لا يعتبر الإيمان هو التصديق بالقلب وحده
بل حقيقته عنده أنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان ، وإنه بذلك يتلاقى مع
الإسلام تلاقى اللازم بالملزوم ، فلا يكون إيمان بلا إسلام، ولا إسلام بلا إيمان ،
وقد بينبو حنيفة رأيه ذلك وعماده ودليله فى مناقشة جرت بينه وبين جهم
بن صفوان ، ولننقل لك تلك المناظرة ؛ لتستمع إلى أبى حنيفة يوضع فكرته،
ويدلی بحجته .
جاء فى المناقب للمسكى: ((أن جهم بن صفوان قصد أبا حنيفة للكلام، فلما
لقيه قال يا أبا حنيفة ، أتيتك لأكلك فى أشياء هيأتها لك ، فقال أبو حنيفة الكلام
معك عار، والخوض فما أنت فيه نار تتلظى قال: فكيف حكمت علىّ بما حكمت.
ولم تسمع كلامى ، ولم تلقنى، قال بلغنى عنك أقاويل لا يقولها أهل الصلاة ، قال
أفتحكم علىّ بالغيب . قال اشتهر ذلك عنك ، وظهر عند العامة والخاصة ، نجاز لى
أن أحقق ذلك عليك ، فقال يا أبا حنيفة لا أسألك عن شىء إلا عن الإيمان ، قال له
أو لم تعرف الإيمان إلى الساعة حتى تسألنى عنه ؟ قال بلى ولكن شككت فى نوع
منه قال الشك فى الإيمان كفر. فقال لا يحل لك إلا أن تبين لى من أى وجه
يلحقنى الكفر . قال سل . فقال أخبر نى عمن عرف الله بقلبه . وعرف أنه واحد
لا شريك له ولا ند، وعرفه بصفاته ، وأنه ليس كمثله شىء ، ثم مات قبل أن يتكلم
بلسانه أمؤمناً مات أم كافراً؟ قال كافر من أهل النار ، حتى يتكلم بلسانه مع
ما عرفه بقلبه، قال وكيف لا يكون مؤمناً، وقد عرف الله بصفاته، فقال أبو حنيفة:
(١) الفقه الأكبر ص ١٠.
(٢) الفقه الأكبر ص ١١.

٠- ١٧٠ -
إن كنت تؤمن بالقرآن وتجعله حجة كلمتك به ، وإن كنت لا تؤمن به ، ولا تجعله
حجة كلمتك بما نكلم به من خالف ملة الإسلام. قال أومن بالقرآن وأجعله حجة.
فقال أبو حنيفة قد جعل الله تبارك وتعالى الإيمان فى كتابه بجارحتين بالقلب
واللسان، فقال تبارك وتعالى: ((وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم
تفيض من الدمع ما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا،فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا
لا تؤمن بالله، وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين،
فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء المحسنين))
فأوصلهم إلى الجنة بالمعرفة والقول ، وجعلهم مؤمنين بالجار حتين بالقلب واللسان)،
وقال تعالى (( قولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتى موسى وعيسى، وما أوتى النبيون من
ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون ، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به،
فقد اهتدوا)).
وقال تعالى: ((وألزمهم كلمة التقوى)) وقال تعالى: ((وهدوا إلى الطيب من القول))
وقال تعالى: ((إليه يصعد الكلم الطيب)) وقال تعالى: (( يثبت الله الذين آمنوا بالقول
الثابت فى الحياة الدنيا وفي الآخرة )).
وقال النبى معَّه: « قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا، فلم يجعل الفلاح بالمعرفة
دون القول: وقال النبى معَوِّه: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله،
وكان فى قلبه كذا .. ولم يقل يخرج من النار من عرف اللّه، وكان فى قلبه كذا)).
