النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٧٨ - ٤- عصر أبى حنيفة ٦٦ - ولد أبو حنيفة سنة ٨٠ أى فى خلافة عبد الملك بن مروان الأموى، وعاش إلى سنة ١٥٠، وأدرك عهد العباسيين ، فهو أدرك العهد الأموى فى عنفوانه وقوته ، ثم فى تحدره وانهوائه ، وأدرك الدولة العباسية فى نشأتها قوية ظافرة ناهضة عنيفة مسيطرة . والقارىء يجد أنه أدرك من العصر الأموى أكثر مما أدرك من العصر العباسى، فقد عاش فى العصر الأموى اثنتين وخمسين سنة، وهى السن التى تربى فيها، وبلغ أشده . ثم بلغ أوجه العلمى، ونضجه الفكرى الكامل ، ولم يدرك من العصر العباسى إلا ثمانى عشر سنة ، وفى هذه السن يغلب على الشخص ألا يأخذ من الجديد، إذ استقامت عاداته الفكرية. ومناهجه العلمية . وصار ينتج الكثير ، ولا يأخذ إلا القليل، ولا يصح أن نقول لا يأخذ مطلقاً، لأن العقل البشرى طلعة، يتطلع إلى علم ما لم يعلم ، وتعرف ما يجهل دائماً، وخصوصاً عقول العلماء المخلصين ، فإنهم يطلبون المزيد دائماً ، وإن كانوا فى كهولتهم يعطون الكثير، ويأخذون القليل ، ويؤثرون أكثر ما يتأثرون . وعلى ذلك يجب أن نتصور أن ما أخذه أبو حنيفة من عصره كان أكثره من الأموى ، وأقله من العباسى . ٦٧ - وفى الحق إن الفرقة بين آخر العصر الأموى، وصدر العصر العباسى، .وهو الذى عاش فيه أبو حنيفة ، ليست كبيرة من ناحية الروح العلمى، وخصوصاً الجانب الدينى منه، وذلك لأن الدور الذى كان فى العصر العباسى، إنما هو نمو لما كان فى آخر العصر الأموى، وهو نتائج ، مقدماتها كانت قبله، وجزء من الطريق الذى كان ابتداؤه هنالك، فمثل العصور من ناحية روحها العلمى والاجتماعى، كمثل الأنهار المتصلة تسير المياه فيها متدافعة متلاحقة ، لا تختلف كثيراً فى ألوانها وطعمها إلا بمقدار قليل تأخذه من مجراها: وليس لنزعة الدولة ولونها السياسى أثر إلا - ٧٩ - بمقدار التنمية أو التعويق، أو التوجيه، والأصل ثابت ، يسير ببطء أو بسرعة على حسب ما تقدمه الدولة من معونه ، أو تثبيط ، وهو فى سرعته وبطئه واصل إلى الغاية . وإن الروح العلمى والاجتماعى الذى سيطر فى الدولة الأموية كان من عمل الجماعة لا من أعمال الدولة ، فالعلم قامت به تلك الجماعة الكريمة التى ورثت علم الصحابة ، ثم احتضنته فأزهر ، وأتى بأينع الثمرات . وكان بجوارها هؤلاء الذين ورثوا حضارات الأمم التى غلبها المسلمون ، وعلومها ، فكانوا يزودون العربية ببعض علم هذه الأمم ، إما فيما يدلون به من آراء ، أو فى أرسال الفكر التى يترجمونها من اللسان الفارسى وغيرة، وقد ابتدأت الترجمة فى العصر الأموى ، وحسبك أن تعلم أن صاحب كليلة ودمنة، والأدب الصغير والأدب الكبير ، عاشوا أكثر حياتهم فى العصر الأموى ، فإذا وجدنا العلم الدينى ينمو فى العصر العباسى ، والترجمة تذيع وتنتشر وتكثر وتمده بالعون، فإنما ذلك من زيادة المقدار، وحسن التوجيه ، وتنويعه، لا من الإنشاء والابتداء. ٦٨ - وإذا كان أبو حنيفة عاش فى العصرين كما علمت، وجب علينا أن نشير إشارة موجزة إلى الحياة السياسية فى العصرين الأموي والعباسى ، ثم الحياة الاجتماعية والعلمية وامتدادها فى صدر العصر العباسى الأول، ثم المسائل التى كانت تشغل الفكر الإسلامى، مما يتصل بالعقيدة، أو السياسة، أو الفقه . ٦٩ - ولنبدأ بالناحية السياسية ، وهنا نجد الظاهرة الأولى فى قيام الدولة الأموية ، فإنها قامت بعد سلطان الخلفاء الأربعة ، وقد كان الخليفة يختار من بين الممتازين من المسلمين ، بترشيح من الخليفة الذى يسبقه، كما كان الأمر فى خلافة عمر ، أو من غير ترشيح كما كان الأمر فى خلافة أبى بكر وعلى ، أو بأمر وسط بينهما كما كان الأمر فى اختيار عثمان رضى الله عنه، فلما جاءت الدولة الأموية صارت الخلافة ملكا عضوضاً، وإذا كان مؤسس هذه الدولة قد ارتضته طائفة كبيرة من المسلمين ، خليفة ، فبقية من حملوا ذلك الإسم من بعده، لم يكن من حقهم - ٨٠ - أن يحسبوا أنهم ولوا أمر المسلمين باختيار حر من جماهير المسلمين، ولذلك كانت الاضطرابات ، والانتقاضات تتخلل عصور الدولة الأموية ، فإن سكنت ففى الظاهر ، والقلوب تغلى بنيران الحقد ، ولم يكن كثيرون منهم تمنعهم حريجة دينية من إنزال الأذى ببعض من لهم مكانة بين المسلمين ، فيزيد بن معاوية ينتقض عليه أبناء الأنصار ، فيبيح مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم للجند يعيشون فيها فساداً من غير رادع من دين ، ولا مراعاة لحرمة ويرفض بيعته الحسين بن على سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها تخالف أصول الحكم فى الإسلام، ويخرج عليه حاملا سيفه ، فيقتله أعوان يزيد قتلة فاجرة ، ويذهب دمه عبيطاً من غير أن يراعى حرمة قرابة أو دين، وتؤخذ أخواته، بنات على من فاطمة سباياً أو شبه سباياً إلى يزيد، ثم يتوالى فى آخر الدولة الأموية خروج العلويين الفاطميين، ويتوالى القتل الفاجر فيهم ، فيقتل زيد بن على ويقتل يحيى ابنه ، ويقتل عبد الله بن يحيى ، ولم يكن ذلك فقط ما تحدى به الأمويون النفوس المحبة لآل البيت ، بل كان لعن على بن أبى طالب أمراً لازماً على المنابر ، كأنه سنة متبعة ، وهى بدعة آثمة