النص المفهرس

صفحات 21-40

- ١٨ -
من أكثر الناس تلاوة للقرآن ، ولقد روى أنه كان يختم القرآن نحو ستين مرة
فى رمضان ، وذلك الخبر وإن كان فيه بعض المبالغة ، ينىء فى الجملة عن كثرة
تلاوته للقرآن الكريم، وقد جاء من عدة طرق أنه أخذ القراءة عن الإمام عاصم
أحد القراء السبعة ، (١) .
١٦ - ولقد كانت الكوفة ، وهى مولده، إحدى مدن العراق العظيمة،
بل ثانى مصريه العظيمين فى ذلك الوقت ، وفى العراق الملل والنحل والأهواء ،
وقد كان موطناً لمدنيات قديمة، كان السريان قد انتشروا فيه، وأنشئوا لهم مدارس
به قبل الإسلام ، وكانوا يدرسون فيها فلسفة اليونان ، وحكمة الفرس ، وكان فى
العراق قبل الإسلام مذاهب نصرانية تتجادل فى العقائد، وكان العراق بعد الإسلام
مزيجاً من أجناس مختلفة وكان فيه اضطراب وفتن، وفيه آراء تتضارب فى السياسة
وأصول العقائد ، ففيه الشيعة، وفى باديته الخوارج، وفيه المعتزلة ، وفيه تابعون
مجتهدون حملوا علم من لقوا من الصحابة ، فكان فيه علم الدين سائغاً موروداً ، وفيه
النحل المتنازعة ، والآراء المتضاربة .
فتحت عين أبى حنيفة فرأى هذه الأجناس ، وأشع عقله، فانكشفت له هذه
الآراء، ويظهر أنه فى ميعة الصبا ، أو فى بواكيره ، ابتدأ يجادل مع المجادلين ،
ونازل بعض أصحاب هذه الأهواء بما توحى به السليقة المستقيمة ، ولكنه كان
منصرفاً إلى مهنة التجارة، ويختلف إلى الأسواق ولا يختلف إلى العلماء إلا قليلا - حتى
لمح بعض العلماء ما فيه من ذكاء ، وعقل على ، فضن به ، ولم يرد أن يكون كله
للتجارة ، فأوصاه بأن يختلف إلى العلماء، كما يختلف إلى الأسواق . يروى عن أبى
حنيفة أنه قال: «مررت يوماً على الشعبى، وهو جالس فدعانى، فقال لى: إلى من
تختلف ؟ فقلت أختلف إلى السوق ، فقال لم أعن الاختلاف إلى السوق ، عنيت
الاختلاف إلى العلماء ، فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم ، فقال لى لا تغفل ،
وعليك بالنظر فى العلم ومجالسة العلماء، فإنى أرى فيك يقظة وحركة ، قال فوقع
(١) الخيرات الحسان ص ٢٦٥ طبع الخيرية.

- ١٩ -
فى قلب من قوله ، فتركت الاختلاف إلى السوق ، وأخذت فى العلم ، فنفعنى
ثالله بقوله))(١) .
هذه القصة تدل بعبارتها وإشارتها على جملة أمور :
(أحدها ) أن أبا حنيفة كان يختلف فى أول حياته إلى الأسواق ، ولا يختلف
كثيراً إلى العلماء ، وأنه قد ابتدأ حياته، ليكون تاجراً ، لا ليكون عاماً،
له مذهب فى الفقه والاستنباط .
( ثانيها ) أن أبا حنيفة كانت تبدو عليه مخايل الذكاء، وقوة الفكر إلى درجة
وجهت إليه أنظار من كان يراه، حتى قال له الشعبى ما قال ؛ ولكن فى أى شىء
كان يبدو ذلك النزوع العلمى، والاتجاه الفكرى . وهو لا يختلف إلى العلماء
إلى قليلا؟ يظهر أنه بسلطان الجو الفكرى الذى يسيطر على العراق كان يخوض
فيما تخوض فيه الفرق المختلفة ، كشأن كل فتى نال حظاً من المعرفة التى ينشئها عليه
آباؤه ، فكان يجادل بعض أصحاب الأهواء عرضاً فى بعض المنتديات أو المجالس
أو الأسواق، حتى تنبه له الشعبى وأمثاله، ويظهر أنه كان فى آرائه يقارب الجماعة،
ولا يباعدها كثيراً، وهذا يفسر لنالم ما تضافرت به الأخبار، من أنه ابتدأ حياته
بعلم الكلام ، خاض فى مسائله، وناقش رؤساء الفرق فى كثير من آرائها .
( ثالثها ) أن أبا حنيفة انصرف بعد نصيحة الشعبى إلى العلم ، وصار يختلف
إلى العلماء وحدهم ، ولا يختلف إلى الأسواق إلا قليلا ، وليس معنى ذلك أنه
انقطع عن التجارة ، بل الثابت فى تاريخه، أنه كان مع اشتغاله بالعلم وانصرافه
إليه صاحب متجر، ويظهر من الأخبار أنه كان قد يشارك فيه، واعتمد على شريكه
كما سنبين ، فكان لا يختلف إلا السوق إلى بمقدار ما يعرف به سير متجره ،
واستقامة أحواله، وعدم خروجه عما يوجبه الدين فى الاتجار ، هذا ما يجب أوله
لكى تكون الأخبار عنه متفقة فى جملتها ، غير متناقضة بقدر الإمكان .
(١) مناقب أبى حنيفة للكى ص ٥٩ - ١ .

- ٢٠ -
١٧ - بعد نصيحة الشعبى انصرف أبو حنيفة إلى العلم، واختلف
إلى حلقات العلماء .
ولكن إلى أى فريق اتجه؟ إن حلقات العلم كما يستنبط من المصادر التاريخية
فى ذلك العصر كانت ثلاثة أنواع : حلقات للمذاكرة فى أصول العقائد ، وهذا
ما كان يخوض فيه أهل الفرق المختلفة ، وحلقات لمذاكرة أحاديث رسول الله
عَ التّم وروايتها ، وحلقات لاستنباط الفقه من الكتاب والسنة ، والفتيا فما
يقع من الحوادث .
بين أيدينا فى هذا ثلاث روايات : إحداها تذكر أنه عندما تفرغ لطلب العلم
وصارهم نفسه ، اتجه إلى الفقه بعد أن استعرض العلوم المعروفة فى ذلك العصر،
والرواينان الأخريان تبينان أنه اختار أولا علم الكلام والجدل مع الفرق ،
ثم صرفه اللّه عنه إلى الفقه ، فاتجه بكليته إليه .
وإليك الروايات الثلاث (١):
الأولى : وقد رويت من عدة طرق : إحداها عن أبى يوسف صاحبه ،
أنه سئل : كيف وفقت إلى الفقه. فقال أخبرك: أما التوفيق فكان من الله، وله الحمد
كما هو أهله ومستحقه : إنى لما أردت تعلم العلم جعلت العلوم كلها نصب عينى ،
فقرأت فناً فناً منها ، وتفكرت عاقبته، وموضع نفعه ، فقلت آخذ فى الكلام ،
ثم نظرت، فإذا عاقبته عاقبة سوء، ونفعه قليل، وإذا كمل الإنسان فيه، لا يستطيع
أن يتكلم جهاراً ، ورمى بكل سوء، ويقال صاحب هوى، ثم تتبعت أمر الأدب
والنحو ، فإذا عاقبة أمره أن أجلس مع صبى أعلمه النحو والأدب ، ثم تنبعت
أمر الشعر، فوجدت عاقبة أمره المدح والهجاء: وقول الكذب وتمزيق الدين ،
ثم تفكرت فى أمر القراءات، فقلت إذا بلغت الغاية منه أجتمع إلى أحداث يقرءون
علىّ ، والكلام فى القرآن ومعانيه صعب ، فقلت أطلب الحديث، فقلت إذا جمعت
(١) الروايات الثلاث ذكرت فى تاريخ بغداد بطرق مختلفة، وفى المناقب للكى
ولابن البزازى وفى الخيرات الحسان ، وغيرها .