ولو كان القول لايحتاج إليه ، ويكتفى بالمعرفة لكان من رد الله بلسانه وأنكره
بلسانه إذا عرفه بقلبه مؤمناً ، ولكان إبليس مؤمناً لأنه عارف بربه ، يعرف أنه
خالقه، وميته، وباعثه، ومغويه ((قال رب بما أغويتنى، وقال ((أنظر فى إلى يوم
يبعثون)) وقال ((خلقتنى من نار وخلقته من طين)، ولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم
ربهم، إذا أنكروا بلسانهم، قال الله تعالى: ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)) فلم

- ١٧١ -
يجعلهم مع أستيقانهم بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم . وقال جل وعز :.
((يعرفون نعمة الله، ثم ينكرون، وأكثرهم الكافرون)، وقال تعالى: (قل من
برزقكم من السماء والأرض ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحمى من.
الميت، ويخرج الميت من الحى، ومن يدبر الأمر، فسيقولون اللّه، فقل أفلا تتقون
فذلكم الله ربكم الحق) فلم تنفعهم معرفتهم مع إنكارهم ، وقال تعالى ((يعرفونه كما
يعرفون أبناءهم ، فلم تنفعهم المعرفة مع كتمانهم أمره وجحودهم به ، فقال له
قد أوقعت فى خلدى شيئاً , فسأرجع إليك)) (١).
وقد علق المكى على قول أبى حنيفة السابق : إن مات معتقداً غير مقر يموت
كافراً بقوله: ((تأويل قول أبى حنيفة إذا اتهم بعدم الإقرار، ولم يقر فإنه يموت
كافراً فأما إذا لم يكن هناك تهمة بأن كان فى جزيرة من البحر ، أو فى مغارة من
الأرض فإنه لا يكون كافراً ».
ومعنى ذلك أن أبا حنيفة يعتبر الإيمان مركباً من جزئين : اعتقاد جازم ،
وإذغان ظاهر لهذه المعرفة بالإقرار القولى ، فالإقرار القولى ضرورى ، لأنه
مظهر الإذعان القلبى .
ولذلك ورد عن أبى حنيفة فى تقسيمه للإيمان بأن المؤمن بقلبه المذعن فى
نفسه يكون مؤمناً عند الله، وإن لم يكن مؤمناً عند الناس .
لقد جاء فى الانتقاء فى بيان الإيمان وأقسامه عن أبى حنيفة ((عن أبى مقاتل
عن أبى حنيفة ، قال الإيمان هو المعرفة والتصديق والإقرار بالإسلام . والناس
فى التصديق على ثلاث منازل ، فمنهم من صدق بالله، وما جاء منه بقلبه ، ولسانه ،
ومنهم من صدقه بلسانه ، وهو يكذبه بقلبه ، ومنهم من يصدقه بقلبه ويكذب
بلسانه ، فأما من صدق الله عز وجل وما جاء به رسول اللّه بن القيم بقلبه ولسانه
فهم عند الله وعند الناس مؤمن . ومن صدق بلسانه ، وكذب بقلبه كان عند
ألله كافراً ، وعند الناس مؤمناً ؛ لأن الناس لا يعلمون ما فى قلبه ، وعليهم أن
يسموه مؤمناً بما أظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة ، وليس لهم أن يتكلفوا
(١) المناقب للمكى جزء ١ من ١٤٥ إلى ١٤٨.

- ١٧٢ -
علم القلوب . ومنهم من يكون عند اللّه مؤمناً، وعند الناس كافراً، وذلك أن
يكون المؤمن يظهر الكفر بلسانه فى حال النقية ، فيسميه من لا يعرفه كافراً ،
(وهو عند الله مؤمن(١) )) .
وترى من هذا أن العبرة عند أبى حنيفه ليست بمجرد التصديق القلی، بل لا بد
من الإذعان والتسليم والرضا، وأنه لابد من إعلان ذلك ما أمكن الإعلان، فإن
كان ثمة ما يوجب الإخفاء، وهى حال الخوف، والسكوت تقية ، ففى هذه الحال
يكتفى بالتصديق والإذعان القلى .
