النص المفهرس

صفحات 41-60

- ٣٨ -
كشأنه فى ما ضيه، لا يزيد فى نقمته على النقد والكلام فى غضون درسه أحياناً
وأن يظهر منه الولاء لبنى على ؛ الفينة بعد الفينة ؛ لا يدعو إلى فتنة ؛ ولا يمتشق
حساماً ؛ وكذلك شأن العلماء لا يشغلون عن علمهم ؛ إلا بالقدر اليسير الذى
يرضون به أحاسيسهم بالمحبة والرضا فيما يحبون ويرضون ، ولقد كان أبو جعفر
يعرف ذلك أو يظنه ، فكان يغضى أحياناً ويختبر أحياناً ، حتى كانت المأساة .
٣١ - هذا إجمال نعرض له ببعض التفصيل فيما يتصل بأبى حنيفة رضى الله عنه.
خرج محمد النفس الزكية بالمدينة على أبى جعفر المنصور سنة ١٤٥ ، وكان
يواليه أهل خراسان وغيرهم ؛ ولكنه كان بعيداً عنهم ؛ غير متحيزين إليه ؛
فلم يكن له منهم نصرة؛ وإن كان له منهم الولاء والمحبة والرضا .
ويروى أن مالكا بالمدينة أفتى بجواز الخروج مع محمد ، فقد جاء فى تاريخ
ابن جرير ، وابن كثير ، وأنه أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبد اللّه، فقيل له : فإن فى
أعناقنا بيعة للمنصور؛ فقال : إنما كنتم مكرهين ، وليس لمكره بيعة ، فبايعه
الناس عند ذلك على قول مالك ، ولزم مالك بيته))(١).
وانتهى أمر محمد هذا بقتله، كما انتهى أمر أخيه إبراهيم الذى خرج بالعراق.
واستولى على كثير من مدائنة ، وهاجم الكوفة - بقتله أيضاً .
وإذا كان لمالك على هذه الرواية فتواه فى جواز الخروج مع محمد على المنصور
وقد حوسب على ذلك بالضرب والأذى ، فقد كان لأبى حنيفة موقف أشد من
موقف مالك، فقد كان يجهر بمناصرته فى درسه، بل وصل الأمر إلى أن ثبط بعض
قواد المنصور عن الخروج لحربه، يروى: ((أن الحسن بن قحطبة أحد قواد المنصوب
دخل على أبى حنيفة وقال: عمل لا يخفى عليك، فهل لى من توبة ، قال . إذا عـ
اللّه تعالى أنك نادم على ما فعلت ، ولو خيرت بين قتل مسلم، وقتلك لاخترت قتلك
على قتله ، وتجعل مع اللّه عهداً على ألا تعود، فإن وفيت فهى توبتك. قال الحسن
إنى فعلت ذلك، وعاهدت اللّه تعالى ألا أعود إلى قتل مسلم، فكان ذلك إلى أن ظه
(١) البداية والنهاية لابن كثير جـ ١٠ ص ٨٤.

- ٣٩ -
إبراهيم بن عبد الله الحسنى العلوى، فأمره المنصور أن يذهب إليه، فجاء إلى الإمام،
فقص عليه القصة . فقال جاء أوأن توبتك ، إن وفيت بما عاهدت فأنت تائب ،
وإلا أخذت بالأول والآخر ، نجد فى توبته وتأهب وسلم نفسه إلى القتل ،
ودخل على المنصور ، وقال : لا أسير إلى هذا الوجه إن كان لله تعالى طاعة
فى سلطانك فما فعلت، فلى منه أوفر الحظ ، وإن كان معصية حسبى ، فغضب
المنصور ، وقال حميد بن قحطبة أخوه: إنا نكره عقله منذ سنة ، وكأنه خلط
عليه ، وأنا أسير ، وأنا أحق بالفضل منه ، فسار ، فقال المنصور لبعض ثقاته :
من يدخل عليه من الفقهاء فقالوا. إنه يتردد على أبى حنيفة))(١) .
هذا بعض ما يروى عنه، ولئن صحت روايته ، لكان هذا العمل فى نظر المنصور
من أخطر الأعمال على دولته، لأنه تجاوز فيه أبو حنيفة حد النقد المجرد، والولاء
القلى، إلى العمل الإيجابى، وإن كان عمله مقصوراً على الإفتاء ، وإن المفتى تجب عليه
النصيحة فى دين الله من غير تمويه للباطل، ولا تحسين للفاسد، ولا تزيين لغير الحق.
ومهما يكن القول فى هذه الرواية فهى تؤكد الثابت فى التاريخ من أن أباحنيفة
.كان يجهر بنقد الخليفة وأعماله بالنسبة للعلويين ، وذلك يتفق مع ماضيه ، ومع
علاقته بذرية على ، فقد كانت له علاقة بزيد كما علمت ؛ وكان جعفر الصادق ذا صلة
وثيقة به ، وكان محمد الباقر على اتصال به ، وكان هو تلميذاً لعبد الله بن حسن
أبى إبراهيم ومحمد كما نوهنا، فإذا جاءت الأخبار بولائه لهم، وآلامه لما أصابهم،
فذلك هو الذى يتفق مع المنطق النفسى لأبى حنيفة ؛ ويصل حاضره بماضيه .
٣٢ - ولم يكن موقف أبى حنيفة ليخفى عن أعين المنصور المترقبة المترصدة
وخصوصاً أنه فى الكوفة، ولذلك أراد أن يختبر طاعته وولاءه له، وكانت الفرصة
قد سنحت ، فقد كان يبنى بغداد، وأراد أن يجعله قاضياً، فامتنع ، فأبى وأصر
المنصور على أن يتولى له عملا أياً كان، فيبين الصريح عن الرغوة،ويكشف نيته،
وكان أبا حنيفة أدرك أن المقصود هو رقبته، فأراد أن يفوت رغبته، فيروى أنهقبل
(١) مناقب أبى حنيفة لابن البزازى ج ٢ ص ٠٢٢

