النص المفهرس
صفحات 341-360
- ٣٤١ - صدق المدعى عليه ، وما ذلك إلا لأن الإثبات جعل بالبيئة أو اليمين ، وهما الأمران الظاهران المطردان ، أما ظاهر عدالة المدعى وبره وصدقه فلم يجعل دلالة على الإثبات ، لأنها وإن كانت ظاهرة فى إثبات الصدق غير مطردة ، ولو أخذ بها قد تتعرض حقوق للضياع . (ب) لو ادعى الفاجر على التقى أنه اغتصب منه مالا حلفنا التقى وإن كان ظاهر الدعوى الكذب لما بينا . (حـ) إذا أتت المرأة بولد لأقل من أربع سنين (١) من حين طلقها ولم تقر بانقضاء عدتها بالإقراء فإنه يلحقه ، مع أن الغالب الظاهر أن الولد لا يتأخر إلى هذه المدة ، وذلك لأن ما دونها محتمل ، فهو دلالة خاصة غير مطردة ، وإن كانت ظاهرة ، ولذا نيط الحكم بأمر مادى ظاهر ، وهو أقصى مدة الحمل فى نظر هؤلاء الفقهاء . ولقد قال فى ذلك العز بن عبد السلام معترضاً على ذلك الحكم . فإن قيل إنما لحقه ، لأن الأصل عدم الزنى ، وعدم الوطء بالشبهة والإكراه ، قلنا وقوع الزنى أغلب من تأخر الحمل إلى أربع سنين إلا ساعة واحدة ، وكذا الإكراه والوطء بالشبهة ، ولا يلزم على ذلك حد الزنى ، فإن الحدود تسقط بالشبهات ، بخلاف إخاق النسب فإن فيه مفاسد عظيمة ، منها جريان التوارث ، ومنها نظر الولد إلى محارم الزوج ، ومنها إيجاب النفقة والكسوة والسكنى ، ومنها الإنكاح والحضانة)). (د) إذا ادعى الصدوق الذى لم يعرف عليه الكذب قط أنه أدى ما عليه من دين وأنكر الدائن الأداء ، وهو مشهور بأنه فاجر كذاب يأكل أموال الناس بالباطل لم يقبل قول الصادق ، حتى يقيم البينة عليه ، مع أن ظاهر حاله تومىء بصدق قوله فى ادعائه الأداء ، ولكن أحكام الشريعة تناظر أمور الإثبات الظاهرة المطردة وهى البينات والإيمان، لا بالأمور التى لا تطرد وإن كانت ظاهرة . : : (١) هذا سير على رأى من يقول: إن أقصى مدة الحمل أربع سنين، والطلب والاستقراء أثبت غير ذلك . : - ٣٤٢ - (هـ ) إذا تعاشر الزوجان على الدوام عشرين سنة ، ثم ادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئاً ، ولم يكسها ، تسمع دعواها ، وإن كان الظاهر يكذبها ، لأنه قرر أن يناط الإثباط بالبينة والمين كما ذكرنا ، وقد صارت النفقة عند الشافعى ديناً فى ذمة الزوج من وقت وجوبها ، فكان عليه الأداء ، فإن أنكرته ، فعليه الإثبات . ولا يكتفى بظاهر العشرة . وهكذا تجد الشريعة عند الشافعى تناط أحكامها بالأمور الظاهرة المطردة العامة وإن عارضتها دلالات خاصة ، وإن كانت ظاهرة أحياناً . ٢١٠ - والقضاء عند الشافعى كما هو عند أكثر فقهاء المسلمين تنفذ أحكامه فى الظاهر ، ويترك ما بطن . وإن القاضى عليه أن يسير الأحكام على هذا الأساس السابق وهو أن يأخذ بوسائل الإثبات الظاهرة المطردة التى أقامها الشارع معلنة للحق كاشفة له ، وهى البينات والأقارير والإيمان ، ويستدل على ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنما أقطع له قطعة من النار)) . يستدل من هذا الحديث على أن القضاة إنما كلفوا القضاء على الظاهر ، إذ الحديث يفيد أن الباطن قد يكون مجرماً على من قضى له أن يأخذ ما قضى به ، وإن القضاء ينفذ ظاهراً والمبطل يدين باطناً ، والحديث يفيد أيضا أن قضاء القاضى لا يحل حراما ، ولايحرم حلالا ، ولكن ينفذ فى الظاهر، والحل والحرمة حسابهما عند الله . ويقول الشافعى: إن فى الحديث فوق ماسبق ، دلالة على أن الحكم على الناس يجىء على نحو ما يسمع منهم ، مما لفظوا به ، وإن يمكن أن تكون نياتهم ، أو غيبهم غير ذلك ، لقوله صلى الله عليه وسلم (فى الحديث) فمن قضيت له فلا يأخذ ، إذ القضاء إنما هو بما لفظوا ، لا بماغاب عنه وقد وكلهم فيما غاب عنه منهم بنية أو قول إلى أنفسهم، وفيه دلالة على أنه لايحل لحاكم أن يحكم على أحد ، إلا بما لفظ ، وألا - ٣٤٣ - يقضى عليه بشيء مما غيب الله تعالى عنه من أمره من نية أو سبب أو ظن، أو تهمة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((على نحو ما أسمع منه)). ثم يقول ما نصه : ، فمن قضى بتوهم منه على سائله ، أو بشىء يظن أنه خليق به ، أو بغير ما سمع من السائلين فخلاف كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، لأن الله عز وجل استأثر بعلم الغيب، وادعى هذا علمه ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بما سمع ، وأخبر أن يكون غيبهم غير ظاهرهم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بعلم هذا ، بموضعه الذى وضعه الله تعالى، وكرامته التى اختصه الله بها من النبوة ونزول الوحى عليه فوكلهم فى غيبهم إلى أنفسهم ، وادعى هذا علمه. ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بالولد ، وقوله لسودة احتجبى منه عندما رأى شيئاً بيناً ، فقضى بالظاهر ، وهو فراش زمعة ، وفى هذا الخبر الذى ساقه عن القضاء لعبد بن زمعة بالنسب من زمعة لوجود الفراش، وأمرسودة بنت زمعة بالاحتجاب ، قد أخذ النبى صلى الله عليه وسلم فيه بالقضاء ظاهراً فحكم بالنسب لصاحب الفراش، لأن الأحكام تناط بالأمور الظاهرة المطردة، لا بالأمور الخاصة كما ذكرنا عن الشافعى ، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن نفسه أخذ بما تشير إليه قرائن الأحوال ، فأمر زوجه سودة بنت زمعة أن تحتجب منه ، إذ تبين له شىء من القرائن ، فأخذ بهفى خاصةنفسه، وإن كان قد حكم بغيره لأن أحكام الشرع تناط بما ظهر، لا بما بطن . ٢١١ - والشافعى فى تفسير العقود وإعطائها أوصافها الشرعية من الصحة والبطلان ، وترتيب الأحكام عليها ينظر نظرة ظاهرية مادية ، لا نظرة نفسية ، فهو لايحكم على العقود من حيث آثارها وأوصافها بحيث نية العاقدين ، وأغراضهما التى لاتذكر وقت العقد، وإن كانت بينة من : أحوالها ومالابس العقد من أمور سبقته أو لحقته ، ولكن يحكم على العقد بحسب ما تدل عليه ألفاظه وما يستفاد منها فى اللغة وعرف العاقدين فى الخطاب ، وإذا كان العقد فى ألفاظه وعباراته غير مشتمل على شىء يوجب - ٣٤٤ - التحريم ، ولكن قرائن الأحوال تدل على أنه اتخذ سبيلا لأمر محرم حكم على العقد بالصحة ولم يلتفت إلى ما اتخذ ذريعة له ، ولذا يقول الشافعى : يبطل حكم الإز كان (١) من الذرائع فى البيوع وغيرها ويحكم بصحة العقد ، وإن أراد رجل أن ينكح امرأة ونوى ألايحبسها إلا يوماً أو عشراً، إنما أراد أن يقضى منها وطراً، وكذلك نوت هى منه ، غير أنها عند. النكاح مطلقاً على غير شرط . ويقول فى هذا المقال فى كتاب إبطال الاستحسان : إنه لايفسد عقد. أبداً إلا بالعقد نفسه ، لا يفسد بشىء تقدمه ولا تأخره ، ولا بتوهم ، ولا بأغلب ، وكذلك كل شىء لا تفسده إلا بعقدة ، ولا تفسد البيوع بأن يقول هذه ذريعة وهذه نية سوء ، ولو جاز أن نبطل من البيوع بأن يقال متى خاف أن تكون ذريعة إلى الذى لايحل كان أو يكون اليقين من البيوع بعقد مالا يحل أولى أن ترد به من الظن ، ألا ترى أن رجلا لو اشترى سيفاً ونوى بشرائه أن يقتل به كان الشراء حلالا ، وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع ، وكذا لو باع البائع سيفاً من رجل يراه أنه يقتل به رجلا كان هكذا ... ويقول : فإذا دل الكتاب ثم السنة ثم عامة حكم الإسلام. على أن العقود إنما يثبت بالظاهر عقدها ، لإ يفسدها نية العاقدين كانت العقود إذا عقد فى الظاهر صحيحة لا أولى ألا تفسد بتوهم غير عاقدها على عاقدها ، ثم سيما إذا كان توهماً ضعيفاً ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ٢١٢ - والحق أن أكثر الفقهاء فى الشريعة الإسلامية يأخذون بظاهرية العقود عند تفسيرها ، والإلزام بأحكامها ، بيد أن الشافعى أكثرهم تشدداً فى الإستمساك بالظاهر من غير نظر إلى النيات والأغراض . فهو يشدد فى ضرورة الأخذ بمقتضى ظاهر الألفاظ فى العقود ، وما تدل عليه ، لأن أحكام الدنيا كلها نيطت بالظاهر فى الشرع الإسلامى ، إذ النيات أمور (١) الإز كان سبق شرحه واشتقاقه، ومعناه هنا الفطنة والفراسة لتعرف كون العقد .. ذريعة إلى محرم . - ٣٤٥ - علمها عند اللّه، ولا يجليها إلا يوم يكون الأمر كله لله ، فالبحث عن النيات والمقاصد الخفية لا يتفق مع المبدأ العام الذى يقول إن كل الأحكام. الدنيوية تبنى على الظاهر، والنبي يمريقع كما ساق إليك الشافعى كان فى أقضيته يقضى بالظاهر ، وهو الذى أوحى إليه ، وإذا كانت أحكام الشرع تسير على ذلك النحو ، فالعقود كلها لا يؤخذ فيها إلا بما تنطق به عباراتها ، من غير نظر إلى النيات خيرة أو غير خيرة ، فإذا كان العقد صحيحاً بما تدل عليه ألفاظه وما اشترط فيه فهو عقد صحيح من كل الوجوه من غير نظر إلى كونه ذريعة إلى محرم أو حلال ، فالبيع إذا كان بمقتضى عباراته ليس فيه ما يدل على فساد ، كان صحيحا ، ولو كان ذريعة إلى ربا مادام العقد لم يقترن بشرط ربا ، ولا بشىء يفسده ، والنية يحاسب عليها الديان الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء . ولذا حكم الشافعى بأن المشترى إذا كان الثمن مؤجلا وقبض العين ، كان له أن يبيعها إلى البائع بأقل من الثمن ويقبضه ، ولو كانت نية الربا ثابتة فى ذلك العقد ، لأن النتيجة أن يكون المشترى قد استدان من البائع دينا وسيؤديه بأكثر منه ، وأمارات الربا فيه واضحة . ولكن ما دام لم يقترن بالعقد عند إنشائه عبارة تدل على قصد الربا ، فالبيع صحيح وقد نص على صحته فى الأم . فقد جاء فيه : وإذا اشترى الرجل طعاما إلى أجل ، فقبضه فلا بأس أن يبيعه ممن اشتراه منه ومن غيره بنقد وإلى أجل ، وسواء فى هذا المعين ، وغير المعين)) (١) ، فهو لم يفرق فى صحة البيع بين كونه معينا على الربا أو غير معين ، أى سواء أكان ذريعة إلى محرم أم لم يكن ذريعة إلى محرم (٢) . (١) الأم الجزء الثالث ص ٣٣. (٢) قد بين ابن القيم موضوع المقصود فى العقود فى فصل، وأثبت أن العقد إن قصد به الحرام فهو حرام، وقد قال فى ذلك: ((المتكلم بصيغ العقود = - ٣٤٦ - وهكذا نجد الشافعى يسلك فى تفسير الشريعة الإسلامية فى أصولها وفى فروعها ، وفى أقضيتها مسلك الظاهر لا يعدوه ، لأن غير الظاهر الأخذ به أخذ بالتظنن أو التوهم ، فيكون الخطأ كثير ، والصواب قليلا ، والأحكام تناط بأمور مطردة ، لا بأمور غير مطردة . = إن كان قاصداً للتكلم بها ... متصوراً لمعانيها ، عالما بمدلولها. فإما أن يكون قاصداً لها أو لا . فإن كان قاصداً لها ترتبت أحكامها فى حقه ولزمته، وإن لم يكن قاصداً لها ، فإما إن يقصد خلافها ، أو لا يقصد معناها ولا غير معناها ، فإن لم يقصد غير المتكلم بها فهو الهازل ، وإن قصد غير معناها ، فإما أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا ، فإن قصد ما يجوز له قصده ، ولم يكن حكم العقد الذى تدل عليه الصيغة لم يلزم أحكام هذه الصيغ بينه وبين الله تعالى فى كل حال ، وأما فى القضاء فإن اقترن بكلامه عبارة تدل على ذلك لم يلزمه أيضاً لأن السياق والقرينة بينة تدل على صدقه وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلا . وادعى ذلك دعوى مجردة لم تقبل منه ، وإن قصد بها ما لا يجوز قصده كالتكلم بنكحت وتزوجت لا يقصد عشرة زوجية غير مؤقتة . بل يقصد تحللها لمطلقها الثلاث . وبعت واشتريت بقصد الربا وما أشبه ذلك . فهذا لا يحصل له مقصوده الذى قصده ، وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلة إليه . فإن فى تحصيل له مقصوده تنفيذاً للمحرم ، وإسقاطاً للواجب ، وإعانة على معصية الله، ومناقضة شرعه وإعانته على ذلك إعانة على الإثم والعدوان، ولا فرق بين إعانته على ذلك بالطرق التى وصفت مفضية إلى غيره واتخذها هو ذريعة كمن يعقد عقد شراء ليكون ذريعاً للربا، فالمقصود إذا كان واحداً لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه موجباً لاختلاف حكمه ، فيحرم من طريق ويحل بعينه من طرق أخرى ، فإن الطرق وسائل وهى مقصودة لغيرها، فأى فرق بين التوسل إلى الحرام " بطريق الاحتيال والمكر والخداع ، والتوسل إليه بطريق المجاهرة التى يوافق فيها السر الإعلان ، والظاهر الباطن . والقصد للفظ . بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم ، وخطره أقل من سالك تلك ، كما أن سالك طريق الخداع والمكر أمقت، وفى قلوبهم أوضع)» ا هـ بتصرف من أعلام الموقعين ج ٢ ص ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨. ! / - ٣٤٧ - عمل الشافعى فى الأصول وعمل من بعده ٢١٣ - الأمر الذى لإشك فيه أن علم الفقه سابق على علم أصول الفقه، فالفقه نشأ بالاستنباط والفتيا والإجتهاد . وقد كان الاجتهاد والرسول بُ ◌ّ حى ، كان الصحابة يجتهدون إذا غابوا عنه وعرض لهم أمر لم يعرفوا له حكما فيه ، ثم توالى الاجتهاد من بعده صلى الله عليه وسلم، وكان الاجتهاد فى ذروته فى عهد الراشدين ، فأورثوا الناس مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثروة من الأقضية والفتاوى والأحكام العملية فى سير الدولة ونظامها ومعاملتها للغير ، ثم جاء التابعون ، فكان منهم من يتفنن فى الفتيا ، حتى لقد كان يفتى فيما يقع ، وما يحتمل الوقوع ، وقد يذهب به الفرض والتصور إلى ماهو بعيد الوقوع ، فلما جاء عصر المجتهدين أصحاب المذاهب ، كان فى البلاد الإسلامية ثروة من الفتاوى والأقضية والأحكام متنوعة مختلفة النواحى متباينة الأشكال والألوان ، فلمالك مجموعة فقهية ، ولمحدثى مكة مجموعة من الأحاديث والآثار المرتبطة بالفقه ، ولأهل العراق فقههم الذى جمع كثيراً من الإمام محمد ، فكانت هذه المجموعات الفقهية المتنوعة ، ثروة مثرية من العلم والاستنباط . وجاء الشافعى فوجد تلك الثروة ، ووجد الجدل بين أصحاب النواحى المختلفة ، فخاض غماره بعقل الأريب ، وكانت تلك المناقشة هادية له بلا ريب إلى التفكير فى وضع موازين ومقاييس تضبط المجادلين ، وبهما يتميز الخطأ من الصواب ، وتكون أساس البحث والاستنباط والاجتهاد ، فكان من ذلك اتجاهه إلى وضع أصول الفقه ، لتكون أساس الاستنباط وضوابط وموازين لنقد الآراء ، ومعرفة صحيحها من سقيمها كما ذكرنا . ولاغرابة فى أن يكون الفقه متقدما على علم أصول الفقه ، لأنه إذا كان علم أصول الفقه موازين لمعرفة الصحيح من الآراء من غير الصحيح، - ٣٤٨ - فالفقه هو المادة التى توزن ، والمادة سابقة على الميزان وكذلك كان الشأن. فى كل العلوم الضابطة ، فالنحو تأخر عن النطق بالفصحى ، والشعراء يقرضون شعراً موزوناً مقفى قبل أن يضع الخليل بن أحمد ضوابط العروض، والناس كانوا يتجادلون ويتحاورون ، ويفكرون قبل أن يضع أرسطو علم المنطق . وإذا كان أرسطو قد استطاع بمعونة مجموعات المجاررات التى جرت بين من سبقه من الفلاسفة ، كسقراط ؛ وأفلاطون والسوفسطائية وغيرهم أن يضع علم المنطق ليكون آلة بمراعاتها يستطيع الذهن أن يعتصم عن الخطأ فى التفكير ، فكذلك الشافعى استطاع بمعونة المجموعات الفقهية المختلفة الألوان والنواحى