وحال الإذعان هذه هى الفارق بين المنافق العارف الذى ينطق لسانه ولا يذعن
قلبه ، وحال المؤمن ؛ فإن حال المؤمن حال رضا بالإسلام ، وإذعان ، وحال
المنافق وجدت فيها المعرفة، ولم يوجد الإذعان والرضا، وإن وجد النطق باللسان.
ومذهب أبى حنيفة كما ترى يتجه إلى أن العمل ليس جزءاً من الإيمان ، ولقد
خالفه فى ذلك فريقان .
(أحدهما) المعتزلة والخوارج ، فإنهم يعدون العمل جزءاً من الإيمان ،
: فلا يعد مؤمناً من لم يكن عاملا .
( ثانيهما ) فريق من الفقهاء والمحدثين يرون أن العمل يدخل فى تكوين الإيمان
من حيث تأثيره فيه بالزيادة والنقصان ، لا من حيث الحكم بأصل وجوده، ولذلك
يعد مؤمناً من لم يعمل بالأحكام الشرعية إذا وجد أصل التصديق ، ولكن إيمانه
لا يعد كاملا ، ومن هذا تجى. قضيهم : إن الإيمان يزيد وينقص.
١٥ - والإيمان فى نظر أبى حنيفة لايزيد ولا ينقص، ولذا يعتبر إيمان أهل
السماء وأهل الأرض واحداً فقد روى عنه أنه قال: «إيمان أهل الأرض، وأهل
السموات واحد، وإيمان الأولين والآخرين والأنبياء واحد ؛ لأنا كلنا آمنا بالله
وحده، وصدقناه ، والفرائض كثيرة مختلفة ، وكذا الكفر واحد ، وصفات
الكفار كثيرة، وكلنا آمنا بما آمن به الرسل، لكن لهم علينا الفضل فى الثواب
(١) الانتقاء لابن عبد البرص ١٦٨.

-٠ ١٧٣ -
فى الإيمان وجميع الطاعات؛ لأنهم كما فضلوا فى الطاعات ، كذلك فضلوا فى جميع
الأمور فى الثواب وغيره ، ولم يظلمنا فى ذلك : لأنه لم ينقص من حقنا ؛ بل
زادهم ذلك إعظاماً لهم ؛ لأنهم القادة للناس وأمناء اللّه تعالى، ولا يساويهم فى الرتبة
أحد، ولأن الناس أدركوا الفضل بهم، وكل من يدخل الجنة يدخل بدعائهم)،(١).
حقيقة الإيمان وهى التصديق لا تزيد، ولا تنقص عند أبى حنيفة، ولكن قد
تجىء الزيادة فى الفضل من ناحية أخرى لزيادة المؤمن بها .
ولقد خالف أبا حنيفة فى هذا النظر كثيرون من جاءوا بعده، ولقد قال
النووى: ((نفس التصديق يقبل الزيادة ؛ لأنه يزيد بكثرة النظر ، وتظاهر الأدلة
حتى كان إيمان التصديق أقوى ، بحيث لا يعتريهم الشبهة ، ولا يزلزل إيمانهم بعارض.
بل لا تزال قلوبهم منشرحة، وإن اختلفت عليهم الأحوالا. وأما غيرهم من المؤلفة
ومن داناهم، ونحوهم، فليسوا كذلك. وهذا ما لا يمكن إنكاره . ولا يشك عاقل
فى أن نفس تصديق الصديق رضى الله عنه لا يساويه تصديق كل أحد ، ولذلك
أورد البخارى : قال ابن مليكة أدركت ثلاثين من الصحابة ، كلهم يخاف النفاق.
على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل عليه السلام)).
ولقد رد ابن البزازى هذا الكلام بقوله : إن النظر الواحد إذا أدى إلى
جزم، وصدق هو به ، فقد حصل له التصديق ، وإلا كان ظناً ، فالجزم الحاصل
بالتصديق واحد وإن كرر ألف مرة مثل الأول بلا زيادة ، وكذا الجزم
الحاصل من نظر واحد ، فلا زيادة تحصل من كثرة النظر ).