- ٤٠ -
أن يعد اللبن فى بنائها، فقد جاء فى رواية ساقها ابن جرير الطبرى خلاصتها: ((أن
المنصور أراد أبا حنيفة على القضاء بها فامتنع ، خلف المنصور أن يتولى معه ،
وحلف أبو حنيفة ألا يتولى ، فولاه القيام بأمر المدينة ، وضرب اللبن ، وأخذ
الرجال بالعمل ، فتولى ذلك ، حتى فرغوا من استتمام حائط المدينة ما يلى الخندق ،
وقال ابن جرير: ((وذكر عن الهيثم بن عدى أن المنصور عرض على أبى حنيفة
القضاء والمظالم ، فامتنع ، خلف ألا يقلع عنه ، حتى يعمل له ، فأخبر بذلك
أبو حنيفة، فدعا بقصة، فعد اللبن ، ليبر بذلك يمين أبى جعفر،(١).
فوت أبو حنيفة على هذه الرواية مقصد أبى جعفر ، ويظهر أن ذلك كان
فى الوقت الذى جمع رءوس العلويين ووضعهم فى السجون ، وصادر أموالهم ،
وحرمهم مما أقطعهم سلفه أبو العباس، سواء أ كان ذلك قبل مقتل ولدى عبد الله
ابن الحسن أم بعد مقتلهما ، فذلك الاختبار كان على أى حال فى وقت المنازعة
بين أبى جعفر والعلويين .
٣٣ - جملة الأخبار تنى. إذن أن أبا حنيفة استطاع بهذا اللين الذى لم يمس
قلبه ودينه أن يغمض عنه العين المترقبة وقتاً ، وقد أغمض عنه عين المنصور ،
وإن لم يكن الإغماض كاملا ، فقد كان يحدث منه الوقت بعد الآخر كلام يحصيه
عليه ، وإن كان يؤجل حسابه .
وقبل أن ننتقل إلى ذكر بعض هذه الأمور التى جعلت أبا جعفر ينزل به
ما أنزل يغير حق؛ نقول إن المأساة التى نزلت به لم تكن عقب خروج إبراهيم
ابن عبد الله أخى النفس الزكية ، بل كانت بعد ذلك بخمس سنوات ؛ إذ خروج
إبراهيم ومقتله كان سنة ١٤٥؛ وموت أبى حنيفة كان سنة ١٥٠؛ ولم يكن قبل
ذلك بإجماع الرواة .
ولذلك نرى البحث العلمى يوجب علينا رفض بعض ما رواه الخطيب فى تاريخ
بغداد عن زفر رضى الله عنه، وهذا نصه: «كان أبو حنيفة يجهر بالكلام أيام إبراهيم
(١) تاريخ ابن كثير = ١٠ ص ٩٧ ٠

- ٤١ -
جهاراً شديداً ، فقلت له: والله ما أنت بمنته؛ حتى توضع الحبال فى أعناقنا؛ قال :
فلم يلبث أن جاء كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى أن أحمل أبا حنيفة، قال :
فحمله إلى بغداد فعاش خمسة عشر يوماً ، (١) .
ليس لنا إلا أن نرفض الجزء الأخير من هذه الرواية؛ لأن مقتل إبراهيم
بعد خروجه كان سنة ١٤٥؛ كما بينا ؛ فلا يمكن أن يكون حمله إلى بغداد عقب
خروجه ؛لأن بينهما خمس سنين كماذكرنا، وفى كتب الأخبار أخلاط كثيرة من
هذا النوع فيجب الاحتياط عند قبولها؛ وتحرى الصادق منها، وليس ذلك سهلا .
٣٤ - كان أبو حنيفة بعد مناوأة العلويين للمنصور ، وإيذائه لهم وقتله
لرءوسهم لا يرتاح إلى حكومته؛ وقد استطاع أن يدرأ عنه أذاه ؛ وانصرف إلى
العلم كشأنه ؛ ولكن كان من وقت لآخر يقول بعض أقوال ؛ أو تكون أمور
منه تكشف عن رأيه فيه وفى حكمه ؛ ولنذكر أمرين قد عثرنا عليهما ؛ ومن
شأنهما أن يثيرا شكوك المنصور أو اتهامه :
(أحدهما) أن أهل الموصل كانوا قد انتقضوا على المنصور؛ وقد اشترط
المنصور عليهم أنهم إن انتقضوا تحل دماؤهم له ؛ جمع المنصور الفقهاء؛ وفيهم
أبو حنيفة ؛ فقال : أليس صح أنه عليه السلام قال : المؤمنون عند شروطهم ،
وأهل الموصل قد شرطوا ألا يخرحوا علىّ؛ وقد خرجوا على عاملى ؛ وقد حلت
لى دماؤهم ؛ فقال رجل : يدك مبسوطة عليهم ؛ وقولك مقبول فيهم ، فإن عفوت
فأنت أهل العفو؛ وإن عاقبت فما يستحقون ؛ فقال لأبى حنيفة ما تقول أنت
ياشيخ؛ ألسنا فى خلافة نبوة ؛ وبيت أمان ؟ قال: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه
وشرطت عليهم ما ليس لك ؛ لأن دم المسلم لا يحل إلا بأحد معان ثلاثة ، فإن
أخذتهم أخذت بمالا يحل ؛ وشرط اللّه أحق أن توفى به ؛ فأمرهم المنصور بالقيام
فتفرقوا ثم دعاه وقال . يا شيخ؛ القول ما قلت ؛ انصرف إلى بلادك؛ ولا تفت
الناس بما هو شين على إمامك؛ فتبسط أيدى الخوارج، (٢).
(١) تاريخ بغداد × ١٣ ص ٣٣٠
(٢) المناقب لابن البزازى - ٢ ص ٠١٧

- ٤٠٢ -
وهذا ما تذكره كتب المناقب؛ ولقد وجدناه فى الكامل لابن الأثير فى حوادث
سنة ١٤٨؛ فقد جاء فيه: ((وعامة همدان شيعة لعلى؛ وعزم المنصور على إنقاذ
الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها، فأحضر أباحنيفة ؛ وابن أبى ليلى، وابن شبرمة
وقال لهم إن أهل الموصل شرطوا لى أنهم لا يخرجون ؛ فإن فعلوا حلت دماؤهم
وأموالهم؛ وقد خرجوا؛ فسكت أبو حنيفة؛ وتكلم الرجلان ؛ وقالا : رعيتك
فإن عفوت فأهل ذلك أنت؛ وإن عاقبت فيما يستحقون ؛ فقال لأبى حنيفة أراك
سكت ياشيخ، فقال: يا أمير المؤمنين أباحوا ما لا يملكون، أرأيت لو أن امرأة
أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين ؛ أكان يجوز أن توطأ؟ قال : لا.
وكف عن أهل الموصل؛ وأمر أبا حنيفة وصاحبيه بالعودة إلى الكوفة ، (١).
وسوق الخبر على هذا النحو مقبول ، كرواية المناقب؛ وهو لا يختلف فى
معناه عنها ، ولكن فى بعض أجزائه خطأ ، لأنه ذكر أن ابن شبرمة كان من
صحب أبا حنيفة فى هذا الاستفتاء ، وذكر أن ذلك فى حوادث سنة ١٤٨؛ وابن
شبرمة قد توفى سنة ١٤٤؛ كما تذكر كتب التراجم، وابن الأثير نفسه (٢)؛
ولذلك تكون رواية المناقب أصدق قيلا؛ وأدق فى هذا تحريراً.
(الأمر الثانى) من الأمور التى كشفت رأيه فى حكومة أبى جعفر ، أنه
أرسل إليه هدية يختبره فى قبولها فاعتذر عنها . فقد جاء فى المناقب للمكى: أنه أرسل
إليه أبو جعفر بجائزة عشر آلاف درهم وجارية ، وكان عبد الملك بن حميد وزير
أبى جعفر فيه كرم وجيد الرأى فقال لأبى حنيفة عندما رفضها: «أنشدك الله
إن أمير المؤمنين يطلب عليك علة فإن لم تقبل صدق على نفسك ما ظن بك ، فأبى
عليه ، فقال أما المال فقد أثبته فى الجوائز ، وأما الجارية فاقبلها أنت منى ، أو قل
عذرك، حتى أعذرك عند أمير المؤمنين ، فقال أبو حنيفة: إنى ضعفت عن النساء ،
(١) الكامل لابن الأثير جه ص٢١٧.
(٢) الكامل = ٥ ص ١٩٦ ..