ابتدعها معاوية بن أبى سفيان ، واستنكرها عليه المسلمين ، حتى لقد أرسلت إليه أم المؤمنين زوج رسول الله ويتم أم سلمة كتاباً تقول فيه: ((إنكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون على بن أبى طالب ، ومن أحبه، وأشهد أن اللّه أحبه ورسوله))، واستمر لعن على المنابر، حتى أبطله عادل الأمويين عمر بن عبد العزيز . ٧٠ - ولقد كان فى الأمويين نزعة عربيةشديدة، وقد أحيوا بها شيئاً كثيراً من تراث العرب قبل الإسلام ، وهذا التراث قد يكون فيه المحمود الذى لا يذم ، ولكنهم غلوا غلواً شديداً وصلوابه إلى درجة التعصب على غير العرب، وهضم حقوقهم، وهم فى الشرع سواء مع سائر المسلمين، فإن الناس جميعاً سواء فى الإسلام، لافضل لعربي على أعجمى إلا بالتقوى ؛ ولكن أوقع الأمويون بالموالى ظلماً شديداً ، حتى لقد حرموهم حقوقهم فى غنائم الجيش إذا غزوا ، وخالفوا بذلك شرعة الله - ٨١ - التى شرعها فى الغنائم ، ولذلك أسهم الموالى فى الانتقاض على الأمويين ، ولم يقروا لهم بحكم طائعين . فكانت البلاد الإسلامية بسبب ما نزل تموج بالفتن، وتموج بالشر، إن سكنت فى الظاهر فسكون النار المتأججة تحت الرماد . فلقد أتى حين من الدهر لم تقم فتن، ولكن كان التدبير الخفي، والمؤامرة المستقرة ، للانتقاض بشكل أحكم ، وليذهبوا بهذه الدولة ، فكان التدبير والدعوة للخلافة العباسية ، فقد استمر يتكون فى خلايا السكون . حتى كان ما كان من قيام العباسيين . وإتيان الدولة الأموية من قواعدها . ٧١ - هذا هو حكم الأمويين فى جملته، لا فى تفصيله. وفى نواحيه التى أثارت الجماهير ، وقد يكون له نواحى خير تحمد، ولا تذم . وقد رأى أبو حنيفة عندما رأت عنيه الدنيا حكم الأمويين فى أقسى مظاهره ، وأعنف صوره ، أى حكم الحجاج بن يوسف الثقفى الطاغية الأموى ، فإن الحجاج قدمات ، وأبو حنيفة فى نحو الخامسة عشرة، وهى سن تدرك وتفهم ، وقد رأى بذلك الحكم الأموى فى أعنف أشكاله ، وأقسى مظاهره، ولا شك أن لذلك أثره فى نفس ذلك الفتى المولى، وفى تقديره لحكم هذه الدولة ، ولقد كان ذلك التقدير ينمو ويكبر كلما كبر، ورأى ما يرتكبون مع عترة الرسول، حتى كان منهم له ما كان من اضطهاده بالسجن والتعذيب ، ولم ينجه إلا الفرار ، وأن يأوى إلى بيت الله الحرام. فلما كانت الدولة العباسية أمن من بعد خوف، ورجا أن تكون يدها أرحم. لأن رحمها أقرب، ولأنها جاءت بعد الشدة والكوارث ، ولقد بايع أبا العباس السفاح سمحاً مختاراً ، وكان لسان الفقها. الناطق، كما أسلفنا فى بيان حياته، ولكن ما إن جاء عصر أبى جعفر ، وقد أخذ يدعم الدولة بدعائم فيها عنف وحزم ، لا رفق فيها ولا هوادة . وسام العترة النبوية الأذى . فألقى بشيوخها فى غيابات السجن ، وصارت دماء العلويين تراق فى غير حرج - رأى فى حكم المنصور امتداداً لحكم الأمويين ، وإن تغير الإسم ، وتغيرت البطانة . فكان بينهما ما ذكر نا ( ٦ أبو حنيفة) - ٨٢ - وانتهى الأمر بالأذى الذى نزل بأبى حنيفة رضى الله عنه ، وقارن وفاته. ٧٢ - لقد عاش أبو حنيفة بالعراق ، فكان به مولده ومنشؤه ومقامه ومدرسته ،ومدن العراق فى آخر العصر الأموى وصدر العصر العباسى كانت تموج بعناصر مختلفة من فرس ، وروم ؛ وهنود مع العرب؛ وإن المجتمع الذى يكون على هذه الشاكلة تكثر فيه الأحداث الإجتماعية؛ إذ تبدو فيه مظاهر مختلفة من تفاعل تلك الخصائص ، ولكل حادثة حكمها من الشرع . فإن الشريعة الإسلامية شريعة عامة تحكم بالإباحة والمنع فى كل الأحداث. ومن شأن دراسة هذه الأحداث أن توسع عقل الفقيه ، وتفتق ذهنه إلى استخراج المسائل، وتوسع فيه ناحية الفرض والتصور ، ووضع مقاييس ، لها بعض العموم المجموع الفروع المتباينة . ٧٣ - ثم العراق مع هذه الميزة الاجتماعية التى امتاز بها ، له ميزة أخرى فكرية ، فقد كان موطن الفرق المختلفة ؛ والنحل المتباينة ؛ ففى ربوعه كان الشيعة معتدلطم وغلاتهم ، وفيه كان المعتزلة ، وفيه كان الجهمية ، والقدرية ، والمرجئة، وغيرهم ، ففيه بهذا حركة فكرية ، ويظهر أنه من قديم الزمان كان محلا للنزعات العقلية المتضاربة ، ولقد قال ابن أبى الحديد فى شرح نهج البلاغة فى صدد بيان السبب فى منشأ الفرق الغالية من الشيعة فى العراق ما نصه: «ومما ينقدح لى فى الفرق بين هؤلاء القوم (الروافض) وبين الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء من العراق ، وساكنى الكوفة ، وطينة العراق مازالت تنبت أرباب الأهواء ، وأصحاب النحل العجيبة ، والمذاهب البديعة ، وأهل هذا الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد ، وشبه معترضة المذاهب ، وقد كان منهم فى أيام الأكاسرة مثل مانى ، وديصان ، ومزدك، وغيرهم ، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان ) . وترى من هذا أن العراق كان مزدحم الآراء فى المعتقدات فى الإسلام وفى القديم ، وذلك لأنه كان يسكنه منذ القدم عدة طوائف من نحل مختلفة ، والمذاهب التى نشأت به فى القديم يبدو فيها اختلاط العقائد المتضاربة ، فالديصانية - ٨٣ - والمانوية ليست إلا مزجاً لثنويه المجوس بالمبادىء النصرانية ، وهكذا ترى فيه كثيراً مما ظهر من النحل المختلفة، وفى