النص المفهرس
صفحات 261-280
- ٢٦١ - رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تنسخها إلا سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أحدث اللّه لرسوله فى أمر سن فيه غير ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسن فيما أحدث الله إليه ، حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتى قبلها مما يخالفها . هذا نص الشافعى ، وهو صريح فى أن السنة لا تنسخها إلا سنة ، ويردف ذلك ببيان الأدلة على مدعاة مما سنسوقه بعد ذلك إن شاء الله تعالى . ولقد جاء فى كتاب الأحكام فى أصول الإحكام للآمدى فى هذا المقام ما نصه : المنقول عن الشافعى رضى الله عنه فى أحد قوليه أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن ، ومذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا ، ووقوعه شرعاً) . : ومن هذا النص يستفاد أن الرأى الذى نقلناه لك هو أحد رأبى الشافعى ، ولكن لا نجد فيما بين أيدينا من الكتب التى رواها الربيع ذلك الرأى الذى يقول إن السنة يجوز أن تنسخ بالقرآن من غير بيان السنة ، فإذا كان ثمة رأى آخر للشافعى فلابد أن يكون ذلك الرأى فى القديم لا فى الجديد. وفى الرسالة العراقية ، لا الرسالة المصرية إذ النص الذى نقلناه هو المنصوص فى الرسالة المصرية ، ولا رأى سواه فى الكتب المروية بمصر. ١٦٦ - الرأى الذى استقر عليه الشافعى هو لا محالة أن القرآن لا ينسخ السنة إلا إذا كان ثمة سنة مبينة للنسخ ، والأصوليون الذين جاءوا من بعده قد خالفوه فى ذلك ، وقرروا أن نسخ السنة بالقرآن من غير سنة جائز عقلا ، وواقع شرعاً ، ولا يهمنا أمر الجواز العقلى ، فإنه حيث توجد الاستحالة العقلية ، ولم يقم الدليل على الوجوب ، فثمة الإمكان والجواز العقلى ، والشافعى لا ينكر ذلك الجواز العقلى ، ولم يمنعه ، إنما موضوع كلامه الوقوع فى الشرع ، ولنظر فى دليله ، ثم لنعرج بالإشارة إلى ما يقوله مخالفوه من بعده . ٠ - ٢٦٢ - وخلاصة ما يستنبطه القارىء لما كتب الشافعى فى هذا المقام يؤيد به رأيه هذا فى منع نسخ القرآن للسنة إلا ببيان من السنة - يجده يقوم على دعامتين : الدعامة الأولى : أن النسخ يحتاج إلى بيان ، والسنة بيان للقرآن ، والقرآن هو الذى يعطى السنة هذه القوة من البيان ، أما أن النسخ يحتاج إلى بيان ، فذلك لأنه يحتاج إلى بيان المتقدم والمتأخر من النصوص ، وما استقر عليه عمل النبى صلى اللّه عليه وسلم وبيانه لأصحابه ، وذلك بلا ريب يثبت بالسنة ، وإذا كنا قد رأينا أن أكثر المنسوخ فى القرآن فى رأى الشافعى لم يعلم نسخه إلا بالسنة ، فأولى أن يكون منسوخ السنة لا يعلم إلا بالسنة لأن بها البيان، قال تعالى، ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)). الدعامة الثانية : أنه لو جاز نسخ السنة بالقرآن من غير سنة تعرف بالنسخ ، أو تكون هى الناسخة ، لجاز أن يكون كل نص حديث تخالف القرآن مردوداً غير مقبول العمل ، وبذلك لا يمكن أن تكون السنة مخصصة لعموم القرآن ، ولا مبينة له . بل لجاز أن ترد كل سنة معها كتاب تخالفه من وجه اكتفاء ببيان الكتاب ، وهذه نتيجة لايرضاها الشافعى ناصر السنة بمكة والمدينة وبغداد ، ولقد بين ذلك فضل بيان فلننقله إليك بنصه لتعرف حقيقة رأيه . فهو يقول : فإن قال قائل : هل تنسخ السنة بالقرآن ؟ قيل لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبى فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخرى حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشىء ينسخ بمثله ، فإن قال فما الدليل على ما تقول، فما وصفت من موضعه من الإبانة عن اللّه تعالى معنى ما أراد الله بفرائضه خاصاً وعاماً ، مما وصفت فى كتابى هذا، وأنه لايقول أبداً لشىء إلا بحكم الله ، ولو نسخ اللّه مما قال حكماً لسن رسول الله فيما نسخه سنة، ولو جاز أن يقال قد سن رسول الله ثم نسخ سنته بالقرآن ، ولا يؤثر عن - ٢٦٣ - «رسول اللّه السنة الناسخة ، جاز أن يقال فيما حرم رسول الله من البيوع كلها قد يحتمل أن يكون حرمها قبل أن ينزل عليه: ((وأحل الله البيع وحرم الربا )) وفيمن رجم من الزناة قد يحتمل أن يكون الرجم منسوخاً بقول الله (( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )) وجاز أن يقال : لا يدراً عن سارق سرق من غير حرز ، وسرقته أقل من ربع دينار لقول الله: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) لأن اسم السرقة يلزم من سرق قليلا و کثیراً . ومن حرز ومن غیر حرز ، وجاز رد کل حديث عن رسول الله بأن يقال: لم يقله إذا لم يجده مثل التنزيل ، وجاز رد السنن بهذين الوجهين ، فتركت كل سنة معها كتاب حملة ، تحمل سنته أو توافقه - (وهى لا تكون أبداً إلا موافقة له - إذا احتمل اللفظ فيما روى عنه خلاف اللفظ فى التنزيل بوجه ، أو احتمل أن يكون فى اللفظ عنه أكثر مما فى اللفظ فى التنزيل ، وإن كان محتملا أن يخالفه . فالشافعى على هذا التقرير يوجب أن يكون من الآثار ما يدل على