- ٤٣ -
كبرت ، فلا أستحل أن أقبل جارية لا أصل إليها ، ولا أجترىء أن أبيع جارية
خرجت من ملك أمير المؤمنين )» .
٣٥ - هذه أمثلة مما كان يحدث بينه وبين المنصور ، وهو يترصده ، ويتتبع.
أخباره ، وكان فى حاشيته من يحرض عليه ، ويجعله فى ظن من أقواله وفتاويه ،
ولكنه يمضى فى أقواله وفتاوية التى يعتقد أنها الحق لا يهمه أرضوا عنه أم سخطوا،
ما دام قد أرضى الله وأرضى الحق وضميره ، وإن كانت حاشية السوء تثير أحقاد.
المنصور عليه، ولاقن فى تحريضه عليه بالأذى .
روى الخطيب عن أبى يوسف أنه قال: «دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع
حاجب المنصور - وكان يعادى أبا حنيفة -: يا أمير المؤمنين ، هذا أبو حنيفة
يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس يقول: إذا حلف على اليمين ، ثم استثنى بعد
ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة لا يجوز الاستثناء إلا متصلا
باليمين ، فقال أبو حنيفة : يا أمير المؤمنين ، إن الربيع يزعم أنه ليس لك فى رقاب
جندك بيعة ، قال وكيف ؟ قال يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم ، فيستثنون ،
فتبطل أيمانهم ، فضحك المنصور ، وقال: ياربيع لا تعرض لأبى حنيفة. فلما خرج
قال الربيع أردت أن تشيط بدمى ! قال: لا ، ولكنك أردت تشيط بدمى ،
خلصتك وخلصت نفسى)،(١) .
ويروى الخطيب أيضاً: «أن أبا العباس الطوسى كان سىء الرأى فى أبى حنيفة،
وكان أبو حنيفة يعرف ذلك ، فدخل أبو حنيفة على أبى جعفر ، وكثر الناس ،
فقال الطوسى اليوم أقتل أبا حنيفة ، فأقبل عليه ، فقال : يا أبا حنيفة ، إن
أمير المؤمنين يأمر الرجل منا بضرب عنق الرجل ، لا يدرى ما هو ، أيسعه
أن يضرب عنقه، فقال: يا أ! العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحق ، أم بالباطل.
قال بالحق ، قال أنفذ الحق حيث كان ، ولا تسل عنه ، ثم قال أبو حنيفة لمن قرب.
منه إن هذا أراد أن يوثقنى فربطته)،(٢).
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٣٦٥.
(٢) = ١٣ ص ٣٦٦ من تاريخ بغداد .

- ٤٤ -
٣٦ - ومن المناسب أن نذكر هنا موقفاً لأبى حنيفة لعله كان الذريعة التى
اتخذ منها المنصور السبيل لإنزال الأذى بذلك الإمام العظيم، وذلك أن الأخبار
تستفيض بأن الإمام رضى الله عنه كان ينقد أحكام قضاة الكوفة إذا خالفت رأيه،
ويصرح بخطئها فى أوقات صدورها، ولمن قضى عليهم فيها ، أو قضى لهم بها. ولقد
كان ذلك يثير حفيظة القاضى عليه ؛ ويجعله يظن به السوء ؛ وقد يدفعه إلى القول
فيه عند الأمراء ؛ بل يروى أن بن أبى ليلى قاضى الكوفة قد شكاه فعلا ، وجاء
الأمر بمنعه من الفتوى حيناً ؛ ثم أبيحت له الفتوى بعد الحظر .
لقد جاء فى كتب المناقب وفى تاريخ بغداد أن ابن أبى ليلى قد نظر فى أمر.
امرأة مجنونة قالت لرجل يا ابن الزانيين ؛ فأقام عليها الحد فى المسجد ، قائمة ؛
وحدها حدين ، حداً لقذف أبيه، وحداً لقذف أمه ؛ فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال
أخطأ فيها فى ستة مواضع : أقام الحد فى المسجد ، ولا تقام الحدود فى المساجد ؛
وضربها قائمة، والنساء يضربن قعوداً، وضرب لأبيه حداً؛ ولأمه حداً، ولو أن
رجلا قذف جماعة كان علیه حد واحد، وجمع بین حدین ، ولا يجمع بين حدين ؛
حتى يخف أحدهما ، والمجنونة ليس عليها حد ، وحد لأبويه، وهما غائبان ولم يحضرا
فيدعيا . فبلغ ذلك ابن أبى ليلى فدخل على الأمير ، فشكاه إليه ، وحجر على
أبى حنيفة ، وقال : لا يفتى ؛ فلم يفت أياماً ، حتى قدم رسول من قبل ولى العهد ،
فأمر أن يعرض مسائل على أبى حنيفة حتى يفتى فيها ، فأبى أبو حنيفة ، وقال أنا
محجور علىّ، فذهب الرسول إلى الأمير ، فقال الأمير : قد أذنت له ، فقعد
فأفتى ،(١) .
کان أبو حنيفة فى نقده لا يفرق بين حکم يحكم به القاضى ، ويلزم به العامة فى
خطئه وصوابه ، وبين فتوى يفتيها الفقيه ، ولا يلزم بها أحد ، بل ربما كان نقده
للفتوى التى يرى فيها خطأ أخف حدة من نقده لحكم ينفذ، ويترتب عليه ظلم واقع
فى نظره ، إذ يكون تألمه من الظلم مذكياً لحرارة اللوم ، ودافعاً للقول الناقض
(١) راجع المناقب لابن البزازى ج ١ ص ١٦٦، وتاريخ بغداد ج ١٣ ص ٣٥٦.

