النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٣٨ - الخوارج، وقد جاء فى الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى أن ثابت بن قطنة قد جالس قوماً من الشراة، وقوماً من المرجئة كانوا يجتمعون فيتجادلون بخراسان ، فال إلى قول المرجئة وأحبه ، فلما اجتمعوا بعد ذلك أنشدهم قصيدة قالها فى الإرجاء وهى : ولا أدرى الأمر إلا مدبراً نكدا ياهند إنى أظن العيش قد نفدا إنى رهينة يوم لست سابقه بايعت ربى بيعاً إن وفيت به یاهند ، فاستمعی لی، إن سیر تنا ترجى الأمور إذا كانت مشبهة المسلمون على الإسلام علموا ولا أرى أن ذنباً بالغ أحدا لانسفك الدم إلا أن يراد بنا من يتق الله فى الدنيا فإن له وما قضى اللّه من أمر فليس له كل الخوارج مخط فى مقالته أما على وعثمان فإنهما وكا بينهما شغب وقد شهدا يجزى علياً وعثماناً بسعهما إلا يكن يومنا هذا فقد أفدا جاورت قتلى كراماً جاوروا أحدا أن نعبد الله لم نشرك به أحدا ونصدق القول فيمن جار أو عندا والمشركون استووا فى دينهم قددا الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا سفك الدماء طريقاً واحداً جددا أجر التقى إذا وفى الحساب غدا رد وما یقض من شىء يكن رشدا ولو تعبد فيما قال واجتهدأ عبدان لله لم يشركا بالله مذ عبدا شق العصا وبعين الله ماشهدا ولست أدرى بحق أية وردا وكل عبد سيلقى الله منفردا الله أعلم ماذا يحضر الله :ه - ١٣٩ - ٤- الجبرية ١٢٦ - خاض المسلمون فى حديث القدر، وقدرة الإنسان بجوار إرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته ، فى عهد الصحابة رضى الله عنهم ؛ ولكن سيادة السليقة العربية ، والنفس القريبة من الفطرة ، جعلتهم لا يتعمقون فى بحث هذه المسائل ، ولا يغوصون إلى أعماقها ، ولا يتغلغلون فى بحوثها ، ولا يسيرون فى طريق مذهبى يسيطر عليهم، أما بعد عهدهم، وانقراض أكثرهم ، واختلاط المسلمين بأصحاب الديانات القديمة ، وأهل الملل والنحل، وكثرة المذاهب والفرق، فقد استفاض قولهم، واتسعت بحوثهم، وسلكوا مسالك أصحاب الديانات القديمة فى بحث هذه المسائل. ففريق منهم وهم الذين نحن بصدد بيانهم زعموا أن الإنسان لا يخلق أفعاله ، وليس له مما ينسب إليه من الأفعال شىء. فقوام هذا المذهب (( نفى الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى . إذ العبد لا يوصف بالاستطاعة ، وإنما هو مجبور فى أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار ، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق فى سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، وكما يقال أثمرت الشجرة ، أو جرى الماء . وتحرك الحجر ، وطلعت الشمس وغربت ، وتغيمت السماء، وأمطرت، وازدهرت الأرض، وأنبتت .. إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر، وإذا أثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً)(١). وقد قال ابن حزم فى بيان وجهة نظر أهل الجبر فى زعمهم ,احتجوا فقالوا لما كان الله تعالى فعالا، لا يشبهه شىء من خلقه، وجب ألا يكون أحد فعالا غيره، وقالوا أيضاً معنى إضافة الفعل إلى الإنسان إنما هو كما تقول : مات زيد ، وإنما أماته الله، وقام البناء وإنما أقامه اللّه تعالى،. ١١٧ - وقد خاض المؤرخون فى بيان أول من نطق بهذه النحلة ، وأكثروا (١) الملل والنحل للشهر ستانى . - ١٤٠ - وأعتقد أن النحلة التى تصير مذهباً من الصعب تعرف أول من نطق بها؛ ولذا يصعب أن نعين أولا لهذه الفكرة ، وأن نذكر مبدأ لقولها ، ولكنا نجزم بأن القول بالجبر شاع فى أول العصر الأموى ، وكثر حتى صار مذهباً فى آخره ، وبين أيدينا رسالتان لعالمين جليلين عاشا فى أول العصر الأموى ذكرهما المرتضى فى كتاب ( المنية والأمل ): (إحداهما) لعبد الله بن عباس يخاطب بها جبرية أهل الشام، وينهاهم عن القول بالجبر فيقول فيها « أما بعد أتأمرون الناس بالتقوى، وبكم ضل المتقون، وتنهون الناس عن المعاصى ، وبكم ظهر العاصون ، يا أبناء سلف المقاتلين ، وأعوان الظالمين ، وخزان مساجد الفاسقين ، وعمار سلف الشياطين ، هل منكم إلا مفتر على الله يحمل إجرامه عليه ، ينسبه علانية إليه، وهل منكم إلا من السيف قلادته، والزور على اللّه شهادته؛ أعلى هذا تواليتم ، أم عليه تمالأتم ، حظكم منه الأوفر ، ونصيبكم منه الأكبر ، عمدتم إلى موالاة من لم يدع لله ما لا إلا أخذه. ولا مناراً إلا هدمه . ولا ما لا ليتم إلا سرقه أو خانه ، فأوجبتم لأخبث خلق الله أعظم حق الله . وتخاذلتم عن أهل الحق ، حتى ذلوا وقلوا، وأعنتم أهل الباطل حتى عزوا وكثروا ، فأنيبوا إلى اللّه وتوبوا ، تاب الله على من تاب وقبل من أناب)) وفى هذه الرسالة تصريح بتقبيح فكرتهم الجبرية ، إذ يقول «هل منكم إلا مفتر على الله يحمل إجرامه عليه، وينسبه علانية إليه)). (والثانية ) رسالة الحسن البصرى إلى قوم من أهل البصرة ادعوا الجبر. فهو يقول فيها (( من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد كفر؛ إن الله لا يطاع استكراها، ولا يعصى لغبة؛ لأن المليك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا ، وإن عملوا بالمعصية ، فلو شاء لحال بينهم وبين ما فعلوا ، فإذا لم يفعلوا فليس هو الذى أجبرهم على ذلك ، فلو أجبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب ، ولو أجبرهم على المعاصى لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم لكان عجزاً فى القدرة ، - ١٤١ - ولكن له فيهم المشيئة التى غيبها عنهم : فإن عملوا بالطاعات كانت له المنة عليهم وإن عملوا بالمعصية كانت له الحجة عليهم، وفى هذا تصريح واضح بالجبر . وروى عن على بن عبد الله بن عباس أنه قال: (( كنت جالساً عند أبى إذ جاء رجل فقال يابن عباس إن هاهنا قوماً يزعمون أنهم أقوا ما أتو من قبل الله ، وأن الله أجبرهم على المعاصى . فقال لو أعلم أن هاهنا منهم أحداً لقبضت على حلقه فعصرته . حتى تذهب روحه عنه، لا تقولوا أجبر اللّه على المعاصى ، ولا تقولوا لم يعلم الله ما العباد عاملوه، فتجهلوه)) (١). ١٢٨ - وقد علمت أن فكرة الجبر نشأت فى عهد الصحابة، بل فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم وإنما الذى امتاز به هذا العصر أنها صارت فيه نحلة ومذهباً ، له أنصار يدعون إليه ويدارسونه ، ويبينونه للناس ، وقالوا إن أول من قام بذلك بعض اليهود ، فقد علموه بعض المسلمين ، وهؤلاء أخذوا ينشرونه ، ويقال إن أول من فعل ذلك الجعد بن درهم ، وقد تلقاه عن يهودى بالشام ، ونشره بين الناس بالبصرة، ثم تلقاه عنه جهم بن صفوان، جاء فى كتاب سرح العيون فى الكلام على الجعد بن درهم (( تعلم منه الجهم بن صفوان القول الذى نسب إليه الجهمية (٢) وقيل إن الجعد أخذ ذلك عن إبان بن سمعان وأخذه إبان عن طالوت بن أعصم اليهودى )، وترى من هذا أن تلك النحلة ابتدأت يهودية وابتدأت فى عصر النبى والصحابة ، لأن طالوت هذا كان معاصر للنبي صلى الله عليه وسلم وبقى إلى عصر الصحابة ، ولكن مع ذلك لا نستطيع أن نقول: إن تلك النحلة كانت بذراً يهودياً خالصاً لأن الفرس (٣) كانت تجرى بينهم هذه الأفكار من قبل، فكانت من (١) المنية والأمل . (٢) هم القائلون بالجبر على ما تقدم . (٣) جاء فى كتاب المنية والأمل، عن الحسن أن رجلا من فارس جاء إلى النبي حَو ◌َه وقال رأيتهم ينكحون بناتهم وأخواتهم. فان قيل لم تفعلون قالوا قضاء الله وقدره فقال بِّه سيكون فى أمتى من يقول مثل ذلك. أولئك مجوس أمتى . - ١٤٢ - البحوث التى طرقها الزرادشتية والمانوية وغيرهم ، ولم يترعرع ذلك المذهب إلا فى خرسان ، فان جهما زعيم هذه الفرقة التى انتحلت اسمه، ونسبت إليه لم يجد أرضاً صالحة لدعوته إلا فى خراسان وما حولها ، فهذه الفرقة فارسية يهودية فى هذه النحلة ، وليست من العرب فى شىء. ١٢٩ - وقد نسب أهل الجبر إلى الجهم (١) بن صفوان لأنه أكبر دعاته وأعظم أنصاره، وقد كان مع دعوته إلى الجبر يدعو إلى آراء أخرى منها . (١) زعمه أن الجنة والنار تفنيان، وأن لاشىء بخالد، والخلود المذكور فى القرآن هو طول المكث وبعد الفناء ، لا مطلق البقاء . (ب) وزعمه أن الإيمان هو المعرفة فقط ، وأن الكفر هو الجهل . (جـ) وزعمه بأن علم الله وكلامه حادثان . (ء) ولم يصف اللّه بأنه شىء أوحى، وقال لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على الحوادث ، وقد نفى رؤية اللّه ، وقال بخلق القرآن بناء على زعمه من أن كلام الله حادث لا قديم ، وقد تبعه کثیرون فى هذه الآراء غير أن النحلة التى بانوابها وشهرتهم وصارت خاصة بهم ، هى القول بالخبر وأن الإنسان لا إرادة له ولا فعل ، وقد تقدم السلف والخلف للرد عليهم ، وإثبات بطلان مذهبهم، وقد ذكرنا لك بعضها مما جرى على ألسنة السلف كعبد الله بن عباس، والحسن بن على ، وعلى بن أبى طالب ، وعمر بن الخطاب وغيرهم ، وقد دونت الكتب المجادلات الكثيرة فى الرد عليهم . (١) ظهر الجهم بن صفوان بخراسان (وهو من موالى بنى راسب) يدعو لهذه الفكرة . وكان كاتباً لشريح بن الحارث. وخرج معه على نصر بن سيار وقتله مسلم بن أحوز المازنى فى آخر عهد بنى مروان. وبقى أتباعه بنها وند، حتى تغلب مذهبا أبى منصور الماترودى وأبى الحسن الأشعرى على كل المذاهب الاعتقادية بهذه البلاد. - ١٤٣ - ٥ - المعتزلة ١٣٠ - نشأتهم: نشأت هذه الفرقة فى العصر الأموى ، ولكنها شغلت الفكر الإسلامى فى العصر العباسى ردحاً طويلا من الزمان . كان العراق فى عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموى يسكنه عدة طوائف تنتهى إلى سلائل مختلفة ، فبعضهم ينتهى إلى سكان العراق الأقدمين من الكلدان وبعضهم من الفرس، وبعضهم نصارى، ويهود، وعرب, وقد دخل أكثر هؤلاء فى الإسلام ، وبعضهم قد فهمه على ضوء المعلومات القديمة فى رأسه ، واصطبغ فى نفوسهم بصبغتها ، وتكونت عقيدته على طريقتهم ، وبعضهم أخذ الإسلام من ورده الصافى ، ومنهله