استنباط ، عقيدة من عقيدتين، أو عدة عقائد. ٧٤ - هذا هو العراق الذى عاش فيه أبو حنيفة، ولقد كان فى العصر الأموى وصدر العصر العباسى ، مستراداً لأفكار ومذاهب تدس بين المسلمين فى الخفاء لتفسد عقيدتهم ، أو لتحيرهم فى أمور دينهم ، وتلبس عليهم حقه السائغ القويم بأمور يصعب على العقل ازدرادها ، أولا يعرف العقل البشرى حقيقة كنها، مثل البحث فى القضاء والقدر ، وإرادة الإنسان، أهى حرة فيكون التكليف معقولا، والجزاء مقبولا، أم أن الإنسان ليس له إرادة حرة فيبحث عن حكمة التكليف وداعيته وغايته (١)، وكانت هذه المجادلات تثار بين المسلمين بتدبير خفى، (١) الكلام فى مسألة القدر وحرية الإرادة الإنسانية قديم، وظهر فى العصور الإسلامية الأولى، ولكنه لم يكن قوياً فى عصر الراشدين، ولم يكن يثير جدلا بينهم، ويروى أن عمر رضى الله عنه أتى بسارق ، فقال: لم سرقت: فقال قضى الله على فأمر به، فقطعت يده وضرب أسواطاً ، فقيل له فى ذلك ، فقال القطع للسرقة ، والجلد لما كذب على الله. وقد زعم بعض الذين اشتركوا فى قتل عثمان أنهم ماقتلوه، إنما قتله الله، وحين حصبوهقال بعضهم له: اللّه هو الذى يرميك: فقال عثمان رضى الله عنه: كذبتم لو رمانى الله ما أخطأنى. ولما جاء عهد على رضى الله عنه وكثرت المناقشات حول الخلافة ، ثم حول مرتكب الذنب ، كانت المناقشة فى أمر القدر، وجاء فى شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد: «قام شيخ إلى على رضى الله عنه، فقال أخبر نا عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء الله وقدره، فقال على: ((والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطنا، ولاهبطنا واديا إلا بقضاء الله وقدره. فقال الشيخ: فيعند الله أحتسب عناى، ما أرى لى من الأجر شيئاً، فقال أيها الشيخ؛ لقد عظم الله أجركم فى مسيركم، وأنتم سائرون، وفى منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا فى شىء من حالاتكم مكرهين ، ولا مضطرين، فقال الشيخ، وكيف والقضاء والقدر ساقانا، فقالى: ويحك لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتما . لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهى، ولم تأت لائمة من الله لمذنب، لا محمدة المحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسىء أولى بالذم من المحسن ، تلك = - ٨٤ ٠- وترتيب محكم ليضطربوا فى فهم دينهم، وليجد خصوم الإسلام منفذاً ينالون منه ، وليستطيعوا أن يقيموا المحاجزات بين دينهم وتأثير الإسلام فى المعتنقين له . ولقد كان ذلك الدس الخفى لتشكيك المسلمين ، وتفريق آرائهم وإثارة المنازعات الفكرية بينهم ، له مظاهره الواقعة التى لا يشك فى دلالتها على أن أفكار غريبة عن الإسلام والمسلمين تذاع بينهم لتثير جدلهم : ووجدنا فى كتاب العصر العباسى من يشير إلى تلك الأيدى الخفية ، فوجدنا الجاحظ فى بعض رسائله يحصى بعض ما يذكره النصارى فيما بينهم ليثيروا بين المسلمين ، أفكاراً يجدون فيها حماية للمسيحية. ولقد وجدنا فى تاريخ بعض المسيحيين ، وهو يوحنا الدمشق الذى كان فى خدمة الأمويين إلى عهد هشام بن عبد الملك ما يدل على أنه كان يعلم المسلمين ما يجادلون به المسلمين فى شأن دينهم ، وقد جاء فى تراث الإسلام أنه كان يقول : (( إذا سألك العربى ما تقول فى المسيح فقل إنه كلمة الله، ثم ليسأل النصرانى المسلم بم سمى المسيح فى القرآن ، وليرفض أن يتكلم بشىء، حتى يجيب المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول ((إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه « فإذا أجاب بذلك فاسأله عن كلمة الله وروحه مخلوقة، أو غير مخلوقة ، فإن قال مخلوقه فلیرد عليه بأن الله كان ، ولم تكن له كلمة ولا روح ، فإن = مقالة عباد الأوثان ، وجنود الشيطان ، وشهود الزور أهل العمى عن الصواب، وهم قدر ية هذه الأمة ومجوسها ، إن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً، وكلف تيسيراً، ولم يعص مغلوباً ولم يطلع كارهاً ، ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا: ((ذلك ظن الذين كفروا، فويل الذين كفروا من النار)) فقال الشيخ، فما القضاء والقدر اللذان ماسرنا إلا بهما ، فقال: هو الأمر من اللّه والحكم، ثم تلا قوله سبحانه: (( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)). فنهض الشيخ مسروراً، وهو يقول: أنت الإمام الذى نرجو بطاعته يوم النشور من الرحمن رضوانا جزاك ربك عنا فيه إحسانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً - ٨٥ - قلت ذلك ، فسيفهم العربى؛ لأن من يرى هذا الرأى زنديق فى نظر المسلمين)). وترى من هذا أنه يبين مواضع الحجة فى نظره ، وكيف بفحم العربى ، ثم يجرهم إلى مسألة قدم كلام اللّه تعالى ليدرىء بها فى دعواه، وإن كانت لا تغنى فى الحق فتيلا ، لأن إضافة الكلمة إلى الله ، وكون الروح من الله لا يدلان على قدمهما لأن الكلمة التى يخلقها الله سبحانه ليست قديمة ، وكذلك الروح الذى يخلقه ، وسمى عيسى بكلمة الله، لأنه نشأ بمجرد كلمة الله كن فكان؛ ومن غير توسيط أب، وكذلك سمى روحا ، لأن المادة الأولى للحى