النص المفهرس

صفحات 241-260

- ٢٤١ -
مقام السنة من الكتاب
١٥٣ - بين الشافعى رضى الله عنه مقام سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه
((وسلم من كتابه ، فبين أنها بالنسبة لكتاب الله الكريم على خمسة أقسام:
أولا: أنها تبين مجمله بأن تبين السنة الفرائض المحملة فى القرآن فتبين مفصلها
وتذكر مواقيتها .
ثانياً : أنها تبين العام الذى أراد به العام ، والعام الذى أراد اللهسبحانه
وتعالى به الخاص .
ثالثاً : فرائض تثبت فى القرآن بالنص ، وزاد النبى صلى الله عليه وسلم
بوحى من الله سبحانه عليها فى مواضعها - أحكاماً تترتب عليها أو متصلة بها .
رابعاً : أن تأتى السنة محکم ليس فى القرآن نص علیه،وليس هو زيادة
- على نص قرآنى .
خامساً : الاستدلال بالنسبة على الناسخ والمنسوخ .
ولنتكلم فى كل واحد من هذه الأقسام بكلمة مقتبسين ما نقول من
"تفصيل الشافعى له رضى الله عنه فى الرسالة. ونستطيع أن نرجع الثلاثة:
الأول من هذه الأقسام إلى جامع واحد ، وهو بيان السنة الشريفة
للقرآن الكريم ، وقد يكون الأخير متصلا أيضاً بهذا البيان ، ولكن لما
له من مكانة واتساع آفاق نتركه إلى الكلام فى النسخ .
بيان السنة للقرآن
١٥٤ - اتفق العلماء على أن الكتاب الكريم يستعان فى بيانه ، وتعرف
مراميه وأحكامه بالسنة النبوية ، فليس لأحد أن يزعم أنه يستطيع فهم
القرآن ومعرفة كل أحكامه من غير استعانة بالسنة الشريفة ، ولقد وجد
قوم ينكرون بعض السنة كما علمت ، فكان منهم من قال لمطرف بن عبدالله:
« « لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال مطرف، ما تريد بالقرآن بدلا، ولكن
( م ١٦ - الشافعى)

- ٢٤٢ -
تريد من هو أعلم بالقرآن منا . ولقد روى الأوزاعى عن حسان بن عطية .
قال : كان الوحى ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضره
جبريل بالسنة التى تفسره ، ولقد زعم رجل أن القرآن فيه بيان كل شىء
وتفصيله وأنه يستغنى به عن السنة ، فقال له عمران بن حصين : إنك امرؤ.
أحمق ، أتجد فى كتاب اللّه الظهر أربعاً ، لايجهر فيها بالقراءة ، ثم عدد
إليه الصلاة والزكاة ، ثم قال : أتجد هذا فى كتاب الله مفسراً.
وإذا كان القرآن يحتاج إلى بيان السنة على ذلك النحو، فقد يرد سؤال
كيف يكون فى القرآن كل شىء يتعلق بالأحكام ، وهو قد احتاج إلى السنة
فى البيان ؟ والجواب عن ذلك: إن بيان القرآن كلى لا جزئى ، وإجمالى
لا تفصيلى ، والسنة تفصل ما أجمل القرآن وتبين للناس من كلية ما قد
يعلو على مدارك الكافة ، ولا يصل إليه علم الخاصة إلا ببيان الرسول الأمين
قال تعالى: ((إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون)).
١٥٥ - من أجل هذا نبه الشافعى رضى الله عنه فى مقام السنة من
القرآن إلى أنها تبينه ، وتفصل مجمله ، وقد قسمنا بيانها له إلى ثلاثة أقسام
وقد ذكرناها عند الكلام فى القرآن ، وهى ما تبين مجمله ، وماتبين إرادة
الخصوص من العام ، وما تبين من المراد عند الاحتمال .
ومما مثل به الشافعى لذلك القسم الأخير وقد جعله من بيان المحمل
تحريم الجمع بين البنت وعمتها ، والبنت وخالتها ، بعد آية التحريم فى قوله
تعالى: ((حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم
وبنات الأخ وبنات الأخت ... )) إلى قوله تعالى ((وأحل لكم)) فقد قال.
فى هذا : احتملت معنيين : أحدهما : أن ماسمى الله من النساء محرما محرم،
وما سكت عنه حلال بالصمت عنه، وبقوله تعالى (( وأحل لكم ما وراء ذلكم))
وكان هذا المعنى هو الظاهر من الآية . وكان بيناً فى الآية أن تحريم الجمع بمعنى
غير تحريم الأمهات ، فما سمى حلالا حلال ، وما سمى حراماً حرام، ومانهى.

- ٢٤٣ -
عن الجمع بينه من الأختین کما نهى عنه، و کان فی نهیه عن الجمع بينهما دلیل
على أنه إنما حرم الجمع ، وأن كل واحدة منهما على الانفراد حلال فى
الأصل وما سواهن من الأمهات والبنات والعمات والحالات محرمات فى
الأصل ، وكان معنى قوله تعالى: ((وأحل لكم)) من سمى تحريمه فى الأصل ،
ومن هو فى مثل حاله بالرضاع أن ينكحوهن بالوجه الذى حل به النكاح ..
فيكون نكاح الرجل المرأة لا يحرم عليه نكاح عمتها ، ولا خالتها بكل حال.
كما حرم الله أمهات النساء بكل حال ، فتكون العمة والخالة فى معنى من
أحل بالوجه الذى أحلها به (١) .
ونرى من هذا أن الشافعى رضى الله عنه يبين فى الاحتمال الثانى قوله.
تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)) بعد آية التحريم المراد منه ما هو حلال.
فى ذاته ، لا بالإضافة إلى شىء آخر بأن كان الحل فيه على شروط النكاح،
(١) ونجد الشافعى هنا فى الرسالة لم يبين ما ثبت به تحريم بين المرأة وعمتها وخالتها»
وقد بينه فى الأم فقال : أخبرنا مالك عن أبى الزناد عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال : لا يجمع بين المرأة وعمتها ، وبين المرأة وخالتها، وبهذا نأخذ . ثم قال : فإن قال قائل.
قد ذكر الله عز وجل من حرم من النساء. وأحل ما وراءهن، قيل القرآن عربى ، منه محتمل مع
ذكر الله من حرم بكل حال فى الأصل، ومن حرم بكل حال إذا فعل الناكح أو غيره فيه
شيئا مثل الربيبة إذا دخل بأمها حرمت ، ومثل امرأة أبيه إذا نكحها أبوه حرمت عليه بكل حال
وكانوا يجمعون بين الأختين فحرمه ، وليس فى تحريم الجمع بين الأختين إباحة أن يجمع ما عدا
الأختين مخالفا ما كان أصلا فى نفسه ، وقديذكر الله عز وجل الشىء فى كتابه فيحرمه ، ويحرم.
على كل لسان نبيه صلى الله عليه وسلم غيره. مثل قوله تعالى ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)) ليس
فيه إباحة أكثر من أربع ، لأنه انتهى بتحليل النكاح إلى أربع ، وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم الغيلان بن سلمة أمسك أربعا ، وفارق سائرهن ، فأبان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم
أن نتهاء حل اللّه بتحليله إلى أربع حظر لما وراء أربع .