العذب ، وانساغ فى نفسه من غير تغيير ، ولكن شعوره وأهواءه لم تكن إسلامية خالصة، بل كان فيه ميل إلى القديم، وحنين إليه على غير إرادة، بل على النحو الذى يسميه علماء النفس فى العصر الحديث: ((العقل الباطن)) لذلك لما اشتدت الفتن فى عصر أمير المؤمنين على بن أبى طالب انبعثت فى العراق الأهواء القديمة من مراقدها ، واستيقظت من سباتها ، وهبت من مكامنها مكشوفة من غير ستار ، وظهر فى العراق وحوله الخوارج والشيعة، وفى وسط هذا المزيج من الآراء، وذلك المضطرب الفسيح من الأهواء ظهرت المعتزلة . ١٣١ - ويختلف العلماء فى وقت ظهورها . فبعضهم يرى أنها ابتدأت فى قوم من أصحاب على اعتزلوا السياسة ، وانصرفوا إلى العقيدة عندما تنزل الحسن عن الخلافة لمعاوية ، وفى ذلك يقول أبو الحسن الطرائفى فى كتابه أهل الأهواء والبدع: ((وهم سموا أنفسهم معتزلة ، وذلك عندما بايع الحسن بن على رضى الله عنه معاوية ، وسلم إليه الأمر ، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس ، وكانوا من أصحاب على، ولزموا منازلهم، ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة)). (١) والأكثرون على أن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء.، وقد كان من - ١٤٤ - يحضرون مجلس الحسن البصرى العلمى ، فثارت تلك المسألة التى شغلت الأذهان فى ذلك العصر، وهى مسألة مرتكب الكبيرة، فقال واصل مخالفاً الحسن البصرى: أنا أقول إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق ، بل هو فى منزلة بين المنزلتين ثم اعتزل مجلس الحسن ، واتخذ له مجلساً آخر فى المسجد . ومن هذا تعرف لماذا سمى هو وأصحابه بالمعتزلة ، ولكن بعض المستشرقين يرى أنهم سموا المعتزلة لأنهم كانوا رجالا أتقياء مقشفين ، ضاربى الصفح عن ملاذ الحياة ، وكلمة معتزلة تدل على أن المتصفين بها زاهدون فى الدنيا . وفى الحق إنه ليس كل المنتسبين إلى هذه الفرقة كما نعتهم ، بل منهم المتهمون بالمعاصى ، ومنهم المتقون ، فمنهم الأبرار ومنهم الفجار . ١٣٨ - مذهب المعتزلة: قال أبو الحسن الخياط فى كتابه الانتصار ,ليس يستحق أحد إسم الاعتزال، حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ فإذا كملت فى الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلى . هذه هى الأصول الجامعة لمذهب المعتزلة ، فكل من يتحيف طريقها ، ويسلك غير سبلها ليس منهم . لا يتحملون إئمة ، ولا تلقى عليهم تبعة قوله ، ولنتكلم فى كل أصل من هذه الأصول بكلمة موجزة . فأما التوحيد فهو لب مذهبهم ، وأس نحلتهم ، ويرون فيه كما قال الأشعرى عنهم فى كتابه مقالات الإسلاميين: ((إن الله واحد ليس كمثله شىء وهو السميع البصير، وليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة ولا لحم، ولا دم، ولا شخص ولا جوهر، ولا، عرض، ولا بذى لون، ولا طعم ، ولا رائحة، ولا مجسة ولا بذى حرارة، ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة ، ولا طول، ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ، ولا افتراق ، ولا يتحرك ، ولا يسكن ، ولا يتبعض لیس بذی أبعاض وأجزاء، ولا جوارح وأعضاء، وليس بذی جهات ، ولا بذى يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت ، ولا يحيط به مكان ، ولا يجرى عليه - ١٤٥ - زمان ، ولا تجوز عليه الماسة ولا العزلة ، ولا الحلول فى الأماكن، ولا يوصف بشىء من صفات الخلق الدالة على حدثهم، ولا يوصف بأنه متناه ، ولا يوصف بمساحة ، ولا ذهاب فى الجهات ، وليس بمحدود، ولا والدولا مولود، ولا تحيط به الأقدار ، ولا تحجبه الأستار ، ولا تدركه الحواس ، ولا يقاس بالناس ، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه، ولا تجرى عليه الآفات ، ولا تحل به العاهات ، وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له . ولم يزل أولا سابقاً، متقدماً للمحدثات ، موجوداً قبل المخلوقات : ولم يزل عالماً قادراً حياً ، ولا يزال كذلك ، لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع. شىء لا كالأشياء عالم قادر حى ، كالعلماء القادرين الأحياء ، وإنه القديم وحده ، ولا قديم غيره ، ولا إله سواه ، ولا شريك له فى ملكه؛ ولا وزير له فى سلطانه ، ولا معين له على إنشاء ما أنشأ ، وخلق ما خلق ، لم يخلق الخلق على مثال سبق ، وليس خلق شىء بأهون عليه من خلق شىء آخر ، ولا بأصعب عليه منه ، لا يجوز عليه اجترار المنافع؛ ولا تلحقه المضار ، ولا يناله السرور واللذات ، ولا يصل إليه الأذى والآلام، ليس بذى غاية فيتناهى ؛ ولا يجوز عليه الفناء ، ولا يلحقه العجز والنقص، تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصحابة والأبناء)، اهـ قوله. وقد بنوا على هذا الأصل استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة لاقتضاء ذلك الجسمية والجهة ، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات (١) وإلا تعدد