- ٢١ -
(منه الكثير أحتاج إلى عمر طويل، حتى يحتاج الناس إلىّ، وإذا احتيج إلىّ لا يجتمع
إلا الأحداث ، ولعلهم يرمو فنى بالكذب وسوء الحفظ ، فيلزمنى ذلك إلى يوم.
الدين، ثم قلّبت الفقه، فكلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة، ولم أجد فيها عياً،
ورأيت الجلوس مع العلماء والفقهاء والمشايخ والبصراء والتخلق بأخلاقهم، ورأيت
أنه لا يستقيم أداء الفرائض ، وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا.
والآخرة إلا به ... ومن أراد أن يطلب به الدنيا طلب به أمراً جسيما، وصار
إلى رفعة منها ، ومن أراد العبادة والتخلى لم يستطع أحد أن يقول تعبد بغير علم
وقيل إنه فقه ، وعمل بعلم، .
وهذه الرواية تبين أنه راد العلوم التى كانت شائعة فى عصره ؛ ليختار من
بينها ما يجعل همته إليه، ويتخصص فيه، وبهذا يستبين أنه تثقف فى الجملة بكل
العلوم التى كانت فى عصره، وإن لم ينصرف من بعد إلا إلى الفقه ، وكان انصرافه
إليه بعد اختبار غيره ، وتفهمه فى الجملة .
الرواية الثانية: أنه روى عن يحيى بن شيبان أن أبا حنيفة قال: كنت رجلا
أعطيت جدلا فى الكلام فمضى دهر أتردد فيه ، وبه أخاصم ، وعنه أناضل ، وكان
أصحاب الخصومات والجدل أكثرهم بالبصرة ، فدخلت البصرة نيفاً وعشرين مرة
منها، أقيم سنة ، وأقل وأكثر، وكنت نازعت طبقات الخوارج من الأباضية
والصفرية وغيرهم ... وكنت أعد الكلام أفضل العلوم ، وكنت أقول هذا الكلام
فى أصل الدين، فراجعت نفسى بعد مامضى لى فيه عمر، وتدبرت، فقلت إن المتقدمين
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لم يكن يفوتهم شىء ما ندركه نحن ،
وكانوا عليه أقدر، وبه أعرف، وأعلم بحقائق الأمور ، ثم لم ينتصبوا فيه منازعين
ولا مجادلين ، ولم يخوضوا فيه، بل أمسكوا عن ذلك ، ونهوا عنه أشد النهى ،
ورأيت خوضهم فى الشرائع وأبواب الفقه ، وكلامهم فيه ، عليه تجالسوا . وإليه
حضوا . كانوا يعلمون الناس ، ويدعونهم إلى التعلم ، ويرغبونهم فيه ... ويفتون
ويستفتون، وعلى ذلك مضى الصدر الأول من السابقين ، وتبعهم التابعون عليه ،

- ٢٢ -
فلما ظهر لنا من أمورهم هذا الذى وصفنا، تركنا المنازعة والمجادلة والخوض.
فى الكلام، واكتفينا بمعرفته، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف، وأخذنا فيما كانوا
عليه ، وشرعنا فيما شرعوا، وجالسنا أهل المعرفة بذلك، وإنى رأيت أن من ينتحل
الكلام ويجادل فيه قوم ليس سيماهم سيمى المتقدمين ، ولا منهاجهم منهاج الصالحين
رأيتهم قاسية قلوبهم ، غليظة أفئدتهم ، لا يبالون مخالفة الكتاب والسنة والسلف
والصالح، ولم يكن لهم ورغ ولا تقى» .
الرواية الثالثة: وهى تروى عن زفر بن الهذيل تلميذه، فهو يقول: ((سمعت
أبا حنيفة يقول كنت أنظر فى الكلام ، حتى بلغت فيه مبلغاً يشار إلىّ فيه بالأصابع
وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد ابن أبى سليمان، جاءتنى امرأة يوماً، فقالت:
رجل له امرأة أمة ، أراد أن يطلقها للسنة ، كم يطلقها ، فأمرتها أن تسأل حماداً ،
ثم ترجع فتخبرفى ، فسألت حماداً ، فقال يطلقها ، وهى طاهرة من الحيض والجماع
تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين ، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج ،
فرجعت ، فقلت لاحاجة لى فى الكلام ، وأخذت نعلى ، جلست إلى حماد، فكنت
أسمع مسائله، فأحفظ قوله ، ثم يعيدها من الغد ، فأحفظ ، ويخطىء أصحابه ، فقال
لا يجلس فى صدر الحلقة بحذائى غير أبى حنيفة ... )) .
١٨ - هذه هى الروايات الثلاث ، وقد رويت بعدة طرق اختلفت ألفاظها
إيجازاً وإطناباً ، واتحدت معانيها، والرواية الأولى بلا ريب تبين أنه من أول
أمره يختار الفقه بعد أن تنقف بكل هذه العلوم كما نوهنا ، والروايتان الأخريان
تبينان أنه كان قد تفنن فى علم الكلام ، ثم عدل عنه إلى الفقه .
والتوفيق سهل بين الرواية لأ اولى، والروايتين الآخريتين؛ لأن الأولى لم تنف
أنه تعلم علم الكلام، وتناقش فى مسائله ، وناظر وجادل ، بل إنها تشير إلى أنه علمه
والأخريان تصرحان بأنه كان يجادل ويناظر فيه ، وكان يجد فيه متعة نفسه ، حتى
كان يرحل لمناقشة الفرق المختلفة بالبصرة ، فما هو موضع الإشارة فى الأولى هو
موضع التصريح فى الأخريين، وكلها يدل على أنه كانت همته من بعد إلى الفقه.