- ٢٤٤ -
ولذا يحرم الجمع بين أكثر من أربع ، ولا يتنافى ذلك مع الحل الذاتى ، لأن
الحل فى القرآن على شرطه فى النكاح ، وهو ألا يجمع بين أكثر من أربع ،
وبينت السنة أنه لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها ، فكانت
السنة حينئذ معينة لشرط الحل فى هذا العام ، وذلك لا يتعارض مع أصل
الحل ، لأن الحل مقيد بكونه على شرط النكاح وقواعده .
ومما مثل به الشافعى فى هذا المقام أيضاً قوله تعالى: ((قل لا أجد فيما
أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً ، أو
لحم خنزير ، فإنه رجس ، أو فسقاً أهل لغير الله به )) فاحتملت هذه الآية
:أنه لا يحرم على الطاعم طعام إلا ما استثنى، وهو الميتة ، والدم المسفوح ،
ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، وهذا هو الظاهر الذى يصار إليه لو
لم يكن يخالفه ، واحتملت الآية الكريمة أن يكون الكلام فى الإجابة عن
سؤاله عليه السلام ، فهو قد سئل فأجاب عن السؤال فى موضوع السؤال ،
فهذه المحرمات هى المذكورة ، لأنها هى التى تتصل بالسؤال ، ولا ينفى ذلك
تحريم ما عداها أى أن التحليل فى الآية ليس مطلقاً ، بل هى تبين المحلل
والمحرم فى موضوع السؤال فقط ، واحتملت الآية أن تكون مقيدة فى تحليلها
وتحريمها بما كانوا يأَ لونه ويألفون طعامه ، فالآن تبين محلله ومحرمه ، وهى
لا تنفى وجود محرم غير ما ذكر ، وقد أيدت السنة احتمال تقييد الآية فى
تحريمها بما ورد من تحريم أمور غير المذكورة فيها بما رواه أبو ثعلبة : أن
النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن كل ذى ناب من السباع وبما رواه
أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال («أكل كل ذى ناب من
السباع حرام)) .
١٥٦ - وفى القر ان الفرائض المنصوصة التى سن رسول الله صلى الله عليه
وسلم معها ، ولا تأتي السنة فيها بزائد عن القرآن ، بل تجىء بما يوافق
ظاهره ، ويؤكد مناه ، وذلك مثل سنة النبى صلى الله عليه وسلم مع آية
.الطهارة إذ يقول الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنو إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ،

- ٢٤٥ -
وإن كنتم جنباً فاطهروا)) وقال تعالى فى سورة النساء: (ولا جنباً إلا عابرى
سبيل حتى تغتسلوا)) .
فلقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء كما جاء فى الكتاب
الكريم : غسل وجهه . ويديه إلى المرفقين ، ومسح برأسه ، وغسل رجليه
إلى الكعبين . سأل رجل عبد الله بن الزبير . هل ترينى كيف كان رسول
اللّه يتوضأ ، فقال عبد الله نعم ، فدعا بوضوء فأفرغ على يديهثم مضمض
واستنشق ثلاثاً ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ،
ثم مسح برأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما
إلى قفاة ثم ردهما إلى المكان الذى بدأ منه ، ثم غسل رجليه . وبهذا
كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موضحة للقرآن الكريم مؤيدة
لظاهره مزيلة لكل احتمال ولو لم يكن ناشئاً عن دليل ، طالب الله بغسل
الوجه واليدين والرجلين ، فاحتمل العدد فى الغسل ، وأن يكون مرة
والظاهر الاكتفاء بمرة ، فجاءت السنة مؤيدة ذلك الظاهر مثبتة له ، وكان.
القرآن فى ظاهره يوجب غسل المرفقين مع اليدين والكعبين مع القدمين ،
ويحتمل احتمالا بعيداً دخولها فجاءت السنة وأيدت الظاهر ، وكذلك فى
الغسل بينت السنة ما يؤيد ظاهر القرآن الكريم ويوضحه .
ونرى هنا أن السنة توضيح لظاهر القرآن ، وإن كان ثمة احتمال فهى
تزيل الاحتمال بما يعين الاحتمال الذى يؤخذ من ظاهر القول بخلاف السنة
فى القسم السابق ، فإنها قد تأتى بتعيين الاحتمال الذى يتفق مع الظاهر،
وبذلك تفسر القرآن وتبينه على غير ما يؤخذ ظاهر اللفظ مجرداً كما تبين فى
آية المحرمات .
وبهذا كله تبين كيف كانت السنة بياناً للقرآن الكريم ، تبين مجمله
وتوضح ظاهره وتؤيده وتخص عامه ، وقد ضرب لذلك الشافعى الأمثال ،
ووضحه بالجزئيات ونور السبيل لأصول مذهبه النقلية ، وكيف كان يفهم
النصوص .

