النص المفهرس

صفحات 101-120

- ٩٨ -
وعرفوا الصادق من غير الصادق ، وجعلوهم فى الصدق مراتب ، ثم درسوا
الأحاديث ووزنوها بالمعروف من هذا الدين بالضرورة ، والأحاديث المشهورة
المستفيضة التى لا يشك فى صدقها، والقرآن الكريم، فإن وجدوها متنافرة معها
ردوها، ثم اتجه الأعلام من الأئمة إلى تدوين الصحيح من الأحاديث ، فدون مالك
موطأه، وجمع سفيان بن عيينة كتاب الجوامع فى السنن والآداب ، وألف سفيان
الثورى الجامع الكبير فى الفقه والأحاديث ، وهكذا .
(ثانيهما) أن الفقهاء أهل الرأى أكثروا من الإفتاء بالرأى خشية أن يقعوا
فی الكذب على رسول الله تع .
٨٦ - ولقد كان العراق فيه الرأى كالعصر السابق ، لأن الفقهاء الذين
تخرجوا فيه إنما تخرجوا على التابعين وتابعى التابعى الذين اشتهروا بالرأى وأكثروا
من الأفتاء به . قال الدهلوى فى كتابه حجة الله البالغة بعد أن ذكر أهل الحديث:
كان بإزاء هؤلاء فى عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل
ولا يهابون الفتيا ، ويقولون على الفقه بناء الدين فلابد من إشاعته ، ويهابون
رواية أحاديث رسول اللّه ◌ُ بِّ والرفع إليه ، حتى قال الشعبي: علىّ من دون
النبى أحب إلينا، وقال إبراهيم أقول قال : عبد اللّه وقال علقمة أحب إلينا ..
ولم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على
الأصول التى اختارها أهل الحديث ، فلم تنشرح صدورهم للنظر فى أقوال علماء
البلدان وجمعها والبحث عنها ، وانهموا أنفسهم فى ذلك ، وكانوا اعتقدوا فى أئمتهم
أنهم فى الدرجة العليا من التحقيق ، وكانت قلوبهم أميل شىء إلى أصحابهم ، كما قال
علقمة : هل أحد منهم أثبت من عبد الله (بن مسعود)، وقال أبو حنيفة : إبراهيم
أفقه من سالم ، ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر ، وكان عندهم
من الفطانة والحدث وسرعة انتقال الذهن من شىء إلى شىء ما يقدرون به على
تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم . وكل ميسر لما خلق له ، و کل حزب بما
لديهم فرحون، فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج ، اه ملخصاً . ونرى من هذا أنه

- ٩٩ -
يجعل السبب فى كون أهل العراق كان فيهم الأخذ بالرأى هو اعتقادهم وجوب
الفتيا وعدم هيبتهم المسائل والإجابة عنها، والتفربع فيها، واعتقادهم أن الفقه هو
بناء الدين وهيبتهم التحديث عن رسول اللّه ◌َ ليتم وعدم أخذهم بأقوال أهل
البلدان الأخرى ، وتعصبهم لمشايخهم، وتخريج المسائل على أقوالهم .
٨٧ - ومهما تكن الأسباب التى جعلت العراقيين يكثرون من الرأى
والحجازيين والشاميين يكثرون من التحديث ، فيجب أن نشير هنا إلى ما نوهنا
عنه سابقاً، وهو أن أهل الرأى والحديث يتفقون فى أن الأخذ يجب أن يكون
بالكتاب والسنة الصحيحة ، ثم يفترقون بعد ذلك فى أن أهل الحديث يتهبون
الرأى ولا يتهيبون الرواية عن الرسول ، ولا يأخذون بالرأى إلا مضطرين إذا
لم يعرفوا حديثاً ، وأما أهل الرأى فيتهيبوا التحديث ، ولا يتهيبون الأفتاء
متحملين تبعاته ؛ ويرجعون عنه إن صح عندهم بعد الافتاء حديث ، وقد تضافرت
بذلك الأخبار .
وقد ترتب على ذلك أن أهل الرأى يرفضون الأخذ بالأحاديث الضعيفة ،
أما أهل الحديث فقد قبلوا الأخذ بها إذا لم يقم دليل على وضعها ، وكان الإمام
مالك ، وهو إمام أهل الحديث فى ذلك العصر مع أخذه بالرأى كثيراً ، يأخذ
بالمنقطع ، والمرسل ، والموقوف ، وعمل أهل المدينة . ولا يتجه الى الرأى
فى نظر ابن القيم إلا إذا تعذر عليه وجود شىء من ذلك (١) . فقد جاء فى كتاب
(١) يجب أن نقررهنا أن فقهاء الأثرقد كانوا يتمسكون بالأثر مع مجانبتهم للرأى ومجافاتهم
له إلا قليلا ، ولا نعد منهم مالكا كما يقرر الشاطى وغيره ، إذ كان يرد بعض الأحاديث
لمعارضتها للقرآن أو لحديث آخر، أو لأصل كلى علم من تتبع أحكام الشريعة. ولقد عقد
لذلك الشاطبى فى الموافقات فصلا قيما ، ذكر فيه أن عائشة وابن عباس وعمربن الخطاب
ردوا أحاديث لمخالفتها لبعض الأصول الإسلامية كقاعدة رفع الحرج، وكانت تلك المخالفة
سبباً فى تكذيبها فى النسبة إلى الرسول عندهم ، وذكر أن مالكا اعتمد ذلك الأصل، وهو رد
الحديث إذا خالف القرآن أو القطعى، أو الأصل العام ، ثم قال: ((ألا ترى إلى قوله =