هذان نظران، وهاتان وجهتهما ، وإن كنا نميل إلى أن التصديق تتفاوت قوته
ومظهر ذلك العمل ، فهناك تصديق تبلغ قوته درجة لا يستطيع الشخص أن يخالف
حكمه، وهناك تصديق يؤثر فى ظاهر العقل ، ويخضع له منطق الفكر ، ويذعن
لحكمة القلب، ولكن لا يستغرق التصديق المشاعر والأهواء ويسيرها، بل يكون
الشعور والإحساس والعمل فى جانب ، والعقل والفكر والنطق فى جانب آخر .
(١) المناقب لأبى البزازى ص ١٤١ ٢.

- ١٧٤ -
١٦ - وقد بنى أبو حنيفة على اعتبار أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد
(ولا ينقص ألا يكفر العصاة لعصيانهم لوجود أصل الإيمان عندهم، إذ الإيمان
الكامل قد توافر لهم ، وإن لم يعملوا ، ويعد العصاة مؤمنين ، خلطوا عملا صالحاً
وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم.
ولقد جاء فى الانتقاء. (( عن أبى مقاتل سمعت أبا حنيفة يقول : الناس عندنا
على ثلاث منازل ، الأنبياء من أهل الجنة ، ومن قالت الأنبياء إنه من أهل الجنة ،
فهو من أهل الجنة ، والمنزلة الأخرى المشركون نشهد عليهم أنهم من أهل النار ،
والمنزلة الثالثة المؤمنون نقف عنهم ، ولا نشهد على واحد منهم أنه من أهل الجنة ،
ولا من أهل النار ، ولكنا نرجو لهم ، ونخاف عليهم ، ونقول كما قال اللّه تعالى:
(( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يتوب عليهم، حتى يكون الله عز
وجل يقضى بينهم، وإنما نرجو لهم، لأن الله عز وجل يقول: ((إن الله لا يغفر
أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ونخاف عليهم بذنوبهم وخطاياهم ،
وليس أحد من الناس أوجب له الجنة ، ولو كان صواماً قواماً غير الأنبياء ،
ومن قالت فيه الأنبياء إنه من أهل الجنه)،(١) .
ولقد وافق هذا ما جاء فى الفقه الأكبر، ففيه: ((ولا نكفر مسلماً بذنب،
. وإن كان كبيرة. إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان ، .
١٧ - هذا كلام أبى حنيفة، وهو كلام منطقى سليم ، موافق لما فى القرآن من
وعد ووعيد، وقد ارتضاه العلماء وقبله كل الفقهاء، وكان مالك إمام دار الهجرة
يوافق أبا حنيفة عليه، يروى فى ذلك أن عمر بن حماد بن أبى حنيفة قال: ((لقيت
مالك بن أنس ، فأقمت عنده ، وسمعت علمه ، فلما قضيت حاجتى وأردت فراقه ،
قلت له إنى لا آمن أن يكون أهل العداوة والحسد ذكروا عندك أبا حنيفة بغير
ما كان عليه ، وإنى أريد أن أذكرلك ما كان هو عليه ، فإن رضيت عنه فذاك ،
وإن كان عندك شىء أحسن منه علمته ، فقال لى هات ، فقلت إنه كان لا يكفر أحداً
(١) الانتقاء ص ١٦٧.

- ١٧٥ -
يذنب من المؤمنين: فقال لى أحسن أو قال أصاب. قلت إنه كان يقول أكبر
من ذلك كان يقول ، وإن أصاب الفواحش لم أكفره، فقال أصاب أو أحسن.
قلت إنه كان يقول أكبر من هذا ، قال وما هو ؟ قلت كان يقول وإن قتل رجلا
متعمداً لم أكفره. قال أصاب أو أحسن. قلت فهذا قوله ، فمن أخبرك أن قوله
غیر ھذا فلا تصدقه ، (١) .