القدماء فى نظر هم ، وبنوا على ذلك أيضاً أن القرآن مخلوق لله سبحانه ، لنفيهم عنه سبحانه صفة الكلام . (٢) وأما العدل، فقد بين معناه المسعودى فى مروج الذهب، فقال: ((هو أن الله لا يحب الفساد، ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أمروا به، ونهوا عنه بالقدرة التى جعلها الله لهم، وركبها فيهم ، وأنه لم يأمر إلا بما أراد ، ولم ينه إلا عما (١) وليس هذا محل إجماع كل منهم . (١٠ أبو حنيفة) -- ١٤٦ - كره وأنه ولى كل حسنة أمر بها (١)، برىء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم مالا يطيقون ، ولا أراد منهم مالا يقدرون عليه، وأن أحداً لا يقدر على قبض ولا بسط ، إلا بقدرة اللّه التى أعطاهم إياها، وهو المالك لها دونهم ، يفنيها إذا شاء ولو شاء لجبر الخلق على طاعته ، ومعهم اضطرارياً عن معصيته ، ولكان على ذلك قادراً، ولكنه لا يفعل إذا كان فى ذلك رفع للمحنة ، وإزالة للبلوى)) اهـ. وقد ردوا بهذا الأصل على الجهمية الذين قالوا إن العبد فى فعله غير مختار ، فعدوا ذلك ظلماً لأنه معى لأمر الشخص بأمر يضطره الآمر إلى مخالفته. ولا لنهيه عن أمر يضطره الناهى إلى فعله ، وقد بنوا على ذلك الأصل كما رأيت أن العبد خالق لأفعاله ، ولكنهم لاحظوا فى تقريره تنزيه الله عن العجز ، فقالوا إن هذا بقدرة أودعه الله إياها وخلقها، فهو المعطى المانح، وله القدرة التامة على سلب ما منح، وإنما أعطى ما أعطى ليتم التكليف . (٣) وأما الوعد والوعيد فهو أن يجازى من أحسن بالإحسان ، ومن أساء بالسوء، لا يغفر لمرتكب الكبائر ما لم يتب . (٤) وأما القول بالمنزلة بين المنزلتين فقد بين وجهة نظرهم فيه الشهر ستانى بقوله، ووجه تقريره أنه قال ( أى واصل بن عطاء) إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمى المرء مؤمناً ، وهو إسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ، ولا استحق إسم المدح ، فلا يسمى مؤمناً ، وليس هو بكافر مطلق أيضاً ، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، ولكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالداً فيها ، إذ ليس فى الآخرة إلا الفريقان : فريق فى الجنة، وفريق في السعير ، ولكنه تخفف عنه النار، وتكون دركته فوق دركة الكفار)، (٢) ١ هـ. (١) احتجوا على ذلك بظاهر قوله تعالى: ((ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك )) . (٢) والمعتزلة مع اعتقادهم أنه فى منزلة بين المنز لتين يرون أنه لامانع من أن يطلق عليه= - ١٤٧ - (٥) وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فقد قرروا وجوبهما على المؤمنين نشراً للدعوة للإسلام ، وهداية للضالين ، وإرشاداً للغاوين ، وكل بما يستطيع غذو البيان ببيانه ، وذو السيف بسيفه . ١٣٩ - طريقتهم فى الاستدلال على عقائدهم: كانوا يعتمدون فى بيان عقائدهم على القضايا العقلية ، دون الآثار النقلية، وكانت ثقتهم بالعقل لا يحدها إلا احترامهم لأوامر الشرع ، كل مسألة من مسائلهم يعرضونها على العقل ، فما قبله أقروه ، وما لم يقبله رفضوه . وقد سرى إليهم ذلك النحو من البحث العقلى : (١) من مقامهم فى العراق وفارس ، وقد كانت تتجاوب فيهما أصداء المدنيات وحضارات قديمة . (ب) ومن سلائلهم غير العربية فقد كان أكثرهم من الموالى . (جـ) ولتصديهم للرد على المخالفين . (ء) ولسريان كثير من آراء الفلاسفة الأقدمين إليهم، ولاختلاطهم بكثير من اليهود والنصارى وغيرهم: من كانوا حملة هذه الأفكار ونقلتها إلى العربية . وكان من آثار اعتمادهم على العقل أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلا ، وكانوا يقولون: ((المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح(١)، وقال الجبائى , كل معصية كان يجوز أن يأمر الله سبحانه بها فهى قبيحة للنهى، = إسم المسلم تميزاً له عن الذميين لا مدحاً وتكريماً. قال ابن أبي الحديد وهو من شيوخهم: ((إنا وإن كنا نذهب إلى أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً ولا مسلماً. فإنا نجيز أن يطلق عليه هذا اللفظ إذا قصد تميزه عن أهل الذمة وعابدى الأصنام ، فيطلق مع قرينة لفظ أو حال يخرجه عن أن يكون مقصوداً به التعظيم والثناء والمدح، شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد : (١) الملل والنحل الشهر ستانى. - ١٤٨ - وكل معصية كان لا يجوز أن يبيحها الله سبحانه فهى قبيحة لنفسها كالجهل به ، والاعتقاد بخلافه، وكذلك كل ما جاز ألا يأمر الله سبحانه به فهو حسن للأمر به، وكل ما لم يجز إلا أن يأمر به فهو حسن لنفسه: ))(١) . وقد بنوا على هذه الفكرة وجوب الصلاح والأصلح لله ، فقد قال جمهورهم: إن الله لا يصدر عنه إلا ما فيه صلاح، فالصلاح واجب له ، ولا شىء مما يفعله جلت قدرته ، إلا وهو صالح ، ويستحيل عليه سبحانه أن يفعل غير الصالح . ١٤٠ - دفاعهم عن الاسلام: دخل فى الإسلام طوائف من المجوس ، والصابئة ، واليهود ، والنصارى ؛ وغير هؤلاء وأولئك ، ورءوسهم ممتلئة بكل ما فى هذه الأديان من تعاليم ، جرت فى نفوسهم مجرى الدم فى الجسم ، وتغلغلت فيها ، واستقرت فى ثناياها ، ففهموا الإسلام على ضوئها ، ومنهم من كان يظهر الإيمان خشية السلطان، ويبطن غيره، فأخذ ينشر بين المسلمين ما يفسد عليهم دينهم، ويشككهم فى عقائدهم، ويدسون بينهم أفكاراً وآراء ما أنزل الله بها من سلطان، وقد ظهرت ثمار غرسهم، واستغلظت سوق نبتهم ، فوجدت فرق هادمة تحمل إسم الإسلام، وهى معاول هدمه، فكانت المجسمة ، والمشبهة ، والزنادقة ؛ وغيرهم وقد تصدى للدفاع دون هؤلاء فرقة درست المعقول وفهمت المنقول ، فكانت المعتزلة ، تجردوا للدفاع عن الدين ، وما كانت الأصول الخمسة التى تضافروا على تأييدها ؛ وتآزروا على نصرها إلا وليدة المناقشات الحادة التى كانت تقوم بينهم وبين مخالفيهم ؛ والتوحيد الذى اعتقدوه على الشكل الذى أسلفنا كان للرد على المشبهة والمجسمة ؛ والعدل كان للرد على الجهمية ، والوعد والوعيد كان الرد على المرجئة ؛ والمنزلة بين المنزلتين ردوا بها على الخوارج الذين كفروا مرتكب الذنب صغيراً أو كبيراً . وفى عهد المهدى ظهر المقنع الخرسانى ، وكان يحكم بتناسخ الأرواح ، واستغوى طائفة من الناس وسار إلى ما وراء النهر ، فلاقى المهدى عناء فى التغلب. (١) مقالات الإسلاميين الأشعرى. - ١٤٩ - عليه ، ولذلك أغرى بالزنادقة ، فكان يتبعهم ليقضى عليهم بسيف السلطان، ولكن السيف لا يقضى على رأى، ولا يميت مذهباً، ولذلك شجع المعتزلة وغيرهم فى الرد عليهم، وأخذهم بالحجة ، وكشف شبهاتهم ، وفضح ضلالاتهم ، فمضوا فى ذلك غير وانين. ١٤١- مناصرة الخلفاء للممزي: ظهر المعتزلة فى العصر الأموى ، فلم يجدوا من الأمويين معارضة لهم ، لأنهم لم يثيروا شغباً ، ولم يعلنوا حرباً ، بل كانوا طائفة لا عمل لها إلا الفكر ، وقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، ووزن الأمور بمقاييسها الصحيحة، لا يتعرضون للسياسة إلى بقدر محدود ، وحجتهم فيما يرون بیان لاسنان ، وسلاحهم دلیل قوى ، لا سيف مشهور . ويحكى المسعودى فى مروج الذهب (( أن يزيد ابن الوليد كان يرى رأى المعتزلة ويعتقد بصحة أصوله الخمسة » . ولما جاءت الدولة العباسية ، وكان سيل الإلحاد والزندقة قد طم وجد خلفاؤها فى المعتزلة سيفاً مسلولا على الزنادقة فلم يفلوه، وحرباً شعواء منهم على الإلحاد فلم يخمدوها ، حتى جاء المأمون فشايعهم ، وقربهم ، ورأى ما بينهم وبين الفقهاء من خلاف ، فكان يعقد المناظرات بين الفريقين ، لينتهوا إلى رأى واحد، ولكنه سقط سقطة ما كان لمثله أن يقع فيها ، وهو أنه أراد أو من حوله أن يحتمل الفقهاء والمحدثين على رأى المعتزلة فى القرآن بقوة السلطان ، وما كانت قوة الحكم لنصرة الآراء ، وحمل الناس على غير ما يعتقدون وإذا كان من المحرم الإكراه فى الدين ، فكيف يحل حمل الناس على عقيدة ليس فى مخالفتها كفر ، فقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بخلق القرآن ، فأجابه بعضهم إلى رغيبته تقية ورهبا ، لا إيماناً واعتقاداً ، وتحمل آخرون العنت والإرهاق والسجن الطويل، ولم يقولوا غير ما يعتقدون ، واستمرت تلك الفتنة طول خلافة المعتصم والواثق ، لوصية المأمون بذلك ، وزاد الواثق الإكراه على نفى الرؤية ، وهو الرأى الذى يراه المعتزلة ولما جاء المتوكل رفع هذه المحنة، وترك الأمور تأخذ سيرها، والآراء تجرى فى مجاريها ، وللناس فيها ما يختارون . - ١٥٠ - ١٤٢ - منزلة المعتزلة عند معاصر باسم: شن الفقهاء والمحدثون الغارة على المعتزلة ، فكان هؤلاء بين عدوين كلاهما أيد قوى: الزنادقة ومن على شاكاتهم من ناحية ، والفقهاء والمحدثون من ناحية أخرى، وإنك لترى فى مجادلات الفقهاء ومحاوراتهم تشفيعاً على المعتزلة، كلما لاحت لهم بارقة ، وإذا سمعت أبا يوسف ومحمد والشافعى وابن حنبل وغيرهم يذمون علم الكلام ، ومن يأخذ العلم على طريقة المتكلمين ، فإنما المعتزلة أرادوا بذمهم ، وطريقتهم أرادوا بتزييفهم ، ولكن ما السر فى كراهية الفقهاء لهم، وكلا الفريقين يسعى لنصرة الدين لا يألو جهداً فى تأييده ، ولا يدخر وسعاً فى إقامته ؟ يظهر لى أن عدة أمور تضافرت فأوجدت ذلك العداء، وتعاونت فسبيت تلك البغضاء، وهذا بعض منها : (١) خالف المعتزلة طريقة السلف الصالح فى فهم عقائد الدين الحنيف ، كان القرآن هو الورد المورود الذى يلجأ إليه كل من يتعرف صفات الله ، وما يجب الإيمان به من العقائد ، لايصدرون عن غيره ، ولا يطمئنون لسواه ، كانوا يفهمون العقائد من آيات القرآن ، وهى بينات ، وما اشتبه عليهم حاولوا فهمه بما توجبه أساليب اللغة ، وهم بها خبراء ، وإن تعذر عليهم فهم شىء توقفوا وفوضوا غير مبتغين فتنة ، ولا راغبين فى زيغ ، ولا سالكين غير سبيل الحق القويم . وقد كان ذلك ملائماً للعرب كافياً لهم ، لأنهم قوم أميون ليسوا أهل علوم ولا منطق ولا فلسفة ، ولقد خالف