- ١٠٠ -
إعلام الموقعين لابن القيم : وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع
= (أى قول مالك) فى حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً: «جاء الحديث ولايدرى
ما حقيقته))، وكان يضعه ويقول: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه. وإلى هذا المعنى أيضاً
يرجع قوله فى حديث خيار المجلس حيث قال بعد ذكره : وليس لهذا عندناحد معروف ،
ولا أمر معمول به فيه ، إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة ، ولو شرط أحد الخيار مدة
مجهولة لبطل إجماعا، فكيف يثبت بالشرع، حكم لا يجوزشرطاً بالشرع، فقد رجع إلى أصل
إجماعى، وأيضاً فإن قاعدة الغرر والجهالة قطعية وهى تعارض هذا الحديث الظنى ...
ومن ذلك أن ما لكا أهمل اعتبار حديث : ومن مات وعليه صوم صام عنه ولده، وقوله عليه
السلام (( أرأيت لو كان على أبيك دين الحديث)) لمنافاته للأصل القرآنى الكلى المقرر
نحو قوله تعالى: ((ولا تزروازرة وزر أخرى))، ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)) ...
وأنكر مالك حديث إكفأه القدور التى طبخت من الإبل والغنم قبل القسم ( أى قسمة.
الغنائم فى الحرب) تعويلا على أصل رفع الحرج الذى يعبر عنه بالمصالح المرسلة ، فأجازأ كل
الطعام قبل القسم لمن احتاج إليه ، قال ابن العربى ، ونهى عن صيام ست من شوال مع
ثبوت الحديث فيه تعويلا على أصل سد الذرائع، ولم يعتبر فى الرضاع خمساً ولا عشراً،
للأصل القرآنى فى قوله تعالى: ((وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم ، وفى مذهبه من هذا كثير ،
فما لك كما ترى ، يرد الأحاديث لمخالفتها الأصول العامة ، ولقد قال فى تعليل ذلك الشاطبى:
(( لأن الأصول قطيعة وخبر الواحد ظنى)).
وقد نقل الشاطى فى هذا المقام اختلاف الأئمة فى أخذها بخبر الواحد عند معارضته
الأصول ، كلاماً هذا نصه : قال ابن العربى إذا جاء خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد
الشرع هل يجوز العمل به . ؟ قال الشافعى يجوز، وتردد مالك فى المسألة، قال ( أى
ابن العربى) ومشهور قوله والذى عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال
به ، وإن كان وحده تركه، ثم ذكر مسألة مالك فى ولوغ الكلب قال: ((لأن هذا الحديث
عارض أصلين عظيمين، أحدهما قول الله تعالى: ((فكلوا مما أمسكن عليكم، الثانى أن علة
الطهارة هى الحياة ، وهى قائمة فى الكلب. وحديث العرايا إن صدمته قاعدة الربا عضدته
قاعدة المعروف، وقد رد أهل العراق مقتضى حديث المصراة، وهو قول مالك لما رآه
مخالفاً للأصول، فإنه قد خالف أصل الخراج بالضمان، ولأن متلف الشىء إنما يغرم مثله =

- ١٠١ -
والبلاغات وقول الصحابى على القياس وفى ذلك نظر (١).
٨٨ - هذه مثارات مختلفة كانت تثار حول الآثار فى ذلك العصر المزدحم
بالأفكار ، وذلك المضطرب الواسع الذى اصطخب بالآراء المتنازعة، وقد رفض
قوم الاستدلال بها ؛ لشك فى نسبتها إلى النبى ، وقوم استعانوا بها فى فهم القرآن ،
لا فى زيادة أحكام على ما جاء به، وقد طوت لجنة التاريخ هاتين الطائفتين، وبقيت
الطائفتان الأخريان ، التى استكثرت من الرأى، ولم تقبل إلا الأخبار التى لاضعف
فيها، ولا شك فى سندها فلا تقبل الضعيف، ولو لم يقم الدليل على كذبه ، والتى
= أو قيمته ، وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض فلا ، وقال مالك فيه ليس
بالموطأ ولا الثابت ( راجع الموافقات الجزء الثالث ص ١٠ وما يليها طبعة الدمشقى).
والمراد بحديث العرايا ماروى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه أن رسول الله وبر كاته
رخص فى العرايا أن تباع بخرصها كيلا ، والعرايا جمع عرية وهى النخلة، وهى فى الأصل
هبة ما على النخلة من ثمر ، ثم أطلقت على الثمر نفسه ، فيجوز بيعه بمثله تمراً، وتقديره
يكون بالخرص والحدس، وهذا البيع فيه مظنة الربا، لأنه يجوز أن يكون أحد المبيعين
أكثر كيلا من الآخر، فيتحقق ربا الفضل، ولكن رخص فيه النبى مؤلتم لأنه دفع
للحرج عن أهل البيت الذى يكون عنده فضل تمر، وليس عنده رطب جنى، ولأن العرف
جرى به، ولأن التسامح بحرى فيه ، وهو فى الأصل عطية وعرية .
وحديث المصراة هو ما رواه أبو هريرة أن النبي ◌َ ◌ّم قال: « لا تصروا الإبل والغنم،
فمن ابتاعها بعد، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك؛ وإن شاء ردها وصاعا
من تمر، والتصرية حبس اللبن فى الضرع أياماً حتى يجتمع ويكثر ، فيظن المشترى أن درها
كثير ، والمصراة هى التى صنع بها ذلك، وقدرد مقتضى ذلك الحديث كثيرون من الفقها.
وضعفوه لما ذكره صاحب الموافقات آنفاً .
ويستفاد من ذلك النقل أن بعض علماء الأثر كانوا يردون بعض الأحاديث ،
وبضعفونها ، إذ خالفت أصلا إسلامياً استقام عندهم، وهذا مالك مع أخذه بالأحاديث
المرسلة ، والآثار المنقطعة، يخالف الحديث إن خالف قاعدة معلومة من الكتاب والسنة؛
وإنما يأخذون بالحديث ويغلبونه على الرأى إذا لم تكن ثمة قاعدة .
(١) إعلام الموقعين الجزء الأول ص ٢، والحديث المرسل هو الذى يذكر فيه التابعى دولة الصحابى.