نسخ السنة عند تعارض ظاهرها مع القرآن ، ولا شك أن المنطق الشرعى المستقيم يوجب ذلك ، لأن السنة إذا نسخت جرى العمل بعد ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم على مقتضى الأحكام الجديدة ، وطبقها وبينها ، ولم يفرض الشافعى أن ناسخاً لا يعمل به ، ولا يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم فيه عمل ، أو إقرار ، أو قول ، فإن ذلك بعيد عن منطق الوقائع بعد من يرى غيره عن فهم الشريعة ولبها . ١٦٧ - هذا نظر الشافعى فى قوله إن السنة لا ينسخها إلا سنة، ولكن الأصوليين من بعده لم ينظروا نظره كما بينا ، وقرروا أن القرآن ينسخ السنة عقلا، وأن ذلك قد وقع فعلا ، وساقوا أموراً بينوا (١) فيها أن القرآن (١) ساق الآمدى فى كتابه الأحكام فى أصول الإحكام طائفة من هذه المسائل هى: أ - أن النبى صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلماً رده، فجاءت امرأة فنزل قوله تعالى: ((فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار » وهنا نسخت السنة بالقرآن . - ٢٦٤ - قد نسخ السنة ، ومن ذلك نسخ القرآن لكون بيت المقدس قبلة ، وجعل القبلة إلى البيت الحرام ، والشافعى من قبلهم قد نبه إلى النسخ فى هذا المقام ، وأنه لم يعلم بالقرآن وحده ، بل أعلمت به السنة مع القرآن ، فهو يروى مع قوله تعالى: ((قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك. قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره))، يروى مع الآية الكريمة الأثر الصحيح عن ابن عمر أنه قال : بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت ، فقال : إن النبى صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة ، فكانت تلك السنة العملية مبينة نسخ القران للأمر الثابت بالسنة . وإن الخلاف بين الشافعى والأصوليين من بعده ليس فى أن القرآن يجىء بغير ماجاءت به السنة ، وأنه ينزل بما يرفع أحكاماً جاءت بها ، وإنما الخلاف. = ب - إن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة وقد نسخ قوله تعالى : (( فول وجهك شطر المسجد الحرام)» فالقرآن قد نسخ السنة. جـ- إن المباشرة فى الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة: وقد نسخت بقوله تعالى: (( فالآن باشروهن)) . د - إن صوم عاشوراء كان واجباً بالسنة ونسخ بصوم رمضان فى قوله تعالى : (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )). هـ - إن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزاً بالسنة وقد نسخ ذلك بصلاة الخوف الثابتة بالقرآن . وعندى أنه ليس فى المسائل ما ينقض دليل الشافعى على فرض ثبوت الناسخ والمنسوخ فيها ، لأنه قد ورد فى كل هذا سنن بينت النسخ ، وقد بين الشافعى هذه السنن فى صلاة الخوف ، وفى استقبال القبلة ، وإذا كانت قد وردت سنن ، فالشافعى قد سلمت له دعواه. وليس فى هذا نقض لها . - ٢٦٥ - فى أن القرآن من غير بيان السنة يثبت به النسخ ، أم لابد لمعرفة نسخ السنة بالقرآن من سنة أخرى تبين ذلك ، والاستقراء يؤيد الشافعى . ١٦٨ - وقبل أن نختم بيان آراء الشافعى فى النسخ نشير إلى أمرين جديرين بالاعتبار يجعلان له المكان الأول فى الاجتهاد . أحدهما : أن الشافعى فى رسالته قد حرر معنى النسخ فيما ساق من أدلة وأمثلة ، فميزه عن تقييد المطلق ، وتخصيص العام ، وجعلهما من نوع البيان ، وكثير من المتقدمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوايسمون المطلق نسخاً ، وتخصيص العام نسخاً، حتى كان منهم من يجعل الاستثناء نسخاً (١) (١) عقد الشاطبى لمعنى النسخ فى عبارات المتقدمين فصلا قيما، وقد قال فيه : إن الذى يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم فى الإطلاق أعم منه فى كلام الأصوليين . فقد يطلقون على تأييد المطلق نسخاً ، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً ، وعلى بيان المبهم نسخاً ، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعى بدليل متأخر نسخاً ، لأن جميع ذلك مشترك فى معنى واحد . وهو أن النسخ فى الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد فى التكليف. وإنما المراد ما جىء به آخراً، فالأول غير معمول به ، والثانى هو المعمول به وهذا المعنى جار فى تقييد المطلق ، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له فى إطلاقه بل العمل هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع تقيده شيئا . فصار مثل الناسخ والمنسوخ . وبذلك العام الخاص . فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ فى جملة هذه المعانى لرجوعها إلى شىء واحد ، ولابد من أمثلة تبين المراد . فقد روى عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى: (( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)) إنه ناسخ لقوله تعالى: (( من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها)) وهذا على التحقيق تقييد لمطلق إذا كان قوله تعالى نؤته منها