- ٤٥ -
الهادم؛ وقد يكون ذلك من الجانب النفسى له مبرراته ، إذ أن خطأ القاضى تهدر به
نفوس أو تضيع أموال؛ أو تذهب حرمات؛ أو تسقط حقوق ؛ أو تقرر مظالم ؛
ولكن من الناحية العامة النظامية يجب أن يكون للأحكام احترامها ، ليأتى الإلزام
بها ؛ ويقتنع المقضى عليه بعدالتها ؛ فيرعوى عن غوايته، وتستتب الأمور ،
ويستقيم عمودالحكم ، ولئن أخطأ القاضى ونفذ قضاؤه، وسترخطؤه ، لكان ذلك
أحفظ للحقوق وأصون ، وخطأ قليل يغتفر ، وينبه إليه فى سر من غير إعلان ،
خير من أن يضطرب النظام ، ولا تحترم الأحكام ، ولا يطمئن الناس إلى نظر
القضاء. ولقد كنا نود لأبى حنيفة الفقيه العظيم ، والإمام المتبع ، لو جعل نقده
لأحكام القضاة فى خفية ، وبالكتب يكتبها إليهم، أو فى تقرير يرسله إلى ولى
الأمر برأيه، إن لم تجد المكاتبة بينه وبينهم .
٣٧ - ومهما يكن موقف أبى حنيفة من أحكام القضاء، فلقد كان ابن أبى
لیلی لا یتلقی نقد أبى حنيفة بصدر رحب ، بل ربما عاداه بسبب ذلك النقد، وربما
دفعته المعاداة إلى أن ينال أبا حنيفة بالأذى يدبره له حتى لقد يروى أن أبا حنيفة
قال عنه: ((إن ابن أبى ليلى ليستحل منى ما لا أستحله من حيوان)) (١)، فإذا كنا
أخذنا على أبى حنيفة نقده لأحكام ابن أبى ليلى، وشدته فى نقدها ، وعدم تحرجه
من أن يكون النقد على ملأ من الناس ، فأنا لنأخذ على قاضى الكوفة أنه جعل.
العلاقة بينهما عداوة بسبب ذلك النقد ، وربما كانت المودة تخفف من حدته ،
وتجعله فى دائرة العلماء ، أو فما بينه .
٣٨ - وجدنا أبا حنيفة يميل إلى العلويين، ويبدو ذلك على لسانه فى حلقة
درسه ، وبين تلاميذه ، ووجد ناه يجهر بمخالفة المنصور فى غاياته عندما يستفتيه ،
وربما كان ذلك الاستفتاء ليكشف ما فى نفسه ، فإذا انكشف له ، نهاه عن أن
يكون منه عبارات يتخذ منها الخارجون على الإمام تحلة لأيمانهم ، والانتقاض على
إمامهم ، ورأيناه يمتنع عن قبول عطاء من المنصور، وربما كان ذلك أيضاً للكشف.
(١) المناقب للكى .

- ٤٦ -
عن خبيئة نفسه، لا تجرد السخاء، فيرفض العطاء، ويصرح له بعض المخلصين له من
حاشية الخليفة بأنه يريد أن يبحث له عن علة ، ويدعوه إلى قبول ما يهدى إليه ،
ليدفع الظنة عن نفسه ، فيصر على الاعتذار ، ووجدناه ينقد القضاء النقد المر إذا
وجد فيه ما يخالف الحق فى نظره ، من غير أن يلتفت إلى ما يجره ذلك النقد من
ضياع روعة الأحكام .
٣٩ - ولقد ضاق صدر المنصور حرجاً من أبى حنيفة، بل إنه برم به
وبمواقفه معه وقت أن علم بميله للعلوين، وأدته اختباراته المختلفة إلى تأكد ذلك ،
ثم كانت جملة من فتاويه التى استفتاء فيها تؤكد ما تأكد لديه، ولكنه لم يجد حيلة
للقضاء عليه ، لأنه لم يتجاوز فى عمله حلقة درسه ، ولم یکن متهماً فى دينه ، فيؤخذ
بزيغه ، ولا متهماً فى عمل من أعماله، فيؤخذ بظاهر من عمله ، بل كان العالم الثبت
الثقة الورع التقى السخى، الذى تسايرت الركبان بذكر علمه وفضله وتقاه وهديه ،
فليست له حيلة عنده مادام لم يمتشق حساماً ، ولم يخرج مع خارجة ، ولكنه متململ
منه ومتبرم به، ولقد وجد الفرصة سانحة فى عرضه القضاء عليه. وإبائه أن يتولى.
عرض عليه أن يكون قاضى بغداد ، وبذلك يكون القاضى الأول للدولة ،
فإن قبل ، كان ذلك دليلا على إخلاصه ، أو على طاعته المطلقة للمنصور ، وإن
رفض كان ذلك ذريعة للنيل منه أمام العامة من غير حريمة دينية . لأنه إذا كان
فاضلا فى نظرهم ، فامتناعه امتناع عن واجب فى عنقه ، فليحمل على ذلك الواجب
ببعض الأذى ينزل به . وما ينزل به من أذى ، إنما هو لإكراهه على ما هو
فى مصلحة الناس أجمعين ، لا للكيد له ، ولا لظلمه ، إنما ليؤدى ضريبة العلم
والفضل بالقيام بحق العامة فى علمه وفضله ، وهو القضاء بينهم .
ولأنه كان ينتقد قضاء القضاة أحياناً فق عليه أن يجلس فى الكرسى الأول
للقضاء، لير شد القضاة إلى ما يجب ، ويحملهم على الصواب ما أمكن ؛ وهو الفقيه
الذى كانت فتاويه حاكمة على الأقضية بالتصحيح وبالتزييف ؛ فإذا امتنع من تولى
ذلك المنصب ، فذلك حكم على سابق نقده للأحكام بأنه كان مجرد الهدم ؛ إذ قد
لا حت له فرصة البناء فامتنع .

- ٤٧ -
ولأنه إذا كان الفقيه الأول فى نظر أهل العراق ، فقد تحرى الخليفة
الصواب إذا أراد أن يجعله القاضى الأول ، فإن امتنع ، فمن الصواب أن يكره
على ذلك ، وليس فى الإكراه ظلم ظاهر ما دامت الغاية رفع منار الحق بولايته .
٤٠ - دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة ليتولى القضاء فامتنع، فطلب إليه
أن يرجع إليه القضاة فيما يشكل عليهم ، ليفتيهم فامتنع ، فأنزل به العذاب بالضرب
والحبس أو الحبس وحده على اختلاف الروايات ، هذه هى خلاصة القصة ،
ولنذكرها كما جاءت فى كتب التاريخ والمناقب منقولة عن الرواة .
جاء فى المناقب للموفق المكى: ((أن أبا حنيفة لما أشخص إلى بغداد خرج
ملتمع الوجه وقال: ((إن هذا دعانى للقضاء، فأعلمته أنى لا أصلح ، وإنى لأعلم
أن البينة على المدعى ، واليمين على من أنكر؛ ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل
يكون له نفس ، يحكم بها عليك وعلى ولدك وقوادك ، وليست تلك النفس لى ،
إنك لتدعونى فما ترجع نفسى حتى أفارقك، قال: فلم لا تقبل صلتى ، فقلت ما وصلنى
أمير المؤمنين من ماله بشىء فرددته ، ولو وصلنى بذلك لقبلته ، إنما وصلنى
· أمير المؤمنين من بيت مال المسلمين، ولا حق لى فى بيت مالهم، إنى لست من يقاتل
من ورائهم ، فآخذ ما يأخذ المقاتل ، ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذ الولدان ،
ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذ الفقراء، قال : فأقم تأتك القضاة فيما لعلهم أن
يحتاجوا إليك فيه)،(١) .
وجاء فى المناقب لابن البزازى: ((أن أبا جعفر حبس أبا حنيفة على أن
يتولى القضاء ويصير قاضى القضاة ، فأبى حتى ضرب مائة وعشرة أسواط، وأخرج
من السجن على أن يلزم الباب ، وطلب منه أن يفتى فيما يرفع إليه من الأحكام ،
وكان يرسل إليه المسائل ، وكان لا يفتى ، فأمر أن يعاد إلى السجن، فأعيد، وغلظ
عليه ، وضيق تضييقاً شديداً، (٢).
(١) المناقب للمكى ج ١ ص ٢١٥.
(٢) المناهب لابن البزازى جـ ٢ ص ١٩.