المعتزلة ذلك النهج ، وحكموا العقل فى كل شىء، وجعلوه أساس بحثهم ، وساقهم شره عقولهم إلى محاولة ا كستناه كل أمر ؛ فكان كل ذلك صدمة للفقهاء لم يألفوها ، جردوا عليهم ألسنتهم، وأشاعوا عنهم قالة السوء، وما كان أكثر المعتزلة فى الحقيقة إلا كما قال أحد العلماء الأوروبيين: ((( إنا لم نسمع من المعتزلة صوت المخالفة الدين، ولكن سمعنا صوت الضمير المتدين الذى يناضل كل ما لا يليق باللّه تعالى وعلاقته بعبده)). (٢) قام المعتزلة بمجادلة الزنادقة والثنويه وغيرهم ، وكل مجادلة نوع من النزال والمحاربة ، والمحارب مأخوذ بطرق محاربه فى القتال ، مقيد بأسلحته ، - ١٥١ - متعرف لخططه ، دارس لمراميه، متقص لغاياته ، وكل ذلك من شأنه أن يجعل الخصم متأثراً بخصمه ، آخذاً عنه بعض مناهجه ، فالمعتزلة قد تأثروا إلى حد ما بآراء مخالفيهم وأفكارهم، وما أحسن قول نيبرج فى ذلك « من نازل عدواً عظما فى معركة فهو مربوط به ، مقيد بشرط القتال ، وتقلب أحواله ، ويلزمه أن يلاحق عدوه فی حر کاته ، وسكناته،وقيامه ، وقعوده ،وربما تؤثر فيه روح العدو وحيله كذلك فى معركة الأفكار ، وفى الجملة فللعدو تأثير فى تكوين الأفكار ليس بأقل من تأثير الحليف فيه ، حتى إن بعض الحنابلة قد شكا أن أصحابه انقطعوا إلى الرد على الملحدين انقطاعاً أداه إلى إلحاد ، فلا غرو بعد ذلك إذا رأيت شذوذاً فى آراء بعض المعتزلة لتأثرهم بهذه المجادلة، (١). (٣) كانت طريقة المعتزلة فى معرفة العقائد عقلية خالصة ، لا يعتمدون على . نص ، اللهم إلا إذا كان موضوع الكلام حكماً شرعياً ، أو له صلة بحكم شرعى ، نجل اعتمادهم على العقل كما أسلفنا، وللعقل نزوات ، لذلك وقع بعضهم فى بعض من الهنات دفعتها إليهم نزعتهم العقلية الخالصة. كقول أبى الهذيل من أئمتهم: إن أهل الجمة غير مختارين، لأنهم لو كانوا مختارين لكانوا مكلفين، والآخرة دار جزاء لا دار تكليف، وفى ذلك شطط عقلى، لأن الاختيار لا يستلزم التكليف، وذكر الخياط أنه رجع عن هذا القول . مثل هذا النوع من الشذوذ الفكرى كان يقع من بعضهم ، فيسير بين الناس عنهم، ومعه قالة السوء عامة، من غير أن تخص المسىء ((واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة » . (٤) خاصم المعتزلة كثيرين من رجال كانت لهم منزلة كبيرة فى الأمة ، ولم ينزهوا كلامهم فى خصومتهم ، وانظر إلى قول الجاحظ عن رجال الحديث والفقه: ((وأصحاب الحديث والعوام هم الذين يقلدون ولا يحصلون، ولا يتخيرون، والتقليد مرغوب عنه فى حجة العقل، منهى عنه فى القرآن .. )، إلى أن قال: ((وأما قولهم (١) مقدمة طبع الانتصار فى الرد على ابن الراوندى . + ١٥٢ - فالنساك والعباد منا ، فعباد الخوارج وحدهم أكثر عدداً من عبادهم ، على قلة عدد الخوارج فى جنب عددهم ، على أنهم أصحاب نية، وأطيب طعمة ، وأبعد من التكسب، وأصدق ورعا، وأقل زياً، وأدوم طريقة، وأبذل للمهجة، وأقل جمعاً ومنعاً، وأظهر زهداً وجهداً)، (١) فكان الطعن فى مذاهب هؤلاء بمثل هذا القول سبباً فى نفور الأمة من المعتزلة . (٥) كان من خلفاء بنى العباس من شايع المعتزلة ، وناصرهم ، واعتنق مذاهبهم ، وتعصب لها ، فأراد أن يحمل الناس على اعتناقها ، فآذى الفقهاء والمحدثين وابتلاهم ، وأنزل بهم المحنة ، فصبروا وصابروا ، واستدرت محنتهم عطف الناس عليهم ، وسخطهم على من كان سبب البلية ، ومن استحل هذه القضية ، فرجعت تلك الآلام وبالا على المعتزلة فى سمعتهم ، لأنهم أصل البلاء ، وخلطاء الخلفاء والأمراء ، صدروا عن رأيهم ونفذوا بتدبيرهم . وكان منهم من دافع عن هذا الإرهاق ، وذلك الاضطهاد ، انظر إلى قول الجاحظ فى تبرير عمل الخلفاء فى امتحانهم الفقهاء والمحدثين: ((وبعد فنحن لم تكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة ، وليس كشف المتهم من التجسس ، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار، ولو كان كل كشف هتكا ، وكل امتحان تجسساً لكان القاضى أهتك الناس لستر، وأشد الناس تتبعاً لعورة)) (٢). أن انهزام الآراء التى تناصرها القوة المادية أمر محتوم ؛ لأن القوة المادية رعناء هوجاء من شأنها الشطط . والخروج على الجادة ، وكل رأى يعتمد على هذه القوة فى تأييده تنعكس عليه الأمور، لأن الناس يتظنون فى قوة دلائله ، إذ لو كان قوياً بالبرهان ، ما احتاج فى النصرة إلى السلطان . (٦) كان كثيرون من ذوى الألحاد يحدون فى المعتزلة عشاً يفرخون فيه بمفاسدهم وآرائهم ، ويلقون فيه دسهم على الإسلام والمسلمين ، حتى إذا تبدت (١) الفصول المختارة من كتب الجاحظ الإمام عبيد الله بن حسان. (٢) الفصول المختارة أيضاً . - ١٥٣ - أغراضهم أقصاهم المعتزلة عنهم . فابن الراوندى كان يعد منهم ، وأبو عيسى الوراق وأحمد بن حائط وفضل الحدثى ، كانوا ينتمون إليهم ، وكل هؤلاء اتهموا بأنهم أحدثوا الأحداث فى الإسلام ، وأتوا بالمنكرات، وكان منهم من استأجره اليهود لإفساد عقيدة المسلمين، وانتماؤهم