- ٢٤٦ --
السنة التى ليس فيها نص كتاب بعينه
ء
١٥٧ - هذا هو القسم الرابع الذى ذكره الشافعى رضى الله عنه فى
مقام السنة من الكتاب ، وقد ذكر الشافعى اختلاف العلماء بشأن وجود
ذلك القسم ، فمن العلماء من يقول إن السنة النبوية لا تأتى بأحكام زائدة عن
القرآن الكريم ، لأن فى القرآن الكريم بيان كل شىء يتعلق بشريعة الإسلام
كما صرح بذلك القرآن الكريم ، ولذلك قال الله تعالى فى آخر آية نزلت فى
القرآن الكريم ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى، ورضيت
لكم الإسلام دينا )) فبكمال نزول القرآن كملت الشريعة وتمت ، فكان هذا
دليلا على أنه ليس ثمة زائد عليه جاء به النبي مستقلا ، ولم يكن بياناً لما
جاء به ، وهذا نص ما قاله الشافعى فى بيان ذلك الرأى ، وبيان الرأى
الذى يستفاد من سياق كلامه أنه يختاره ، وهو أن السنة تأتى بالزائد عن
الكتاب فقد قال : ما سن رسول اللّه تعالى ليس فيه نص كتاب ، فمنهم من
قال جعل الله بما افترض من طاعته ، وسبق فى علمه من توفيق لرضاه أن
يسن فيما ليس فيه نص كتاب ، ومنهم من قال لم يسن سنة قط ، إلا ولها
أصل فى الكتاب ، كما كانت سنته تبين عدد الصلاة وعملها على أصل
جملة فرض الصلاة ، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع لأن
الله تعالى قال: ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) ، وقال سبحانه :
((وأحل الله البيع وحرم الربا)) فما أحل وحرم، فإنما بين فيه عن اللّه، كما
بين الصلاة ، ومنهم من قال جاءته رسالة اللّه فأثبت سنته بفرض الله ،
ومنهم من قال ألقى فى روعه كل ما سن ، وسنته الحكمة ، وعند النظر
فى هذه الأقوال نجدها أربعة، وهى ترجع إلى اثنين ( الثانى قسم وحده،
وهو قول من يقول إن السنة لا تأتى بشىء إلا له أصل فى الكتاب ،
والثلاثة الأخر الأول والثالث والأخير كلها تثبت أن السنة تجىء بزائد
عن الكتاب ، ولكن بعضهم يقول إن السنة تقبل لأنها تجىء على لسان
المعصوم فتصادف رضا الله بتوفيقه ، وآخر يقول جاءت بالرسالة عن الله،

- ٢٤٧ -
والآخر يقول ألقيت فى روعه . والحق أن السنة النبوية جماع كل هذا
فانحصر الأمر فى رأيين ، كلام الشافعى فى مجموع مذهبه يرى أنه لا يازم
. أن تحاول إرجاع أحكامها إلى أصل من الكتاب ، بل أنه يقرر أنها قد
تجىء بالزائدة على هذا الكتاب ، كما سنبين فيما يلى (١).
ومن الأحكام التى جاءت بها السنة تحريم الخمر الأهلية ، والعقل
وفكاك الأسير وغير ذلك مما ذكره فى الرسالة ، ويجب التنبيه هنا إلى أن
الشافعى مع أنه يرى أن السنة تأتى بالأحكام التى لم ينص عليها فى الكتاب
يقرر بصريح القول أن السنة للكتاب تبع ، وأنها راجعة إليه .
١٥٨ - بقى القسم الخاص من الأقسام التى ذكرها الشافعى فى السنة
بالنسبة للقرآن ، وهو أنها تبين منسوخه ، ولأجل بيان ذلك كما جاء فى
الرسالة وجب أن نبين فضل بيان - باب النسخ كما ورد فيها .
(١) الشاطبى فى الموافقات يؤيد الرأى الذى يقول إن السنة لا تأتى بشىء إلا إذا كان
له أصل من الكتاب ، فهو يقول : السنة راجعة فى معناها إلى الكتاب فهى تفصيل
مجمله ، وبيان مشكله . وبسيط مختصره ، وذلك لأنها بيان له ، وهو الذى دل عليه
: قوله تعالى (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)) فلا تجد فى السنة أمراً،
إلا والقرآن دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية ، وأيضاً ما دل على أن القرآن هو
كلى الشريعة وينبوع لها، ولأن الله تعالى قال ((وإنك لعلى خلق عظيم » وفسرت
: السيدة عائشة رضى الله عنها بأن خلقه القرآن واقتصرت فى خلقه على ذلك ، فدل على أن قوله
وفعله وإقراره راجع إلى القرآن ، لأن الخلق محصور فى هذه الأشياء ، ولأن الله جعل
القرآن تبياناً لكل شىء ، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه فى الجملة ، لأن
. الأمر والنهى أول ما فى الكتاب، ومثله قوله تعالى: (( ما فرطنا فى الكتاب من
شىء)) وقوله جل شأنه: ((اليوم أكملت لكم دينكم))، وهو يريد إنزال القرآن،
فالسنة إذن فى محصول الأمر بيان لما فيه ، وذلك معنى كونها راجعة إليه . وأيضاً
فالاستقراء التام دل على ذلك حسبما يذكر .
وعندى أن الخلاف فى هذا المقام لا ينبنى عليه عمل، بل هو أقرب إلى الخلاف =