١٨ - وهذا الرأى هو ما عليه جماهير المتأخرين من المسلمين ، وما خالف به
جماعة المسلمين الخوارج والمعتزلة ، ومع ذلك نجد ذلك القول محل تشنيع طائفة
من العلماء، ينالونه به ، وقالوا فيه طاعنين إنه من المرجئة ، وقد بينا لك كلام
الشهر ستانى فى هذا الاتهام ، ولكن جاء فى كتاب الفقه الأكبر أنه نفى عن نفسه
هذه التهمة، ووضع الفرق بين مذهبه وبين الأرجاء فقال: ((لا نقول إن المؤمن
لا تضره الذنوب، ولا نقول إنه لا يدخل النار، ولا نقول إنه يخلد فيها، وإن
كان فاسقاً بعد أن يخرج من الدنيا مؤمناً ، ولا نقول إن حسناتنا مقبولة ، وسيئاتنا
مغفورة، كقول المرجئة ، ولكن نقول من عمل حسنة بجميع شرائطها خالية عن
العيوب المفسدة، ولم يبطلها الكفروالردة والأخلاق السيئة، حتى خرج من الدنيا
مؤمناً ، فإن الله تعالى لايضيعها ، بل يقبلها منه، ويثيبه عليها، وما كان من السيئات
دون الشرك والكفر، ولم يتب عنها صاحبها ، حتى مات مؤمناً ، فإنه فى مشيئة الله
تعالى إن شاء عذبه بالنار ، وإن شاء عفا عنه ولم يعذبه بالنار أصلا، (٢).
وهذا النص يتفق تمام الانفاق مع ما نقلناه عن الانتقاء ، والمناقب ، وإن كان
قد زاد ، فبين التفرقة بين رأى أبى حنيفة الإرجاء.
والحق أن الإرجاء فى آخر أدواره قد صار إلى الإباحية أقرب، ووجد فيه
الفساق الباب مفتوحاً ، حتى لقد قال فيه زيد بن على رضى الله عنه: ((أبرأ من
المرجئة الذين أطمعوا الفساق فى عفو الله تعالى)).
(١) المناقب للكى جـ (١) ص ٧٧ .
(٢) الفقه الأكبر طبعة حيدر أباد الدكن ص ٩ .

- ١٧٦ -
وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن الفرق كانت بالنسبة لمرتكب الكبائر على
ثلاث شعب إحداها الطوائف التى لا تعده من المؤمنين، وهؤلاء هم الخوارج
والمعتزلة ، وثانيها الذين قالوا إنه لا يضر مع الإيمان معصية وإن الله يغفر الذنوب
جميعاً، وهؤلاء هم المرجئة المذمومون، والثالثة جمهرة العلماء الذين يرون أنه لا يكفر
عاص، والحسنة بعشرة أمثالها ، والسيئة بمثلها ، وعفو الله لا قيد يقيده، ولا حد يحده
وأبو حنيفة من هؤلاء . وهم فيما أحسب رأى جمهور المسلمين، فإن كان من يرى
هذا الرأى من المرجئة جمهور المسلمين مرجئون (١)
ولكن المحققين من العلماء قصروا الإرجاء على الطائفة الإباحية فقط ،
ولذلك نفوا عن أبى حنيفة وصف الإرجاء ؛ إذ أساس الإرجاء على هذا النحو
إهمال ناحية العمل بالطاعات ، وعدم إدخالها فى الحساب، وأبو حنيفة الورع
ليس كذلك :
ولقد جاء فى الخيرات الحسان مانصه: ((قد عد جملة الإمام أبا حنيفة رحمه
الله من المرجئة. وليس هذا الكلام على حقيقته. أما أولا فقدقال شارح المواقف
كان عسان المرجىء يحكى ماذهب إليه من الإرجاء عن أبى حنيفة ويعده من
المرجئة ، وهو افتراء عليه قصد به عسان ترويح مذهبه ، بنسبته إلى هذا الإمام
الجليل الشهير ، وأما ثانياً فقد قال الآمدى لعل عذر من عده من مرجئة أهل السنة
أن المعتزلة كانوا فى الصدر الأول يلقبون من خالفهم فى القدر مرجئاً ، أو لأنه
لما قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص ظن به الإرجاء بتأخير العمل عن الإيمان ، وليس
كذلك ؛ إذ عرف منه المبالغة فى العمل والاجتهاد فيه، وأما ثالثاً فقد قال ابن
عبد البر كان أبو حنيفة يحسد، وينسب إليه ما ليس فيه: ويختلق عليه مالا يليق به».