- ٤٨ -
وجاء فى تاريخ بغداد: أشخص أبو جعفر أبا حنيفة ، فأراده على أن يوليه
القضاء ، فأبى ، خلف ليفعلن، خلف أبو حنيفة ألا يفعل ، خلف المنصور ليفعلن
خلف أبو حنيفة ألا يفعل . فقال الربيع الحاجب ألا ترى أمير المؤمنين يحلف ،
فقال أبو حنيفة : أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر منى ، وأبى أن يلى فأمر به
إلى الحبس ».
وجاء فيه أيضاً عن الربيع ابن يونس : (( رأيت أمير المؤمنين ينازل أبا حنيفة
فى أمر القضاء، وهو يقول: « اتق الله، ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله،
والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب ، ولو اتجه الحكم عليك
ثم هددنى أن تغرقنى فى الفرات ، أو أن ألى الحكم لاخترت أن أغرق ،
لك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك ، فلا أصلح لذلك ، فقال له : كذبت،
أنت تصلح ، فقال: قد حكمت على نفسك ، كيف يحل لك أن تولى قاضياً على
أمانتك وهو كذاب ،(١).
٤١ - ذكرنا هذه الروايات، لنضع بين يدى القارىء ما تجرى به الروايات
المختلفة فى المحنة التى أنزلها المنصور بأبى حنيفة ، وإن اختلاف المجاوبات بين
أبى حنيفة والمنصور باختلاف الروايات لا تدل على تضاربها ، بل تدل على أن
العرض قد اختلفت مجالسه ، وتعددت وتباينت الأقوال فيه ، فهو مرة يعرض
عليه القضاء ثم الإفتاء ، ويناقشه الحساب فى أمر رفض العطاء، وفى مجلس آخر
يشدد عليه فى عرض القضاء ، وأبو حنيفة يشدد فى الرفض مختاراً أن يغرق فى
الفرات عن أن يلى القضاء، لو خير بين الأمرين ، ومرة ثالثة يحلف عليه المنصور
أن يلى ، فيحلف أبو حنيفة ألا يلى ، وتنتهى الأيمان بينهما إلى الحبس ، بعد أن
يثير الربيع بن يونس الحاجب أبا جعفر بما يغمزة من قول ، وقد ذكرنا ما كان
بين أبى حنيفة وبينه من عداوة ، أو بالأحرى ما كان يكنه لأبى حنيفة من بغض،
وهذه الروايات تدل فى مجموعها على جملة أمور :
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٢٣٧، ٠٣٢٩

- ٤٩ -
أولها - أن أبا حنيفة عندما رفض القضاء ما كان يرفضه لأنه لا يوالى
المنصور فقط، بل يرفضه لأنه يراه عملا خطيراً ، ربما لا تقوى نفسه على احتماله ،
ولا يقوى ضميره على تلقى تبعاته ، ولا تقوى إرادته على ضبط نفسه عن أهوائها
فى الأمور التى تكتنف منصبه ، ولا يقوى على تنفيذ الحق فی کل الناس فهو يرى
فى القضاء محنة تسهل دونها كل محنة، ولقد كنا نعتقد جازمين أنه يرفضه لذلك فقط،
وأنه لا يطوى فى ثنايا الرفض أى نزعة سياسية لأبى حنيفة ، لولا أنه رفض الإفتاء
أيضاً ، والإفتاء إنما يكون فيما يشكل على القضاة، وقد اختبر فى الإفتاء ، فكان
القوى الجرىء ، اللهم إلا أن يقال إن إفتاءه عندما تعرض عليه مسائل القضاء
حكم، وهو لا يريد الحكم بأى شكل من أشكاله ، بل ربما كان ذلك الحكم الذى
ينطوى عليه الإفتاء أخطر من الحكم بعد النظر فى المسألة ، لأنه من غير دراسة
الموضوع ، وتلمس الحق من أقوال المتقاضين، وما يبدر على ألسنتهم ، وغير
ذلك مما يستقى فى مجلس القضاء .
نافيها - أن أبا جعفر كان يتظئن فى الأمر الذى يحمل أبا حنيفة على الرفض،
فلم يعتقد أنه مجرد التحوب والتحرج والابتعاد عن تحمل تبعات الحكم ، ولذا سأله
عن السبب فى رفض العطاء ، ولو لم يكن ثمة ارتباط بين رفض القضاء ورفض
العطاء ما وجه هذا السؤال ، وقد تبين من مجرى الحوادث أن أسباب التظنن
كانت ثابتة . وأن من الحاشية من كانوا يثيرونها إذا سكنت نفسه ، ويوجهون
نظره إلى ما يثبتها إن كانت مجاوبة بينهما .
ثائرا - أن أبا حنيفة لم يكن رقيقاً فى أجوبته ، فلم يتكلم بمعسول القول،
ولم يتخذ الحيلة مخرجاً ، فكان يجأر بالحق غير مبال بالنتائج ، بل مترقباً لها محتلا
صبوراً ، فهو يرفض القضاء ، ويرفض الإفتاء من غير تحايل ، ويصرح بأن رفض
العطاء لأنه من بيت مال المسلمين ، وما كان ذلك يحل له ، ثم يقسم الخليفة ، فيقسم
أيضاً ولا يبالى ، ويغمز الربيع فى القول فلا يبالى أيضاً، لأنه احتسب الأمر ،
وأشرف فيه على النهاية ، واللّه يتولى الجزاء .
( ٤ أبو حنيفة )