والاتجاه أن يستنبط ضوابط يستطيع الفقيه إن استمسك بها أن يقرب من الصواب ولا يباعده . ٢١٤ - جاء الشافعى وبين يديه تلك الثروة الفقهية التى اتصل به ، وأخذ من كل نوع منها أشطراً ، وتمرس بطريقتها ، ومعه كل الأدوات الصالحة لأن يأتى بجديد فيها ، وأن يستخلف من بين أشتاتها المتفرقة ، وأجزائها المتناثرة قانوناً جامعاً يعرف به الصحيح من السقيم من الآراء ، فقد أوتى علماً محيطاً دقيقاً باللسان العربى ، حتى عد فى صفوف كبار علماء اللغة ، وأوتى علم الحديث ، فتخرج على أعظم رجاله ، وأحاط علماً بكل أنواع الفقه فى عصره ، وكان عليما باختلاف العلماء من لدن عهد الصحابة إلى الذين عاصروه ، وكان حريصاً كل الحرص على أن يعرف اختلافات الصحابة ومسارتها ، ووجهاتها المختلفة ، وكان حرصه أعظم فى معرفة صحاح الأحاديث واختلافها والتوفيق بينها ، ثم كان متمرسا بالجدل والمناظرة كما ذكرنا ، وقد علمت مما سقنا أن العلماء كانوا يلقون بأدلتهم تفصيلا فى مناظراتهم ، وقد يشيرون إليها فى كتاباتهم ، ثم هو كان طوافا فى الأقاليم قد أوتى علما بأعراف الناس ، وماعندهم من آثار الصحابة الذين نزلوا بلادهم وفقههم ، وكان حريصا على أن يقرأ الفقه المدون فى عصره ، ومعرفة وجهاته واتجاهاته ، كل ذلك مع عقل علمى مستقيم . 1 - ٣٤٩ - بهذا كله توافرت له الأداة ، لأن يستخرج من المادة التى علمها وتلقاها الضوابط والموازين التى توزن به آراء السابقين ، وتكون أساسا لاستنباط اللاحقين يراعونها فى استنباطهم ، فيقاربون ولا يباعدون . فبعلم اللسان استطاع أن يستنبط القواعد لفهم أحكام القرآن مستعينا فى ذلك بما أثر من دراسة الصحابة القرآن الكريم وفهمه، وخصوصا عبد الله ابن عباس الذى كان الأستاذ الأول لمدرسة مكة ، والذى كان أعلم الصحابة بالقرآن الكريم وناسخه ومنسوخه ، والذى وصف بأنه ترجمان القرآن الكريم ، وقد علمت أن الشافعى عاش أكثر حياته العلمية مستظلا بظل هذه المدرسة مستلهما من تفكيرها . وبإحاطته بعلم الحديث ، ومعرفة مختلفه ومتفقه التى حصل عليها بتلقيه على عدد كثير من رجال الحديث الذين اختلفت آراؤهم ومذاهبهم ، حتى فى علم العقائد ، وبتطوافه فى الأقاليم واطلاعه على كل آثار الصحابة فيها ومروياتهم، كل هذا مكنه من أن يعرف مقام السنة من الكتاب ، وأحوال الحديث عند معارضتها للكتاب ، وعند معارضتها لنفسها ، وأودع ذلك كله أصوله . وإن كتبه التى خلفها ، سواء فى ذلك مسنده ، ورسالته ، وكتاب الأم لتدل دلالة واضحة بينة غير مطوية على عنايته بدارسة اختلاف الصحابة دراسة ناقد فاحص ، وكأنه كان يرى فيها المادة الفقهية التى لايضل الفقبه الذى لم يخرج عنها ، والتى يستطيع محاكاتها عندما يستقل هو بالاستنباط ، ولا شك أن هذه الدراسة أفادته علما بالناسخ والمنسوخ ، وأفادته علما بطائفة كبيرة من الرأى الذى كان يأخذ به الصحابة ، وأفادته فهما لمرامى الشريعة فى عمومها ، ومجموع أحكامها ، ولعله لأجل هذا كان يشترط فى المجتهد أن يكون على علم باختلاف الصحابة ، فدراسة خلافهم دراسة نقدية متعرفة فاحصة متقصية هدته إلى كثير من أصوله ، ويظهر أن تلاميذه كانوا يلمحون فيه تلك الدراسة العميقة للآراء المختلفة وآراء الصحابة ، حتى لقد عده أحمد بن حنبل فيلسوفا فى اختلاف الناس . - ٣٥٠ _ اطلع على فقه أهل الرأى ، وأنهم هم الذين عنوا بالقياس ، وإن لم يضعوا ضوابطه ، حتى لقد كان من بينهم أقيس الفقهاء ، وأبعدهم غوراً، وأسرعهم فهما لوجوهه، وكان تمرسهم به سببا فى أن يحكموا ما به من تكلف كأنما هو فى فطرهم وملكاتهم الفكرية . اطلع على فقه هؤلاء ، وعارضه بفقه أهل الحديث ، فاستطاع أن يخرج بموازين للقياس ضابطة ، وإن لم تكن موافقة كل الموافقة لكل ماعند أهل الرأى . هذا كله إلى موارد اشتغل بإدراكها بعقله الألمعى ، وتفكيره المستقيم . ٢١٥ - وهكذا نرى الشافعى انتفع بالثروة الفقهية التى وجدها واستخرج منها بعقله العلمى الذى يستبطن الأمور فيدرك كلياتها ، ولا يكتفى بالوقوف عند الجزئيات ، فوضع علم أصول الفقه . وإنك ترى أمرين ملاحظين بوضعه: (أحدهما) أنه ميزان لمعرفة صحيح الآراء ، وغير الصحيح ، وقد وزن الشافعى آراء مالك ، ووزن به آراء العراقيين، ووزن به سير الأوزاعى ، وغير هؤلاء ، فهو كان حاكما على الآراء الفقهية لاخاضعاً لها . ( ثانيهما ) أنه قانون كلى تجب مراعاته عند استنباط الأحكام الجديدة ، ولقد قید نفسه به کل التقیید ، فكانت أصوله هی أصول مذهبه ، لا باعتبار أنها دفاع عن مذهبه وبيان لوجهته ، بل لأنه وضع الأصول ، ثم سار على منهاجها ، لأن هذه الأصول سابقة لمذهبه ، فهى لم تكن خادمة للمذهب ، ولكنها قيود قيد الشافعى نفسه بها عند استنباطه ، وقد تبين فيما سبق من القول فى فقه الشافعى أنه لم يكن حريصا على الاستمساك بآرائه ، بحيث يضع أصولا للدفاع عنها ، بل يسير وراء الدليل ، ويترك رأيه إن رأى الدليل يلوح بنقضه ، حتى