- ٢٤٨ -
النسخ
× ١٥٩ - النسخ هو رفع حكم شرعى سابق بنص لاحق مع التراخى.
بينهما ، أى أنه يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتاً مقرراً"
بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق ، وكان حكمه قائماً ...
والنسخ واقع فى الشرائع السماوية بالنسبة لكل شريعة مع الأخرى ،
وفى الشريعة الواحدة ، فشريعة موسى عليه السلام نسخت أحكاما فى شرائع
سبقتها ، وشريعة عيسى عليه السلام نسخت أحكاما فى شريعة موسى ،
كتحريم يوم السبت . وشريعة الإسلام نسخت كثيراً مما جاء به عيسى.
وموسى ، ولكن مهما تختلف الشرائع السماوية فيما بينها ، فهى متحدة فى
جملة مراميها الخلقية وتوحيد الله سبحانه وتعالى ، ولذلك ذكر الله سبحانه
= اللفظى، لأن كلا الفريقين يستشهد بالسنة، ويأخذ بما تأتى حجة مسلمة ولا يتوقف.
حتى يبحث عن أصلها فى الكتاب ، ولأن الذى يقول إن أصول السنة فى الكتاب يوسع
فى معنى الأصل ، فيجعله يشمل الأصول العامة، لا القاعدة التى تشمل أحكام باب من
أبوب الفقه الإسلامى ، ولذا يقول صاحب الموافقات فى بيان الأصول فى الكتاب والسنة
فيقول ، إن المصالح لاتعدو الثلاثة الأقسام، وهى الضروريات ويلحق بها مكملاتها والحاجيات.
وتضاف إليها مكملاتها والتحسينات وتليها مكملاتها . ولا زائد على هذه الثلاثة . وإ.ا نظرنا
إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور . فالكتاب أتى بها أصولا ، لا رجع
إليها ، والسنة أتت بها تفريعاً على الكتاب ، وبياناً لما فيه منها ، فلا تجد فى السنة إلا
ما هو راجع إلى تلك الأقسام . ثم يسترسل فى بيان ذلك بقول محكم جيد .. أما الذى يقول
إن السنة تأتى بأحكام ربما لا يكون لها أصل بعينه فى القرآن فيقصد من الأصل النص الإجمالى.
كالصلاة والزكاة ، ولا يقصد الأصل العام الشرعى ، وإلا فهو يسلم بأن فى القرآن بياناً:
عاماً لكل أصول الإسلام، وهذا التخريج هو الذى جعل الشافعى مع قوله إن السنة
تأتى بما لا نص فيه ، قد قال إن السنة تبع للكتاب بمثل ما أنزل نصا ، ومفسرة معنى.
ما أنزل .

- ٢٤٩ -
وتعالى شرائع التبيين جميعاً على أنها واحدة ، لا تنافر بينها ، وذلك بالنسبة.
لأصلها الكلى وهو التوحيد ، ثم لإجماعها جميعاً على ما هو من مكارم»
الأخلاق وفضائل الناس ، وأنها جميعاً تربى إلى إيجاد جماعة فاضلة ، على
اختلاف فى طرائق معالجة الجماعات لاختلاف هذه الجماعات .
ولذلك قال الله تعالى: ((شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا، والذى.
أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا"
تتفرقوا فيه ، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبى إليه من يشاء ..
ويهدى إليه من ينيب )» .
فهذه الشرائع السماوية ، وإن اختلفت فى تفصيلات الأحكام ، وفى
إصلاح الجماعات لاختلاف البيئات هى متحدة فى لها ، متوافقة فى أصولها ،
ونسخ بعضها لبعض إنما هو فيما يتعلق بطريق معالجة الجماعات . فلكل جماعة.
طرق إصلاحها ، ولكل جنس سبيل هدايته ، وأخذه إلى الصراط القويم ،
ولذلك لما جاءت الشريعة الإسلامية بعد نضج العقل البشرى، وتكامل نموه ،
وصقل النفس الإنسانية بتجارب الحقب كانت كلية فى أكثر أحكامها المتعلقة.
بشئون الاجتماع ، وسبل الهداية ، وكانت مخاطبة لكل الأجيال اللاحقة ،
صالحة لكل زمان ومكان ، إذ الكلى لا يختلف فيه ولا تتنازع فى إدرا که.
العقول ، ولكن طريق تطبيقه على الناس مختلف ، فترك الأمر إلى اجتهاد.
ذوى الفكر .
١٦٠ - والشريعة الإسلامية فيها ناسخ ومنسوخ ، وفيها أحكام.
منسوخة قد جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم وربما كان بعضها فى القرآن .
على اختلاف ذلك ، وكانت تلك الأحكام مناسبة لأزمانها ، وملائمة فى
أوقاتها ، حتى إذا زال ما تقتضى وجودها جاءت الأحكام المحكمة ، فنسخت .
تلك الأحكام المؤقتة ، وتركنا النبى صلى الله عليه وسلم على المحكم من
شريعته ، المقرر الدائم من منهاجه عليه الصلاة والسلام فلا نسخ بعد النبى صلى .
الله عليه وسلم لأنه ما جاء حكم مؤقت ، إلا بين النبى عليه السلام المحكم الذى

- ٢٥٠ -
ينسخه ، والأمر المقرر الثابت الذى يكون فى عنق الأجيال إلى
يوم الدين .
ولماذا كان فى شريعة الإسلام النسخ ؟ الجواب عن ذلك سهل لمن
يعرف شئون الجماعات ، وطرق علاجها ، لقد جاء النبى صلى الله عليه
وسلم إلى قوم لم يكونوا ذوى دين ، ولم يتقيدوا من قبله بشريعة ، ولم يكن
لهم منهاج مستقر ثابت يسيرون عليه . فلو نزلت عليهم الشريعة دفعة واحدة
ما أطاقوها ، ولو جاءتهم التكليفات جملة لنفروا منها ، فجاءت شيئاً
فشيئاً ، حتى إذا ذاقوا بشاشة الإسلام ، واستأنست به قلوبهم ، وراضوا
أنفسهم على شكل شكائم خلقية فاضلة خوطبوا بالشريعة كلها ، فحرمت
أشياء كانت مباحة ، وكلفوا أموراً لم يكونوا مكلفيها من قبل ، واعتبر
فى ذلك أمرين : ( أحدهما ) أن العرب لم تكن العلاقة بين المرأة والرجل
عندهم منظمة تنظيما محكماً بزواج بحد الحقوق التى تربط الزوجين ، بل كان
منهم من يرتبط بنكاح صحيح أقره الإسلام ، ومنهم من يرتبط بغيره ،
ومنهم من يتخذ الأخدان ، ومنهم من يستحل نكاح المتعة ؛ فلما جاء
الإسلام حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما كانوا يحرمونه
وما كانوا يستحلونه بعادات ما أنزل الله بها من سلطان ، وكانوا فى الحرب
يثقل عليهم هذا التحريم المطلق لانقطاعهم عن أزواجهم وهم قريبو عهد
بجاهلية، فرخص لهم النبى معٍَّ فى المتعة فى الحرب . ثم حرمها تحريماً قاطعاً
إلى يوم القيامة .
( ثانيهما ) أن الإسلام جاء والعرب يعتبرون الخمر من مفاخرهم ، فكان
لا بد أن يتركهم عليها حتى يستأنسوا بروح الإسلام ، فيعرفوا ما فى الحمر
من مآ ثم، والقرآن يستدرجهم إلى التحريم شيئا فشيئا، حتى إذا أدركوا ما فيها،
وتنادى بمآ ثمها عقلاؤهم ، حتى لقد قال عمر ذو البصيرة النبرة والبصر
الثاقب : اللهم بين لنا ما فى الخمر بياناً شافيا . فنزل قوله تعالى بالتحريم
القاطع: (( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس
من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع

- ٢٥١ -
بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن
الصلاة ، فهل أنتم منتهون)) ، فقالت نفوسهم قبل ألسنتهم انتهينا ، وهكذا
تكون الهداية المستقيمة والسنن القويم .
١٦١ - وإذا كان النسخ لذلك المعنى الذى يتفق مع تاريخ الإسلام فى
نشأته ، فيجب أن نقرر أنه لا يجىء فى حكم اقترن ثبوته بما يدل على الدوام،
ولذلك قرر الفقهاء أن النسخ لم يقع فى حكم قداقترن ثبوته بما يدل على التأييد
مثل ما جاء فى الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم : ((الجهاد ماض إلى يوم
القيامة )) ومثل نص النبى صلى الله عليه وسلم على تحريم المتعة إلى يوم القيامة
وهكذا ، وذلك أن النسخ إنما يكون الحكم مؤقت ولا يذكر الله سبحانه
وتعالى فى كتابه ، ولا يجىء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الذى ما كان
ينطق عن الهوى فى حكم سينسخ ما يفيد تأييده(١).
ولأن النسخ علاج للجماعة الإسلامية فى عصرها الأول عند نزول
الأحكام التفصيلية لم يثبت النسخ قط فى كل من الكليات ، بل كان مجىء فى
بعض أحكام تفصيلية جزئية تتعلق بشئون الجماعة ولذلك جاء النسخ بعدالهجرة
إلى المدينة ، عندما أخذ النبى صلى الله عليه وسلم فى إنشاء دولة إسلامية ومدينة
فاضلة ، لأنه حينئذ جاء علاجاً للجماعة الإسلامية الأولى ، وشرع الإسلام
(١) إن الاستقراء للمنسوخ من الشريعة والمحكم يدل على أنه لا يوجد حكم قد اقترن إثباته بما
يفيد التأييد ، ثم نسخ من بعد ، ولكن علماء الأصول يختلفون فى ذلك اختلافا نظريا ؛ فاختار
بعضهم امتناع نسخ المقترن بما يفيد التأييد ، إذا أكد نص التأييد ، أما إذا لم يؤكد فيجوز
نسخه ، وقال آخر يمتنع النسخ إذا جاء الحكم المقترن بالتأييد على طريق الخبر مثل قوله عليه
السلام ((الجهاد ماض إلى يوم القيامة)) واختار أئمة الحنفية امتناع نسخ الحكم المنصوص على تأييده
مطلقا . لأن التأييد والنسخ لايجتمعان ، إذ التأييد يقتضى بقاء الحكم أبداً، والنسخ يقتضى
إلغاء هذا التأييد برفعه، والتأييد يقتضى حسن الحكم أبداً، والنسخ يقتضى قبحه ، ومثل هذا
لا يتصور أن يكون من الشارع الحكيم .

- ٢٥٢ -
الشرائع الاجتماعية ، والنظامية اللازمة لإقامة دولة (١).
ولقد اتفق العلماء على أن الأمور التى لا يختلف العقلاء فى حسنها وقبحها
لأن ما فيها من حسن أو قبح لا يقبل السقوط لم يقع فيها نسخ فى الشريعة مثل
الإيمان بالله ، وبر الوالدين والصدق فى الحديث ، وحرمة الكذب، وغير
ذلك مما تواضع عليه الناس فى كل من العصور والأجيال على أنه خير مقبول،
أو شر مرذول . فمثل هذا قد اتفق العلماء على أنه لم يقع فيه نسخ ، ولكنهم
مع ذلك يختلفون فى جواز نسخ ما يحسن فى العقل أبداً ، فالعلماء الذين قرروا
أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها ، وأن للأشياء حسناً ذاتياً ، وقبحاً
ذاتياً منعوا النسخ فى تحريم ما أثبت العقل قبحه وطلب ما أثبت العقل حسنه ،
والذين قالوا إن الأشياء ليس لها حسن ذاتى ، إنما حسنها وقبحها بتحسين
الشارع لها بالطلب ، وتقبيحها بالنهى جوزوا النسخ (٢).
(١) لقد ذكر الشاطبى فى الموافقات أن النسخ كان معظمه بالمدينة، لأن الذى نزل بمكة
قواعد كلية ، والقواعد الكلية غير قابلة للنسخ ، وإنما القابل للنسخ أحكام جزئية ، ثم قال .
(( كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة . والأصول الكلية كانت فى النزول والتشريع أكثر،
ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام، كملت هنالك
الأصول الكلية على تدريج كإصلاح ذات البين ، والعقود وتحريم المسكرات ، وحد الحدود
التى تحفظ الأمور الضرورية وما يكلها وما يحسنها . ورفع الحرج بالتخفيضات والرخص وما
أشبه ذلك - كله تكميل للأصول الكلية ، فالنسخ إنما معظمه بالمدينة ، لما اقتضته الحكمة الإلهية فى
تمهيد الأحكام ، وتأمل كيف تجد معظم النسخ إنما هو لمكان فيه تأنيس أولا القريب العهد
بالإسلام ، وتأليف لهم .
١
(٢) اختلف العلماء فى كون الأفعال لها حسن إذاتى يدركه العقل، وقبح ذاتى يدركه العقل،
فقال الأشاعرة إن الأفعال ليس لها حسن ذاتى ولا قبح ذاتى إنما حسنها وقبحها يجىء من أمر الشارع
فتحسن. ومن نهى الشارع فتقبح، وذلك لأن الحسن والقبيح ليس لهما مقاييس مضبوطة-