- ٢٣ -
١٩ - تتقف إذن أبو حنية بكل الثقافة الإسلامية التى كانت فى عصره،
حفظ القرآن على قراءة عاصم ، وقد عرف قدراً من الحديث ، وقدراً من النحو
والأدب والشعر ، وجادله الفرق المختلفة فى مسائل الاعتقاد وما يتصل به ، وكان
يرحل لهذه المناقشة إلى البصرة ، وكان يمكث بها أحيانا سنة لذلك الجدل ، ثم
انصرف بعد ذلك إلى الفقه .
والجدل فى أصول العقائد كان قد استهواه فى صدر حياته ، حتى بلغ فيه شأواً
عظما ، وصارت له طريقة فى فهم أصول الدين، بل إنه قد ثبت أنه بعد انصرافه
إلى الفقه كان يجادل أحياناً فى تلك الأصول ، إذا عرض ما يقتضى ذلك ، فقد
ساور الخوارج المسجد ، وهو به، ودخلوا حلقته بجادلهم(١) ، وجادل بعض غلاة
(١) نثبت هنا مناظرة رويت عنه بعد أن استوى للفقه، وصار كله له، وقد كانت بينه
وبين الخوارج الذين يكفرون مرتكب الذنب، فإنه يروى أنه جاء وفد منهم، فقالوا لأبى
حنيفة: هاتان جنازتان على باب المسجد ، أما أحدهما جنازة رجل شرب الخمرحتى كظته
وحشرج بها فمات، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحبل قتلت نفسها، قال من أى
المثل كانا ، من اليهود ؟ قالوا لا ، قال أفمن النصارى ؟ قالوا : لا، قال أفمن المجوس ؟
قالوا لا، قال من أى الملل كانوا ؟ قالوا من الملة التى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
عبده ورسوله ، قال فأخبر ونى عن هذه الشهادة أهى من الإيمان ثلث أو ربع أو خمس ؟
قالوا إن الإيمان لا يكون ثلثاً ولا ربعاً ولا خمساً ، قال فكم هى من الإيمان؟ قالوا الإيمان
كله . قال فما سؤالكم إياى عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين ، قالوا دعنا عنك،
أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال أما إذا أبيتم فإنى أقول فيهما ما قاله فى الله إبراهيم
فى قوم كانوا أعظم جرماً منهما . ((فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم)).
وأقول فيهما ما قاله فى الله عيسى فى قوم كانوا أعظم جرماً منهما: ((إن تعذبهم ، فإنهم
عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم،، وأقول فيهما ما قاله نبى الله نوح إذ
قالوا:« أنؤمن بك واتبعك الأرذلون، قال فما على بما كانوا يعملون، إن حسابهم إلا على
ربى لو تشعرون، وما أنا بطارد المؤمنين))، وأقول ما قال نوح عليه السلام: ((ولا أقول
للذين تزدرى أعينكم أن يؤتيهم الله خيراً، الله أعلم بما فى أنفسهم إنى إذن لمن الظالمين))،
وعندما سمع الخواج هذا ألقوا السلاح .

- ٢٤ -
الشيعة فأقنعهم، وهكذا ، وكل ذلك وهو منصرف كل الانصراف إلى الفقه .
ولكنه مع وقوعه فى الجدل فى علم أصول العقائد أحياناً كان ينهى أصحابه
والمقربين إليه من الجدل فيه ، يروى ذلك أنه رأى ابنه حماداً يناظر فى الكلام
فنهاه ، فقالوا رأيناك تناظر فيه، وتنهانا عنه، فقال: ((كنا نناظر. وكأن على
رءوسنا الطير مخافة أن يزل صاحبنا، وأنتم تناظرون ، وتزيدون زلة صاحبكم ،
ومن أراد أن يزل صاحبه ، فقد أراد أن يكفر صاحبه ، ومن أراد أن يكفر
صاحبه، فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه ،(١) .
٢٠ - وخلاصة القول أن أبا حنيفة كما تشير الروايات المختلفة، وكما يصرح
أكثرها ، كان قد ابتدأ حياته بالجدل فى مسائل الاعتقاد، وهو ما يسمى علم الكلام
وأنه كان يجادل الفرق المختلفة ، ويساجلها ، ثم عدل عن ذلك إلى الفقه ، فاستغرق
كل مجهوده الفكرى ، وإن كان يجادل فى بعض الأحيان فى العقائد عندما تضطره
حاجة فكرية ، أو إحقاق حق إلى هذه المجادلة.
اتجه إذن أبو حنيفه إلى الفقه بعدأن خاض فما كانت تخوض فيه الفرق المختلفة
وقد اتجه إلى دراسة الفتيا على المشايخ الكبار الذين كانوا فى عصره ، ولزم واحداً
منهم ، أخذ عنه وتخرج عليه ، ويظهر أنه أحس بجدوى ذلك عليه ، فقد كان يرى
أن طالب الفقه يأخذ عن المشايخ المختلفين ، ويعيش فى بيئته ، ويلزم فقيهاً ممتازاً
يتخرج عليه ، ويقفه على دقيق المسائل . ولقد كانت الكوفة فى عهده موطن فقها.
العراق ، كما كانت البصرة موطن الفرق المختلفة ، ومن كانوا يخوضون فى أصول
الاعتقاد ، وقد كانت تلك البيئة الفكرية لها أثرها فى نفسه، حتى لقد قال هو فى بيان
ذلك: ((كنت فى معدن العلم والفقه، فالست أهله، ولزمت فقيهاً من فقهائهم)) (٢).
٢١ - لزم أبو حنيفة حماد بن أبى سليمان ، وتخرج عليه فى الفقه، واستمر
معه إلى أن مات ، ونريد أن نثير ثلاثة أمور نبحثها، وهى (١) ما كانت سن
(١) مناقب أبى حنيفة لابن البزازى ص ١٢١ من الجزء الأول .
(٢) تاريخ بغداد جـ ٣١ ص

- ٢٥ -
أبى حنيفة عندما لزم حماداً ، وعندما اتجه إلى الفقه؟ (٢) وما سنه عندما استقل
بالدرس؟ (٣) وهل كانت الملازمة تامة ، بحيث لم يتصل اتصالا علمياً بغيره ؟
أو هل اقتصر فى ملازمته على حماد ، ولم يدرس فقه غيره ؟ .
ولنبدأ بالجواب عن هذه الأسئلة ؛ وإننا لا نستطيع أن نعرف سنه عندما
اتجه إلى الفقه، أو لازم حماداً إلا عن طريق معرفة سنه عندما اشتغل بالدرس ،
فإن ذلك معروف ثابت ، وهذا لأن الثابت الذى تكاد الروايات تجمع عليه أن
أبا حنيفة لازم حماداً إلى أن مات، ولم يستقل بالدرس والتمحيص إلا بعد موته،
وبعد أن جلس فى حلقته التى شغرت بموته أو كادت ، حتى ملأها أبو حنيفة ، وإن
حماداً قد مات فى سنة ١٢٠ هـ ، فكأنه مات وأبو حنيفة فى الأربعين من عمره ،
وعلى ذلك لم يستقل أبو حنيفة بالدراسة إلا وهو فى سن الأربعين، وقد بلغ أشده
فى الجسم والعقل معاً، وقد فكر فى أن يشتغل قبل ذلك ، ولكنه عدل ، فقد
روی عن زفر أنه قال إن أبا حنيفة قال عن صلته بشيخه حماد :«صحبته عشرسنين،
ثم نازعتنى نفسى الطلب للرياسة ، فأردت أن أعتزله ، وأجلس فى حلقة لنفسى ،
فرجت يوماً بالعشى، وعزمى أن أفعل ، فلما دخلت المسجد ورأيته لم تطب نفسى
أن أعتزله، فجئت وجلست معه، فجاءه فى تلك الليلة نعى قرابة له قد مات بالبصرة ،
وترك مالا ، وليس له وارث غيره ، فأمرنى أن أجلس مكانه ، فماهو إلا أن خرج،
حتى وردت على مسائل لم أسمعها منه ، فكنت أجيب وأكتب جوابى ، ثم قدم
فعرضت عليه المسائل ، وكانت نحواً من ستين مسألة ، فوافقنى فى أربعين ، وخالفنى
فى عشرين ، فآليت على نفسى ألا أفارقه حتى يموت ، فلم أفارقه، حتى مات ، (١)
وقد ثبت أنه لازمه ثمانى عشرة سنة ، فقد روى عنه أنه قال : قدمت البصرة
فظننت أنى لا أسأل عن شىء إلا أجبت عنه ، فسألونى عن أشياء لم يكن عندى
فيها جواب ، فجعلت على نفسى ألا أفارق حماداً حتى يموت ، فصحبته ثمانى
عشر سنة )). (٢)
(١ و ٢) تاريخ بغداد - ١٣ ص ٣٣٣