مطلقا . ومعناه مقيداً بالمشيئة ، وهو قوله فى الأخرى لمن تريد فهوخبروالإخبار لا يدخلها النسخ . وقال عطاء فى قوله تعالى: (( وأحل لكم ما وراء ذلكم)) إنه منسوخ بالنهى عن المرأة على عمتها أو على خالتها . وهذا من باب تخصيص العموم . - ٢٦٦ - ،وهكذا ، فلما جاء الشافعى حرر معنى النسخ ، وميزه من بين تلك الإطلاقات الواسعة التى كان بإدماجها فيه غير متميز ، وجعل التخصيص والتقييد من باب بيان المراد بالنص ، وأما النسخ فهو رفع حكم النص بعد أن يكون ثابتاً ، ولاشك أن ذلك سبق للشافعى بذكر له ، وهو يتفق مع عقله العلمى ونظرته للمسائل نظرة علمية دقيقة تتجه إلى تمييز الكليات وتخصيصها . ثانيهما : أن الشافعى درس النسخ من ناحية وقوعه فى الشرع الإسلامى فهو قد استقرى المسائل التى رأى أن فيها نسخاً واستنبط منها أحكام النسخ وضوابطه ، فأصّل أصوله فى هذا الباب على ضوء ذلك الاستقراء . وإنك لتستبين ذلك فى أكثر ما كتب ، ولذلك لم يخض فى مسائل نظرية كالتى خاض فيها الأشاعرة والمعتزلة من علماء الأصول الذين جاءوا من بعده ، فلقد درسوا إمكان نسخ ما حكم العقل بحسنه ، أو قبحه ، وخاضوا فى ذلك خوضا ، ودرسوا إمكان النسخ قبل العمل بالحكم المنسوخ ، وعدم إمكانه كما درسوا وجوب حلول حكم محل الحكم المنسوخ وعدم وجوب ذلك ، واختلفوا فى كل هذا اختلافا مبينا ، وهو علم لا ينبنى عليه عمل ، وليس له أثر ، ولذلك لم يخض الشافعى فى شىء منه لأنه كان يضع قواعد لما استقراه وتتبعه ، لا مما يتخيله ويتصوره ، ولذلك جاء كلامه فى ذلك واضحا نيراً مستقيما . = وقال قتادة فى قوله تعالى ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروه)) إنه نسخ من ذلك التى لم يدخل بها بقوله تعالى: (( فا لكم عليهن من عدة تعتدونها ، والتى يئست من المحيض والتى لم تحض بعد بقوله تعالى: (( واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ؛ واللائى لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) وفى كل هذه الأمثلة ترى أنه أطلق على تقييد المطلق والتخصيص العام اسم النسخ . ١ - ٢٦٧ - الإجمــاع ١٦٩ - قرر الشافعى أن الإجماع حجة ، وقرر أنه فى منزلة بعد الكتاب والسنة ، وقبل القياس ، ولقد نقلنا فى صدر الكلام على مصادر الفقه عند الشافعى ما يدل على ذلك ، وقد جاء فيها فى آخر الرسالة ما نصه: يحكم بالكتاب والسنة والمجتمع عليها التى لا اختلاف فيها ، فنقول لهذا حكمنا بالحق فى الظاهر والباطن ، ونحكم بالسنة قد رويت من طريق الانفراد ، ولا يجتمع الناس عليها فنقول حكمنا بالحق والظاهر ، لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث ، وتحكم بالإجماع ثم القياس ، وهو أضعف من هذا، "لأنه لا يحل القياس والخبر موجود ، كما يكون التيمم طهارة فى السفر عند الإعواز من الماء ، ولا يكون طهارة إذ وجد الماء ، إنما يكون طهارة فى الإعواز . ومن هذا نرى أن الشافعى يعتبر الإجماع مقدماً على القياس ، ويعتبره أضعف فى الاستدلال من الكتاب والسنة ، وأنه لا يصار إليه إلا عند عدم وجود نص من سنة أو كتاب ، كالتيمم لا يكون مطهراً إلا إذا أعوز الماء . والإجماع عند الشافعى أن يجتمع علماء العصر على أمر فيكون إجماعهم حجة فيما أجمعوا عليه ، فهو يقول فى باب إبطال الاستحسان : لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه ، إلا لما تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك ، وحكاه عمن قبله كالظهر أربع ، وكتحريم الخمر ، وما أشبه ذلك . وأول إجماع يعتبره الشافعى هو إجماع الصحابة ، وهو لا يعتبره ، لأنه يكون دليلا على أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة فيما اجتمعوا عليه ، ولكن يعتبره لأنه اجتهادهم ، وهم لا يمكن أن يغفلوا عن السنة فى موضع ذلك الاجتهاد ، فلابد أنهم اجتهدوا حيث لا يقوم نص من السنة أو أثر عن الرسول على خلاف ما اجتمعوا عليه ، ولكن إذا حكوا سنة فيما اجتمعوا عليه كانت السنة هى الحجة ، وهذا ما قاله فى ذلك المقام ، - ٢٦٨ - وما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول اللّه فكما قالوا: إن شاء اللّه، وأما ما لم يحكوه فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، واحتمل غيره ، ويجوز أن نعد له حكاية ، لأنه لا يجوز أن يحكى إلا مسموعاً ، ولا يجوز أن نحكى شيئا يتوهم ، يمكن فيه غير ما قال ، فكنا نقول بما قالوا به اتباعاً لهم ، ونعلم أنه إذا كانت. سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعزب عن عامتهم ، وقد تعزب عن. بعضهم : ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول اللّه ، ولا على خطأ إن شاء الله . ١٧٠ - الشافعى كما تدل الرسالة يأخذ بالإجماع حجة ، ويعتبره هو فى ذاته حجة فى غير موضع النص من كتاب أو سنة ، ولقد سبق حجيته. دليلان : أحدهما : قد جاء فى الرسالة ، وهو حديث رواه سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: ((إن رسول الله صلى الله عليه. وسلم قام