أخذت عليه كثرة الرجوع فى آرائه ، وقد بينا أن فى ذلك كماله، وليس فيه نقص له ؛ إلا عند ذوى العقول التى أعماها التعصب ، أو منيت بالقصور . - ٣٥١ - . وخلاصة القول أن أصول الشافعى لم تكن لخدمة مذهبه من حيث الجدل عنه، وإن كانت ضابطة له ، فلم يكن الباعث عليها نزعة مذهبية ، وإنما بعث عليها ضبط أساليب الاجتهاد ؛ ووضع حدود ورسومللمجتهدين لكيلا يكون القفيه كحاطب ليل ، لا يدرى أيقع على حطب يحتطبه ، أم يقع على أفعى تقتله . ٢١٦ - وأصول الشافعى تتجه اتجاهاً نظرياً وعملياً، فهو لا يهيم فى صور وفروض ، ولكن يضبط أموراً واقعة ، وموجودة . فهو فى الناسخ والمنسوخ مقرر قواعد النسخ من المسائل التى ثبت عنده النسخ فيها بما ورد عن رسول صلى الله عليه وسلم من أحاديث ، أوما أثر عن صحابته من أخبار أقضيته وفتاويه صلى الله عليه وسلم ، وكلامه فى العام والخاص يستقيه مما بين: يديه من نصوص قرآنية ، وأحاديث نبوية . وهكذا تراه يسير فى كل قواعده: التى استنبطها ، وراء الفروض الذهنية ، ولكن يتبع ما بين يديه من ينابيع الشريعة ، فيتغلغل فى أعماقها ، ويسبر غورها ، ويخرج للعلم ما يراه ضابطا لكلياتها ، حتى القياس يتقيد فى أساليبه بما توحى به النصوص ، وما توجه إليه العبارات ثم هو لا يكتفى بالقاعدة يلقيها إليك ، بل يريك مصادر أخذها، وكيف عرفها ، وما يؤيدها من فتاوى الصحابة . والمأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم حتى إذا استقرت القاعدة بأدلتها أخذ يبين طائفة من الفروع بنيت واستقامت. على أساسها ، وبذلك ترى أصولا حية ، وقواعد مطبقة ، لاقواعد مطلقة مجردة ، ولاصوراً ذهنية بعيدة عن الوقوع ، فلا ترى فى قواعده مثل بحث اشتراط القدرة للتكليف وكون التكليف بغير المقدور جائزاً أو غير جائز ، ولا إمكان النسخ قبل العمل بالمنسوخ ، وعدم إمكانه ، ونحو ذلك من الصور الذهنية المجردة التى لا تستمد من الواقع، أو الموجود ، وكان هو يعمد دائماً إلى أمور عملية ؛ ولا يطلق لعقله العنان ، فيسير وراء الأخيلة الفرضية ، واعتبر ذلك فى أمرين قد أشرنا إليهما فى موضعهما . - ٣٥٢ - أحدهما : أنه وجد الدليل يؤدى إلى الأخذ بالإجماع واعتباره حجة شرعية يجب الأخذ بها فى الأمور التى يجد فيها نصا من الكتاب أو السنة ، ولكنه يجد أن الإجماع بمعناه الدقيق أمر يتعذر ، أو على الأقل يتعسر ، فينكره على من يحتج به ، ويبين أن ادعاء الإجماع لا يستند إلى دليل ، ولا يسلم بالإجماع . إلا فى أصول الفرائض كما نوهنا ، ثم إذا وجد إجماعا من الصحابة لايفرض أنه مبنى على ما استمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا تؤخذ بالفرض والتصور ، بل تؤخذ بالنقل والحكاية . ثانيهما : أنه يقول فى مراتب أقوال الصحابة إنه مختار منها أقربها إلى الكتاب والسنة ، فإن تساووا فى ذلك أحب أن تقلد الأئمة أبا بكر أو عمر أو عثمان . ". وهكذا ، ولكنه عند التطبيق لا يجدهم مختلفين، إلا وهو يستطيع أن يجد من بين أقوالهم ما هو أقرب إلى الكتاب والسنة ، فيرجح قول الصحابى ولو غير إمام على قول الإمام ، فيرجع فى الفرائض قول زيد فى الجد مع الإخوة على قول أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولعل اتجاهه العملى فى استخراج القواعد الضابطة ، وتطبيقها هو الذى جعله يكتفى فى بيان القياس ببيان حقيقته فى الأمثلة التى ساقها وببيان أقسامه وترك استخراج العلة إلى المجتهد ، فلم يبين ضوابط العلة ، ومسالكها ، وطرقٍ استخراجها وقوة درجاتها ، وبيان عمومها وخصوصها . ولم يتعرض لبيان شىء من ذلك ، لأن ذلك كله من اجتهاد المجتهد ، ولأن الشافعى كان يضع ضوابط للاجتهاد الذى كان فى عصره ، ومسالك العلة ، ودراستها على ذلك النحو منهج فلسفى لم يكن شائعا بين فقهاء عصره ، ولم يكن مما يتجه إليه الفقهاء ، بل كانوا فى الأوصاف يتركون أمر تقدیرها فی قربها أو بعدها، وأنه حتى بعد أن خاض علماء الأصول من بعد الشافعى فى أمر العلة وطرقه - ٣٥٣ - استخراجها وضوابطها ، نجد الفقهاء مختلفون أنما اختلاف عند تطبيقها ، فلم يأت الضبط لها بكبير جداء . ومهما يكن صنيع الشافعى فى القياس قليلا ، فحسبه أنه ميزه ، ،وضبطه ، وحد أقسامه ، وذلك أمر لا موضع فيه الخلاف، وهو مكان تقدير العلماء ، إذ الشافعى فيه مكان السابق ، ولغيره مرتبة اللاحق (١) . (١) جاء فى دائرة المعارف الإسلامية التى ترجمها بعض الجامعيين ما نصه: لم يكن الشافعى وأنمح طريق القياس ، غير أنه كان له كبير الأثر فى تنشئته والتوسع فى تطبيقه ، . وطريقة القياس هى بالضرورة طريقة الرأى اصطنعها تحت اسم القياس لأن الناس كانوا أقل نفوراً من هذا الإسم، على أنه من الواضح أنه قد حد من استعمال هذه الطريقة ، ويظهر أن أهل العراق استعملوا القياس للتخلص من الأحاديث الضعيفة وأحاديث الآحاد ، وحاول الشافعى أيضاً وضع قواعد معينة لاستعمال القياس ولكنه كان قليل التوفيق فى