- ٢,٦ -
وإذا كان أبو حنيفة قد لازم حماداً ثمانى عشرة سنة ، ومات حماد ، وهو فى
سن الأربعين، فكأنه تتلمذ له وهو فى سن الثانية والعشرين ، ولازمه إلى الأربعين،
واستقل بالدرس والبحث ، وتولى حلقته بعد ذلك .
أما عن مقدار هذه الملازمة ، فالمتتبع لحياته يرى أنها لم تكن ملازمة تامة ،
بحيث انقطع إليه ، ولم يأخذ عن سواه ، فقد كان كثير الرحلة إلى بيت الله الحرام
جاجاً ، وفى مكة والمدينة التقى بالعلماء، ومنهم كثيرون من التابعين، ولم يكن لقاؤه
بهم إلا لقاء علمياً ، يروى عنهم الأحاديث ، ويذاكرهم الفقه ، ويدارسهم ما عندهم
من طرائقه، وإن المذكور فى أخباره وتاريخه أن مشايخه عددهم كبير .
ومن روى عنهم ومن دارسهم كانوا من فرق مختلفة ، فلقد ثبت أنه دارس
زيد بن على زين العابدين، وجعفر الصادق من أئمة الشيعة ، وعبد الله بن حسن
ابن حسن أبا محمد النفس الزكية ، بل ثبت أنه دارس بعض الكيسانية الذين
يقولون بالرجعة ، وسنبين كل ذلك عند الكلام على شيوخه إن شاء الله تعالى.
ومن هذا كله يتبين أنه كان مع ملازمته لشيخه حماد، قد لاقى غيره من الفقها ..
والمحدثين. وكان يتتبع التابعين أينما كانوا، وحيثما ثقفوا، وخصوصاً التابعين الذين
اتصلوا بصحابة كانوا ممتازين فى الفقه والاجتهاد، حتى لقد قال: «تلقيت فقه عمر
وفقه على، وفقه عبد الله بن مسعود ، وفقه ابن عباس عن أصحابهم ، وما كان هذا
التلقى بمستقيم له ، إن كانت دراسته مقصورة على حماد، وملازمته له وحده .
٢٢ - جلس أبو حنيفة فى الأربعين من عمره فى مجاس شيخه حماد بمسجد
الكوفة، وأخذ يدارس تلاميذه ما يعرض له من فتاوى ، وما يبلغه من أقضية ،
ويقيس الأشباه بأشباهها ، والأمثال بأمثالها ، بعقل قوى مستقيم ، ومنطق قويم ،
حتى وضع تلك الطريقة الفقهية التى اشتق منها المذهب الحنفى .
ولا نريد أن نذكر هنا بالتفصيل ماكون له ذلك العلم ، ولا النتائج التى تأدى.
إليها ، فلذلك موضعه من البيان والشرح .
وهنا نتكلم عن مجرى حياته ، وما اتصل بها ، أى أننا هنا ندرس شخصه ،

- ٢٧ -
وهناك ندرس ماكوّن علمه ما لابس شخصه، ثم ندرس ما هو نتيجة للأمرين معلنة
وهو ذات علمه ، وما غرسه للأجيال من غراس أثمرت ثمراتها فى الحقب ،
وفتحت للناس أبواباً من التخريج والفقه فى كثير من الأمصار .
ونريد لكى يتبين كل ما اتصل بحياته الشخصية أن نبين أمرين :
- (أحدهما) كيف كانت معيشته ومصدر رزقه . ( ثانيهما ) موقفه من الحياة.
العامة ، أى الأحداث التى سادت عصره، ومدى تأثير ذلك الموقف فى مجرى حياته .
٢٣ - قلنا إن الاستنباط التاريخى يؤدى بنا إلى أن أبا حنيفة نشأ فى بيت من
بيوت أهل اليسار، فأبوه وجده كانا تاجرين، ويغلب على الظن أن تجارتهما كانت فى الخز،
وهى تجارة تدر على صاحبها الخير الوفير، والدر الكثير. ونوهنا إلى أن أبا حنيفة
أخذ عنهما هذه التجارة، فتنشأ أول نشأته يختلف إلى السوق ، ولا يعكف على الاستماع
إلى العلماء، حتى فيهه الشعبى إلى أن يختلف إلى العلماء، ويعكف على الاستماع إليهم،
فاتجه إلى العلم ، ولكن هل انقطع على التجارة وانصرف عنها ؟ كل الرواة يقولون إنه
لم ينقطع عن التجارة(١)، بل استمر تاجراً إلى أن مات، ويذكرون أنه كان له شريك
ويظهر أن ذلك الشريك أعانه على الاستمرار فى طلب العلم ، وخدمة الفقه ، ورواية
الحديث ؛ فإن الرواة مع إجماعهم على أنه كان تاجراً ، أجمعوا أيضاً على انصرافه لخدمة
الفقه والدين ؛ ولا يتسنى له ذلك ، إلا إذا أعانه شريك أمين ، أغناه عن ملازمة.
السوق، وإن كان له بها علم، واتصال وخبرة وإشراف ومعاملة، وذلك شأن العلماء.
الذين جمعوا بين العلم والتجارة ، فكذلك كان واصل بن عطاء شيخ المعتزلة الذى
كان معاصراً لأبى حنيفة ، وولد فى السنة التى ولد فيها ، وكان فارسى الأصل مثله ،
(١) لم ينقطع الفقيه أبو حنيفة عن السوق، وقد ذكر حياته اليومية المكى فى المناقب،
فقال بالرواية عن يوسف بن خالد السمتى: ((كان يوم السبت لحواتجه لا يحضر فى المجلس،.
ولا يحضر فى السوق ، يتفرغ لأسبابه فى أمر منزله وضياعه ، وكان يقعد فى السوق من
الضحى إلى الأولى، وكان يوم الجمعة له دعوة يجمع أصحابه فى بيته، ويطبخ لهم ألوان الطعام )
المناقب للمکی ــ ٢ ص ٢٠٦