- ١٠٢ -
استكثرت من الرواية وقللت من الرأى، وكانت الهوة بينهما واسعة قبل عصر أبى حنيفة.
٨٩ - أما فى آخر عصر أبى حنيفة، فقد أخذ الفريقان يتقاربان، وذلك لا اتقاء
الفريقين واجتماعهما للمدارسة والمذاكرة أو الجدل والمناظرة ، وأكثرهم يريدون
رفع منار الشريعة ، ويرجون لها وقاراً . ولأنه لما وجد التدوين فى عصرهم أخذكل
فريق يقرأ على الآخر ، ولأن كثرة الحوادث، وعدم تناهها اضطرا أهل الحديث
أن يخوضوا فى الرأى، وتدوين الصحاح، وتمييزها ، وسهولة تعرفها، واطلاع أهل
الرأى على أكثر ما روى عن الصحابة عن النبى ، وتلقيهم لما رواه أهل البلدان
المختلفة من أحاديث وآثار، جعل بين أيديهم طائفة كبيرة من الأحاديث، فتقاربوا"
بها من أهل الحديث .
فأبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة وفقهاء الرأى يقبل على دراسة الآثار
وحفظها والاستشهاد بها على ما انتهى إليه من آراء ، فإن وجد رأياً ارتآه من قبل
يخالف السنة عدل عنه إلى الرأى الذى يتفق مع الحديث: ولقد قال فيه ابن جرير
الطبرى: ((إنه كان يعرف بحفظ الحديث ، وإنه كان يحضر المحدث ، فيحفظ
خمسين أو ستين حديثاً ، ثم يقوم فيمليها على الناس ». ومحمد الصاحب الثانى لأبى
حنيفة يطلب الحديث ويأخذه عن الثورى ؛ ثم يلازم مالكا رضى الله عنه ثلاث
سنوات، ويأخذ عنه ، وهكذا ترى الشقة بين أهل الرأى، وأهل الحديث ق أخذت
تضيق ، حتى تقاربا .
فلما جاء دور الشافعى من بعد ، كان هو الوسط الذى التقى فيه فقه أهل الرأى
وأهل الحديث معاً، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث فى قبولهم لكل الأخبار مالم
يقم دليل على كذبها ، ولم يسلك مسلك أهل الرأى فى توسيع نطاق الرأى ، بل
ضبط قواعده، وضيق مسالكه، وعبدها ، وسهلها وجعلها سائغة . ولقد قال فيه
الدهلوى فى حجة الله البالغة: ((نشأ الشافعى فى أوائل ظهور المذهبين، ( أبى حنيفة
ومالك ) وترتيب أصولها وفروعها ، فنظر فى صنيع الأو تل ، فيجد فيه أموراً
كبحث عنانه عن الجريان فى طريقهم» .
٩٠ - قد بينا بإيجاز اختلاف فقهاء الرأى وفقهاء السنة، ولكن ما الرأى.

- ١٠٣ -
الذى كان يجرى الكلام حوله ، أهو القياس الفقهى الذى هو إلحاق أمر غير
منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه لاشتراكهما فى علة الحكم ، أم
هو أعم من ذلك ؟ إن المتتبع لمعنى كلمة الرأى فى عصر الصحابة والتابعين يجدها
عامة لا تختص بالقياس وحده ، بل تشمله وتشمل سواه ، ثم إذا نزلنا إلى ابتداء
تكوين المذاهب نجد فيها هذا العموم أيضاً ، ثم إذا توسطنا فى عصر المذاهب نجد
كل مذهب يختلف فى تفسير الرأى الجائز الأخذ به عن المذاهب الأخرى .
يفسر ابن القيم الرأى الذى أثر عن الصحابة والتابعين : ((بأنه ما يراه القلب بعد
فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارف فيه الأمارات))، وإن الراجع
الفتاوى الصحابة والتابعين ، ومن سلك مسلكهم ، يفهم من معنى الرأى ما يشمل
كل ما يفتى فيه الفقيه فى أمر لا يجد فيه نصاً ، ويعتمد فى فتواه على ما عرف من
الدين بروحه العام ، أو ما يقفق مع أحكامه فى جملتها فى نظر المفتى ، أو ما يكون
مشابها لأمر منصوص عليه فيها ، فيلحق الشبيه بشبيه ، وعلى ذلك يكون الرأى
شاملا للقياس، والاستحسان(١)، والمصالح المرسلة)) والعرف.
(١) يعرف أبو الحسن الكوخى، وهو من فقهاء الحنفية، الاستحسان:(( بأن يعد
المجتهد عن أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم به فى نظائرها إلى غيره لدليل أقوى يقتضى العدول
عن الدليل الأول المثبت لحكم هذه النظائر ) ، ويدخل فى هذا التعريف ما يقوله بعض
الفقهاء من أن الاستحسان هو القياس الخفى . وقد عرف الاستحسان فى المذهب
المالكى بأنه الأخذ بمصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى، وليس المراد مطلق مصلحة ، بل
المصلحة التى تجعل جانب الاستدلال بها أقوى، وبذلك يتفق هذا التعريف مع قول ابن العربى
فى أحكام القرآن: ((إن الاستحسان هو العمل بأقوى الدليلين)) وتعريف المالكية هذا -
وفيه نظر - يتقارب مع تعريف الحنفية، ولقد قال الشاطبى فى الموافقات: ((إن مقتضى
الاستحسان الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع
إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع فى الجملة فى أمثال تلك
الأشياء المعروضة كالمسائل التى يقتضى فيها القياس أمراً ، إلا أن ذلك الأمر يؤدى
إلى فوت مصلحة من جهة أخرى ، أو جلب مفسدة لذلك)) .
والمصالح المرسلة هى المصالح التى يتلقاها العقل بالقبول، ولا يشهد أصل من الشريعة =

- ١٠٤ -
وقد كان أبو حنيفة وأصحابه يأخذون بالقياس والاستحسان والعرف، ومالك
وأصحابه يأخذون بالقياس وبالاستحسان والمصالح المرسلة، ولقد اشتهر الأخذ بالمصالح
المرسلة فى ذلك المذهب، ولذلك كانت فيه مرونة، و قابلیة لکل ما يجد فى شئون الناس
فى العصور المختلفة، مع أنه مذهب قد قلل من القياس ، ولم يأخذ به كثيراً، وكذلك
الاستحسان قد اتسع له المذهب المالكى، حتى لقد قال فيه مالك: إنه تسعة أعشار
العلم، ولكن ذلك كله إذا لم يكن نص، ولا فتوى صحابى، ولا عمل لأهل المدينة .
جاء الشافعى فوجد ذلك الاستدلال المرسل للأحكام من غير نص يعتمد عليه ،
فلم يأخذ بذلك الاتجاه غير المقيد فى استنباط الأحكام، ورأى أنه لا رأى فى الشريعة
إلا إذا كان أساسه القياس، بأن يلحق الأمر غير المنصوص على حكمه بالأمر الآخر
المنصوص على حكمه، والرأى فى هذه الحال حمل على النص، وليس بدعا فى الشرع.
أما الاستدلال المطلق والتعليل المطلق للأحكام من غير البناء على العلة فى الأمر
المنصوص على حكمه، فهو البدع فى الشرع، ولذلك قال من أستحسن فقد الشرع.
ولقد وضع للقياس ضوابطه وموازينه ، ودافع عنه وأيده ، حتى فاق الحنيفة فى
تحريره وإثباته، وحتى لقد قال الرازى فى ذلك: ((والعجيب أن أبا حنيفة كان تعويله
على القياس وخصومه كان يذمونه بسبب كثرة القياسات ، ولم ينقل عنه ، ولا عن
أحد من أصحابه، أنه صنف فى إثبات القاس ورقة ، ولا أنه ذكر فى تقريره شبهة
فضلا عن حجة ، ولا أنه أجاب عن دلائل خصومه فى إنكار القياس ، بل أول
من قال فى هذه المسألة، وأورد فيها الدلائل هو الإمام الشافعى ».
= بالعائها أو اعتبارها، فما يشهدله الشارع بالإلغاء مرفوض بالاتفاق، وما يشهد له بالاعتبار
يكون من الأوصاف المناسبة المقبولة فيقبل بالاتفاق، ويدخل فى باب القياس. والاستحسان
والمصالح المرسلة متقاربان فى المعنى فى نظر المالكية، ألا ترى أنهم يعرفونه بأنه الأخذ بمصلحة
جزئية فى مقابل دليل كلى فالاستحسان فى جملة معناه عند المالكية يتقارب مع المصالح المرسلة
وبينهما فرق دقيق، ولعل النص الذى روى عن مالك بأن الاستحسان تسعة أعشار العلم المرادبه
المصالح المرسلة ولهذا نحن نعدهما شيئين متغايرين متباعدين على النظر الحنفى الذى يقبل أحدهما
ويرد الآخر، أما النظر المالكى فهما متقاربان فيه، وسنبين الفرق فى موضعه إن شاء اللّه تعالى.