هذا كلام العلماء فى وصف أبى حنيفة بالإرجاء، وعندى أنه لا يمكن أن يعد
أبو حنيفة مرجئاً إلا إذا عد مرجئاً كل من أن يرى أن الفاسق من المؤمنين، وأن
اللّه تعالى قد يعفو عن بعض العصاة، وأنه لا قيد يقيد العفو كما بينا، وفى هذه
(١) قد علمت أن صاحب الملل والنحل يسمى هؤلاء مرجئة السنة.

- ١٧٧ -
الحال لا يدخل أبو حنيفة فى الأرجاء وحده، بل يدخل كل الفقهاء والمحدثين ،
إلا من كان من المعتزلة .
القدر وأعمال الإنسان
١٩ - كان أبو حنيفة ثاقب النظر ، ولذا كان يمتنع عن الخوض فى القدر ،
وكان يحث صحابته على ذلك ، ويدعوهم إليه . وقد رأيت ما قاله ليوسف بن خالد
السمتى عندما أقبل عليه من البصرة ، فقد قال له فى مسألة القدر « هذه مسألة قد
استصعبت على الناس ، فأنى يطيقونها ، هذه مسألة مقفلة قد ضل مفتاحها ، فإن وجد
مفتاحها علم ما فيها ، ولم يفتح إلا بمخبر من اللّه يأتى بما عنده، ويأتى ببينة وبرهان)).
ولقد قال لقوم من القدرية جاءوا إليه يناقشونه فى القدر، ، أما علمتم أن
الناظر فى القدر كالناظر فى شعاع الشمس كلما ازداد نظراً ازداد حيرة ، ولكنهم
لا يقفون معه عند هذا الحد ، بل يحملونه على أن يتكلم فى التوفيق بين القضاء ،
والعدل ، كيف يقضى اللّه الأمور كلها ، وتجرى على مقتضى فضائه وقدره ،
ويحاسب الناس على ما يجىء على أيديهم من عمل ، فيقولون له ((هل يسع أحداً
من المخلوقين أن يجرى فى ملك الله مالم يقض. قال لا ، إلا أن القضاء على وجهين.
منه أمر ، والآخر قدرة فأما القدرة فإنه لا يقضى عليهم ، ويقدر لهم الكفر
ولم يأمر به، بل نهى عنه. والأمر أمران، أمر الكينونة، إذا أمر شيئاً كان ،.
وهو على غیر أمر الوحى».
وهذا تقسيم حسن محكم من أبى حنيفة ، فهو يفصل القضاء عن القدر ، فيجعل.
القضاء ما حكم الله به ما جاء ٩٠ الوحى الآلهى، والقدر ما تجرى به قدرته ، وقدر
على الخلق من أمور فى الأزل ، وتكليفهم بمقتضى الوحى ، والأعمال تجرى على
مقتضى القدر فى الأزل ، ويقسم الأمر إلى قسمين أمر تكوين وإيجاد ، وأمي
تكليف وإيجاب ، والأول تسير الأعمال فى الكون على مقتضاه ، والثانى يسير.
الجزاء فى الآخرة على أساسه .
(١٢ أبو حنيفة)