بمقتضى السنة العامة ، لم تكن طريقة إيجاده ، والأشخاص يوصفون بأظهر أحوالهم . ثم هو يلقنهم ما يعد نقداً لمبادىء الإسلام ، فيتكلم فى تعداد الزوجات ، وفى الطلاق، وفى المحلل ، ثم يثير بينهم أكاذيب حول النبى صلى الله عليه وسلم ، فيخترع قصة عشق النبى لزينب بنت جحش ، وهكذا ، ثم يذكر أن تقديس الحجر الأسود كتقديس الصليب ، وهكذا . ولا يكتفى بكل ذلك ، بل يدفع بالمجادلين ، ليجروا المسلمين إلى الخوض فى مسألة القدر، وإرادة الإنسان وحرية هذه الإرادة وخيرها (١)، ويقذف بالعقل العربى فى تيه من المجادلات ، ويثير بينهم طائفة من المشاكل الفكرية المعقدة ، تضليلا للمسلمين، وإيقاعا للفرقة بينهم، وإثارة للأهواء والنحل ، وليتفرقوا شيعاً وأحزاباً فكرية ، وكل ذلك من رجل احتضنه الملك الأموى ، ورباه، ورعی أباه. ٧٥ - ولقد كان بجوار ذلك الاحتكار الفكرى ، حركة فكرية أخرى ابتدأت فى العصر الأموى ، ونمت وأتت أكلها فى العصر العباسى ، تلك هى حركة الاتصال بالفلسفة اليونانية ، فقد ابتدأت فى عهد الأمويين فقد قال ابن خلكان فيه: ((إن خالد بن يزيد بن معاوية، كان من أعلم قريش بفنون العلم وله كلام فى صنعة الكيمياء والطب ، وكان بصيراً بهذين العلمين متقناً لهما ، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته ، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال له مریانس. (١) جاء هذا فى كتاب تراث الإسلام، وكتاب المخطوطات العربية للأب لويس شيخو - ٨٦ - الرومى وله فيها ثلاث رسائل تضمنت إحداها ماجرى له مع مريانس المذكور ،» وصورة تعلمه منه ، والرموز التى أشار إليها ،. ولقد نمى ذلك الاتصال باتساع حركة الترجمة التى نقلت إرسال الفكر اليونانى والفارسى والهندى فى العصر العباسى، ولقد كان لذلك أثره فى الفكر الإسلامى، وكان تأثيره مختلف الأنواع ، على حسب قوة العقل والدين عند من نال من هذه الفلسفة ، فمن الناس من كانت له عقول مستقيمة، وإيمان صادق ، فكانوا بقوة. عقولهم وقوة إيمانهم يسيطرون على ما يرد إليهم من أفكار ، فتهضمها نفوسهم ويستفيدون منها نماء فى تفكيرهم ومداركهم ، ورياضة فى عقولهم، ومنهم من لا تقوى نفوسهم على احتمالها ، فتضطرب عقولهم عند ورودها بين قديمها وجديدها ، فتكون فى فوضى فكرية لا استقرار فيها ، ولذلك رأينا قوماً بعضهم شعراء ، وبعضهم كتاب، وبعضهم ينتسبون للعلم ، قد غزتهم تلك الأفكار فلم تقو على هضمها عقولهم ، فاضطربوا وصاروا حائرين . ولقد وجد بجوار هؤلاء زنادقة كانوا يعلنون آراء مفسدة للجماعة الإسلامية ، ويتناجون بأمور هادمة للإسلام، ويدبرون الأمر كيداً لأهله وتهويناً لشأنه ، ومنهم من كانوا يريدون نقد الحكم الإسلامى، وإحياء الحكم الفارسى القديم ، كما حدث من المقنع الخرسانى، الذى خرج على الدولة العباسية من بعدفى عهد المهدى. ٨٦ - كانت الأمور السابقة كلها سبباً فى حدوث منازعات فكرية، والتحام بين آراء وعقائد متباينة مضطربة ؛ وإذا كان أبو حنيفه رضى الله عنه ، قد عاش فى هذا العصر ، وفى العراق مكان ذلك التناحر الفكرى ، فلا بد أنه خاض فيه ، وقد خاض فيه خوض المسلم الفاهم لدينه ؛ فدافع الأهواء المختلفة والنحل المتباينة ، وكان له فى الكلام مع الفرق المختلفة رأى معلوم ومقام مشهود ، وتكون من مجموع ما أثر عنه - آراء حول العقيدة . ٧٧ - هذه هى المنازع الفكرية، ونوع تأثيرها فى ذلك الفقية العظيم؛ ولنتجه. إلى ذكر كلمة عن هذا العصر من ناحية علوم الدين . - ٨٧ - لقد كان العلم فى صدر الإسلام، الاتجاه فيه إلى التلقى بالاستماع، ولكن عندما انصرفت طوائف من الناس للعلوم المختلفة يدرسونها؛ ويذكرونها ، اتجه العلماء فى آخر العصر الأموى إلى التدوين ، وأخذت العلوم الدينية والعربية تتميز ، وصاركل علم له علماء قد اختصوا به ، يتفننون فيه، ويضبطون قواعده ، لذلك أخذ الفقهاء والمحدثون فى تدوين الحديث والفقه فى آخر العصر الأموى ، فقد كان فقهاء الحجاز يجمعون فتاوى عبد الله بن عمر، وعائشة ، وابن عباس ، ومن جاء بعدهم من كبار التابعين فى المدينة ، وينطرون فيها . ويستنبطون منها ، ويفرعون عليها ؛ كما كان العراقيون يجمعون فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا على وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة ، ثم يستخرجون منها ، ويستنبطون ، فلما جاء العصر العباسى اتسعت آفاق التدوين فى الحديث مرتباً ترتيباً فقهياً . ولم يكن مقصوراً على هؤلاء، فقد كان فقهاء الشيعة يدونون آراءهم، وقد كشفت بعض الآثار فى ميلانو فوجد مخطوط منسوب للإمام زيد الذى استشهد سنة ١٢٢، كما علمت ، وهو فى الفقه ، وهو أصل كتاب المجموع المطبوع المتداول الذى ينسب إلى ذلك الإمام ، وسواء أصحت النسبة أم لم تصح، فمن المؤكد أن الشيعة الزيدية فى عصر أبى حنيفة كانت لها آراء معروفة لديه؛ وقد عرف فى بيان حياته أنه كان متصلا بزيد رضى الله عنه، وكان متصلا اتصالا علمياً بجعفر الصادق ومحمد الباقر ، فهو كان بلاريب على علم بفقه الزيدية، وأئمة الإمامية الإثناعشرية والإسماعيلية. ٧٨ - والعصر كان عصر مناظرات وجدل ، فمناظرات شديدة اللجب، قوية الأثر بين الفرق