٠
- ٢٥٣ -
ومهما يكن أمر هذا الخلاف النظرى ، فالشريعة بمنجاة من خلافهم ،
فلم يكن فى الاستقراء نسخ فى تحريم ما أثبتت العقول قبحه ، ولا فى طلب ما
أثبتت العقول حسنه ، ورحم الله ذلك الأعرابى، الذى سئل : لماذا آمنت
محمد ؟ فقال : ما رأيت محمداً يقول فى أمر افعل والعقل يقول لا تفعل،
.ويقول فى أمر لا تفعل والعقل يقول افعل .
١٦٢ - وفى الجملة إن النسخ فى الشريعة الإسلامية قد ثبت فى الدائرة
التى رسمناها ، وفى تلك الحدود التى ذكرناها ، ولقد قرره الشافعى فى رسالته
فقال رحمه الله فى حكمته : إن الله خلق الخلق ، لما سبق فى علمه مما أراد
يخلقهم ربهم ، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ، وأنزل عليهم الكتاب
تبياناً لكل شىء ، وهدى ورحمة ، وفرض عليهم فرائض أثبتها ، وأخرى
نسخها رحمة الخلقه بالتخفيف عنهم ، وبالتوسعة عليهم ، زيادة فيما ابتدأهم
به من نعمة ، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته ، والنجاة من
عذابه ، فعمتهم رحمته ، فيما ثبت ونسخ ، ولله الحمد على نعمه .
= تقاس بها الأشياء فيحكم بحسنها أو قبحها ، بل يختلف الكم العقلى على الأشياء باختلاف
الأشخاص وباختلاف الأزمان واختلاف الأحوال ، وما كان ذلك لا يمكن أن يكون وصفاً
.ذاتيا للشىء، فلم يبق إلا أن حكم الشارع يكون مقياسا. وقال أكثر المعتزلة إن للأشياء حسناً
ذاتيا وقبحا ذاتيا ، لأن البداهة تحكم بأن أموراً يدرك العقل حسنها بضرورة إدراكه كإنقاذ
الغريق وشكر المنعم والصدق . وأشياء يدرك العقل بالضرورة قبحها كالكفر، وإيلام البرى.
و الكذب الذى لاغرض منه . وإذا كان العقل يدرك بالضرورة حسن مثل هذه الأشياء وقبحها من
غير نظر وترديد بين الأمور ، فلابد أن يكون لهذه الأشياء حسن أو قبح ذاتى تستطيع العقول
إدراكه ، إما بالضرورة ، وإما بالنظر والتأمل .

- ٢٥٤ -
١٦٣ - ولقد أثبت الشافعى أن النسخ يكون فى الكتاب (١) ويكون
فى السنة ، وأن الكتاب هو الذى ينسخ الكتاب ، وأن السنة هى التى
تنسخ السنة .
(١) فى هذه القضية قرر الشافعى أن الأحكام التى جاء بها الكتاب الكريم فيها
المنسوخ وفيها المحكم، ولكن من العلماء من يقرر أن القرآن الكريم شريعة محكمة وما من
حكم اشتمل عليه إلا وهو ثابت دائم، ومن هؤلاء أبو مسلم الأصفهانى وجمهور العلماء :
(١) يحجونه بقوله تعالى ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)).
(٢) وبثبوت النسخ فعلا فى القرآن كنسخ آية الوصية بآيات المواريث وغيرها من
الآيات. وقد أحصاها صاحب الإتقان فى نحو عشرين موضعا (٣) وبقوله تعالى: ((وإذا
بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل)).
وقد احتج أبو مسلم: (١) أن القرآن لو كان فيه نسخ لكان ذلك إبطالا لبعض ما
اشتمل عليه، والإبطال حكم بأن فيه باطلا، والله سبحانه وتعالى يقول فى وصف الكتاب
(( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)) وبأن القرآن شريعة أبدية باقية إلى يوم
القيامة ، وحجة على الناس إلى يوم القيامة . وإنما يناسب ذلك أن يكون فيه نسخ ،
وفى السنة الكريمة متسع للشرائع الوقتية التى تنسخ بغيرها (٢) وبأن أكثر أو كل ما اشتـ ل
عليه القرآن كلى عام لا جزئى خاص ، وفيه بيان الشريعة كلها بطريق الإجمال لا بطريق
التفصيل ، والمناسب لهذه الأوصاف فى أحكام القرآن ألا يعتريها النسخ ، وقد أجيب
لأبى مسلم عن أدلة الجمهور بأن قوله تعالى ما ننسخ غير متعينة للدلالة على النسخ ، لأنه
قد يكون المراد بالآية المعجزة ، لا الآية القرآنية ، وقد يكون المراد آيات الكتب
السابقة التى نسخت المحمدية أحكامها ، وقد يكون المراد بالنسخ النقل من اللوح
المحفوظ إلى النبى صلى الله عليه وسلم ثم كتابته. وكلمة النسخ تفيد النقل، وعلى فرض أن المراد.
بالنسخ رفع الحكم ، وأن المراد بالآية الآية القرآنية - فالآية الكريمة تدل على الجواز لا على
الوقوع ، ورد الدليل الثانى وهو ثبوت نسخ بعض الآيات القرآنية بأن النسخ ليس
متعينا . والتوفيق بين الآيات المدعى نسخها والآيات المدعى أنها ناسخة ممكن بضروب
من التأويل قريبة ليست بعيدة ، وقد وفق فى كل آيتين ادعى النسخ بينهما ، ورد
الدليل الثالث، وهو استشهاد الجمهور بقوله تعالى: ((وإذا بدلنا آية مكان آية =ـ