فينا كمقامى فيكم فقال : أكرموا أصحابى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد ، ألا فمن سره بحبحة الجنة ، فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفذ ، وهو من الإثنين أبعد ، ولا يخلون رجل بامرأة ، فإن الشيطان ثالثهما ، ومن سرته حسنته ، وساءته سيئته فهو مؤمن . وفى الحديث كما ترى حث على ملازمة الجماعة ، وملازمة الجماعة ليست. ملازمة الأبدان ، ولو تفرقت القلوب ، وإنما ملازمة الجماعة المثمرة للوحدة هى ملازمة ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما ، ولقد بين ذلك الشافعى أفضل بيان فقال : إذا كانت جماعتهم متفرقة فى البلدان ، فلا تقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان مجتمعة. من المسلمين والكافرين ، والأتقياء والفجار ، فلم يكن فى لزوم الأبدان معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما ، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم ، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين. - ٢٦٩ - فقد خالف جماعتهم التى أمر بلزومها ، وإنما تكون الغفلة فى الفرقة ، فأما. ١ الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ، ولاسنة ، ولا قياس إن شاء الله تعالى . الدليل الثانى قوله تعالى: ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبينله الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا )) وتقرير الدليل أن الله تعالى جعل اتباع غير سبيل المؤمنين كمشاقة الله ورسوله ، إذ جعل جزاءهما واحداً ، ومشاقة الله ورسوله حرام ، فاتباع سبيل غير المؤمنين حرام ، وإذا كان اتباع غير سبيلهم حراما ، فاتباع سبيلهم واجب ، ومخالفة ما عليه عامتهم من التحليل والتحريم ليست اتباعالسبيلهم، إنما الاتباع هو اتباع جماعتهم فى ذلك (١)، ولقد قال الزمخشرى (٢٠) جاء فى التفسير الكبير ما نصه: روى أن الشافعى رضى الله عنه سئل عن آية فى كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية، أى ((ومن يشافق الرسول ... )) وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً ، بيان المقدمة الأولى أنه تعالمه ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له ، لكان ذلك ضما لما لا أثر له فى الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد ، وإنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجباً ، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع سبيل المؤمنين. فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراماً، وإذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباعهم واجبا . هذا تقرير الدليل على ما ساقه الرازى ، ولعلماء الأصول مناقشات طويلة وأسئلة وأجوبة حول صحة الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع، ولذا قال الغزالى فى المستصفى بعد ما ساق الآيات التى تعلق بها الأصوليون ليستدلوا بها على أن الإجماع حجة - ما نصه: هذه كلها ظواهر نصوص لا تنص على الغرض ، -. - ٢٧٠ _ فى تفسيره: ((ويتبع غير سبيل المؤمنين))، وهو السيل الذى هم عليه من. الدين الحنيفى القيم ، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها ، كما لاتجوز مخالفة الكتاب والسنة ، لأنه عز وجل جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين ، وبين مشاقة الرسول فى الشرط ، وجعل جزاءه الوعيد الشديد،. فكان اتباعهم واجبا ، كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام . ١٧١ - هذه أدلة الشافعى التى تنسب إليه فى حجية الإجماع، ولكن. ممن يتكون الإجماع أمن أهل الفقه والمجتهدين وحدهم ، أم منهم ومن غيرهم ؟ وقد تتبين الإجابة عن هذا السؤال فى صدر كلامنا عن الإجماع عند الشافعى، فقد نقلنا عنه أنه قال فى بيان الإجماع : لست أقول ، ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه إلا لما تلقى عالما أبداً ، إلا قاله لك وحكاه عمن قبله كالظهر أربع وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا ، وترى من فحوىهذا النصإنهلا يعتبر. إلا إجماع العلماء ، لأنهم هم الذين يدركون الحلال والحرام فى الأمور غير المنصوص عليها فى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فما دام أساس الإجماع ، هو الوصول إلى رأى فى الأمر بالتحليل أو التحريم ، فلا يتصور أن يكون ذلك إلا من العلماء المجتهدين، وقد كان كلام الشافعى هذا باباً للأصوليين من بعده قد فتحه لهم ، فدخلوا إلى هذا العلم ، فوسعوا وشعبوا القول فى هذا المقام ، فتكلموا فى : من هم العلماء الذين يتكون منهم الإجماع = بل لا تدل أيضاً دلالة الظواهر، وأقواها قوله تعالى (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً)) فإن ذلك يوجب اتباع سبيل المؤمنين، وهذا ما تمسك به الشافعى ، وقد أطنبنا فى كتاب تهذيب الأصول فى توجيه الأسئلة على الآية ودفعها ، والذى. تراه أن الآية ليست نصا فى الغرض ، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين ومشايعته ونصرته ودفع الأعداء نوله ما تولى ، فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين فى نصرته والقرب عنه. والانقياد فيما يأمر وينهى . وهذا هو الظاهر السابق ، فإن يكن ظاهراً فهو محتمل . - ٢٧١ - أيدخل فيهم المبتدعة أم لا يدخلون ؟ وأثاروا فى ذلك مناورات من القول. دار حولها خلاف طويل . ولا يكون الإجماع إلا من علماء المسلمين فى كل الأمصار ، وسائر الأقطار الإسلامية ، ولذا رد الشافعى قول شيخه مالك فى اعتباره إجماع أهل المدينة ورده بعض الأحاديث بذلك الإجماع ، ولذلك فضل بيان : : ١٧٢ - ذلك أن مالكا رضى الله عنه يرى أن ما عليه أهل المدينة يجب اتباعه فإجماعهم حجة يجب الأخذ بها ، وقد يرد بذلك بعض الحديث . فقد جاء فى الرسالة فى مناقشة بعض المالكية حاكياً قول هذا المناقش ، الأمر المجتمع عليه بالمدينة أقوى من الأخبار المنفردة ، فكيف تكلف أن حكى لنا الأضعف من الأخبار المنفردة ، وامتنع أن يحكى لنا الأقوى اللازم من الأمر المجتمع عليه ، فإن قال لك قائل لقلة الخبر ، وكثرة. الإجماع عن أن يحكى ، وأنت قد تصنع مثل هذا ، فتقول هذا أمر مجتمع عليه ، ويرد الشافعى ذلك القول فيقول : لست أقول ، ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه )) إلا لما تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك ، وحكاه عمن قبله كالظهر أربع ، وكتحريم الخمر . وما أشبه هذا ، وقد أجده يقول المجمع عليه ، وأجد من المدينة من أهل العلم من يقولون بخلافه ، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول ((المجمع عليه)). هذا ماجاء بالرسالة فى شأن أهل المدينة ، ونرى فيه أن المحتج بعملهم يقدمه على حديث الآحاد ، لأن إجماعهم حكاية الكثرة ، وحكاية الكثرة مقدمة على حكاية الواحد ، ولأن الشافعى نفسه يحتج بالإجماع . ويرد الشافعى هذا من ناحيتين : ( إحداهما ) أن الأمر المجتمع عليه عنده ليس هو اجتماع بلد ، بل اجتماع العلماء فى كل البلاد (والثانية ) أن المسائل التى ادعى فيها إجماع أهل المدينة عليها كان من أهل المدينة من يرى - ٢٧٢ - خلافها ، ومن عامة البلدان من يخالفها ، وقد كان يجوز له أن يرد من ناحية ثالثة ، وهى أن الإجماع الذى يحتج به هو مؤخر الرتبة عن نص الكتاب والسنة . وترى الشافعى فى رده هذا لم يتناول قضية تقديم إجماع أهل المدينة الذى يبنونه على الحكاية - على خبر واحد ، لأن حكاية الجماعة أقوى من حكاية الواحد ، فهل هو يوافق على هذه القضية ؟ إن المتتبع لكتبه لا يظنه يقر بها ، ولقد وجدناه فى الأم يناقشها ، فقد جاء فيه فى مناقشة حول هذه القاعدة : قلت للشافعى إنما ذهبنا إلى أن نثبت ما اجتمع عليه أهل المدينة دون البلاد كلها ، فقال الشافعى: هذه طرق الذين أبطلوا الأحاديث كلها ، وقالوا نأخذ بالإجماع إلا أنهم ادعوا إجماع الناس ، وادعيتم أنتم إجماع بلدهم يختلفون على لسانكم والذى يدخل عليهم يدخل عليكم الصمت كان أولى بكم من هذا القول ، قلت له: ولم ؟ قال لأنه كلام ترسلونه لا بمعرفة ، فإذا سئلتم عنه لم تقفوا منه على شىء ، ينبغى لأحد أن يقبله ، أرأيتم إذا سئلتم من الذين اجتمعوا بالمدينة أهم الذين ثبت لهم الحديث ، أم ثبت لهم ما اجتمعوا عليه ، وإن لم يكن فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قلتم نعم قلت يدخل عليكم فى هذا أمران : أحدهما أنه لو كان إجماع لم تكونوا وصلتم إلى الخبر عنه إلا من جهة خبر الانفراد الذى رددتم مثله فى الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن ثبت خبر الانفراد ، فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يؤخذ به ، والآخر أنكم لا تحفظون فى قول واحد غيركم شيئاً متفقاً. فكيف تسمون إجماعاً لاتجدون فيه عن غيركم واحداً . وكيف تقولون أجمع أصحاب رسول الله صلى الله. عليه وسلم وهم مختلفون على لسانكم ، وعند أهل العلم )). من هذا النص نرى أن الشافعى يقدم خبر الواحد على الإجماع بالرأى أياً كان سبب الإجماع إلا إذا تبين أن الإجماع بنى على النقل ، ورواه جماعة -- ٢٧٣ - عن جماعة إلى الرسول . وهو ما يسمى خبر العامة ، فيقدم حينئذ على خبر الانفراد ، ويكون أوثق ، وتكون الحجية فيه بالسنة لا بإجماع أهل المدينة أو إجماع العلماء جميعاً . ونراه فى هذا الموضع من كلامه قد أثبت اختلاف أهل المدينة فى المسألة الفقهية التى جرى حولها الاختلاف ، وما من مسألة فقهية جعل المخالف دليله إجماع أهل المدينة إلا أثبت له خلافهم فيها ، حتى إنه ليقول قد أوضحنا لكم ما يدلكم على أن ادعاء الإجماع بالمدينة وفى غيرها لا يجوز ، وفى القول الذى ادعيتم فيه الإجماع اختلاف . وأكثر ما قلتم الأمر المجتمع عليه، مختلف فيه(١) . ٠ ١٧٣ - الشافعى إذن لايرى إجماع أهل المدينة حجة، ويخالف بذلك شيخه مالكاً رضى الله عنه ، ويشدد النكير على أصحاب مالك الذين يجادلونه ويبين لهم فى كل قضية استمسكوا فيها بإجماعهم أن أهل المدينة مختلفون فى