- ٥٠ -
٤٢ - وانتهى الأمر بأن أنزلت المحنة بأبى حنيفة، وقد اتفق الرواة على أنه
حبس، وأنه لم يجلس للإفتاء والتدريس بعد ذلك ، إذ أنه مات بعد هذه المحنة
أو معها ، ولكن اختلفت الرواية: أمات محبوساً بعد الضرب الذى تكاد الروايات
تتفق عليه أيضاً ؟ أم مات محبوساً بالسم فلم يكتف بضربه ، بل سقى ذلك الشيخ
السم ليعجل موته ، ولا يستمر فى السجن طويلا ؟ أم أطلق من حبسه قبل موته ،
فمات فى منزله بعد المحنة ، ومنع من التدريس والاتصال بالناس ؟ لقد ذكرت
الروايات الثلاث فى كتب المناقب وغيرها ، فروى أنه استمر بعد الضرب فى
الحبس حتى مات، وروى عن داود بن راشد الواسطى أنه قال: ((كنت شاهداً
حين عذب الإمام ليلى القضاء ، كان يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط ،
حتى ضرب عشرة ومائة سوط ، وكان يقال له أقبل القضاء ، فيقول لا أصلح ،
فلما تتابع عليه الضرب قال خفياً: ((اللهم ابعد عنى شرهم بقدرتك، فلما أبى
دسوا عليه السم فتمتلوه)) .
وجاء فى المناقب لابن البزازى أنه ((بعد أن حبس وضيق عليه مدة كام
المنصور بعض خواصه ، فأخرج من السجن ، ومنع من الفتوى والجلوس للناس.
والخروج من المنزل ، فكانت تلك حالته إلى أن توفى)،(١).
ونحن نميل إلى هذه الرواية الأخيرة ؛ لأنها هى التى تتفق مع سياق الحوادث
وما عرف عن المنصور، وذلك لأن المنصور كان لا يحب أن يظهر بمظهر المضطهد
للعلم والعلماء ، وإذا كانت الحوادث قد اضطرته لإنزال الأذى بأبى حنيفة، فتمد
وجد مبرراته ، والمنطق أن يكتفى بما يتفق مع هذه المبررات، وهو إكراهه على
القضاء فلم يكن التعذيب لمجرد الانتقام ، بل كان فى الظاهر للحمل ، ولم يؤد إلى
نتيجته ، فلا يلج فيه حتى لا تظهر نيته ؛ والمعقول أن يكون من بين خواصه من
يشفع لهذه الشيخوخة التقية التى لم يكن منها أذى للخليفة ، وإن خالفته ، ثم يجب
أن يكون للعامة حساب يخشى ، فلا يسترسل فى العذاب ، والرواة متفقون على أنه
(١) راجع المناقب لابن البزازى ج ٢ ص ١٥ وما يليها .

- ٥١ -
أوصى بأن يدفن فى جانب من المقبرة لم يجر فيه غصب دون الجانب الآخر ، لأنه
غصب ، وما كانت تلك الوصية ، إلا وهو خارج الحبس ، وقبيل الوفاة، ولقد
كان فى منعه من الاتصال بالناس ، والتدريس ما يوجب اطمئنان الخليفة ،
فلا معنى لأن يستمر الحبس ، ولقد ذكر أن المنصور قد صلى على قبره بعد موته ،
وما كان المنصور ليفعل ذلك لو كان مات فى محبسه .
٤٣ - مات أبو حنيفة كما يموت الصديقون والشهداء، وكان ذلك سنة ١٥٠،
وقيل سنة ١٥١ ، وقيل سنة ١٥٣، والصحيح الأول ، وقد كان فى الموت راحة
لذلك الضمير المعنى ، ولذلك الوجدان الدينى المرهف ، ولذلك القلب القوى
ولذلك العقل الجبار ، ولتلك النفس الصبور التى لاقت الأذى ، فاحتملته ، لاقته
من المخالفين فى الآراء ، ورميت بكل رمية ، فتحملتها مطمئنة راضية مرضية ،
ولقيت الأذى من السفهاء، ثم لقيته من الأمراء ، ثم الخلفاء ، وما ضعفت
وما وهنت، وإذا كان للنفوس جهاد، ولجهادها ميادين، فأبو حنيفة رضى الله عنه
كان من أعظم أبطال ذلك النوع من الجهاد ، ومن انتصر فى كل ميادينه ،
وكان جلداً فى جهاده قوياً فى جلاده ، حتى وهو يلفظ النفس الأخير ، فهو
يوصى بأن يدفن فى أرض طيبة لم يجر عليها غصب ، وألا يدفن فى أرض قد اتهم
الأمير بأنه غصبها، حتى يروى أن أبا جعفر عندما علم ذلك قال: ((من يعذرنى
من أبى حنيفة حياً وميتاً ، .
ولعظمة العلم والدين والخلق والروح روعة وتأثير فى الناس لا يقل عن عظمة
السلطان وجاه الحكام، ولذلك شيعت بغداد كلها جنازة فقيه العراق ، والإمام
الأعظم، ولقد قدر عدد من صلوا عليه بخمسين ألفاً ، حتى لقد صلى أبو جعفر
نفسه على قبره بعد دفنه كما ذكرنا ، ولا ندرى أكان ذلك إقراراً منه بعظمة
الخلق والدين، وجلال التقى، أم لإرضاء العامة؟ ولعله مزيج من الأمرين،
فقد كان أبو حنيفة عظيما حقاً .

- ٥٢ -
٤٤ - مات أبو جنيفة ببغداد ودفن بها، وعلى ذلك اتفقت الأخبار ،
ولكن هل كان قد نقل حلقة درسه بها ، لم يذكر أحد من المؤرخين أن.
أبا حنيفة قد نقل درسه إلى بغداد، والأخبار كلها تشير إلى أن درسه استمر
بالكوفة إلى أن حيل بينه وبين الدرس والإفتاء ، ففى الروايات التى تذكر محنته
إشارة إلى أنه حمل من الكوفة إلى بغداد ، وأحياناً تصرح بذلك ، وعلى ذلك
نقول إنه فى المدة التى عاشها بعد تمام بناء بغداد كان درسه بالكوفة إلى أن
أنزلت به المحنة ، ومات بعدها .
وليس معنى ذلك أنه لم يتخذ حلقة درس فى غير الكوفة ، بل المروى أنه
كان إذا ذهب إلى الحج أفتى وجادل وناظر ، وقد كان يتخذ له حلقة درس
فى المسجد الحرام أحياناً ، ثم لا نستطيع أن ننفى أنه فى المدة التى آوى فيها إلى
الحرم من مظالم الأمويين وعمالهم ، اتخذ له حلقة درس أدلى فيها بآرائه وفقهه ،
وإن كان المؤرخون وكتاب المناقب لا يذكرون شيئاً فى ذلك ، لا سلباً
ولا إيجاباً .
ومهما يكن من أمر الدروس التى كان يلقيها خارج الكوفة والمناظرات التى.
كانت تعقد بينه وبين الفقهاء كمناظراته مع الأوزاعى ، ومدارسته الإمام مالك
رضى الله عنهما بعض الآراء الفقهية، ثم مجادلاته الكثيرة بالبصرة - فدروسه
الرئيسية كانت بين أصحابه وتلاميذه بالكوفة ، حتى كان يلقب بفقيه الكوفة ..