ذلك ولم يتغذب القياس حتى فى العصور المتأخرة ، وبالرغم من التحديدات فى طريقته بقى على الغموض الذى يجعله مجرداً من القوة القاطعة فى الإقناع ويظهر أن القياس عند الشافعى مرادف للاجتهاد فى معناه القديم . وفى هذه الأسطر القليلة نجد كاتب هذه المادة قد جانبه التوفيق وبعد عن التمحيص فى عدة مسائل . أولا : ذكر أن الشافعى كان له كبير الأثر فى تنشئة القياس والتوسع فى تطبيقه ، والواقع أن لأهل الرأى فى ذلك أكبر أثر ، والشافعى كان له الفضل فى ضبطه ، لا فى تنشئته والتوسع فيه . ثانياً : أنه ذكر أن طريقة القياس هى طريقة الرأى ، وقال إن ذلك بالضرورة بوهذا ليس بكلام ممحص ، لأن الرأى أوسع من القياس إذ يشمل الأخذ بالاستحسان والمصالح المرسلة ، فليست طريقة القياس هى بالضرورة طريقة الرأى ، بل هى بعضها ، و الشافعى هو الذى حد الرأى فى دائرة القياس لا يعدوها . ( م٢٣ - الشافعى) ٠٠ - ٣٥٤ - ٢١٧ - بذلك العمل الذى اضطلع به الشافعى وحده ( وهو وضع. أصول للاستنباط ، لتكون هداية للمجتهد وضابطاً لآراء وموازين لها ، ليعرف مقدار اتصالها بالشرع الإسلامى ، أو بعدها عنه ) - قد جعل الشافعى الفقه عاماً مبنياً على أصول ثابتة ، لا طائفة من الفتاوى والأقضية ، والحلول لمسائل يفرض وقوعها ، وقد فتح الشافعى بذلك عين الفقه ، وسن الطريق لمن جاء بعده من المجتهدين ليسلكوا مثل ما سلك وليتموا: ما بدأ . ولقد كان تلقى العلماء لما وصل إليه الشافعى مختلفاً باختلاف اتجاهاتهم الفقهية ، فمنهم من أخذ بكل ما جاء به مختلفاً فى بعض تفصيلات. الأصول لافى مجموعها ، ومنهم من خالفه فى هذه الأصول ، ومنهم من اتبعه = ثالثاً - أنه قال إن أهل العراق استعملوا القياس للتخلص من الأحاديث الضعيفة. وأحاديث الآحاد ، وذلك كلام غير صادق ، لأن أهل العراق لا يقدمون القياس على أحاديث الآحاد . فلا يردونها به ، وما كان القياس فى أصل فكرته التخلص من. الأحاديث الضعيفة ، بل لاستنباط الأحكام فى غير المنصوص عليه ، إنما التخلص من الأحاديث الضعيفة وردها له موضع آخر وهو ضبط الرواية ووضع موازين لنقد الرواة والأحاديث ، وليس ذلك من القياس فى شىء . رابعاً - إنه ادعى أن الشافعى حاول وضع قواعد معينة لاستعمال القياس ولكنه كان. قليل التوفيق وهذا ادعاء ليس فى كتب الشافعى ما يؤيده ، إن الشافعى ضبط القياس. وعرف أقسامه فهو ميزه وحده ولم يحاول أن يرسم طرائق لاستخراج العلل ومسالكها بل ترك ذلك للمجتهد لاختلاف التقدير فيها ، لأنه مع تعيين طرائق العلة ومسالكها لازال القياس غير مانع من الاختلاف ، وليس فيه حمل المختلفين على الاقناع . والشافعى حقاً يذكر أن القياس والاجتهاد أمر واحد ، ولكن ذلك لأنه يقسم العلم. قسمين أحدهما على اتباع والثانى على استنباط واجتهاد ، والأخير بالقياس وحده . ٢٠؟ ٠ - ٣٥٥ - فيه شارحاً لها ، مخرجاً على منهاجها ، وهؤلاء ممن اتبع مذهبه . ولنذكر كلمة فى كل صنف من هؤلاء الأصناف : فمن الصنف الأول الذين توافقت طرائقهم مع ما جاء فى الرسالة فى الجملة لا فى التفصيل - الحنفية ، فقد اتفقت طريقتهم فى الاستنباط فى الجملة مع تلك الأصول ، والخلاف ليس كبيراً فى التفصيلات كالخلاف فى أن العام مخصصه حديث الآحاد ، أو لا يخصصه ونحو ذلك ، ومنهم المالكية اتحدت طريقتهم مع أكثر ما جاء فى رسالة الشافعى ، والخلاف بينهم وبينه أكثر مما بينه وبين الحنفية ، وقد تجاوز الخلاف التفصيلات إلى بعض الأصول العامة ، فعمل أهل المدينة حجة عندهم ، وقد شدد الشافعى فى رده فى مواضع كثيرة من كتاب الأم . ومنهم الحنابلة قد أخذوا بأصول الشافعى ، ولكنهم لم يتصوروا إجماعاً غير إجماع الصحابة ، وفى التحقيق أنهم وإن خالفوا الشافعى فى ظاهر الأصل ، لم يبتعدوا فى هذا عن روح الرأى عند الشافعى ، فقد ذكرنا عند الكلام فى الإجماع أن الشافعى ، وإن أطلق حجيته ، فلم يفرضها فى عصر ولا فى أمر - كان عندما يجادل ويحتج عليه مناظره بالإجماع يبين له صعوبة تحقيقه ، بل تعذره ، ولا يكاد يعترف بالإجماع إلا فى أصول الفرائض ، وقد بينا ذلك فى موضعه ، فالفرق فى الإجماع بين الشافعى وأحمد ليس كبيراً ، وإن كان ظاهر القول لا يبدو صغيراً ، ومن هذا نرى أن الأئمة الأربعة تتلاقى فى أصولهم ، وتتقارب ينابيع استنباطهم ولا تتباعد ، وإن جاءت الفروع مختلفة اختلافاً كبيراً فى بعض الأحيان ، وذلك من الاختلاف فى التطبيق ، وفى التفصيلات ، لا من الاختلاف فى المبادىء الأولى الإجمالية . ٢١٨ - وبجوار هؤلاء الذين يقاربونه ، ولا يبعدون عنه ، كان هناك فقهاء قد خالفوا هذه الأصول فى بعض أركانها ، لا فى تفصيلها ، فقوم رفضوا القياس ، ولم يعتبروا إلا النص ، ولقد ذكرهم الماوردى فى - ٣٥٦ - الأحكام السلطانية على أنهم صنفان ، فقال : هؤلاء الذين يرفضون القياس صنفان ، صنف يرفضه ويتبع ظاهر النص ، ويحكمون على أقوال السلف ما دامت لا تخالف النص ، ويرفضون الاجتهاد