ذلك ، بل إنه يرد عليه أحياناً بأن الأكثر من أهل المدينة على خلاف ما يقولون ، ثم يقول فى حومة الجدل : لو قال لكم قائل أنتم أشد الناس منابذة لأهل المدينة وجد السبيل إلى أن يقول ذلك على لسانكم ، ولا تقدرود. على دفعه عنكم ، ثم الحجة عليكم فى خلافكم أعظم منها على غيركم ، لأنكم ادعيتم القيام بعلمهم واتباعهم دون غيركم ، ثم خالفتموهم بأكثر مما خالفهم به من لم يدع من اتباعهم ما ادعيتم ، فلئن كان هذا قد خفى عليكم من أنفسكم إن فيكم لغفلة(٢) . ولكن الشافعى إذ يقول ذلك فى المسائل التى جادل فيها المالكية ، واحتجوا بعمل أهل المدينة أو إجماعهم(٣) يقرر أن علماء المدينة إذا اجتمعوا (١) الأم الجزء السابع ص ٢٤٨ . (٢) الجزء المذكور ص ١٩٣ . = (٣) قد ذكرنا فيما مضى رأى مالك فى عمل أهل المدينة . ( م ١٨ - الشافعى) ٤٠ - ٢٧٤ - + ٠٠٥ ٠ * ويجدر بنا فى هذا المقام أن نذكر كلمة موجزة توضح رأى الأئمة فى عملهم وإجماعهم :: فقد أفتى مالك رضى الله عنه فى نيف وأربعين مسألة اعتمد فى فتواه فيها عمل أهل المدينة،. وادعى إجماعهم عليها ، وعملهم فى الواقع ثلاثة أقسام : أحدها : مسائل لا يعلم أن أحداً من غير أهل المدينة خالفهم فيها . وثانيها : ما علم فيه مخالفة غير أهل المدينة، والقسم الثالث : ما ثبت أن أهل المدينة مختلفون فيه، والأول لا خلاف فى أنه حجة . إن الشافعى يقرر أنه لم يجتمع أهل المدينة على أمر إلا إذا كان ذلك الأمر موضع اجتماع العلماء فى كل البلاد . والقسم الثالث لا خلاف فى أنه ليس موضع اجتماع منهم فكيف يكون فيه إلزام لغيرهم . أما القسم الثانى وهو ما يتفقون عليه ويخالفهم فيه غيرهم ، فالشافعى ينكره، ومالك. رضى الله عنه يحتج بإجماعهم ، وغيرهما من العلماء لا يأخذ به ، ولا يعتبره حجة، ومهما. يكن من قوة إجماع أهل المدينة إذا وافق عليه غيرهم ، فالشافعى لا يقدمه على خبر الواحد. إذا لم يتبين أنه بنى على العقل لأن خبر الواحد إذا لم يكن فيه مطعن مقدم على الإجماع معه ، ولا يحتج بالإجماع معه ، بل لا إجماع يخالفه . ولضبط الحق فى ذلك الأمر قسم العلماء عمل أهل المدينة إلى قسمين : أحدهما : ما يكون عن طريق النقل والحكاية كإجماعهم على صاع النبى صلى الله عليه وسلم. وتعيين موضع منبره عليه الصلاة والسلام ، وكالوقوف التى وقفها الرسول والصحابة ، ويقول فى ذلك القسم ابن القيم : وهذا العمل حجة يجب اتباعهم وسنة متلقاة بالقبول على الرأس. والعينين ، وإذ ظفر العالم بذلك قرت عينه واطمأنت إليه نفسه . ثانيهما : ما يكون طريقه الاجتهاد وقد قال مالك إنه حجة ، وإن لم يحرم خلافهم . وقال الحنفية والشافعية ليس بحجة . وأنكر بعض العلماء أن يكون مذهب مالك حجية عمل أهل المدينة المبنى على اجتهاد واستنباط ، والمتتبع لكلام مالك فى أهل المدينة يرى أنه كان. يأخذ بعلمهم على أساس أنه لا بد أن يكون منقولا فهو قد فرض فيه النقل دائما ، = - ٢٧٥ - على أمر كان ذلك الأمر موضع اتفاق العلماء فى كل البلدان ، ولذلك يقوله. فى كتاب خلاف مالك : لايقال إجماع إلا لما لا خلاف فيه بالمدينة ، ولاندعو الإجماع إلا فيما لايوجد بالمدينة فيه اختلاف ، وهو لايوجد بالمدينة إلا وجد .. بجميع البلدان عند أهل العلم متفقين فيه ، لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة ، إلا ما اختلف فيه أهل المدينة بينهم . ولاندرى من أى شىء أخذ الشافعى تلك القضية ، وهى أن أهل المدينة. لا يتفقون إلا فى الأمر الذى هو موضع إجماع بين العلماء ، أأخذها من الاستقراء ، فهو لم يرهم متفقين إلا فى الأمر الذى اتفق عليه العلماء أجمعون، أم هو لم يتصور أن يكون بينهم اتفاق فى أمر مجتهد فيه ، إلا إذا كان ذلك. الأمر مما تتلاقى فيه كل العقول ، ولاتختلف فيه الأفهام ، أم أنهم إن اتفقوا فغيرهم من فقهاء الأقاليم يتحرجون على الاختلاف عليهم ، والقول بغير قولهم ؟ لم يبين الشافعى مصدر تلك القضية أو سندها ، ولعله جمع تلك الأمور ، ومهما يكن من أمر سندها ، فإن الأمر الذى يتفق عليه رأى أهل المدينة وغيرهم محدود ، قد ضيق الشافعى حدوده ، إذ هو كما سنبين قد حد المسائل المجمع عليها بأقصر خطوط . .: = ولو يفرض فيه أنه كان على أساس الرأى، ولقد قال بعض الحنابلة والشافعية إن عمل. أهل المدنية وإن لم يكن حجة فإنه يرجح به اجتهاد غيرهم . وعمل أهل المدينة إذا خالفه حديث آحاد فمالك يقدمه عليه ، لأنه يفرض فى عمل أهل المدينة النقل . والشافعى وأبو حنيفة يقدمان الحديث عليه لأنه لا يقدم على الحديث إلا الكتاب ، ومذهب الحنابلة تقديم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد إذا كان عمل أهل المدينة بنى على حكاية ونقل ، لأن الحديث إن خالفه يكون شاذاً ، وبذلك يطعن فيه ، وإن كان عمل أهل المدينة قد بنى على اجتهاد ورأى ، فأكثر الحنابلة على الأخذ بالحديث دونه . هذا تلخيص موجز لعمل أهل المدينة، وارجع إلى بحثه كاملا فى الجزء الثانى من إعلام الموقعين لابن القيم . - ٢٧٦ - ١٧٤ - ولكنا ونحن