المختلفة ، وبين الشيعة والجماعة ، وبين الخوارج وغيرهم، وبين أهل الأهواء جملة ، وبين المعتزلة ، والمدافعين عن الآراء الإسلامية ، والعقيدة السلمية القويمة ، يرحل العلماء لأجل هذه المناظرات، وقد رأيت أن أبا حنيفة قد رحل إلى البصرة نحوا اثنتين وعشرين مرة لأجل مناظرة الفرق الكثيرة المختلفة ، وكان بعض علماء البصرة يرحلون إلى الكوفة ليناظروا أهلها . وكانت المناظرة الفقهية فى موسم الحج، وعند التقاء العلماء ، فترى أبا حنيفة - ٨٨ - يتناظر مع الأوزاعى ومع مالك رضى الله عنهم فى الحجاز، وكانت مجادلات الفقهاء أخصب وأعم خيراً ، وأكثر إنتاجاً من مجادلات الفرق المختلفة . ولقد وجد نوع من الجدل سببه التعصب البلد ، فعلماء البصرة يجادلون علماء من الكوفة ، ويتعصب كل لبلده راجياً بنصرته خاره ، ودافعاً بالهزيمة عاره ، وكان ذلك أحياناً يجرى بين الممتازين المخلصين من العلماء ولننقل لك نوعاً من هذا الصنف وإن كان خفيفاً . فمنها ما كان فى المحادثة التى كانت فى أول لقاء بين يوسف بن خالد السمتى وأبو حنيفة، وها هى ذى كما فى مناقب ابن البرازى: ((قال هلال بن يحيى الرأى ، سمعت يوسف ابن خالد السمتى يقول : كنت أختلف إلى عثمان البتى ، وكان يذهب مذهب الحسن المعتزلى، وأبن سيرين، فأخذت من مذاهبهم ، وناظرت عليها، ثم استأذن للخروج إلى الكوفة لتلقى مشايخها ، والنظر فى مذاهبهم، والاستماع عنهم، فدلونى على سليمان الأعمش ، لأنه أقدمهم فى الحديث ، وكانت معى مسائل فى الحديث ، وكنت سألت عنها المحدثين ، فلم أجد أحداً يعرفها ، فذكرت ذلك فى حلقة الأعمش فقال إيتونى به، فمضيت إليه ، فقال : لعلك تقول . أهل البصرة أعلم من أهل الكوفة، كلا ، ورب البيت الحرام ، ما ذاك كذلك، وما أخرجت البصرة إلا قاصاً أو معبراً أو نائحاً، والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها، ولكن من مواليها، يعلم من المسائل مالا يعلمه الحسن ، ولا ابن سيرين ، ولا قتادة ولا البتى، ولا غيرهم ، وغضب علىّ غضباً شديداً ، حتى خفت أن يضربنى بعصاه، ثم قال لبعض من حضره: إذهب به إلى مجلس النعمان ، فوالله لو رأى أصغر أصحابه لعلم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جواباً، ودخل فى قلبى من الرعب ما اللّه تعالى به عالم، فقام الرجل، واتبعته، فلما خرج من المسجد ، قال: النعمان يكون فى بنى حرام، فسل عنه، فإنه بهذا المسائل أعلم ، ولى شغل لا يمكن لى المصير إليه فرجت أسأل عنه قبيلة بعد قبيلة، حتى أتيت بنى حرام فى آخر القبائل ، وقد دخل وقت العصر ، فإذا بکهل قد أقبل ، حسن الوجه حسن الشباب - ٨٩ - وخلفه غلام أشبه الناس به ، فلما دنا سلم، ثم صعد المئذنة ، فأذن أذاناً حسناً ، فتوسمت فيه أنه النعمان ، ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين، واجتمع نفر من أصحابه ، وتقدم فأقام وصلى بهم صلاة أهل البصرة فلما سلم استند إلى المحراب ، وأقبل بوجهه إلى الناس، فياهم، ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله فلما انتهى إلىّ قال: كأنك غريب من أهل البصرة ، وقد نهيت عن مجالستنا !! قلت نعم ، قال فما اسمك ؟ فأخبرتة باسمى ونسبى ، ثم سأل عن كنيتى ، فأخبرته ، فقال: أكنت من المختلفين إلى البتى؟ قلت نعم ، قال : لو أدركنى لترك كثيراً من قوله ، ثم قال : هات ما معك، وابدأ قبل أصحابك ، فإن بك وحشة مغربة ، وحق لمثلك من المتفقهة ، التقدم ، ولكل داخل دهشة، ولكل قادم حاجة فسألته عن المسائل التى كانت مشكلة علىّ، فأجابى ، فيكيت ما جرى بينى وبين الأعمش فقال حفظك الله يا أبا محمد ، يحب أن ينوه باسم بلده ... ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين، كان كل منها يتكلم فى الآخر بما يصدق قول الأعمش ، كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلى ، ويقول : يأجذ الجوائز من السلطان، ويروى المحالات، ويقول بالهوى، ويقول بالقدر، كأنه إله الأرض يتفرد بالفعل دون ربه، فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد الحذاء يوماً من مجلسه ، وقال: مهلا يا ابن سيرين ، كم تقول فى هذا الرجل ، قد استتبته عن القدر عام حجة، فتاب ، ويتوب الله على من تاب ، وقال عليه السلام: لا تعيروا أحداً بما كان من الكفر ، فإن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك))، ثم ما أعجب ما قال خالد ، وهذا محمد بن واسع قتادة ، وثابت البناتى ، ومالك بن دينار ، وهشام بن حسان ، وأيوب، وسعيد بن عروبة، وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر، حتى مات ، وهذا عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وغيلان بن جرير، ويونس بن بشير يدعون الناس إلى مذهب الحسن : هلم أهل البصرة جراً على هذا المذهب . وكان الحسن يعرض بابن سيرين ، ويقول : يتوضأ بالقربة ، ويغتسل بالراوية صباحاً دلكا دلكا ، تعذيباً لنفسه وخلافاً لسنة نبيه عليه السلام ، يعبر الرؤيا - ٩٠ - كأنه من آل يعقوب عليه السلام، فدع عنك أيها الرجل هذا ، وهلم فيما قصدت إليه، وتعلم مالا يسعك جهله، إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبداً ، والله تعالى يقول: ((ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم))، ولولا ما جرت به المقادير ، واختلفت الطبائع ما اختلفت ، ولكن كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ... ثم سكت، فقلت: ما تقول : فيما اختلفوا فيه من القدر؟ قال أهل البصرة وأهل الكوفة اختلفوا فى القدر على ما علمت، وكبر عمرو عن الطوق ، وهذه مسألة قد استصعبت على الناس ، فأنى يطيقونها ! ! هذه مسألة مقفلة قد ضل مفتاحها ، فإن وجد مفتاحها علم ما فيها، لم يفتح إلا بمخبر من اللّه، يأتى بما عنده ، ويأتى ببينة وبرهان، وقد فات ذلك ، والذى نقول قولا متوسطاً بين القولين . لا جبر ولاتفويض ولا تسليط ، والله تعالى لا يكلف العباد بما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يعلمون ، ولا عاقبهم بما لم يعملوا ، ولا سألهم عما لم يعملوا، ولا رضى لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم والله أعلم بما نحن فيه، والصواب الذى عنده، ونحن مجتهدون ، وكل مجتهد مصيب ، إلا أنه لم يكلفهم الاجتهاد فيما ليس لهم به علم ، والله ولى كل نجوى ، وإليه رغبة كل راغب ، وفقنا اللّه تعالى وإياك لما يحب ويرضى)) (١). ٧٩ - هذه مقالة أبى حنيفة ليوسف بن خالد السمتى ، وقصة التقائه به، وقد نقلناها لك مع طولها ، لأنها تكشف عما كان يجرى من التعصب العلمى للبلاد ، فأهل البصرة يتعصبون لعليها وعلمائها ، وكذلك أهل الكوفة متعصبون كذلك ، ولعل ذلك يكشف بعض الأسباب فى حدة الجدل بين أهل الحجاز وأهل العراق فلم يكن السبب هو اختلاف المنهج الفكرى فقط، بل كان التعصب الأقليمى مضافاً إليه ، يزيده وأواراً . وهى تكشف أيضاً عن الاختلاف بين العلماء ، وحدة النقد بينهم أحياناً . فهذان من اثنان من التابعين هما: الحسن ، وابن سيرين، ومكانتهما من علم هذا الدين. (١) راجع المناقب لابن البزازى = ١ ص ٨٥ وما يليها . - ٩١ - مكانتهما ، قد اختلفت مناهجهما، وتناول كل واحد منهما طريقة الآخر بالنقد المر القوى ، مستهجناً إياه . وهى تكشف عن كثرة الاختلاف فى المسائل الشائكة بما يؤدى إلى أن يخرج كل شخص مخالفه، ثم هى تكشف أخيراً عن عظم إدراك أبى حنيفة لروح عصره ومدارك علمائه، وفهمه لنفوسهم ، واتجاهات تفكيرهم، محتفظاً باستقلال فكره ، محكما عقله فى آرائهم ، فاحصً لها فحص الخبير المستمكن، والمفكر المستدرك، لا يهم. بعقله فى متاهات يضل فيها ، ولا يعمل عقله فيما لا يكون فى طوقه ، ولا يجهده فيما هو فوق مدارك الفكر الإنسانى، ويعد مسألة القدر من المسائل التى ضل مفتاحها . ٨٠ - هذه هى الاتجاهات الاجتماعية والفكرية فى عصر أبى حنيفة، وهذا. بيان عام لها ، ولقد نكتفى بهذا العموم فى بعضها ، وبعضها يحتاج إلى تخصيص. بذكر مجمل لها ، وهى المسائل التى كانت تمس شخصيته الفكرية، سواء فى ذلك. ما يتعلق بمذهبه فى علم الكلام ، وما يتعلق باجتهاده الفقهى الذى أذاع فكره. ومن هذه المسائل مسألة الرأى والحديث التى كانت مثار الجدل بين فقهاء العصر ، وفيها كان اختلاف مناهجهم ، والثانية فتوى الصحابى والتابعى . ثم نتكلم بإيجاز فى الفرق الدينية والسياسية، لأن أبا حنيفة خاض فيها خاضت فیه هذه الفرق ، وكان له رأی فی کثیر مما تصدت له . + ٩٢ - السنة والرأى ٨١ - لقد وجد من لدن وفاة النبى صلى الله عليه وسلم إلى عصر الشافعى جماعة من الفقهاء اشتهروا بالرأى)) وجماعة اشتهروا بالرواية ، فكان من فقهاء الصحابة من اشتهر بالرأى وجماعة منهم اشتهروا بالحديث وروايته ، وكذلك التابعون وتابعوهم، ثم الأئمة المجتهدون أبو حنيفة، ومالك، وفقهاء الأمصار، منهم من اشتهر بالرأى ، ومنهم من اشتهر بالحديث ، ولنبين ذلك بعض التبيين متوخين الإيجاز. يقول الشهر ستانى فى الملل والنحل: ((إن الحوادث والوقائع فى العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعدد ، ونعلم قطعاً أنه لم يرد فى كل حادثة نص ، ولا يتصور ذلك أيضاً ، والنصوص إذا كانت متناهية ، والوقائع غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى على قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار ، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد ، ومن أجل ذلك كان الصحابة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم أمام حوادث لا تتناهى، ولا تحصر ، وبين أيديهم كتاب الله، والمعروف من سنن رسول اللّه بَ لَّه، فلجئوا إلى الكتاب يعرضون عليه ماجد من حوادث ، فإن وجدوا حكما صريحاً حكموا به ، وإن لم يجدوا فى الكتاب الحكم واضحاً اتجهوا إلى المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستثاروا ذاكرات أصحابه ليعلنوا حكم النبي صلى الله عليه وسلم فى أمثال قضاياهم، فإن لم يكن بينهم من يحفظ حديثاً اجتهدوا آراءهم ، ومثلهم فى ذلك مثل القاضى المقيد بنصوص قانون إذا لم يجد فى النص ما يحكم به فى قضية بين يديه طبق ما يراه عدلا وإنصافاً . هكذا كانوا يسيرون ، يعرضون القضية على الكتاب ثم على السنة ، وإلا فالرأى ، ولقد جاء فى كتاب عمر لأبى موسى الأشعرى : ((الفهم الفهم فيما تلجلج فى صدرك مما ليس فى كتاب ولا سنة ، اعرف الأشباه