ويبتعدون عن الرأى ، وهؤلاء لا يوثق بهم فى القضاء ، لأنهم لا يعلمون الفقه على وجه كامل ، ونوع آخر منهم يرفض القياس كله ، ولكنه يسير فى الاستنباط الفقهى معتمداً على القول ، ومعنى الطلب ، وهؤلاء أهل الظاهر . فأهل الظاهر هؤلاء يرفضون القياس كله ، ولا يعتمدون على النصوص ، ولم يعتبروا من القياس ما يسمى بالقياس الجلى بل يعتبرون هذا نصاً ، كما لم يعتبروا الدلالة للقياس ، وإذا كانت العلة منصوصاً عليها، بل اعتبروا الحكم قد أخذ بالنص ، ولم يستنبط بقياس . وإمام هذا المذهب هو أبو سليمان داود بن خلف الأصفهانى(١)، وقد كان من الشافعية ، وتلقى الفقه الشافعى على أصحاب الشافعى ، ثم ترك المذهب الشافعى واختار لنفسه ذلك المذهب الذى لا يعتمد إلا على النص ، وقد رفض من أصول الشافعى القياس ، كما رفض الشافعى الاستحسان ، وقد قيل (١) ولد سنة ٢٠٠ هـ وتوفى سنه ٢٧٠ « كان فقيها زاهداً، وله كتب تشتمل على أحاديث كثيرة من الصحاح تدل على غزارة علمه . وأصله من أصبهان وكان مولده بالكوفة ونشأته وحياته ووفاته ببغداد وإليه انتهت رياسة العلم بها ، وكَان شافعياً شديد التعصب الشافعى . وهو أول من ألف فى مناقبه ، ثم ترك المذهب الشافعى إلى الأخذ بظاهر النص . قال فيه أبو الفدا بن كثير وقد كان من الفقهاء المشهورين ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح . فضاق بذلك ذرعا فى أماكن كثيرة من الفقه فلزمه القول بأشياء قطعية صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المحرد من غير تفهم لمعنى النص ، وقد اختلف الفقهاء القياسيون بعده فى الاعتداد بخلافه أينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا ؟ وقد ذكر ابن السبكى فى طبقاته أقوالا : أحدها اعتباره وهو الصحيح والثانى عدم اعتباره فى كل الأحوال ، والثالث اعتباره إلا فيما خالف القياس الجلى ، ولقد ذكر ابن السبكى أن الصحيح عن داود أنه لم ينكر الجلى ، فقد قال : والذى صح عند = - ٣٥٧ - له تركت مذهب الشافعى؟ فقال قرأت كتاب إبطال الاستحسان للشافعى ، فوجدت كل الأدلة التى يبطل بها الاستحسان تبطل القياس . ٢١٩ - هذا والفرق التى خالفت الجماعة الإسلامية فى السياسة خالفتها أيضاً فى أصول الاستنباط ، فالإباضية لا يعتبرون إجماع فقهاء المسلمين ، ولا يعتبرون إجماع فرقتهم ، لأن جماهير المسلمين فى نظرهم فى ضلال ، وهل يعتبر لأهل الضلال رأى ، وهذا نظر مبنى على نظرهم السياسى ، أو على رأيهم فى مرتكب الذنب على نحو ما بيناه فى موضعه من كلامنا ، ومع اختلافهم مع جماهير المسلمين فى معنى الإجماع قد أخذوا بمبدأ القياس ، أما الكتاب والسنة فلا يفترقون فى النظر إليهما عن الجماعة الإسلامية واختلافهم لا يتجاوز قبول بعض الأحاديث ، ورد بعضها كما يجرى الخلاف فى هذا ما بين المذاهب الأربعة المشهورة . أما الشيعة الإمامية فقد أخذوا بالكتاب كما أخذوا بالسنة وإن كان رفضهم لأحاديث الجماعة المتصلة بالخلافة كثيراً ، كما رفضت الجماعة أكثر أحاديثهم فى هذا الباب وقد حدوا الاستنباط الفقهى بجوار استنباط أئمتهم فأقوال الأئمة عندهم معتبرة حجية تلى حجية الكتاب والسنة على الأقل ، بل إنهم فى وجود إمامهم الموصى إليه بالإمامة لا ينظرون فى غير رأيه ، ولا يأخذون بغير اجتهاده ولا ينظرون إلى دليل وراء قوله وهم لا يتجهون إلى الأدلة إلا فى غيبة الإمام ، فهم فى حضرة الإمام مقلدون لا غير . ومن شأن = الشيخ الإمام الوالد أنه لا ينكر القياس الجلى وقيل الآخرون فقط، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون ، وإنما ينكر القياس مطلقا الخفى والجلى طائفة من أصحابه زعيمهم ابن حزم . وقد قال الغزالى فى المستصفى ما نصه : لا يظن بالظاهرى المنكر للقياس إنكار المعلوم المتطوع به من هذه الإلحاقات لكن لعله ينكر المظنون منه ، ولقد نقل عن داود أنه قال : لا يجوز أن يحرم النبى صلى الله عليه وسلم شيئا فيحرم محرم غير ما حرم لأنه يشهده إلا أن يوقفنا على علة من أجلها وقع التحريم . - ٣٥٨ - المقلد ألا يطالب من قلده بالدليل ، والأئمة عندهم قد اختصوا بعلم ما لم ينص عليه ، أو ما لم يعلنه النبى صلى الله عليه وسلم . ولقد قال الشيخ محمد آل الكاشف فى كتاب أصل الشيعة فى مقام الأئمة فى بيان الشريعة ما نصه : ما من معاملة على مال أو عقد نكاح إلا وللشرع فيها حكم صحة أو فساد ، وقد أودع الله سبحانه وتعالى جميع تلك الأحكام عند نبيه خاتم الأنبياء ، وعرفها النبى صلى الله عليه وسلم بالوحى من الله أو الإفهام ، ثم إنه سلام الله عليه حسب وقوع الحوادث وحصول الابتلاء وتجدد الآثار والأطوار بين كثيراً منها للناس ، وبالأخص لأصحابه الحافين به ، الطائفين كل يوم بعرش حضوره ، ليكونوا هم المبلغين لسائر المسلمين فى الآفاق ، فيكونوا شهداء ، ويكون الرسول عليهم شهيداً ، وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعى والبواعث لبيانها ، إما لعدم الابتلاء بها فى عصر النبوة أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها . والحاصل أن حكمة التشريع اقتضت بيان جملة من الأحكام ، وكتمان جملة . ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه ، كل وصى يعهد به إلى الآخر ، لينشره فى الوقت المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص ، أو مطلق مقيد ، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك ، فقد يذكر النبى صلى الله عليه وسلم عاماً ، ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته ، وقد لايذكره أصلا ، بل يؤديه عنه وصيه . ومن هذا الكلام نرى أنهم يضعون أئمتهم بجوار السنة باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم أودعهم ما لم يعلن، وأنهم إن خالفوا عموم الكتاب كان كلامهم تخصيصاً له ، كما كان كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم تخصيصاً للكتاب أحياناً . وإن الشيعة الإمامية قد رفضوا الأحاديث إلا إذا كانت عن طريقة أئمتهم، كما رفضوا الأخذ بالقياس ، ولقد قال فى ذلك الشيخ آل الكاشف: إن الإمامية لا تأخذ بالقياس وقد تواتر عن أئمتهم ( ع) : أن الشريعة - ٣٥٩ - إذا قيست محقق الدين .. وأنهم لا يعتبرون من السنة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم ... أما ما يرويه مثل أبى هريرة وسمرة ابن جندب ، ومروان بن الحكم ، وعمران بن حطان الخارجى ، وعمرو ابن العاص ونظائرهم ، فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار جناح بعوضة . وترى من هذا النص أن الشيعة الإمامية ترفض أكثر أحاديث الجماعة الإسلامية ، لأن عدداً محدوداً منها ، هو الذى روى عن آل البيت رضى الله تبارك وتعالى عنهم .. وإن الشيعة عند غيبة الإمام ، وتلك أكثر الأحوال عندهم يجتهدون ويعتبرون إجماع علمائهم وحدهم ، ولا عبرة بآراء غيرهم ، وباب الاجتهاد عندهم لم يغلق ، ولا زال مفتوحاً ، وهذا مما يفاخر به الشيعة سائر جماعات المسلمين اليوم . ٢٢٠ - هؤلاء هم الذين خالفوا الشافعى فى بعض أصوله ، أو فى جملتها ألممنا بهم إلمامة عاجلة ، ولنتجه بمثلها إلى الذين تابعوه ، فقد تابع الشافعى فى أصوله أولئك الذين تتلمذوا له وتخرجوا على تلاميذه ، لقد اتخذوا منهجه فى البحث طريقاً مسلوكا ، سلكوه فى الاجتهاد واستخراج الأحكام وإن كانت ريح التقليد قد أخذت تهب ، هادئة غير عاصفة ، ولقد ذكر التاريخ أن من الشافعية من جاء إلى أصول الشافعى ، فنماها وشرحها ووضحها فكتب الطبقات تذكر أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزى من أصحاب المزنى له كتاب : (( الفصول فى معرفة الأصول » وله كتاب (( الخصوص والعموم)) ونذكر أن أبا بكر محمد بن عبد الله الصيرفى المتوفى سنة ٣٣٠ هـ له كتاب: ((دلائل الإعلام على أصول الأحكام)) وشرح رسالة الشافعى . وفى الحق إنه ما دام للشافعى تلاميذ وأتباع ، ، طبقات بعد طبقات لابد أنهم جاءوا على أصوله بالتوضيح ، متبعين له فى أصوله وطرائق استنباطه ، كما اتبعوه أخيراً فى فروعه ، وما أداه اجتهاده إليه . - ٣٦٠ - ٢٢١ - وقبل أن نترك الكلام فى استقبال الفقهاء غير المقلدين فى الجملة لأصول الشافعى ، لا بد أن نشير إلى أمر قد جاء فى دائرة. المعارف الإسلامية التى يحررها المستشرقون ، فقد جاء فيها : وقد انتهى. الشافعى إلى ما انتهى إليه أهل العراق من قبل فى تعريف السنة ، بأنها مصدر الفقه ، باعتبارها فعل النبى صلى الله عليه وسلم ، كما عرف الإجماع بأنه الرأى الذى أخذ به كثرة المسلمين ، واعتبره مصدراً ثانوياً لإيضاح المسائل التى لا يمكن تقريرها من الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يأخذ حجية الإجماع باعتبارات عامة ، وأحاديث تأمر بالتمسك برأى أئمة المسلمين ، ولم يكن الشافعى يعلم إلى ذلك الوقت بالحديث الذى ذكر كثيراً فيما بعد ، وهو لا تجتمع أمتى على ضلالة ، وكان صبغ القانون بالصبغة الإسلامية قد تم بوجه عام قبل مالك ، غير أن الشافعى بذل جهداً عظيماً فى تنظيمه ، وللوصول إلى ذلك الغرض انصرف الشافعى إلى حد ما عن الطريق المألوف فى التفكير الفقهى . هذه عبارة أولئك المستشرقين ، أو عبارة أحدهم الذى أقرته جماعتهم. عليها . وأول ما يلاحظ القارىء عليها عدم الدقة فى تحرير المراد ، وتبينه ، فهم يعبرون عن استنباط الفقه الإسلامى بعبارة غير محدودة فيقولون صبغ القانون بالصبغة الإسلامية ، وكأنهم يريدون بهذا أن الفقه الإسلامى لم يستنبط استنباطاً من ينابيعه الإسلامية ، ولكنه كان موجوداً من قبل ، وفقهاء المسلمين صبغوه بالصبغة الإسلامية ، وذلك معنى يتجافى عن الواقع وعن أدوار ذلك الفقه ، وعما اشتمل عليه ، فهل ترى نظام الطلاق كما جاء فى الفقه الإسلامى والزواج والميراث والأحباس ، وحكم الإسلام. فى العقود الربوية كان موجوداً من قبل الإسلام ، والمسلمون صبغوه، بالصبغة الإسلامية .