- ١٠٥ -
فتوى الصحابى والتابعى وما عليه أهل المدينة
٩١ - وقد كانت من المسائل التى جرت حولها المناقشات ، وكان أهل
الحديث والرأى يميلون إلى الأخذ بها - فتاوى الصحابة ، لأن الأتباع أولى من
الابتداع ، ولأن الصحابة هم الذين شاهدوا ، فلرأيهم موضعه من الصواب ،
أو مكانه من فهم الدين، وإنهم أئمة يقتدى بهم ، ولقد تأثر بآرائهم أكثر الفقهاء.
حتى لقد روى عن أبى حنيفة أنه كان يقول: « إذا لم أجد فى كتاب الله، ولا سنة
رسول اللّه ◌ُ قل أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت،
ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبى
والحسن وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فلى أن أجتهد، كما اجتهدوا)) وإذا كان
ذلك قول أبى حنيفة إمام أهل الرأى فى آراء الصحابة وأقوالهم ، فلابد أن يكون
غيره أكثر أثراً بفتاواهم ، والمأثور عنهم رضوان الله تبارك وتعالى عليهم .
ولقد كثر المأثور من فتاوى الصحابة فى ذلك العصر كثرة عظيمة شغلت
عقول الفقهاء واتخذوها نبراساً لهم فى اجتهادهم ، فتأثروهم فى اجتهادهم ، واتبعوا
مثل طريقتهم ، وتأثروا بهم فاحترموا آراءهم ، وجعلوها معتمداً إذا لم يكن كتاب
ولم يكن سنة ، فإذا اجتمعوا على رأى التزام من بعدهم من المجتهدين الأخذ به ،
وإن قال أحدهم رأياً لم يعرف له مخالف ، أخذ الأكثرون من الفقهاء به ، وإن
اختلفوا فيما بينهم سار الكثيرون من المجتهدين على أن يختاروا من آرائهم ما يتفق
مع نزعاتهم ، على ألايخرجوا من دائرة هذه الآراء إلى غيرها .
سار الفقهاء فى عصر التابعين والمجتهدين على ذلك النمط وإن لم يتخذوه أصلا
قائماً بذاته ، ولا قاعدة فقهية مستمدة من أصول الدين وأحكامه ، ولعلهم إنما كانوا
يفعلون ذلك ؛ لأنهم يرون أن الصحابة قد نزل القرآن على الرسول بشهودهم
وعيانهم، ولا بد أن يكونوا قد قبسوا جملة آرائهم عن رسول اللّه مد الله ، وليس
لأحد اجتهاد فى أمر ينسب إلى الرسول مؤلفه، أو يمت إليه بسبب ، فهم

- ١٠٦ -
لم يجعلوا آراءهم مجرد اجتهاد فقهى، بل هى أقرب إلى السنة منها إلى الاجتهاد.
ثم أن اتباعهم كان باعتبارهم المعلمين الأول الذين بشروا بالفقه الإسلامى
فى الآفاق، وأنهم النجوم، التى أضاءت بنور الإسلام فى الأرض.
٩٢ - جاء أبو حنيفة فى ذلك العصر، وتخرج على شيوخ الرأى وبعض
أهل الأثر ، فتخرج على فقهاء العصر كله ، فكان طبيعياً أن يتأثر بذلك ، وقد
تأثر به، وقدمه على رأيه ، ولقد أثر عن الشافعى من بعد أنه كان يقول فى آرائهم:
((رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا)) (١) ولقد جاء فى أعلام الموقعين: ((قال الشافعى
فى الرسالة القديمة .. هم فوقنا فى كل علم واجتهاد ووروع وعقل وأمر استدرك به
عليهم، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا ، (٣) .
وينقل أبن القيم عنه فى كتابه اختلاف مالك: «العلم طبقات. الأولى الكتاب
والسنة. والثانية الإجماع فيما ليس كتاباً ولا سنة. الثالثة أن يقول الصحابى ،
فلا يعلم له مخالف . الرابعة اختلاف الصحابة. الخامسة القياس (٣) .
وهكذا . ولقد كان لرأى الصحابى مقامه فى اجتهاد أبى حنيفه كما أشرنا ،
وسنبين ذلك عند الكلام فى أصوله . وقد مهدنا له الآن .
أما مذهب التابعى فإن بعض فقهاء الحديث كانوا يؤثرونه على القياس ، وقد
رأينا قول أبى حنيفة إن له أن يجتهد كما اجتهدوا .
٩٣ - ولننتقل إلى المسألة التى أثارها مالك واستمسك بها أشد الاستمساك
رضى الله عنه، وهى مسألة عمل أهل المدينة ، فقد أخذ بعملهم، لأن الناس تبع
لأهل المدينة التى إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن، كما جاء فى رسالة مالك إلى
الليث ورد الليث عليه ، وقد كانت هذه المسألة مثار جدل كبير بين فقهاء هذا
(١) إعلام الموقعين الجزء الثانى ص ١٤٣.
(٢) إعلام الموقعين الجزء الثانى ص ١٩١.
(٣) إعلام الموقعين الجزء الثانى ص ١٧٩.