- ٢٨ -
فقد كان يعيش فى تجارته ، ویقوم له بها شریك أمین کانت له به صلة نسب أو صهر ،
وكانه ويعكف عن الدرس ومهاجمة المهاجمين للإسلام، فلا غرابة فى أن يكون
أبو حنيفة تاجراً ، ومنصرفاً للعلم ذلك الانصراف.
٢٤ - اقصف أبو حنيفة التاجر بأربع صفات لها صلة بمعاملة الناس فى التجارة
تجعله مثلا كاملا للتاجر المستقيم ، كما هو فى الذروة بين العلماء: (١) فقد كان ثرى
النفس ، لم يستول عليه الطمع الذى يفقر النفوس ، ولعل منشأ ذلك أنه نشأ فى أسرة
ذات يسار ، فلم يذق ذل الحاجة (٢) وكان عظيم الأمانة ، شديداً على نفسه فى كل
.ما يتصل بها (٣) وكان سمح ◌ًقد وقاه الله شح نفسه (٤) وكان بالغ التدين شديد التنسك،
عظيم العبادة يصوم النهار ويقوم الليل .
فكان لهذه الصفات مجتمعة أثرها فى معاملاته التجارية ، حتى كان غريباً بين التجار،
وحتى لقد شبهه كثيرون فى تجارته بأبى بكر الصديق رضى الله عنه، وكأنه كان يحكى
مثاله ، ويسير على منهاجه ، وهو من السلف المتبع ، وكان فى شرائه کبیعه بحری
على حكم الأمانة ، جاءته امرأة بثوب من الحرير تبيعه له ، فقال كم ثمنه ، فقالت مائة ،
فقال هو خير من مائة ، بكم تقولين ، فزادت مائة ، مائة ، حتى قالت أربعمائة ،
قال هو خير من ذلك ، قالت تهزأ بى ، قال هاتى رجلا يقومه ، فجاءت برجل ،
فاشتراه بخمسمائة ،(١).
ألا تراه مشترياً يحتاط للبائع ، قبل أن يحتاط لنفسه ، فهو لا يرى فى غفلة
البائع فرصة ينتهزها ، ولكن يرى فيها مكان الإرشاد فيرشد.
وكان وهو بائع يترك الربح إذا كان المشترى ضعيفاً أو صديقاً أو أعطاه
من فضل ربحه. جاءته امرأة، فقالت إنى ضعيفة ، وإنها أمانة ، فبعنى هذا الثوب
بما يقوم عليك، فقال خذيه بأربعة دراهم ، فقالت: لا تستخر بى، وأنا عجوز ،
فقال إنى اشتربت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم ، فبقى هذا
الثوب على أربعة دراهم .
(١) الخيرات الحسان ص ٤٤

- ٢٩ -
وجاءهصدیق له يطلب إليه ثوب خزعلی وصف ولون عنهما ، فقال له اصبر
حتى يقع وآخذه لك، إن شاء الله تعالى، فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الصديق ،
فقال له قد وقعت حاجتك ، وأخرج إليه الثوب ، فقال كم إذن ؟ قال درهما . قال
ما كنت أظنك تهزأ بى ، قال ما هزأت إنى اشتريت ثو بين بعشرين ديناراً ودرهم
وإنى بعت أحدهما بعشرين ديناراً ، وبقى هذا بدرهم، (١) .
ولا شك أن هذه معاملة قد خالطها العطاء، أو هى عطاء قد لبس صورة
البيع والشراء ، فهى ليست من التجارة ، ولكنها تنىء عن خلق ذلك التاجر العظيم.
فى نفسه وأمانته وعقله ودينه ووفائه ، وتبين وجه السماحة فى قلبه .
ولقد كان شديد الحرج فى كل ما تخالطه شبهة الإثم ، ولو كانت بعيدة ، فإن
ظن إثماً أوتوهمه فى مال - خرج منه، وتصدق به على الفقراء والمحتاجين. يروى
أنه بعث شريكه حفص بن عبد الرحمن بمتاع، وأعلمه أن فى ثوب منه عيباً ،
وأوجب عليه أن يبين العيب عند بيعه، فباع حفص المناع، ونسى أن يبين ، ولم
يعلم من الذى اشتراه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله ، (٢) .
ومع هذا التورع، والاكتفاء من الريح بالقدر الحلال كانت تجارته تدر عليه
الدر الوفير ، وكان أكثرها ينفق على المشايخ والمحدثين. جاء فى تاريخ بغداد :
((أنه كان يجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشترى بها حوائج الأشياخ ،
والمحدثين ، وأقواتهم وكسوتهم، وجميع حوائجهم ، ثم يدفع باقى الدنانير من
الأرباح إليهم، فيقول أنفقوا فى حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله ، فإنى ما أعطيتكم
من مالى شيئاً، ولكن من فضل الله علىّ فيكم)، (٣).
فكان ربح تجارته رضى الله عنه ليحفظ مروءة العلماء، ويسد حاجتهم، ويدفع
خلتهم ، ويجعل العلم فى غناء عن كل عطاء، وكان حريصاً على أن يكون مظهره
كمخبره حسناً ، فكان كثير العناية بثيابه ، يختارها جيدة حتى لقد كان كساؤه يقوم
(١) تاريخ بغداد ــ ١٣ ص ٣٦٢
(٢) تاريخ بغداد - ١٣ ص ٣٥٨
(٣) تاريخ بغداد - ١٣ ص ٣٦٠

- ٣٠ -
جثلاثين ديناراً، وكان حسن الهيئة كثير التعطر، وقال أبو يوسف: ((كان يتعهد
-شعه، حتى لم ير منقطع الشع)) (١).
وكان يحث من يعرفه على العناية بملبسه، وسائر مظهره .. يروى أنه رأى على
بعض جلسائه ثياباً رثة ، فأمره أن ينتظر ، حتى تفرق المجلس ، وبقى وحده، فقال
له ارفع المصلى، وخذ ما تحته ، فرفع الرجل المصلى ، فكان تحته ألف درهم، فقال
له خذ هذه الدراهم ، فغير بها من حالك ، فقال الرجل إنى موسر ، وأنا فى نعمة ،
ولست أحتاج إليها ، فقال له: أما بلغك الحديث: (( إن الله يحب أن يرى أثر
فعمته على عبده))، فينبغى لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم بك صديقك،(٣).
٢٥ - هذه معيشة أبى حنيفة ، وهذا مورد رزقه . ونريد أن نبين الآن
أمراً كان شديد الصلة بمجرى حياته ، وهو موقفه من الحركات الثورية فى عهده،
ومدى تأثيرها فى نفسه، ومعاونته للقائمين ، ثم صلته بمن بيدهم الأمر من الدولة.
إن بيان ذلك له مكان من دراستنا ، ويجب أن يكون له من العناية بما يتفق
مع مقدار تأثيره فى حياة أبى حنيفة، فإن المحنة التى انتهت بها حياة ذلك الإمام الجليل
ذات صلة وثيقة بهذا الأمر، صلة المسبب بسببه، والنتيجة بمقدماتها، والآثار بمؤثراتها
بل إنها كانت ذات صلة بما نزل به فى غضون حياته رضى الله عنه من آلام.
عاش أبو حنيفة ائنتين وخمسين سنة من حياته فى العصر الأموي، وثمانى عشرة سنة
فى العصر العباسى ، فهو قد أدرك دولتين من دول الإسلام، أدرك الدولة الأموية
فى قوتها وعنفوانها ، ثم فى تحدرها وانهيارها ، وأدرك الدولة العباسية ، وهى دعاية
سرية تجوس خلال الديار الفارسية، ثم أدركها وهى تدبير يفرخ فى خلايا مستورة
عن العيون المترقبة، وأدركها بعد ذلك، وهى حركة تغالب الأمويين، وتنزع الملك
من أيديهم ، وتفرضه على الناس سلطاناً تحسبه دينياً نبوياً ، لأن خلفاءها من أقرب
أقارب رسول اللّه بالتمه فى أصولهم ، ثم تحمل الناس عليه بالرغب والرهب.
أدرك أبو حنيفة كل ذلك ، فكان له أثر فى نفسه ، وإن لم يعلم أنه خرج مع
(٢) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٣٦١.
(١) الخيرات الحسان ص ٦١.