للمعتزلة أول أمرهم، وإن فصلوا عنهم عند ظهور شنائعهم يجعل رشاشاً ما لطخوا به ينال سمعة المعتزلة ، وإن أقسموا جهد إيمانهم أنهم منهم براء، فإن الاتهام أسبق إلى الأذهان من البراءة . ١٤٣ - أنهام الفقهاء والمحدثين لهم : اشتدت حملة أولئك على المعتزلة ، فاتهموهم فى كل شىء، حتى أن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى أفتى بأن من صلى خلف المعتزلى يعيد صلاته، والإمام أبا يوسف عدهم من الزنادقة، والإمام مالك لم يقبل الشهادة من أحد منهم ، وسرت مقالة السوء إلى من ينتمى إليهم، حتى أتهموهم بالفسق وانتهاك المحرمات ، وفى الحق إن كل خصومة تؤدى إلى الملاحاة لا بد أن تؤدى إلى المهاترة، ورمى الخصم خصمه بالحق وبالباطل ، فكثير من التهم التى وجهت إلى المعتزلة لم تصدر عن إنصاف ، بل كان التحيز رائد المتهمين ، والتعصب باعثهم ، وكل تعصب يسد مسامع الإدراك فى ناحية من النواحى . فالمعتزلة فيهم خير كثير ، ولو انتمى إليهم بعض المتهمين فى دينهم المؤخوذين بأئمهم ، إذ أن لهم سابقة الفضل بالدفاع عن الإسلام، فقد تفرق أتباع واصل فى الأقطار الإسلامية رادين على أهل الأهواء. وكان عمروبن عبيد حربا على الزنادقة مشبوبة ، لا يخمد أوارها ، وكان صديقاً لبشار بن برد. فلما علم منه الزندقة سعى فى نفيه من بغداد فتفى منها ، ولم يعد إلا بعد موت عمرو . وكان منهم العباد الزهاد . فهذا عمرو بن عبيد (١). يقول فيه الجاحظ (متعصباً) (١) كان المنصور يبالغ فى تعظيم عمرو بن عبيد ورثاء بقوله : قبراً مررت به على مران صلى الاله عليك من متوسل عبد الاله ودان بالقرآن قبراً تضمن مؤمناً متختعاً فصل الحديث بحجة وبيان وإذا الرجال تنازعوا فى شبهة أبقى لنا عمراً أبا عثمان ولو أن الدهر أبقى صالحاً - ١٥٤ - (( إن عبادته تفى بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين)). وقال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد وزيره لم لم تول أصحابى (المعتزلة ) القضاء كما تولى غيرهم ، فقال يا أمير المؤمنين إن أصحابك يمتنعون عن ذلك ، وهذا جعفر بن مبشر وجهت إليه بعشرة آلاف درهم ، فأبى أن يقبلها ، فذهبت إليه بنفى ، واستأذنت ، فأبى أن يأذن لى ، فدخلت من غير إذن ، فسل سيفه فى وجهى ، وقال الآن حل لى قتلك ، فانصرفت عنه ، فكيف أولى القضاء مثله . ومن الغريب أن جعفراً هذا حمل إليه بعض أصحابه درهمين فقبلهما ، فقيل له كيف ترد عشرة آلاف درهم . وتقبل درهمين؟ فقال أرباب العشرة أحق بها منى ، وأنا أحق بهذين الدرهمين ، لحاجتى إليهما ، وقد ساقهما الله إلى من غير مسألة ، وأغنانى بهما عن الشبهة والحرام . فهذه نفس قوية تسد كل باب للشبهات ، اشتبه فى مال السلطان لظنه أنه جميع من غير الطرق المحللة ، فرفض العطاء ، وقبل الدرهمين حلالا طيباً . ومن هذا السياق ترى أن المعتزلة كان منهم الزهاد ومنهم المقتصدون ، وقليل منهم ساء ما يفعلون . مناظرات المعتزلة وعلم الكلام ١٤٤ - تكون علم الكلام من مجموع مناظرات المعتزلة مع خصومهم، سواء أ كانوا من الرافضة والمجوس والتنوية ، وسائر أهل الأهواء ، أم من رجال الفقه والحديث وغيرهم ، فهم مركز الدائرة، وقطب الرحى ، شغلوا الأمة الإسلامية بمجادلاتهم ومناظراتهم نحو ثلاثة قرون ازدحمت فيها بهم مجالس الأمراء، والوزراء والعلماء، وتضاربت فيها الآراء، وتناحرت المذاهب، وتجاوبت فيها أصداء الفكر الإسلامى، وقد زين بزينة فارسية أو يونانية. أو هندية ، وقد امتازوا فى جدلهم بميزات، واختصوا بخصائص جعلت لهم لوناً خاصاً ونحلة خاصة، لا تختلف فى جملتها عما دعا إليها الدين ، وإن تباينت طرق استنباطها ، وتخالفت مقدماتهم الاستنباطية - ١٥٥ - عن مقدمات غيرهم من جماهير الأمة الإسلامية، وأوضح ميزاتهم فى الجدل ما يأتى: (١) مجانبتهم التقليد، ومجافاتهم الأتباع لغيرهم ، من غير بحث وتنقيب ووزن للأدلة، ومقايسة للأمور ، الاحترام عندهم للآراء لا للأسماء وللحقيقة لا للقائل ، لذلك لم يكن يقلد بعضهم بعضاً، وقاعدتهم التى يسيرون عليهم هى «كل مكاف مطالب بما يؤديه إليه اجتهاده فى أصول الدين، ولعل ذلك هو السبب فى افتراقهم إلى فرق كثيرة . منهم الواصلية (١) والهذيلية (٢) والنظامية (٣) والحائطية (٤) والبشرية (٥) والمعمرية(٦) والمزدارية (٧) والثمامية (٨) والهاشمية(٩ والجاحظية(١٠) والخياطية ١١٠) والجبائية (١٢). (٢) اعتمادهم على العقل فى إثبات العقائد، وقد اتخذوا من القرآن مدداً حتى لا يذهب بهم الشطط إلى الخروج عن جادته ، ولم تكن معرفتهم بالحديث كبيرة لأنهم ما كانوا يأخذون به فى العقائد ، ولا يحتجون به . (٣) أخذهم من مناهل العلوم التى ترجمت فى عصرهم ، فقد ضربوا بسهم فى تلك العلوم ، ونالوا منها ما يساعدهم فى اللحن بالحجة ومقارعة الخصوم؛ ومصارعة الأقوام فى ميدان الكلام ، وقد انضم إليهم كل مسلم مثقف بالثقافة الأجنبية التى غذت العقل العربى فى ذلك العصر ، فقد رأى ما