- ٥٣ -
على أبى حنيفة ومصادرة
٤٥ - لم يعرف تاريخ الفقه الإسلامی رجلا کثر مادحوه و ناقدوه كأبى حنيفة
رضى اللّه عنه، كما ذكرنا، فقد كثرت الألسنة فى قدحه، كما ألفت الكتب الكثيرة
فى مدحه ، ذلك بأنه كان فقيهاً مستقلا قد سلك فى تفكيره مسلكا استقل به ،
. وتعمق فيه وأغور ، فكان لا بد أن يجد الموافق المعجب ، والمخالف المحفق .
ولقد كان جل من ذهوه من لم يستطيعوا مجاراته فى استقلال فكره ، أو لم تصل
مداركهم إلى أفقه ، أو من المتزمتين الذى يرون كل طريق لم يؤخذ فيه بأقوال
السلف وحدها هو بدع منكور ، وليس بحق معروف ، فقد وجدوه أكثر من
الرأى ، حيث كان يجب التوقف فى نظرهم أو الأخذ بالقليل . وبعض ناقديه ،
من جهلوه ولم يعرفوا تقاه ومروءته وما آتاه الله من فضله ، من عقل موفور ،
وعلم غزير، وقدر خطير ، ومنزلة عند العامة والخاصة ، ومهما يكن تعدد أصناف
القادحين ، وكثرة كلامهم ، ولغطهم ، فقد أنصف التاريخ فقيه العراق من شنع
عليه ، وكاد له فى حياته ، ومن افترى عليه بالكذب من بعد مماته، واستمع الناس
إلى أقوال من زكوه، وأثنوا عليه على أنها شهادة الصدق ، وقول الحق ، ثم بقيت
كلمات اللاغطين دليلا على أن الإنسان مهما يعظم قدره وفكره وإخلاصه ،
ومروءته ودينه- لا يسلم من الافتراء والامتراء، وأنه بذلك يعظم بلاؤه وجزاؤه.
٤٦ - ولقد بقيت أصوات الثناء تتجاوب فى الأجيال ، تعطر سيرة ذلك
الفقيه العظيم ؛ وقد كان الثناء على علمه وشخصه من رجال كثيرين تخالفت مناحى
تفكيرهم، واتفقوا جميعاً على تقديره، ولنذكر لك بعضاً قليلا من عبارات العلماء
الذين عاصروه ، أو قاربوه أو جاءوا بعده .
لقد قال فيه معاصره الفضيل بن عياض الذى اشتهر بالورع: « كان أبو حنيفة
رجلا فقيهاً ، معروفاً بالفقه ، واسع المال، معروفاً بالافضال على كل من يطيف به،
صبوراً على تعلم العلم بالليل والنهار ، حسن الليل ، كثير الصمت ، قليل الكلام ،

- ٥٤ -
حتى ترد مسألة فى حلال أو حرام ، فكان يحسن أن يدل على الحق ، هارباً من
مال السلطان ) (١) .
وقال جعفر بن الربيع: ((أقمت على أبى حنيفة خمس سنين ، فما رأيت أطول
صمتاً منه ، فإذا سئل عن شىء من الفقه تفتح ، وسال كالوادى ، وسمعت له دوياً
وجهارة بالكلام ،(٢) .
وقد قال فيه معاصره مليح بن وكيع: (( كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان
واللّه فى قلبه جليلا كبيراً عظيما ، وكان يؤثر رضا ربه على كل شىء ، ولو أخذته
السيوف فى الله لاحتمل، رحمه الله، ورضى الله عنه رضا الأبرار، فقد كان منهم)).
ولقد وصفه معاصره الورع التقى عبد الله بن المبارك بأنه مخ العلم (٢).
وقال فيه المحدث ابن جريج فى مطلع حياته: ((سيكون له فى العلم شأن عجيب))،
وقال فيه بعد أن كبر وذكر عنده: ((إنه الفقيه، إنه الفقيه)) .
وقال فيه بعض معاصريه . ((كان أبو حنيفة عجباً من العجب ، وإنما يرغب
عن كلامه من لم يقو عليه ، (٤) .
وقال فيه الأعمش معاصره: ((إن أبا حنيفة لفقيه)).
وقد سئل مالك عن عثمان البتى فقال : كان رجلا مقارباً . وسئل عن ابن شبرمة
فقال: كان رجلا مقارباً. وسئل عن أبى حنيفة، فقال: ((لو جاء إلى أساطينكم
هذه ، يعنى السوارى ، فقايسكم على أنها خشب لظنتم أنها خشب)،(٥).
٤٧ - لانستطيع أن نحصى أقوال من أثنوا على أبى حنيفة، فهذا الذى سقناه.
غيض من فيض، وكل من عاصره ، سواء أكان موافقاً أم كان مخالفاً - وصفه بأنه
كان فقيهاً ، ولعل أبلغ هذه الأوصاف جميعها ما ذكره عبد الله بن المبارك من أنه:
((كان مخ العلم))، فهو قد أصاب من العلم اللباب، ووصل فيه إلى أقصى مداه،
وكان يستبطن المسائل ، ويستكنه كنهها ، ويتعرف أصولها، ويبنى عليها، ولقد
(١) تاريخ بغداد = ١٣ ص ٣٤٠.
(٣) الخيرات الحسان ص ٣٢.
(٥) الانتقاء لابن عبد البر ص ١٣٦.
(٢) الكتاب المذكور ص ٣٤٠.
(٤) الخيرات الحسان ص ٣٥ .