- ٣١ -
الخارجين، أو ثار مع الثائرين، وإن جل ما تشير إليه أخباره فى هذا المقام بين منه أنه كان
قلبه مع العلويين فى خروجهم أولا على الأمويين، ثم فى خروجهم ثانياً على العباسيين،
وكان لايرى لبنى أمية على أى حال حقاً ولاسلطاناً من الشرع أو الدين، ولكنه لا يحمل
السيف، ولا يثور ، ولعله كان يهم أن يفعل ، وكانت تقعد به اعتبارات لها مقامها.
يروى أنه لما خرج زيد بن على زين العابدين على هشام بن عبد الملك سنة ١٢١
قال أبو حنيفة رضى الله عنه: «ضاهی خروجه خروج رسول الله لتن يوم بدر،
فقيل له لم تخلفت عنه؟ قال : حبسنى عنه ودائع الناس ، عرضتها على ابن أبى ليلى ،
فلم يقبل ، خفت أن أموت مجهلا ، ويروى أنه قال فى الاعتذار عن عدم الخروج
معه: ((لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه لأنه إمام حق ،
ولكن أعينه بمالى، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال للرسول ابسط عذرى له)(١).
هذان الخبران يدلان على أنه كان يرى الثورة على ملك الأمويين أمراً جائزاً
شرعاً ، إذا كان من إمام عادل مثل الإمام زيد بن على رضى الله عنه ، وأنه كان
يود لو حمل السيف مع المجاهدين ، ولكنهما تدلان أيضاً على أنه لم يكن مؤمناً بحسن
النتائج ، بل إنه عنده عمل حق ، ولكن لا ينتج نتائجه لعدم وجود من يؤيده ،
وعدم القلوب التى تحوطه بإيمانها ، ومع ذلك لا يريد أن يكون من المتبطين المعوقين،
فأرسل المعاونة بماله، لتكون دليل تأييده ، وفى المال قوة .
ولا نريد أن نفرض أن ما ذكره فى عدم الخروج تعديلات يذكرها لقعوده
عن الجهاد إذ لم يعود حمل السيف ، ولم يكن من أهل الدربة فى الطعن والنضال ،
لا نفرض ذلك ، لأن أبا حنيفة رضى الله عنه لم يكن من الرجال الذين يسرون
ما لا يعلنون، ويخفون ما لا يبدون، وقد عرض حياته كما تبين للمعاطب ، فتلقى
ذلك بإرادة قوية حازمة، وجنان جرىْ رابط ، ولم يهن ولم يضعف.
٢٦ - انتهت ثورة الإمام زيد بقتله سنة ١٣٢ ، ثم قام من بعده فى خراسان
إبنه يحيى سنة ١٢٥ فقتل كما قتل أبوه، ثم قام عبد الله بن يحيى يطالب بحق آبائه،
(١) المناقب لابن البزازی ج ١ ص ٥٥

- ٣٢ -
فنازل فى اليمن من أرسله مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية ، ولكنه قتل
شهيداً سنة ١٣٠ كما قتل أبواه من قبل(١).
وقد رأيت منزلة زيد بن على فى نفس أبى حنيفة ؛ حتى أنه كان يضاهى خروجه
بخروج النبي مؤلُّ ببدر ، ثم هو كان يقدره فى علمه وخلقه ودينه ، وعده الإمام
بحق ، وأمده بالمال ، لئلا يكون من المخلفين ، ولقد رآه يقتل بسيف الأمويين ،
ثم رأى الجراحات تسرى ، فيقتل من بعده ابنه ، ثم من بعده حفيده ، لقد أحنقه
كل ذلك لا محالة ، ولا بد أن يكون لسانه قد جرى بذكر هذه المظالم ، واندفع
فى بيانها ، وألسنة العلماء وهم غضاب تعمل مالا تعمل السيوف العضاب ، فتكون
أحد ، وضرباتها أشد، ولقد كان ما نزل به من الأمويين ، أو عاملهم على العراق
فى سنة ١٣٠ هـ مؤيداً لذلك كل التأييد، فقد جاء فى مناقب أبى حنيفة للمكى وغيره
من كتب المناقب ، وكتب التاريخ التى تصدت لتراجم الرجال ، أن يزيد بن عمر
ابن هبيرة عامل مروان بن محمد على العراق ، طلب أبا حنيفة ليوليه القضاء أو القيام
على خزائنه اختباراً لمقدار ولائه لهم، وتحققاً بما كان ينقل عنه للأمويين من
ولائه لبنى على ، ونصرته لهم بما هو فى طاقته ، وكانت الفتنة قد اشتدت فى العراق
وخراسان ، وفارس تساقط بلادها فى أيدى الدعاة لبنى العباس ، والأرض تنقص
أطرافها من حول الأمويين .
وإليك نص ما قاله المكى نقلا عن الرواة : ((كان ابن هبيرة والياً بالكوفة
فى زمان بنى أمية ، فظهرت الفتن بالعراق، فجمع فقهاء العراق ببابه، فيهم ابن أبى ليلى
وابن شبرمة ، وداوود بن أبى هند ، فولی كل واحد منهم صدراً من عمله، وأرسل
إلى أبى حنيفة ، فأراد أن يجعل الخاتم فى يده ، ولا ينفذ كتاب إلا من تحت يد
أبى حنيفة ، ولا يخرج من بيت المال شىء إلا من تحت يد أبى حنيفة ، فامتنع
أبو حنيفة، خلف ابن هبيرة إن لم يقبل أن يضربه، فقال له هؤلاء الفقهاء : إنا ننشدك
الله أن تهلك نفسك ، فإنا إخوانك ، وكلنا كاره لهذا الأمر ولم نجد بداً من ذلك ،
(١) راجع الكامل لابن الأثير الجزء الخامس سنوات ١٢٢ و ١٥٢ و ١٣٠