- ١٠٧ -
العصر ، ولقد ذكر ابن القيم أن أخذ مالك رضى الله عنه بعمل أهل المدينة لم يكن
منه إلزاماً لغيرهم من أهل الأمصار ، ولا على أنه حجة فى الدين لا تصح مخالفته
بحال، بل على أنه اختيار منه ، ولقد قال فى أعلام الموقعين: ومالك نفسه منع
الرشيد من ذلك (حمل الناس على العمل بمذهبه) وقد عزم عليه، وقال: ((قد تفرق
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البلاد، وصار عند كل طائفة منهم عنم
ليس عند غيرهم ، وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع
الأمة ، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل ، ولم يقل قط فى موطنه ولا غيره
لا يجوز العمل بغيره ، بل هو يخبر إخباراً مجرداً أن هذا عمل أهل بلده ، فإنه
رضى الله عنه وجزاه عن الإسلام خيراً ادعى إجماع أهل المدينة فى نيف وأربعين
مسأله ، ثم أقوالهم ثلاثة أنواع: أحدها لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم ،
الثانى ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم ، وإن لم يعلم اختلافهم فيه، والثالث ما فيه
الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم ، ومالك رضى الله عنه لم يقل إن هذا إجماع الأمة
الذى لا يجعل خلافه)) (١) وقد جعل القسم الأول مقدماً على خبر الواحد، وذلك
فى الأمور النقلية أى الأمور التى لا تكون بالاجتهاد .
(١) أعلام الموقعين الجزء الثانى ص ٢٩٧

- ١٠٨ -
الفرق
٩٤ - التقى أبو حنيفة بآحاد من المنتمين للفرق الإسلامية ، وتلقى العلم عن
بعضهم، ودرس آراءهم كما يدل على ذلك ما نقلناه من قبل، كما بينا ، فكان من الحق
أن نشير بألمامة موجزة إلى الفرق التى عاصرته ، ويظن أنه عرف آراءها ،
وقد جادلها ، وهى .
١ - الشيعة
٩٥ - الشيعة أقدم الفرق الإسلامية، وقد ظهروا بمذهبهم السياسى فى آخر
عصر عثمان رضى الله عنه، ونما وترعرع فى عهد على رضی الله عنه، إذ كان كلما
اختلط رضى الله عنه بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه و علمه ، فاستغل
الدعاة ذلك الإعجاب ، وأخذوا ينشرون نحلتهم بين الناس، ولما جاء العصر الأموى
ووقعت المظالم على العلويين . واشتد نزول أذى الأمويين بهم ، ثارت دفائن المحبة
لهم والشفقة عليهم، ورأى الناس فى على وأولاده شهداء هذا الظلم ، فاتسع نطاق
المذهب الشيعى، وكثر أنصاره.
وقوام هذا المذهب: ١ - (( أن الإمامية ليست من مصالح العامة التى تفوض
إلى نظر الأمة ، ويتعين القائم بها بتعيينهم ، بل هى ركن الدين ، وقاعدة الإسلام.
ولا يجوز لنى إغفالها ، وتفويضها إلى الأمة ، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ،
ويكون معصوماً عن الكبائر والصغائر (١).
٩٦ - وإن على بن أبى طالب كان هو الخليفة المختار من النبى حَد ◌ِّه،
وإنه أفضل الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم . ويظهر أن الشيعة ليسوا
وحدهم الذين كانوا يرون تفضيل على رضى الله عنه على سائر الصحابة ، بل إن
بعض السابقين من الصحابة كان يرى ذلك ، ومنهم عمار بن ياسر ، والمقداد بن
(١) مقدمة ابن خلدون .

-٠ ١٠٩ -
الأسود ، وأبو ذر الغفارى ، وسلمان الفارسى ، وجابر بن عبد الله، وأبى بن كعب
وحذيفة، وبريدة وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف وأبو الهيثم
وخزيمة بن ثابت ، وأبو الطفيل عامر بن وائلة ، والعباس بن عبد المطلب وبنوه.
وبنو هاشم كافة ، وكان الزبير من القائلين به فى بدء الأمر ، ثم رجع، وكان من
بنى أمية قوم يقولون بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص ، ومنهم عمر بن عبد العزيز (١).
ولم يكن الشيعة على درجة واحدة، بل كان منهم الغالون فى تقدير على وبنيه ،
ومنهم المعتدلون المقتصدون ، وقد اقتصر المعتدلون فى تفضيله على بقية الصحابة
من غير تكفير لأحد ، وقد حكى ابن أبى الحديد نحلة المعتدلين ، وهو منهم فقال :
((كان أصحاب النجاة والخلاص والفوز فى هذه المسألة ، لأنهم سلكوا طريقة
مقتصدة قالوا : هو أفضل الخلق فى الآخرة وأعلاهم منزلة فى الجنة ، وأفضل الخلق
فى الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب ، وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه
فإنه عدو الله سبحانه وتعالى، وخالد فى النار مع الكفار والمنافقين، إلا أن تكون
من قد ثبتت توبته، ومات على توليه وحبه. فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار
الذين ولوا الأمانة قبله، فلو أنكر إمامتهم وغضب عليهم وسخط فعلهم ، فضلا
عن أن يشهر عليهم السيف ، أو يدعو إلى نفسه ، لقلنا إنهم من الهالكين، كما
لو غضب عليهم رسول اللّه ◌ِلَّم. لأنه قد ثبت أن رسول الله عَ لَّه وآله
قال له . حربك حربى وسلمك سلمى، وأنه قال : اللهم وال من والاه ، وعاد
من عاداه وقال له : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلى منافق . ولكنا رأيناه
رضى إمامتهم ، وبايعهم ، وصلى خلفهم وأنكحهم ، وأكل فيئهم فلم يكن لنا
أن نتعدى فعله ، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، ألا ترى أنه لما برىء من معاوية برئنا
منه ، ولما لعنه لعناه ، ولما حكم بضلال أهل الشام ، ومن كان فيهم من بقايا
الصحابة ، كعمرو بن العاص وعبد الله ابنه، وغيرهم - حكمنا أيضا بضلالهم.
والحاصل أننا لم نجعل بينه وبين النبى ◌ّ إلى رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد .

- ١١٠ -
ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه ، ولم نطعن فى أكابر الصحابة الذين لم يصح
عندنا أنه طعن فيهم، وعاملناهم بما عاملهم به عليه السلام))(١).
٩٧ - أما الغالون المتطرفون من الشيعة ، فقد رفعوا علياً إلى مرتبة النبوة
حتى لقد زعم بعضهم أن النبوة كانت له ، وأن جبريل أخطأ ، وذهب إلى النبى
◌َالتّرٍ (٢) بل أن منهم من رفع علياً إلى مرتبة الآله، وقالوا له هو أنت (الله )
ومنهم من زعم أن الآله حل فى الأئمة ، على وبنيه ، وهو قول يوافق مذهب
النصارى فى حلول الآله فى عيسى ، ومنهم من ذهب إلى روح كل إمام حلت
فيه الألوهية تنتقل إلى الإمام الذى يليه .
أكثر الشيعة الإمامية على أن آخر إمام يفرضونه لا يموت ، بل هو حتى
يرزق باق حتى يرجع فيملأ الأرض عدلا كما ملتت جوراً وظلماً . فطائفة قالت
إن على بن أبى طالب حى لم يمت وهم السبئية ، وطائفة قالت إن محمد بن الحنفية
حى برضوى عنده عسل وماء، وطائفة قالت : إن يحيى بن زيد لم يصلب ولم يقتل
بل هو حى يرزق ، والإثنا عشرية يقولون إن الثانى عشر من أئمتهم وهو محمد
ابن الحسن العسكرى ويلقبونه بالمهدى دخل فى سرداب بدارهم بالحلة وتغيب حين
اعتقل مع أمه ، وغاب هنالك ، وهو يخرج آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلا.
وهم ينتظرونه لذلك . ويقفون كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب ،
وقد قدموا مركباً ، فيهتفون باسمه ، ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ،
ثم ينفضون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية .. وبعض هؤلاء يقول إن الإمام
الذى مات سيرجع إلى حياته الدنيا ويشتشهدون لذلك بما وقع فى القرآن الكريم
من قصة أهل الكهف ، والذى مر على قرية ، وتقتيل بنى اسرائيل حين ضرب
بعظام البقرة التى أمر بذبحها(٢).
(١) شرح نهج البلاغة .
(٢) وهم الغرابية وسموا بذلك لأنهم قالوا إنه يشبه النبي ◌ّ اللّه كما يشبه الغراب الغراب
(٣) مقدمة ابن خلدون بتصرف .

- ١١١ -
وبعض الشيعة خلطوا بهذه الآراء آراء اجتماعية خطرة مفسدة للنسل هادمة
للأديان ، فاستحلوا الخمر والميتة ونكاح المحارم، وتأولوا قوله تعالى (( ليس
على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ، إذا ما اتقوا وآمنوا
وعملوا الصالحات )».
وزعموا أن ما فى القرآن من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كناية عن قوم
يلزم بعضهم، مثل أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية . وكل ما فى القرآن من الفرائض
التى أمر الله بها كناية عمن تلزم موالاتهم، مثل على والحسن والحسين وأولادهم(١)
٩٨ - ومن ذلك نرى أن الشيعة مزيج من الآراء ، ومضطرب لكثير
من الأفكار ، ونحلة قد ضلت بها أوهام كثيرة ، ودخلت عليها خواطر باطلة
ومبادىء من ملل قديمة ، ومد أرادوا أن يلبسوها بلباس الإسلام ، فضاقت
عن أن تسع بعضهم عقيدة الإسلام السامية النقية ؛ وهى عقيدة التوحيد .
وقد تساءل بعض العلماء الأوروبيين عن أصل الشيعة، وفيها مبادىء لا شك
أن بعضها دخيل فى الإسلام، فقد ذهب الأستاذ ولهوسن إلى أن العقيدة الشيعية
نبعت من اليهودية(٢) أكثر مما نبعت من الفارسية ، مستدلا بأن مؤسسها عبدالله
ابن سبأ وهو يهودى .
ويميل الأستاذ دوزى إلى أن أصلها فارسى ، فالعرب تدين بالحرية ، والفرس
يدينون بالملك ، وبالوراثة فى البيت المالك . ولا يعرفون معنى لانتخاب الخليفة ،
وقد مات محمد ولم يترك ولداً ، فأولى الناس بعده ابن عمه على بن أبى طالب ، فمن
أخذ الخلافة منه ، كأبى بكر وعمر وعثمان والأمويين ، فقد اغتصبها من مستحقها.
وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهى ، فنظروا هذا
النظر نفسه إلى على وذريته ، وقالوا إن طاعة الإمام أول واجب ، وأن طاعته
طاعة اللّه(٣).
(١) الملل والنحل الشهر ستانى، والخطط المقريزى.
(٢) إن هذارأى الشعبى كماجاء فى العقد الفريد. (٣) جر الإسلام للأستاذ المرحوم أحمد أمين.

- ١١٢ -
ويقول فإن فلوتن : قد ثبت بالفعل أن من مذاهب الشيعة ما كان مباءة للعقائد
الأسيوية القديمة، كالبوذية والمانوية وغيرهما(١).
والحق الذى لا مرية فيه أن الشيعة كانت مع تقديسها لآل البيت - مستراداً
لكثير من الديانات القديمة الآسيوية، ففيها من المذاهب الهندية مبدأ التناسخ
الذى يقول إن روح الإنسان تنتقل إلى إنسان غيره ، فقد طبق بعضهم ذلك
المذهب على أئمتهم ، وقالوا إن روح الإمام تنتقل إلى الذى يليه . وأخذ غير
المسلمين من البرهمية القديمة والمسيحية مبدأ حلول الإلله فى الإنسان ، وأخذوا
من اليهودية شيئاً كثير ، وقال ابن حزم فى بيان أن عقيدة بقاء بعض الأئمة
مأخوذة من اليهودية: «سار هؤلاء فى سبيل اليهود القائلين إن إلياس عليه السلام
وفنحاس بن العازار بن هارون عليه السلام أحياء إلى اليوم ، وسلك هذا السبيل
بعض الصوفية فزعموا أن الخضر وإلياس عليهما السلام حيان إلى الآن، وادعى
بعضهم أنه يلقى إلياس فى الفلوات والخضر فى المروج والرياحين وأنه متى ذكر
حضر على ذكره ،(٢).
وهكذا نرى الشيعة كان فيها خليط من أهواء وملل ونحل قديمة دخلت على
المسلمين لإفساد الإسلام، أو تحت تأثير التربية والألف ، فدخلوا فى الإسلام،
ولم يستطيعوا نزع القديم .
هذه إلمامة موجزة بينت أحوال الشيعة إجمالا، ونريد بعد ذلك أن نذكر بعض
فرقهم المشهورة وتاريخ نشأتها، لتكون على بينة من أدوار هذه الفرقة فنقول :
٩٩ - السبئية : هم أتباع عبد الله بن سبأ وكان يهودياً من أهل الحيرة ، أظهر
الإسلام، وأمه أمة سوداء ، ولذلك يقال له ابن السوداء ، وقد كان من أشد
الدعاة ضد عثمان ، وقد تدرج فى نشر أفكاره ومفاسده بين المسلمين ، وأكثرها
موضوعه علىّ رضى الله عنه .
(١) السيادة العربية .
(٢) الفصل ج ٤ ص ١٨٠ .