نقرر هذا يجب أن نقرر معه أن الشافعى رضى الله عنه روى عنه أنه كان ينظر إلى آراء أهل المدينة نظرة تقدير وإكبار، وأنه كان يوصى بالأخذ بأقوالهم ، فقد جاء فى مناقب الشافعى للرازى : روى البيهقى بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى قال ناظرت الشافعى رضى الله عنه فى شىء فقال: والله ما أقول لك إلا نصحاً، إذا وجدت أهل المدينة على شىء ، فلا يدخل قلبك شك أنه الحق ، وكل ما جاءك قوى كل القوة ، ولكنك لم تجد له بالمدينة أصلا وإن ضعف ، فلا تعبأ به ، ولاتلتفت إليه . هذه رواية أسندت إلى الشافعى رضى الله عنه ، وهى بلا ريب تسلك مسلك الأخذ برأى أهل المدينة ، كما يقرر مالك رضى الله عنه، وبذلك تناهض كما نقلناه عنه ، لأنه يعتبر قول أهل المدينة هو الحق ، وأن كل قول ولو قوى كل القوة ، لم يكن له أصل بالمدينة لا يعبأ به ، ولامناص لنا بالنسبة لهذه الرواية من أحد الأمرين . إما تكون غير صادقة النسبة إليه ، ويكون وجه الطعن فى صحتها مخالفتها للمشهور من أصوله وأقواله ، والمدون فى كتبه أولى بالأخذ والاعتبار ، وإما أن يكون ذلك كان رأياً له أيام كان من أصحاب مالك ، وأنه كان يقرر هذا إذا كان ذلك له رأياً فى دور من أدوار اجتهاده ، ولكنه ليس رأيه الذى انتهى إليه ، وقرره فى مصر ، ودونه فى كتبه بها ، وذلك هو الأولى بالأخذ ، والأحرى بالقبول ؛ لأن الشافعى كان دائم التنقيح لآرائه ، سواء أكانت فى الأصول أم فى الفروع . ١٧٥ - هاا وقبل أن نترك الكلام فى الإجماع لابد أن نشير إلى أمرين: .( أحدهما ) أن شافعى لايعتبر الإجماع السكوتى ، وهو أن يذهب واحد من أهل الاجدّ د إلى رأى ، ويعرف فى عصر، ولاينكر عليه منكر ، ولم يعتبر الشافع، ذلك إجماعاً ، لأنه يشترط فى الإجماع أن ينقل عن كل عالم رأيه ، وتق الآراء جميعا فى هذا الأمر ، ولذلك جاء فى اختلاف الحديث: ومتى كانت عامة من أهل العلم فى دهر بالبلدان على شىء ، وعامة قبلهم ، قيل ش فظ عن فلان وفلان كذا ولم نعلم لهم مخالفا ، ونأخذ به، ولا - ٢٧٧ - نزعم أنه قول الناس كلهم لأنا لانعرف ما قاله من الناس إلا من سمعنا منه، أو عنه ، وما وصف من هذا القول من سمعت من أهل العلم نصاً واستدلالا (١) ويحتج لذلك الرأى بأنه لاينسب لساكت قول لأن السكوت يحتمل أن يكون لأنه موافق ، ويحتمل أنه لم يجتهد بعد فى حكم الواقعة ، ويحتمل أنه اجتهد، ولكن لم يؤده اجتهاده إلى شىء وإن أدى اجتهاده إلى شىء فيحتمل أن يكون ذاك الشىء مخالفاً للقول الذى ظهر ، ولكنه لم يظهره ، إما للتروى والتفكير فى ارتياد وقت يتمكن فيه من إظهاره ، وإما لاعتقاده أن القائل بذلك مجتهد ، ولم ير الإنكار على المجتهد لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب ، أو لأنه سكت خشية ومهابة ، ومع هذه الاحتمالات لا يكون سكوتهم مع اشتهار قول المجتهد فيما بينهم إجماعاً (٢). ١ (ثانيهما) أن الشافعى رضى الله عنه كان فى مناظراته لا يسلم لخصومه بدعاوى الإجماع التى يدعونها ، ثم يضيق عليهم السبيل فى إثباته ، حتى يكاد يجعل إثباته متعذراً ، انظر إليه فى كتاب جماع العلم يسأل مناظره فى الإجماع (١) اختلاف الحديث هامش من الجزء السابع من الأم ص ١٤٨ . (٢) الأحكام فى أصول الإحكام للآمدى ص ٣٦١، ٣٦٢ من الجزء الأول، هذا والإجماع السكوتى موضع خلاف بين العلماء ، والشافعى قد نفاه كما بينا ، وقد نقل هذا الرأى عن داود وبعض أصحاب أبى حنيفة وذهب بعض أصحاب الشافعى والجبائى من المعتزلة وأكثر أصحاب أبى حنيفة إلى أنه إجماع، وذهب بعض العلماء إلى أنه حجة وليس بإجماع ، وذهب بعضهم إلى أن الرأى إن كان من حاكم وسكت العلماء فليس بحجة ، وإن كان من فقيه كان إجماعاً وحجة من اعتبر الإجماع السكوتى فى كل الأحوال أن احتمالات المخالفة أو التروى هى غير الظاهرة إذ السكوت فى موضع البيان بيان ، ومادام الرأى قد اشتهر وعرف . فالسكوت عن الرد عليه دليل الموافقة ، إذ لو كان مخالفاً لكان ذلك وقت البيان . وبعيد أن يسكت، لذلك كان احتمال المخالفة غير الظاهرة، وهو احتمال غير ناشىء عن دليل ، فلا يلتفت إليه، إنما الاحتمال الذى يسقط الاستدلال هو الاحتمال الذى تشهد له الأمارات ، والأمارات هنا شاهدة لاحتمال الموافقة دون احتمال المخالفة، فلا يلتفت إلى الثانى، وتعتبر الموافقة. - ٢٧٨ - من أهل العلم الذين إذا أجمعوا قامت بإجماعهم حجة ، قال هم من أهل بلد من البلدان فقهياً رضوا قوله وقبلوا حكمه . وبعد مجاوبة بينهما يبين له الشافعى خطأ قول ، فيقوله فى بيان طويل تنقل بعضه بنصه : ليس من بلد إلا وفيه من أهله الذين هم يمثل صفته من يدفعونه عن الفقه ، وينسبونه إلى الجهل ، أو إلى أنه لايحل له أن يفتى ، ولا يحل لأحد أن يقبل قوله ، وعلمت تفرق أهل كل بلد بينهم ، ثم علمت تفرق كل بلد فى غيرهم ، فعلمنا أن من أهل مكة من كان لايخالف قول عطاء ، ومنهم من كان يختار عليه ثم أفتى الزنجى بن خالد فكان منهم من يقدمه فى الفقه ، ومنهم من يميل إلى قول سعيد بن سالم ، وأصحاب