يلائمه فى آراء المعتزلة التى كانت جامعة بين الروح الدينية التى تظلها ، وفكرة التنزيه التى تسيطر عليها، والأفكار الفلسفية التى ترضى النهمة العقلية ، لذلك كان بين رجالها كثيرون من الكتاب الممتازين ، ومن العلماء المبرزين ، والفلاسفة الفاهمين - جمع عظيم . (٤) اللسن والفصاحة والبيان ، فقد كان بين رجالها خطباء مصاقع ، ومجادلون قد مرسوا بالجدل ، فعرفوا أفانينه ، وخبروا طرقه ، ودرسوا كيف يصرعون (١) أصحاب واصل بن عطاء (٢) أصحاب أبى الهذيل العلاف (٣) أصحاب النظام (٤) أصحاب أحمد بن حائط (٥) أصحاب بشر بن المعتمر (٦) أصحاب معمر بن عياد السلمى (٧) أصحاب هشام المكنى بأبى موسى الملقب بالمزدار (٨) أصحاب ثمامة بن اشرس النمرى (٩) أصحاب هشام ابن عمر والفوطى (١٠) أصحاب الجاحظ (١١) أصحاب أبي الحسين الخياط (١٢) أصحاب الجبائى - ١٥٦ - الخصوم ويلوون عليهم المقاصد ، وهذا واصل بن عطاء كبيرهم خطيب عظيم بخواطر النفوس حاضر البديهة ، قوى الارتجال ، وهذا النظام من شيوخهم كان ذكياً بليغاً فصيح اللسان أديباً شاعراً ، وهذا أبو عثمان عمرو الجاحظ الذى يقول فيه أحد الصابئة ثابت بن قرة (أبو عثمان الجاحظ خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومدرة المتقدمين والمتأخرين ، إن تكلم حكى سحبان البلاغة . وإن ناظر ضارع النظام فى الجدل ، شيخ الأدب، ولسان العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة ، ما نازعه منازع إلارشاه آنفا، ولا تعرض له متعرض، إلا قدم له التواضع استبقاء». ١٤٥ - خصوص المعتزلة: جادل المعتزلة : (١) الروافض والثنوية والجهمية وسائر أهل البدع . (٢) والفقهاء والمحدثين، وسنتكلم الآن على جدلهم مع الكفار والزنادقة . والجهمية ومن إليهم ، ثم الفقهاء والمحدثين . ١٤٦ - مجادلتهم الكفار وأهل الأهواء : فى آخر العصر الأموى وصدر الدولة العباسية كثر الزنادقة وغيرهم من أهل الأهواء، وكانوا تارة يكشفون القناع وأحياناً ينفون تعاليمهم مستترين بلباس الإسلام متسر بلين بسرباله ، ليدسوا السم من غير أن يشعر بهم أحد ، فلا يحترس منهم المندينون ، فكانوا أشد عداوة على الإسلام من غيرهم، وأعظم نكاية له، وأهدى إليهم مقاتلة لاغترار بعض الناس بهم فتصدى لهم المعتزلة ، وصارعوهم فى كل ميدان ظنوا أنهم يحاربون الإسلام فيه، فلقد فرق واصل أصحابه فى الأمصار لمحاربة الزنادقة فيها ، ودافع بنفسه ، ومن مؤلفاته كتاب ( ألف مسألة ) للرد على المانوية ، وكذلك فعل خلفاؤه من بعده ، وكان جدلهم بقوة ونهوض دليل ، وفصاحة ، وبيان ، وقدرة على الإقناع اكتسبوها من علومهم وممارستهم الجدال ، حتى إن كثيرين من خصومهم ، كانوا يغمدون السلاح، ويلقون إليهم السلم عند لقائهم، وكثير منهم كان يسلم بعد نقاشهم، وهذا أبو الهذيل العلاف أسلم على يديه أكثر من ثلاثة آلاف رجل من المجوس .والتنوية، لحذقه وبراعته فى المناظرة، وقوة ما يدعو إليه، وضعف ما يلوون ألسنتهم به. - ١٥٧ - ولكى نعطيك صورة مما كان يجادل به المعتزلة ومقدار قوة استدلالهم تنقل لك بعضاً مما روى من هذه المناقشات . جاء فى الانتصار: ((أن المانوية تزعم أن الصدق والكذب متضادان، وأن الصدق خير وهو من النور . والكذب شر، وهو من الظلمة . قال لهم (إبراهيم النظام ) حدثونا عن إنسان قال قولا كذب فيه، من الكاذب ؟ قالوا الظلمة ، قال فإن ندم بعد ذلك على ما فعل من الكذب ، وقال قد كذبت وأسأت . من القائل قد كذبت ، فاختلطوا عند ذلك ولم يدروا ما يقولون فقال (إبراهيم النظام ): إن زعمتم أن النور هو القائل قد كذبت وأسأت ، فقد كذب، لأنه لم يكن الكذب منه، ولا قاله ، والكذب شر، فقد كان من النور شر، وهذا هدم قولكم، وإن قلتم إن الظلمة قالت: ((قد كذبت وأسأت ، فقد صدقت، والصدق خير . فقد كان من الظلمة صدق وكذب ، وهما عندكم مختلفان خيراً وشراً على حكمكم، . أنظر إلى ذلك التتبع ، وأخذ الطرق على المناقش. حتى يفحمه ، وكذلك كانت مناقشة المعتزلة للروافض وغيرهم من على شاكلتهم . ومع هذا يجب أن نقرر أنه مع هذه المناقشة الحادة التى كانت تقوم بينهم وبين المعتزلة ، كان هؤلاء يحسنون فى معاملتهم ، وتلك أخلاق العلماء تتسع صدورهم لمودة مخالفيهم فى الدين حتى يهديهم الله سواء السبيل . ١٤٧- مجالتزيم مع الفقهاء والمحدثين: من المقرر فى كتب علم النفس أن المختلفين إن تقاربا فى العقيدة كان الجدال أشد، والملاحاة أحد(١)، وذلك ما كان فإن موضع الخلاف بين المعتزلة والفقهاء هين متدارك ، لا يكفر به مخالف ، ولا يخرج به عن نهج الدين مجادل ، ولكن الجدال بينهما كان عنيفاً، والمهاترة قد راجت سوقها : ولعل السبب فوق ما سبق أن الاختلاف كان اختلاف عقلية ومنطق ، وطرائق تفكير فى هذا الدين القويم ، فالفقهاء والمحدثون يتعرفون دينهم من القرآن والسنة ، وعملهم العقلى فهم نصوص الكتاب الكريم ، وتعرف (١) ذكر هذه القضية وأثبتها جوستاف لوبون. فى كتابه (الآراء والمعتقدات).