- ١١٣ -
أخذ ينشر أولا بين الناس أنه وجد فى التوراة أن لكل فى وصياً، وأن علياً
وصى محمد، وأنه خير الأوصياء، كما أن محمد أخير الأنبياء. ثم حكم بأن محمداً
سيرجع إلى الحياة الدنيا ، وكان يقول عجبت لمن يقول برجعة عيسى ، ولا يقول
برجعة محمد، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ((إن الذى فرض عليك القرآن الرادك
إلى معاد ، ثم تدرج من هذا إلى الحكم بألوهية على رضى الله عنه، ولقد هم هذا
بقتله إذ بلغه عنه ذلك، ولكن نهاه عبدالله بن عباس ، وقال له: )) إن قتلته اختلف
عليك أصحابك، وأنت عازم على العودة لقتال أهل الشام ، فنفاه على إلى ساباط
المدائن . ولما قتل رضى الله عنه استغل ابن سبأ محبة الناس له كرم الله وجهه،
وأخذ ينشر حوله الأكاذيب التى تجود بها مخيلته إضلالا للناس وإفساداً ، فصار
يذكر للناس ((أن المقتول لم يكن علياً وإنما كان شيطاناً تصور للناس فى صورته،
وأن علياً صعد إلى السماء ، كما صعد إليها عيسى بن مريم عليه السلام ، وقال : كما
كذبت اليهود والنصارى فى دعواهما قتل عيسى ، كذلك كذبت الخوارج فى دعواهم
قتل على ، وإنما رأى اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه بعيسى، كذلك
القائلون بقتل على رأوا قتيلا يشبه علياً، فظنوا أنه على . وقد صعد إلى السماء ،
وأن الرعد صوته ، والبرق تبسمه ، ومن سمع من السبئيين صوت الرعد يقول
السلام عليك يا أمير المؤمنين. وقد روى عمر بن شرحبيل أن ابن سبأ قيل له أن
علياً قد قتل ، فقال : إن جئتمونا بدماغه فى صرة لم نصدق بموته ، لا يموت حتى
ينزل من السماء، ويملك الأرض بحذافيرها)، (١).
١٠٠ - الكيسانية (٢) هم أتباع المختار بن عبيد الثقفى: وقد كان خارجياً،
ثم صار من شيعة على رضى الله عنه. وقد قدم الكوفة حين قدم إليها مسلم بن عقيل
(١) الفرق بين الفرق لعبد القاهر لبغدادى.
(٢) نسبة إلى كيسان قيل أنه مولى لعلى رضى الله عنه وقيل أنه تلميذ لمحمد بن الحنفية
وقيل إنه أبو عمرة مولى بجيلة كان يحرس المختار الثقفي، وقد شهد له بأن محمد بن الحنفية
مح بأن يدعو المختار باسمه، والشهر ستأتى فى الملل والنحل يعد اتباع المختار : فرقه غير
الكيسانية، ولكنه يقول فى المختار صارشيعياً كيسانيا. فكان المختار اتبع نحله الشيعة الكيسانية
( ٨ أبو حنيفة )

- ١١٤ -
من قبل الحسين رضى الله عنه، ليعلم حالها . ويخبر ابن عمه بأمرها . وقد أحضر
عبيد الله بن زياد المختار، وضربة، ثم حبسه إلى أن قتل الحسين، فشفع له زوج
أخته عبد الله بن عمر، فأطلق سراحه على أن يخرج من الكوفة، يخرج إلى الحجاز،
وقد أثر عنه أنه قال فى أثناء سيره: ((سأطلب بدم الشهيد المظلوم المقتول سيد
المسلمين، وابن بنت سيد المرسلين الحسين بن على.«فوربك لأقتلن بقتله عدة من
قتل على دم يحيى بن زكريا ، ثم لحق بابن الزبير . وبايعه على أن يوليه أعماله إذا
ظهر ، وقاتل معه أهل الشام ثم رجع إلى الكوفة بعد موت يزيد ، وقال للناس
(( إن المهدى ابن الوصى بعثنى إليكم أميناً ووزيراً، وأمرفى بقتل الملحدين والطلب
بدم أهل بيته ، والدفع عن الضعفاء)).
ولقد زعم أنه جاء من قبل محمد بن الحنفية؛ لأنه ولى دم الحسين رضى الله عنه،
ولأن محمداً رضى الله عنه كان ذا منزلة بين الناس ، امتلأت القلوب بمحبته ، إذ كان
كما قال الشهر ستانى كثير العلم غزير، المعرفة رواد الفكر ، مصيب النظر فى العواقب،
وقد أخبره أبوه أمير المؤمنين على رضى الله عنه أخبار الملاحم، ولكن أعلن
محمد بن الحنفية البراءة من المختار على الملأ من الأمة ، وعلى مشهد من العامة ،
إذ بلغته أوهامه وأ كاذيبه، وعرف خبىء نياته. ومع تلك البراءة فقد تبع المختار
هذا بعض الشيعة ، وأخذ هو يتكهن بينهم، ويسجع سجعاً يشبه سجع الكهان،
حتى روى أنه كان يقول ((أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامة والقفار،
والملائكة الأبرار لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار ... حتى إذا
أقمت عمود الدين ، ورأيت شعب صدع المسلمين ، وشفيت غليل صدور المؤمنين،
لم يكبر على زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى)).
وقد أخذ المختار فى محاربة أعداء العلويين ، وأكثر من القتل الذريع فيهم ، ولم
يعلم أن أحداً اشترك فى قتل الحسين إلا أسكن نأمته ، خيبه ذلك فى نفوس الشيعة،
فالتفوا حوله ، وأحاطوا به ، وثاروا معه ، ولكن هزم فى قتال معصب
ابن الزبير وقتل .