والأمثال ، وقس (الأمور عند ذلك)). - ٩٣ - ٨٢ - أخذ الصحابة بالرأى ، ولكن اختلفوا فى مقدار أخذهم ، ففريق. أكثر منه ، وفريق أخذ به قليلا ، وكان يغلب عليه التوقف إن لم يجد نصاً من كتاب أو سنة متبعة . والحق فى أمرهم - رضى الله عنهم - أنهم كانوا يتفقون فى الاعتماد على الكتاب والسنة المعروفة إن وجدت ، فإن لم يجدوا سنة معروفة عندهم اتجه المشهورون من فقهائهم إلى الرأى ، ولقد كان بعضهم يتشكك فى حفظه لحديث رسول الله أوفتواه فى الأمر ، فيؤثر ألا يحدث ، وأن يفتى برأيه، خشية أن يقع فی الکذب على رسول الله صلواته وسلامه علیہ یروی أن عمران بن حصین کان يقول: ((والله إن كنت لأرى أنى لو شئت لحدثت عن رسول الله عَ ليه يومين متتابعين، ولكن أبطأنى عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول اللّه معد له سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويتحدثون أحاديث ، ما هى كما يقولون، وأخاف أن يشبه لى كما شبه لهم))، وقال أبو عمرو الشيبانى : كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا، إِ لا يقول قال رسول اللّه ◌َ لَّمٍ ، فإذا قال قال رسول الله سَبِّ، استقلته رعدة، وقال هكذا، أو نحو ذا، أو قريب من ذا)). وكان عبد الله ابن مسعود هذا يؤثر الفتوى برأيه ويتحمل تبعته إن كان خطأ عن أن يقع فى الكذب على رسول الله، ولقد قال بعد أن أفتى فى مسألة برأيه: ((أقول هذا برأيي ، فإن كان صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان))، ولقد كان يطير فرحاً إذا وافق رأيه حديثاً نقله بعض الصحابة ، كما هو المشهور فى مسألة المفوضة التى قضى لها بمهر مثلها ، فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله ګ قد قضی بمثل ما قضى به . ولقد كان الفريق الثانى يأخذ على الذين يفتون بآرائهم أنهم يفتون فى دين الله بغير سلطان من كتاب أو سنة . والحق أن الصحابة كانوا بين حرجين دينيين اتبعثا من قوة وجدانهم الدينى ، (أحدهما) أن يكثروا من التحديث عن رسول الله اللهم لكى يعرفوا أحكام - ٩٤ - الأحداث التى تحدث ، وذلك خشية الكذب عليه، جاء فى كتاب حجة الله البالغة الدهلوى: ((قال عمر رضى الله عنه حين بعث رهطاً من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماًلهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية)). و(ثانيهما) أن يفتوا بآرائهم فيما لم يشتهر فيه أثر عن النبي ◌ُّه، وفى ذلك تهجم على التحليل والتحريم بآرائهم. فمنهم من اختار التحدث عن رسول اللّه وَ التّ والوقوف عند الأثر، ومنهم من اختار الرأى فيما لم يشتهر عن الرسول، فأفتى برأيه ، فإن علم حديثاً بعد ذلك رجع عن رأيه إلى الحديث ، وقد روى ذلك عن كثير من الصحابة ، منهم عمر رضى الله عنه. ٨٣ - جاء بعد الصحابة تلاميذهم، وهم التابعون، وفى عهدهم حدث أمران: ( أحدهما) أن المسلمين انقسموا إلى أحزاب وشيع، وكانت ريح الخلاف شديدة عنيفة هائجة ، فكان بأسهم بينهم شديداً ، وسهل عليهم أن يتراموا بألفاظ :الكفر والفسوق والعصيان ، وأن يتراشقوا بنبال الموت، وأن تشجر بينهم السيوف. لقد انقسمت الأمة إلى خوارج وشيعة ، وأموية ، وساكنون رضوا ببلاء الله الذى نزل ، وبعدوا عن الفتنة، فلم يخوضوا فيها، وكان الخوارج فرقاً مختلفة . أزارقة وإباضية ، ونجدات، وأسماء أخرى ، والشيعة كانوا نحلا متباينة ، ومنهم من شذ فى آرائه حتى خرج بها عن الإسلام إن كان قد دخل فيه ، إذ منهم من كانوا دخلاء فى الإسلام أظهروا الدخول فيه ، لإفساده على أهله ، فلا يهمهم أن يقوم عمود هذا الدين ، إنما مهمتهم أن ينقضوا أساسه ، لتستعيد ملتهم القديمة قوتها وسلطانها أو على الأقل ليثأروا لها من أزالوا شوكتها ، أو يعيش المسلمون فى ظلام الفتن الطخياء، فيطفئوا نور الله . ولقد صاحب هذا ، على أنه نتيجة له ، أن قلت الحرية الدينية عند بعض الناس، فكثر التحدث الكاذب عن رسول اللّه مَ له، حتى لقد أفزع الأمر المؤمنين ، وأخذوا الأهبة للقضاء على هذه الموضوعات وكشفها ، ففكر - ٩٥ - عمر بن عبد العزيز فى تدوين السنة الصحيحة ، ودراستها، وتحرى الصادق من بين الأحاديث المروية . ( ثانيهما ) أن المدينة قد نقص سلطانها العلمى قليلا ، فقد كانت فى عهد الصحابة خصوصاً فى عهد عمر ، الذى يعد العهد الذهبى الاجتهاد الفقهى ، عش العلماء والفقهاء من الصحابة لا يخرجون منها إلا وهم متصلون اتصالا علميا بها ، يتراسلون فى المسائل التى تحدث ، لأن سنة عمر كانت تقضى باحتجاز كبار الصحابة من قريش داخل ربوع الحجاز لا يعدوه كبراؤهم ، فلا يتجاوز الحرتين كبار المهاجرين والأنصار إلا بإذن منه، وهو عليهم رقيب، فلما قضى عمر، وخرجوا إلى الأقاليم، صار لكل طائفة منهم مدرسة فقهية تروى عنه وتسلك طريقه، فلما جاء عصر التابعين - وهم تلاميذ أولئك الفقهاء الذين بقوا فى المدينة أو نزحوا عنها - صار لكل مصر فقهاؤه فتباعدت الأنظار بتباعد الأمصار واختلافها ، إذ كل مأخوذ بعرف إقليمه ، والمسائل التى ابتلى بها ذلك الإقليم ، ثم هو قبل ذلك متبع طريقة الصحابى الذى نزل بذلك الإقليم ، وناقل أحاديثه الذى رواها ، وانتشرت بينهم عنه ، فظهرت