- ٢٥٥ -
ولقد ابتدأ ببيان نسخ الكتاب ، فقال رضى الله عنه : أبان الله لهم ..
أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب ، وأن السنة لا تكون ناسخة.
للكتاب ، وإنما هى تبع للكتاب بمثل ما نزل نصاً، ومفسرة معنى ما أنزل
اللّه منه جملا .
وبهذا النص يثبت لك الشافعى أن السنة لا يمكن أن تكون ناسخة
للكتاب ، ولو كانت أخبار عامة لا أخبار خاصة ، ولو كانت متواترة ،
وليست أحاديث آحاد . ولقد استدل الشافعى لدعواه ، وهى أن القرآن
لا ينسخه إلا قرآن ببعض آى القرآن ، ومنها :
(١) قوله تعالى: ((وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ، قال الذين لا يرجون.
لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ، قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى ،
إن أتبع إلا ما يوحى إلى ، إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم)) ،
فأخبر الله سبحانه أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه ، ولم يجعل له تبديله
من تلقاء نفسه ، ولا شك أن النسخ نوع من التبديل ، وليس له أن يبدله ،
وإذن فالقرآن هو الذى ينسخ القرآن .
ويقول الشافعى فى التعليق على الآية: فى قوله تعالى (( ما يكون لى
أن أبدله من تلقاء نفسى)» بيان ما وصفت من أنه لا ينسخ كتاب الله
إلا كتابه ، كما كان المبتدىء لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه جل.
ثناؤه ، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه .
(٢) قوله تعالى: ((يمحو الله ما يشاء، ويثبت ، وعنده أم الكتاب)»
وهذه الآية كسابقتها تدل على أن إثبات حكم فى القرآن لم يكن ، ومحو حكم
= والله أعلم بما ينزل)) بأن المراد بالآية المعجزة، وهذا هو الذى يتسق مع استنكار الله.
سبحانه وتعالى لقولهم: ((إنما أنت مفتر، بل أكثرهم لا يعلمون)» ذلك لأنهم كانوا
يريدون معجزة تكون آية للنبى كآية لوط أو إبراهيم أو موسى وغيرهم مما كانت الآيات ..
لنبوتهم حسية .

- ٢٥٦ -
منه بنسخه إنما هو من الله سبحانه، لا من أحد من خلقه ، ولو كان
«رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٣) قوله تعالى: ((وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل))
والنسخ بما أنه تبديل ، فلا يمكن أن يكون بدل الآية المنسوخة إلا مثلها
. وهو آية .
والناظر الفاحص لكلام الشافعى فى هذا المقام ، يراه يبنى قصر نسخ
القرآن على القرآن ، وأن السنة لا يمكن أن تكون ناسخة للقرآن - على
مقدمتين : إحداهما أن القرآن الكريم من عند الله تعالى بلفظه ومعناه ،
وهو حجة الله، والنبى هو الذى تحدى به المخالفين أن يأتوا بمثله ، فلامثيل
له من كلام البشر.
((المقدمة الثانية)): أن نسخ القرآن يجب أن يكون بمثله أى بما يماثله
فى الأوصاف التى ثبتت من كونه بلفظه ومعناه من قبل اللّه تعالى ، وأنه
يتحدى به ، وتنتهى المقدمتان لا محالة إلى نتيجة واحدة متعينة ، وهى أن
الأحكام القرآنية لا تنسخ إلا بآيات قرآنية .
والمقدمة الأولى : هى من بدهيات الإسلام وضرورياته ، ثبتت بالأدلة
القرآنية تترى ، فلا تحتاج إلى دليل جديد ، وأما المقدمة الثانية : فقد ثبتت
بما تقدم من الآيات، وبقوله تعالى: (( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت
بخير منها أو مثلها)).
وقال الفخر الرازى فيها : استدل بهذه الآية (أى الشافعى ) من وجوه :
أحدها أنه تعالى أخبر أن ما ینسخه من الآيات یأتی بخير منها ، وذلك یفید
أن يأتى بما هو من جنسه ، كما إذا قال الإنسان : ما آخذ منك من ثوب
آتيك بخير منه ، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خبر منه ، وإذا ثبت أنه
لا بد أن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن .
وثانيها: أن قوله تعالى: ((نأت بخير منها)» يفيد أنه هو المنفرد
بالإتيان بذلك الخبر، وذلك هو القرآن الذى هو كلام اللّه دون السنة)).

- ٢٥٧ -
وثالثها أن قوله تعالى: ((نأت بخير منها)» يفيد أن المأتى خبر من
القرآن ، والسنة لا تكون خبراً من القرآن .
ورابعها أنه قال تعالى: (( ألم تعلم أن الله علی کل شیء قدیر )) دل على
أن الآتى بذلك الخبر هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات، وهو الله تعالى.
* ١٦٤ - الشافعى يقرر أن الكتاب، إنما ينسخ بالكتاب ، لأن الناسخ
يجب أن يكون مماثلا للمنسوخ ، ويقول : قد وجدنا الدلالة على أن القرآن
ينسخ القرآن ، لأن لا مثيل للقرآن ، ولكنه يقرر مع ذلك أن السنة هى التى
تبين الناسخ من المنسوخ فى القرآن ، فهو يقول فى مقام السنة من القرآن فيما
نقلنا ذلك الموضوع : أول ما نبدأ به من ذكر سنة رسول الله مع كتاب
اللّه وذكر الاستدلال بسنته على الناسخ والمنسوخ من كتاب الله .
فالقرآن هو الذى ينسخ القرآن ، ولكن السنة تبين نسخ القرآن للقرآن،
لأن ذلك من نوع بيان القرآن ، والسنة بيان للقرآن ، كما قال الله تعالى :
. ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ، وكون الناسخ من المنسوخ
من بيان القرآن أمر لا مرية فيه ، إذ بيان أن حكم الآية باق إلى يوم القيامة
أو غير باق من بيان القرآن ، ثم إن الناسخ يحتاج إلى بيان المتأخر من
الآيتين المتعارضتين فى حكمهما ، وعلم ذلك إنما يكون عن النبى صلى الله
عليه وسلم الذى كان ينزل عليه القرآن ، ولقد ساق الشافعى طائفة من
آيات كريمة دخلها النسخ فى رأيه ، وبين أن بيان النسخ فيها كان بمعونة من
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دلت على الناسخ والمنسوخ من هذه
الآيات الشريفات .
ومما ساقه ذلك آية الوصية التى شرعت الوصية لوارث (١). وآيات
(١) لا يرى أبو مسلم الأصفهانى أن آية الوصية وهو قوله تعالى: ((كتب عليكم
إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين)) منسوخة بآيات
المواريث ، ولقد ذكر الفخر الرازى رأيه فى تفسير هذه الآية فقال : منهم من قال : إنها
ما صارت منسوخة ، وهذ اختيار أبى مسلم الأصفهانى وتقرير قوله من وجوه :
( م ١٧ - الشافعى)