كل واحد من هذين يضعفون الآخر ، ويتجاوزون القصد ، وعلمت أن أهل المدينة كانوا يقدمون سعيد بن المسيب ثم يتركون بعض قوله. ثم حدث فى زماننا، منهم مالك كان كثير يقدمه وغيره يسرف عليه ، ويضعف مذاهبه ، وقد رأيت ابن أبى الزناد يجاوز القصد فى ذم مذاهبه ، ورأيت المغيرة بن حازم والداروردى ، يذهبون من مذاهبه ورأيت من يذمهم ، ورأيت بالكوفة قوما يميلون إلى قول ابن أبى ليلى ، يذمون مذاهب أبى يوسف ، وآخرون يميلون إلى قول أبى يوسف يذمون مذاهب ابن أبى ليلى ، وما خالف أبا يوسف ، وآخرون يميلون إلى قول الثورى ، وآخرون إلى قول الحسن بن صالح . وبلغنى غير ما وصفت من البلدان شبيه بما رأيت مما وصفت من تفرق أهل البلدان ، ورأيت المكيين يذهبون إلى تقديم عطاء فى العلم على التابعين وبعض المباينين يذهبون إلى إبراهيم النخعى ، ثم لعل كل صنف من هؤلاء قدم صاحبه أن يسرف فى المباينة بينه وبين من قدموا من أهل البلدان . وهكذا رأيناهم فيمن نصبوا من العلماء الذين أدركنا ، فإذا كان أهل الأمصار مختلفون هذا الاختلاف فسمعت بعض من يفتى منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتى ، لنقص عقله وجهالته ، وما كان يحل لفلان أن يسكت يعنى - ٢٧٩ - -آخر من أهل العلم ، ورأيت من أهل البلدان من يقول ما كان يحل له أن يفتى بجهالته ، يعنى الذى زعم غيره أنه لا يحل له أن يسكت لفضل علمه «وعقله ، ثم وجدت أهل كل بلد ، كما وصفت فيما بينهم من أهل زمانهم ، فأين اجتمع لك هؤلاء على تفقه واحد ، وتفقه عام ، وكما وصفت رأیہم أو رأی أکثرهم ، وبلغتی عمن غاب على مهم شبيه بهذا . ثم يثير مسألة الفقهاء الذين خاضوا فى علم الكلام ، أيعدون من الفقهاء الذين لابد أن يدخلوا فى الإجماع أم لا؟ وهكذا يشر عجاجة قوية فى بيان من هم العلماء الذين يتألف منهم الإجماع ، حتى يصعب على المناظر ، بل على كل فقيه تمييزهم بعلامات واضحة بينة ، ولقد اضطر ذلك مناظره إلى أن يسأله : هل من إجماع ؟ فيجيبه الشافعى : نعم بحمد اللّه كثير ، فى جملة الفرائض التى لا يسع أحداً جهلها، فذلك - الإجماع هو الذى لو قلت أجمع الناس لم تجد حولك أحداً يعرف شيئاً يقول لك : ليس هذا بإجماع . فهذا الطريق الذى يصدق بها من ادعى الإجماع فيها ، وفى أشياء من أصول العلم ، دون فروعه ، ودون الأصول وغيرها ، فأما ما ادعيت من الإجماع حيث أدركت التفرقة فى دهرك ، وتحكى عن أهل كل قرن ، فانظره : أيجوز أن يكون هذا إجماعاً (١). انتهى الشافعى فى هذه المناظرة إلى أن الإجماع الذى لم يجد فيه مخالفاً هو ما كان فى جملة الفرائض ، والأصول دون غيرها ، وإنه ليقرر أن الإجماع لا يكون إلا فى هذا، ويصرح بذلك فى كتاب اختلاف الحديث ، فقد جاء فيه ما نصه : وجملته أنه لم يدع الإجماع فيها سوى جمل الفرائض التى كلفتها العامة أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا التابعين ، ولا القرن الذين من بعدهم ، ولا القرن الذين يلونهم ولا عالم علمته على ظهر الأرض ولا أحد نسبته العامة إلى علم حيناً من الزمان (٢). (١) كتاب جماع العلم من الجزء السابع بالأم ص ٢٠٧ . (٢) اختلاف الحديث ص ١٤٧ . 1 1 1 - ٢٨٠ - وبهذا نرى أن الشافعى رضى الله عنه ينتهى به الأمر فى الإجماع إلى. وضعه فى دائرة ضيقة ، وهى جمل الفرائض التى يعد علمها من العلم الضرورى فى هذه الشريعة الشريفة . والله سبحانه وتعالى أعلم . القياس ١٧٦ - أول من تكلم فى القياس ضابطاً لقواعده ، مبيناً أسسه هو الشافعى ، لقد كان الفقهاء قبله وفى عصره يتكلمون فى الرأى ، ولم يتجهوا إلى بيان حدوده ، وبيان الذى يعتمد عليه ، أى لم يضعوا حداً بين الرأى الصحيح وغير الصحيح ، وإن تكلموا فى ذلك ، فهم لم يضعوا الحدود ويقعدوا القواعد ويؤصلوا الأصول ، حتى إذا كان دور الشافعى قعد القواعد للرأى الذى يعتقده صحيحاً ، والاستنباطات التى لا تكون صحيحة ، فرسم حدود القياس ، ورتب مراتبه ، وقوة الفقه المبنى على القياس بالنسبة إلى الفقه المأخوذ من النص ، ثم بين الشروط التى يجب توافرها فى الفقيه الذى يقيس ، ثم يميز القياس عن غيره من أنواع الاستنباط بالرأى التى يراها جميعا فاسدة ما عدا القياس ، وبذلك كان للشافعى فضل السبق فى بيان حقيقة هذا الباب من العلم ، وقد فتح الطريق لمن بعده فسلكوه . ١٧٧ - لم يتجه الشافعى إلى تعريف القياس بالحد أو الرسم ، ولكنه فيما ضرب من أمثلة ، وما قسم من تقسيمات وما اشترط من شروط يتبين أنه يقصد إلى حقيقة القياس المصطلح عليه عند علماء الأصول قصداً مستقيما ، ويظهر أنه لم يكن قد ساد فى عصره الأساليب المنطقية فى العلوم ، ولذلك لم يقصد إلى بيان القياس بالحد أو الرسم على النحو المنطقى الذى انتظمت به العلوم بعد ذلك ، فى تبويبها وفى تميز الحقائق فيها . ولقد عرف العلماء ذلك القياس بأنه إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر معلوم حكمه لاشتراكه معه فى علة الحكم . وإن كل ما ساقه الشافعى من أمثلة وهى كثيرة جداً ، وما قسمه من.