- ١١٥ --
١٠١ - (١) وعقيدة الكيسانية لا تقوم على ألوهية الأئمة ، كالسبئية الذين
يعتقدون حلول الجزء الإلهى فى الإنسان كما بينا ، بل تقوم على أساس أن الإمام
شخص مقدس ، ويبذلون له الطاعة ، ويثقون بعلمه ثقة مطلقة ، ويعتقدون فيه
العصمة عن الخطأ ، لأنه رمز للعلم الإلهى .
(ب) ويدينون كالسبئية برجعة الإمام ، وهو فى نظرهم بعد على والحسن
والحسين محمد بن الحنفية ، ويقول بعضهم إنه مات ، وسيرجع، وبعضهم وم
الأكثرون يعتقدون أنه لم يمت ، بل هو بجبل رضوى عنده عسل وماء ، وقد
كان من هؤلاء كثير عزة إذ يقول :
ولاة الحق أربعة سواء
ألا أن الأئمة من قريش
هم الأسباط ليس بهم خفاء
على والثلاثة من بنيه
وسبط غيبته كربلاء
فسبط سبط إيمان وبر
يقود الخليل يتبعه اللواء
وسبط لا يذوق الموت حتى
برضوى عنده عسل وماء
تغيب لا يرى عنهم زماناً
(حـ) ويعتقدون البداء وهو أن الله سبحانه وتعالى يغير ما يريد تبعاً لتغير علمه،
وأنه يأمر بالشىء ثم يأمر بخلافه، وقد قال الشهر ستانى: (( وإنما صار المختار إلى
اختيار القول بالبداء ، لأنه كان يدعى على ما يحدث من الأحوال إما بوحى يوحى
إليه ، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شىء ، وحدوث
حادثة ، فإن وافق کر نه قوله جعله دليلا على دعواه، وإن لم يوافق قال قد بدا لربكم)).
ويعتقدون أيضاً تناسخ الأرواح ، وهو خروج الروح من جسد ، وحلولها
فى جسد آخر ، وقد علمت أن هذه الفكرة مأخوذة من الفلسفة الهندية القديمة .
(ء) وكانوا يقولون: ((إن لكل شىء ظاهراً وباطناً، ولكل شخص روحاً
ولكل تنزيل تأويلا ، ولكل مثال فى هذا العالم حقيقة ، والمنتشر فى الآفاق من
الحكم والأسرار مجتمع فى شخص الإنسان، وهو العلم الذى آثر على عليه السلام

- ١١٦ -
به إبنه محمد بن الحنفية، وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو الإمام حقاً(١))).
وترى من هذا الذى ذكر ناه وهو بعض مخاريقهم أنهم جانبوا مبادىء الإسلام
وبعدوا عن روحه ، ورفعوا الأئمة إلى مراتب النبيين ، وكأنهم اعتقدوا أن رسالة
النی اقل ما انتهت بموته، بل بقيت فى بيته من بعده .
١٠٢ - الزيدية: هذه الفرقة هى أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية ،
وهى لم تغل فى معتقداتها ، ولم يكفر الأكثرون منها أحداً من أصحاب رسول الله.
عَلَّم الأولين، ولم ترفع الأئمة إلى مرتبة الآله، ولا إلى مرتبة النبيين.
وإمامها زيد بن على بن الحسين رضى الله عنه، خرج على هشام بن عبد الملك
بالكوفة ، فقتل وصلب بكناسة الكوفة كما أشرنا ، وقوام مذهبه وهو مذهب
هذه الفرقة إلى أن عراها التغيير .
(١) أن الإمام منصوص عليه بالوصف، لا بالإسم، وأوصاف الإمام التى
قالوا إنه لا بد من وجودها حتى يكون إماماً يبايعه الناس ، هى كونه فاطمياً ورعاً
عالماً سخياً يخرج داعياً الناس لنفسه. وقد خالفه فى شرط الخروج كثير من الشيعة
وناقشه فى ذلك أخوه محمد الباقر . وقال له على قضية مذهبك والدك ليس بإمام
فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج(١)).
(ب) أنه تجوز إمامة المفصول فكأن هذه الصفات عندهم للإمام الأفضل
الكامل ، وهو بها أولى من غيره ، فإن اختار أولو الحل والعقد فى الأمة إماماً
لم يستوف بعض هذه الصفات، وبايعوه صحت إمامته ولزمت بيعته ، وبنوا على
ذلك الأصل صحة إمامة الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعدم تكفير
الصحابة ببيعتهما فكان زيديرى (( أن على ابن أبى طالب أفضل الصحابة إلا أن
الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها . وقاعدة دينيه رعوها ، من تسكين
ثائرة الفتنة ، وتطييب قلوب العامة ، فإن عهد الحروب التى جرت فى أيام النبوة كان
قريباً ، وسيف أمير المؤمنين على رضى الله عنه من دماء المشركين لم يجف.
(١) الملل والنحل الشهر ستانى .

- ١١٧ -
والضغائن فى صدور القوم، من طلب الثأر، كماهى، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل،
ولا تنقادله الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن لمن عرفوا
باللين والنودد والتقدم بالسن، والسبق فى الإسلام والقرب من رسول اللّه حاله (١)
وقد خذل زيداً أكثر الشيعة لقوله ذلك . وقد قال البغدادى فى كتابه
الفرق بين الفرق. ((لما استحر القتال بينه (زيد) وبين يوسف بن عمرو الثقفى قالوا
إننا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا رأيك فى أبى بكر وعمر اللذين ظلما جدك
على بن أبى طالب. فقال زيد: إنى لا أقول فيهما إلا خيراً. وإنما خرجت على
بنى أمية الذين قتلوا جدى الحسين ، وأغاروا على المدينة يوم الحرة ، ثم رموا بيت
اللّه بحجر المنجنيق والنار، ففارقوه عند ذلك)).
(جـ) ومن مذهب الزيدية جواز خروج إمامين فى قطرين مختلفين بحيث يكون
كل واحد منهما إماماً فى قطره الذى خرج فيه مادام متحلياً بالأوصاف التى بيناها ،
ويفهم من هذا أنهم لا يجوزون قيام إمامين فى قطر واحد. لأن ذلك يستدعى أن
يبايع الناس لإمامين ، وذلك منهى عنه بصريح الأثر .
(ء) وقد كان الزيديون يعتقدون أن مرتكب الكبيرة مخلد فى النار ما لم يتب
توبة نصوحا ، وهم قد اقتبسوا ذلك من المعتزلة الذين يقولون هذه المقالة ، وذلك
لأن زيداً رحمه الله كان ينتحل تحلة المعتزلة، إذكان ذا صلة بواصل بن عطاء شيخهم
وأخذ عنه آراءها فى الأصول . وروى أن ذلك من أسباب بغض سائر الشيعة
له ، إذ أن واصلا کان یری « أن على بن أبى طالب فى حروبه التى جرت بينه و بين
أصحاب الجمل، وأهل الشام، ما كان على الصواب بيقين ، وأن أحد الفريقين
منهما كان على الخطأ لا بعينه)) (٢) وذلك أمر لا يرضى الشيعة . ولما قتل زيد بايع
الزيديون ابنه يحيى ، ثم قتل هو أيضاً ، ثم بويع بعد يحيى محمد الإمام ، وإبراهيم
(١) الملل والنحل الشهر ستانى.
(٢) الملل والنحل الشهر ستانى، وتلك الرواية محل نظر. لأن المعروف فى تاريخ المعتزلة
أنهم الشيعة المعتدلة ، وكثير من الشيعة يذهبون فى العقائد مذهب المعتزلة .