- ٢٥٨ -
المواريث ويبين أن آيات المواريث نسخت آية الوصية للوارث ، وأن معرفة
ذلك النسخ كانت بالنسبة التى تلقاها العلماء بالقبول فى كل الأمصار .
ولنترك فى هذه الكلمة للشافعى ، فقد وضح ذلك أكمل توضيح، فقال :
قال تبارك وتعالى: ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً
الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف )).
وقال تعالى: ((والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم.
متاعا إلى الحول غير إخراج ، فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى
أنفسهن من معروف، والله عزيز حكيم)) فأنزل الله ميراث الوالدين
- ( أحدها ) أن هذه الآية ما هى مخالفة لآية المواريث، ومعناها كتب عليكم ما أوصى
به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ((يوصيكم الله فى أولادكم))، إذا
كتب على المحضر أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى اللّه به عليهم ، وألا ينقص
من أنصبائهم .
( ثانيها ) أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من
اللّه تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له الوصية والميراث بحكم.
الآيتين .
( ثالثها ) لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية المواريث مخصصة لهذه الآية.
وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين ، ثم آية المواريث تخرج القريب الوارث ).
ويبقى القربب الذى لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية ، وذلك لأن من الوالدين من يرث.
ومنهم من لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب الذين لا يسقطون فى.
فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ، ومنهم من يسقط فى حال ، ويثبت فى حال إذا
كان فى الواقعة من هو أولى بالميراث منهم ، فكل من كان من هؤلاء وارثا لم تجز الوصية
له، ومن لم يكن وارثا جازت الوصية له لأجل صلة الرحم . فقد أكد الله بقوله تعالى :
((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)) وبقوله تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وإيناء ذى القربى .

- ٢٥٩ -
ومن ورث بعدهما ، ومعهما من الأقربين ، وميراث الزوجة من زوجها
فكانت الآيتان محتملتين لأن تثبتا الوصية للوالدين والأقربين ، والوصية
للزوج ، والميراث من الوصايا ، فيأخذون الميراث والوصايا ، ومحتملة لأن
تكون المواريث ناسخة للوصايا ، فلما احتملت الآيتان ما وصفنا كان على
أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله، فلما لم يجدوه نصاً فى كتاب اللّه طلبوه
فى سنة رسول اللّه، فإن وجدوه فعن اللّه قبلوه بما افترض من طاعته .
ووجدنا أهل الفتيا ، ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازى من قريش
وغيرهم لا يختلفون فى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: (لاوصية
لوارث) و (لا يقتل مؤمن بكافر) ويأثرون عمن حفظوا عنه ممن لقوا من
أهل العلم بالمغازى . فكان هذا نقل عامة عن عامة ، وكان أقوى فى بعض
الأمر من نقل واحد عن واحد ، وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين ،
فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازى عن النبى معَ ◌ّة ( لا وصية
لوارث ) على آية المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة ، مع الخبر
المنقطع عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وإجماع العامة على القول به .
هذا ويلاحظ أن آية الوصية فوق ما فيها من صحة الوصية للوارث ،
وجوازها تدل على وجوب الوصية للأقارب ، فهل هذا أيضاً منسوخ ؟
يقرر الشافعى أن فريضة الوصية للأقارب نسخت بآية المواريث ، ولكن
يذكر أن طاووساً ومعه بعض التابعين قال : إن آية المواريث نسخت
الوصية للوارثين ، وبقيت الوصية للأقارب غير الوارثين ، وهى مقدمة
على الوصية لغير الأقارب .
والشافعى يقول فى الرد عليه : فلما احتملت الآية ما ذهب إليه طاووس
من أن الوصية للقرابة ثابتة ، إذا لم يكن فى خبر أهل العلم بالمغازى إلا أن
النبى ◌َِّّقال: (لا وصية لوارث) وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على
خلاف ما قال طاووس أو موافقته ، فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ٢٦٠ -
حكم فى ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم ، فأعتقهم عند الموت ،
فجزأ النبي ◌َّ له ثلاثة أجزاء ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ، فكانت دلالة
السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل عتقهم فى المرض منزلة وصية ،
والذى أعتقهم رجل من العرب ، والعربى إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه
من العجم ، فأجاز النبى صلى الله عليه وسلم الوصية فدل ذلك على أن الوصية
لو كانت تبطل لغير قرابة لبطلت للعبيد المعتقين ، ودل ذلك على أن لا وصية
لميت إلا فى ثلث ماله ، ودل ذلك على أنه يرد ما جاوز الثلث فى الوصية ،
وعلى إبطال الاستسعاء ، وإثبات القسم والقرعة ، وذلك لأن المروى أنه ما قسم
النبى صلى اللّه عليه وسلم العبيد، ليعتق اثنين فصل بينهم القرعة .
ولقد جاء اختلاف الحديث : ( عن عمران بن حصين أن رجلا من
الأنصار أوصى عند موته ، فأعتق ستة مماليك ، ليس له مال غيرهم ، أو قال
أعتق عند موته ستة مماليك ليس له شىء غيرهم ، فبلغ ذلك النبى صلى الله
عليه وسلم ، فقال فيه قولا شديداً ، ثم عادهم ، فجزأهم ثلاثة أجزاء ،
فأقرع بينهم فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ) .
والخلاصة التى يستخرجها القارىء من النصوص التى ساقها الشافعى
تشير ، كما يصرح إلى أن معرفة ناسخ القرآن من منسوخه إنما يكون بالسنة ،
وتتبع الأثر الصحيح ، لأن ذلك من بيان القرآن ، وبيان القرآن إنما يكون
أولا بالسنة النبوية كما بيناه .
نسخ السنة
١٦٥ - يقع النسخ فى الأحكام التى تقررها السنة بلانزاع بين العلماء
فى ذلك إلا من لا يؤبه لخلافهم ، والشافعى رضى الله عنه يقرر أن النسخ
يقع فى السنة ، ولكنه يقرر أن السنة لا تنسخها إلا سنة مثلها ، فالكتاب
لا ينسخ السنة ، كما أن السنة لا تنسخ الكتاب ، ولذلك يقول فى الرسالة التى
رواها الربيع بن سليمان ، أى فى الرسالة التى كتبت بمصر : وهكذا سنة