بسبب ذلك ألوان مختلفة من الفكر الفقهى ، وكل يتحرى فيما يفتى به أن يكون تحت ظل الدين يستمد من الكريم والسنة النبوية . ٨٤ - وقد رأينا فى عصر الصحابة أنهم كانوا يسيرون على منهاجين : (أحدهما) يكثر فيه الرأى ، وتقل الرواية ، ويرجع إليها إن وجدت بعد الرأى و(ثانيهما) يغلب عليه الرواية، ولا يعدل عنها، ويؤثر ألا يفتى حيث لارواية عن أن يتهجم على دين برأيه. وفى عصر التابعين اتسعت الفرجة بين المنهاجين وسار كل منهما فى مدى أوسع ما سار فيه مسابقون، فقد رأينا الذين يؤثرون الرواية يزيدون فى الاستمساك بطريقتهم ، ويرون فيها عصمة من الفتن التى أدلهمت واشتدت ، فإنهم لم يجدوا العصمة إلا فى الأخذ بالسنة، والآخرون يرون كثرة الكذب على الرسول ، وأسباب ذلك الكذب ، ثم يرون بسبب الأحداث التى تجد ، ضرورة الحكم، ثم تغزوهم أفكار جديدة بالاحتكاك بالأمم التى فتح الإسلام بلادها، ثم - ٩٦ - كانت كثرة التابعين من الموالى وهم من ورثة الحاملين لتلك المدنيات القديمة ؛ لذلك اتسعت المسافة بين الطريقين ، ولم تكونا قريبتين ، وقد كانت من قبل كذلك ، حتى كان يعسر التمييز بينهما . وأساس الاختلاف ليس فى الاحتجاج بالسنة ، بل فى أمرين : فى الأخذ بالرأى ، وفى تفريغ المسائل تحت سلطانه ، فقد كان أهل الأثر لا يأخذون بالرأى إلا اضطراراً ، كما يضطر المسلم إلى أكل لحم الخنزير ، ولا يفرعون المسائل ، فلا يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تقع ، بل يفتون إلا فيما يقع من الوقائع ، ولا يعدون المسائل الواقعة إلى النظر فى أمور مفروضة . أما أهل الرأى فيكثرون من الإفتاء بالرأى ما دام لم يصح لديهم حديث فى الموضوع الذين يجتهدون فيه ، ولا يكتفون فى دراستهم باستخراج أحكام المسائل الواقعة، بل يفرضون مسائل غير واقعة ، ويضعون لها أحكاماً بآرائهم ، وكان أكثر أهل الحديث بالحجاز، لأنه موطن الصحابة الأول ومكان الوحى، ولأن التابعين الذين أقاموا به تخرجوا على صحابة لم يكثروا من الرأى ، ومن كان منهم تلميذاً لصحابى أكثر من الرأى اكتفى برواية آرائه ، وأكثر أهل الرأى كانوا بالعراق، لأنهم تخرجوا على عبد الله ابن مسعود، وهو من كانوا يتحرجون فى الراوية عن رسول اللّه ◌َ الله خشية أن يشبه له ، ولا يتخرج فى الاجتهاد برأيه ، وإن صح الحديث عنده فى الموضوع الذى اجتهد فيه رجع إلى الحديث ، ولأن أكثر رواة الحديث كانوا بالحجاز ، ولأن بالعراق فلسفة وعلوماً وكانت به مدارس قديمة ، وإن من يتأثرون بهذه الطريقة يلائمهم الاجتهاد بالرأى، وخصوصاً أن أسباب الرواية لم تتوافر عندهم. ٨٥ - أتسعت فرجة الاختلاف بين فقهاء الرأى وفقهاء الحديث فى عصر التابعين ، كما رأيت فلما جاء عصر تابعى التابعين وعصر المجتهدين أصحاب المذاهب كانت الفرجة أكثر اتساعاً، فكان الخلاف أشد فى مطلع عصر المجتهدين أصحاب المذاهب ، ثم لما التقى الفريقان فيه أخذ كل يقبس من الآخر ، فأهل الحديث خرجوا عن التوقف ، واضطرهم خروجهم إلى الأخذ بالرأى فى بعض الأحوال، - ٩٧ - وأهل الرأى لما رأوا السنة قد دون بعضها، والآثار قد أخذوا فى تمحيصها ، أخذوا يؤيدون آراءهم بالحديث ويعدلون عنها إن صح لديهم حديث لم يكونوا على علم به. عند إفتائهم بما كانوا قد ارتأوا بآرائهم . ولنوضح ذلك بعض التوضيح ، لأن هذا هو العصر الذى نما فيه الفقه ؛ ولكنا نتوخى الإيجاز . فى هذا العصر لم تنقطع موجة الكذب على الرسول صلوات الله وسلامهعليه وكان اتجاه الفرق للدفاع عن آرائها بالقول يجرى على الألسنة أو الأقلام - سبباً فى شيوع أحاديث انتحلتها الفرق انتحالا ، ونشروها بين جمهور المسلمين وقد ذكر القاضى عياض بعض الكاذبين وأسباب كذبهم على رسول اللّه ◌َ الله فقال: ,(هم أنواع: منهم من يضع عليه ما لم يقله أصله، إما ترافعاً واستخفافاً كالزنادقة وأشباههم ، وإما حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث فى الفضائل والرغائب، وإما إغراباً وسمعة كفسقة المحدثين، وإما تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصى المذاهب ، وإما أتباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه ، وقد تعين جماعة من كل طبقة من الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال .. ومنهم من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع المتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً ، ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها ، أو يتعمد ذلك ، إما للإغراب على غيره ، وإما لرفع الجهالة عن نفسه ، ومنهم من يكذب ، فيدعى سماع مالم يسمع ، ولقاء من لم يلق ، ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم ، ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبى مؤ لّه، (١). كانت هذه الموجة من الكذب فى عصر الاجتهاد وإنشاء المذاهب سبباً فی أمرين : (أحدهما ) اتجاه المحدثين إلى تمحيص الرواية الصادقة واستخراجها من بين. الدخيل ليتميز الخبيث من الطيب ، فدرسوا رواة الأحاديث وتعرفوا أحوالهم ، (١) راجع كتاب تاريخ التشريع الإسلامى لأستاذنا المرحوم محمد (بك) الخضرى ص٨٢ . ( ٧ أبو حنيفة)