- ٣٣ -
فقال أبو حنيفة: لو أرادنى أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل فى ذلك
فكيف وهو يريد منى أن يكتب دم رجل يضرب عنقه، وأختم أنا على ذلك
الکتاب ، فو الله لا أدخل فى ذلك أبداً ، فقال ابن أبی لیلی : دعوا صاحبكم، فهو
المصيب وغيره المخطىء، فبسه صاحب الشرطة .. وضربه أياماً متتالية، نجاء
الضارب إلى ابن هبيرة وقال له إن الرجل ميت ، فقال ابن هبيرة: قل له تخرجنا
من يميلنا ، فسأله ، فقال لو سألنى أن أعد له أبواب المسجد مافعلت. ثم اجتمع
الضارب مع ابن هبيرة فقال ألاناصح لهذا المحبوس أن يستأجلنى ، فأؤجله فأخبر
أبو حنيفة بذلك ، فقال دعونى أستشر إخوانى، وأنظر فى ذلك ، فأمر ابن هبيرة
بتخلية سبيله، فركب دوابه ، وهرب إلى مكة ، وكان هذا فى سنة مائة وثلاثين ،
فأقام بمكة حتى صارت الخلافة العباسية ، فقدم أبو حنيفة الكوفة فى زمن أبى
جعفر المنصور ، (١).
ومما ذكر المكى وغيره يتبين أن ابن هبيرة عرض على أبى حنيفة العمل معه
فامتنع، ويظهر أنه كان يريد أن يعمل له أى عمل كان تحققاً من ولائه ، أو تثبتاً
من اتهامه ، فعرض عليه الخاتم ، فأبى ، فطلب منه عملا مطلقاً ، فأبى مع الضرب
الشديد حتى تورم رأسه، ولم تهن نفسه ، ولم يضعف أمام جلاده ، ولم تدمع عيناه
حتى علم غم أمه لما ناله ، فانهمرت عيناه بالدمع مدراراً ، تألماً لألمها ، وإشفافاً
عليها ؛ وذلك هو القوى حقاً ، لا يهمه ما يناله فيما يعتقد، فإذا تعدى الأمر إلى
عزيز على نفسه كريم عندها ، اشتدت آلامه ، وبلغ الهم غايته ، فليس القوى من
يكون قاسياً جافياً، بل هو إرادة حازمة ، وعاطفة سامية ، وقلب رحيم ، ونفس
عطوف ، وجنان رابط ، وعقل ثابت متزن لا يطيش ، وكل ذلك كان أبو حنيفة .
٢٧ - أنزل ابن هبيرة ذلك الأذى بأبى حنيفة ليختبر ولاءه، وقد حامت
حوله الشبهات ، كما بينا ، ويظهر أن بعض الفقهاء قد اتهم فى مثل ما خاض فيه ،
ولكنهم قبلوا ما عرض عليهم، ونفوا عن أنفسهم الريب ، أو تخلصوا ما تورطوا
(١) مناقب أبى حنيفة للمکی ج ١ ص ٢٣.
(٣ أبو حنيفة)

- ٣٤ -
فيه ، او لم يكن عندهم من الصبر ما عند أبى حنيفة ، فاتخذوا النقية دريئة لهم. ولقد
كان ذلك ، والدولة كلها فى اضطراب ، وخراسان وفارس قد صارت للعباسيين
أو كادت ، والعراق قد اشتدت به الفتن، حتى صارت خطراً، وجيوش العباسيين
تساور الأمويين فيه ، وتتجه إلى الانقضاض عليهم فى الأقاليم الدانية لقصبة
الدولة ، وأوشكت الأرض أن تضيق عليهم بما رحبت من قبل ، فكانت سياسة
الملك توحى بما عمله مع أبى حنيفة . وإن كانت سياسة الحق والأخلاق والدين
لا تزكيه ، ولا تقره ، ولا ترضاه .
٠ ٢٨ - فر" أبو حنيفة إلى مكة بعد أن مكن له الجلاد من أسباب الفرار،
واتخذ مكة مستقراً ومقاماً من سنة ١٣٠ إلى أن استقام الأمر للعباسيين ، ولقد
وجد فى الحرم أمناً ، والفتن تتخطف الناس فى كل مكان ، فعكف على الحديث
والفقه يطلبهما بمكة التى ورثت علم ابن عباس. ولقد التقى أبو حنيفة بتلاميذه فيها،
وذاكرهم عليه ، وذاكروه ما عندهم ، وسنبين أنواع انتفاعه من هذه المدرسة
عند كلامنا فى علمه .
ونريد هنا أن نتثبت من مدة إقامته بمكة إذ آوى إليها ، فالمذكور فى المناقب
للمكى أنه أقام بها إلى زمن المنصور، والمنصور بويع له بالخلافة سنة ١٣٦، وإذا
كان قد حضر إلى مكة سنة ١٣٠ ، فتكون إقامته نحو ست سنوات على الأقل ،
ويكون أبو حنيفة قد قضى شطراً كبيراً من حياته مجاوراً بيت الله الحرام.
ولكن جاء فى المناقب للمكى أيضاً أن أبا حنيفة كان بالكوفة عندما دخلها
أبو العباس السفاح، وطلب بيعة أهلها، فقد جاء فيها: (( لما نزل أبو العباس
بالكوفة توجه إلى العلماء، جمعهم ، فقال : إن هذا الأمر قد أفضى إلى أهل بيت
نبيكم ، وجاءكم الله بالفضل، وأقام الحق ، وأنتم معاشر العلماء أحق من أعان عليه،
ولكم الحباء والكرامة والضيافة من مال الله ما أحببتم ، فبايعوا بيعة تكون عند
إمامكم حجة لكم وعليكم ، وأماناً فى معادكم، لا تلقوا اللّه بلا إمام ، فتكونوا من
لا حجة له ، فنظر القوم إلى أبى حنيفة ، فقال إن أحببتم أن أتكلم عنى وعنكم،

- ٣٥ -
قالوا قد أحببنا ذلك، قال: ((الحمد لله الذى بلغ الحق من قرابة نبيه والتم وأمات
عنا جور الظلمة ، وبسط ألسنتنا بالحق ، قد بايعناك على أمر الله، والوفاء لك
بعهدك إلى قيام الساعة، فلا أخلى الله هذا الأمر من قرابة نبيه بر لتم ، فأجابه
أبو العباس بجواب جميل ، وقال مثلك من خطب عن العلماء ، لقد أحسنوا
اختيارك ، وأحسنت فى البلاغ ، فلما خرجوا قالوا : ما أردت بقولك إلى قيام
الساعة، قال فإن احتلثم علىَّ احتلت عليكم وأسلمتكم للبلاء، فسكت القوم وعلموا
أن الحق ما فعل ، (٢) .
وهذه الرواية تدل على أمرين: (أحدهما) أن أبا حنيفة كان بالكوفة عند
نزول السفاح بها وأخذ البيعة لنفسه من أهلها ، وذلك كان قبل سنة ١٣٦ بيقين،
فهى بهذا تناقض فى ظاهرها الرواية التى تقول إنه لم يعد إلى الكوفة إلا فى خلافة
المنصور ، أى فى سنة ١٣٦ أو ما بعدها .
وعندى أن التوفيق بين الروايتين فى هذا ممكن، ذلك أن أبا حنيفة فرّ إلى مكة
من وجه ابن هبيرة ، وأقام بها إلى أن ذهب ابن هبيرة ودولته من العراق ، فجاء
بعدئذ إلى الكوفة عساه يستقر بها ، وقابل فى ذلك الوقت أبا العباس وأعطاه
البيعة على النحو السابق ، ولكن لبقاء الفتن بالعراق وما حوله ، وعدم استقرار
الأمور استقراراً تاماً ، عاد إلى مكة ، ولعله كان يتردد بين المدينتين حتى إذا
استمامت الأمور فى عهد المنصور حضر إلى الكوفة واستقر بها، وأعاد حلقته
فى المسجدكما كانت ، ولا نسطيع أن نقول إنه استقر بالكوفة وأعاد حلقة
درسه فور قيام الدولة العباسية لاستمرار الفتن واضطراب الأحوال كالشآن
(١) راجع فى هذا المناقب للمكى ج٢ ص ١٥١. والمناقب لابن البزازى الجزء "ثانى
ص ٢٠٠. وقد جاء فى مناقب ابن البزازى تعليقاً على كلمة أبى حنيفة فى خطبته ((إلى قيام
الساعة)): (( ويحتمل أن يراد بها إلى قيامى الساعة من المجلس فذف الياه واكتفى
بالكسرة، أو إلى قيام القيامة))، وعندى أن الخطبة للمبايعة حقاً ؟ ويظهر أنه كان عظيم
والرجاء فى إنصافها أولاد على ، فلما تبين له غير ذلك تكلم فى بنى العباس على ما سنبين .