-- ٥٥ -
شغل عصره بفكره وعلمه ومناظراته ، فهو بين المتكلمين يناقشهم ، ويدفع أهواء
ذوى الأهواء، ويناقش الفرق المختلفة، وله رأى فى مسائل على الكلام أثر عنه ،
بل هناك رسائل نسبت إليه ، وله فى الحديث مسند ينسب إليه ، وله بهذا المسند
إن كانت النسبة صحيحة مقام فى الحديث ، وإن كان مقامه فى الفقه والتخريج وفهم
الأحاديث واستنباط علل أحكامها، والبناء عليها - المقام الأعلى، حتى إن بعض
معاصريه قال: ((إنه لم يعرف أحداً أحسن فهماً للحديث منه))، وما ذلك إلا لأنه
يستخرج العلل الباعثة على الأحكام من مطويات الألفاظ والمناسبات ، وما اقترن
بالقول، فلا يكتفي بفهمه على ظاهر القول ، بل يفهم المعنى ، ويستخرج العلة ،
ويربطها بمناسبات الأمور، وملابستها ثم يبنى عليها ، ويعتبر الحكم المعروف أصلا
يبنى عليه ما يشبهه فى معناه .
٤٨ - من أين جاء لأبى حنيفة كل هذا العلم؟ ما مصادره ما مهيئاته ؟ ما الذى
توافر له ، حتى كان منه ما رواه تاريخ العلم الإسلامى ؟
إن المهيئات التى يجب توافرها لتوجيه الشخص توجيهاً علمياً ، ولنبوغه
فى وجهته أربعة أمور : (أولها) صفاته التى جبل عليها، أو كانت منه بمنزلة الجبلة ،
أو التى اكتسبها حتى صارت منه بمنزلة الملكات ، وبعبارة جامعة الصفات التى تعين
تزوعه النفسى ، وتبين منحاه الفكرى. و ( ثانياً) الموجهون الذين التقى بهم ،
وأثروا فيه ، ورسموا له الطريق التى اختار نهجها، أو أروه المناهج المختلفة ، وعلى
ضوئها شق طريقه، وعبر سبيله، وسار فيما رآه المنهج الأمثل، والطريق الأفوم
و(ثالثهاً) حياته الشخصية، وتجاربه ، وما نزل به أو لا بسه فى أدوار حياته مما جعله
يسير فى المسارات التى انتهى إليها ، فإنه قد تتحد المواهب والشيوخ لشخصين،
ولكن أحدهما ينتهى إلى النجاح، والآخر لا ينجح ، أو يسلك غير السبيل الذى
يؤدى إلى النجاح، لأن حياته الخاصة رسمت له طريقاً آخر، ولم يكن ثمة مواءمة
بين ما يوجه إليه شيوخه ومواهبه ، وما توجهه إليه حياته الخاصة وما صادفه
فيها و (رابعها ) العصر الذى أظله ، والبيئة الفكرية التى عاش فيها ، وترعرعت
مواهبه تحت سلطانها . ولنخص كل واحد من هذه العناصر بكلمة :

- ٥٦ -
١ - صفات أبى حنيفة
٤٩ - اتصف أبو حنيفة بصفات تجعله فى الذروة العليا بين العلماء ، فقد
اتصف بصفات العالم الحق ، الثبت الثقة ، البعيد المدى فى تفكيره ، المتطلع
إلى الحقائق ، الحاضر البديهية التى تسارع إليه الأفكار .
(١) وقد كان رضى الله عنه ضابطاً لنفسه، مستولياً على مشاعره، لا تعبث
به الكلمات العارضة ، ولا تبعده عن الحق العبارات النابية . كان مرة يناقش فى
مسألة أفتى فيها واعظ العراق وذو المكانة بين أهله الحسن البصرى، فقال : أخطأ
الحسن ، فقال له رجل أنت تقول أخطأ الحسن يا ابن الزانية ، فما تغير وجهه
ولا تلون، ثم قال: أى والله أخطأ الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود))، وكان
يقول: ((اللهم من ضاق بنا صدره، فإن قلوبنا قد اتسعت له)) (١) .
ولم يكن هدوءه هذا ، وسعة صدره ، صادرين عن شخص جامد الحس
ضعيف الشعور ، بل كان ذا قلب شاعر ، ونفس محسة ، يروى أنه :«قال له بعض
مناظریه : يامبتدع بازنديق ، فقال غفر الله لك ، الته يعلم منی خلاف ذلك، وإنى
ما عدلت به مذ عرفته ، ولا أرجو إلا عفوه ، ولا أخاف إلا عقابه ، ثم بكى عند
ذكر العقاب ، فقال له الرجل : اجعلنى فى حل ما قلت ، فقال : كل من قال فى شيئاً
من أهل الجهل ، فهو فى حل ، وكل من قال فى شيئاً مما ليس فى من أهل العلم ، فهو
فى حرج، فإن غيبة العلماء تبقى شيئاً بعدهم،(٢).
فلم يكن هدوء أبى حنيفة، هدوء من لا يحس ، بل كان هدوء من علت نفسه،
وسمت بالتقوى ، فلا يحس إلا بما يتصل باللّه، ولا تعلق بها أدران الناس ، وكأنها
صفحة مجلوة ملساء، لا ينطبع فيها شىء من أقوال الناس المؤذية، بل تنحدر عنها،
ولا يتصل بها شىء منها ، وكان هدوءه هدوء الحازم الضابط لنفسه الصبور المحتمل الذى
(١) تاريخ بغداء جـ ١٣، ص ٣٥٢.
(٢) الخيرات الحسان ص ٤٠ .

- ٥٧ -
لا يطيش فكرة وراء العواصف التى تعرض للنفس، ولقد كان ثابت الجأش
رابط الجنان ، يروى أن حية سقطت من السقف فى حجره وهو فى حلقة بالمسجد
فتفرق كل من حوله ولكنه استمر فى حديثه ونحاها(١) .
(ب) وقد أوقى استقلالا فى تفكيره . جعله لا يفنى فى غيره، ولاحظ
ذلك عليه شيخه حماد بن أبى سليمان ، فقد كان ينازعه النظر فى كل قضية ،
لا يأخذ فكرة من غير أن يعرضها على عقله ، واستقلال فكره هو الذى جعله
يرى ما يرى حراً غير خاضع إلا لنص من كتاب أو سنة ، أو فتوى صحابى،
أما التابعى فله أن ينظر فى قوله ، ويخطئه ويصوبه، لأن رأيه ليس واجب التقليد،
ولا من الورع تقليده ، ولقد كان يعيش فى وسط شيعى، وهو الكوفة، والتقى
بأئمة الشيعة فى عصره، كزيد بن على، ومحمد الباقر ، وجعفر الصادق ، وعبد الله
ابن حسن ، واحتفظ برأيه فى كبار الصحابة ، مع عظم ميله إلى العترة النبوية ،
ومحبته لهم، واحتماله العذاب فى سبيلهم. جاء فى الانتقاء لابن عبد الله البر ما نصه:
((قال سعيد بن أبى عروبة: قدمت الكوفة حضرت مجلس أبى حنيفة ، فذكر
يوماً عثمان بن عفان فترحم عليه ، فقلت له ، وأنت يرحمك الله ، فما سمعت أحداً
فى هذا البلد يترحم على عثمان بن عفان غيرك، (٢).
هذا هو الفكر المستقل لا يخضع للعامة ، ولا يفنى فى الخاصة ولا يؤثر
فيه الحب والبغض .
(ح) وكان عميق الفكرة ، بعيد الغور فى المسائل ، لا يكتفى بالبحث فى
ظواهر الأمور والنصوص، ولا يقف عند ظاهر العبارة ، بل يسير وراء مراميها
البعيدة أو القريبة ، ولا يكتفى فى الأمر يدرسه كما هو فى ظاهر وضعه، بل يسير
فى البحث عن علله وغاياته غير متوقف ولا وان ، ولعل ذلك العقل الفلسفى المتعمق
هو الذى دفعه لأن يتجه أول حياته إلى علم الكلام ، ليرضى تلك النهمة العقلية ،
(١) المناقب للكى ج ١ ص ٢٦٨
(٢) الانتقاء لابن عبد البر ص ١٣٠