- ٣٦ -
فى كل انقلاب كما يدل التاريخ، وتثبت أخبار الثقات من المؤرخين ، فهو لم يستقر
إذن فى الكوفة إلا فى خلافة المنصور .
(ثانى الأمرين) اللذين تدل عليهما تلك الرواية أن العلماء لم يكونوا مرتاحين
لمبايعة أبى العباس ، وأشاروا إلى ذلك بعد أن خلا أبو حنيفة بهم عقب خطبته
التى تعلن بيعته ، ثم رضوا عما فعل وقال :
والحق أنه كان فى أولئك العلماء من عمل لبنى أمية ، كابن شبرمة ، وابن أبي
ليلى ، وبيعة محمد بن مروان فى أعناقهم والوفاء بعهده فى ذمهم ، فكان لهم أن
يتخرجوا فى تلك البيعة الجديدة ، بل كان عليهم ذلك ، أما أبو حنيفة فلم يكن لبنى
أمية فى عنقه عهد ولا ذمة .
٢٩ - استقبل أبو حنيفة عهد العباسيين بارتياح، كما تدل خطبته فى حضرة
أبى العباس وبيعته ، ويظهر أن ذلك هو الذى يتفق مع ماضى أبى حنيفة، وإن
اختلف فی قابل حياته .
إن أبا حنيفة رأى اضطهاد الأمويين لبنى على، وآل النبى معَ ◌ّه. ورأى
دولة بنى العباس تقوم ، وهى دولة شيعية فى أصل نشأتها ، فهى قد قامت على
الدعاية الشيعية ، وعلى أساس أنهم تلقوا العهد من أحد أحفاد على بن أبى طالب
رضى الله عنه ، ثم هى مهما تكن قيمة عهدها دولة هاشمية قامت من البيت الهاشمى
الكريم ، فهم على بنى عمهم أعطف، وإنصافهم فى عهدهم مرجو ، ثم هم كانو
يرددون أنهم قاموا للأخذ بثارات العلويين ، والانتصاف من ظلموهم ، وأنها
أولياؤهم، وأحق الناس بالطلب بدماء شهدائهم؛ فكان طبيعياً أن يرتاح أبو حنيفة
لقيام هذه الدولة ، وأن يمد يده بالبيعة لأول خلفائها ، وكانت خطبته معلة
تقديسه لقرابة النبى مؤلم ، ودعوة الناس ، ثم كان كلامه بعد الخطبة - لإخوانه
الفقهاء تحريضاً على الدخول فى الطاعة ، وملازمة الجماعة .
استمر أبو حنيفة على ولائه للدولة العباسية للأمور التى سقناها، ولمحبته لآل البيت
جميعاً ، ولقد كان المنصور يدنيه ، ويعليه ، ويرفع قدره ، ويعطيه العطاء

- ٣٧ -
الجزيلة، ولكنه كان يردها فى رفق وبحيلة، إذ كان لا يقبل عطاء. ولقد وقع بين
المنصور وزوجه الحرة شقاق بسبب ميله عنها ، وطلبت العدل منه ، فقال لها :
بمن ترضين فى الحكومة بينى وبينك ، قالت بأبى حنيفة ، فرضى هو به أيضاً ،
فأحضره، وقال له: يا أبا حنيفة، الحرة تخاصمنى، فانصفنى منها ، قال أبو حنيفة
ليتكلم أمير المؤمنين ، قال : يا أبا حنيفة كم يحل للرجل أن يتزوج من الناس ،
فيجمع بينهن؟ قال : أربع ، قال : وكم يحل له الإماء ؟ قال ما شاء ، ليس لهن
من عدد، قال: وهل يجوز لأحد أن يقول خلاف ذلك؟ قال: لا ، فقال
أبو جعفر، قد سمعت ، فقال أبو حنيفة: إنما أحل الله هذا لأهل العدل ، فمن
لم يعدل، أو خاف ألا يعدل، فينبغى ألا يجاوز الواحدة، قال الله تعالى: ((فإن
خفتم ألا تعدلوا فواحدة))، فينبغى لنا أن نتأدب بأدب اللّه ، ونتعظ بمواعظه ،
فسكت أبو جعفر وطال سكوته ، فقام أبو حنيفة وخرج ، فلما بلغ منزله أرسلت
إليه خادماً ، ومعه مال وثياب وجارية وحمار مصرى ، فردها ، وقال للخادم
أفخرتها سلامى ، وقل لها: إنما ناضلت عن دينى ، وقمت ذلك المقام لله، لم أرد
بتلك تقرباً إلى أحد ، ولا التمست به دنيا ، .
ى
لى
ب
عى
٣٠ - لم يعرف عن أبى حنيفة أنه تكلم فى حكم العباسيين ، حتى نقم عليهم
بناء على رضى الله عنه، واشتدت الخصومة بينهم، وقد علمت ولاءه لبنى على
رضى الله عنه، وتعصبه لهم، وإيثاره إياهم ، فكان طبيعياً أن يغضب لغضبهم ،
وخصوصاً أن من ثاروا بحكومة أبى جعفر المنصور هما محمد النفس الزكية
بن عبد الله بن حسن ، وإبراهيم أخوه ، وكان أبوهما من اتصل به أبو حنيفة
ـرضى الله عنه اتصالا علمياً ، حتى لقد ذكره كتاب المناقب فى ضمن شيوخه ،
من روى عنهم ، وسنبين ذلك بعض التبيين ، وقد كان عبد الله وقت خروج
لديه فى سجن أبى جعفر ، ومات فيه بعد مقتل ولديه .
ـلة
انا
بن
ذلك نرى الكلام يروى عنه فى النقمة على العباسيين عند خروج هؤلاء وبعد
أنْتلهم، ويظهر أنه من ذلك الوقت كان لا يرى الولاء لبنى العباس صواباً، ولكنه