النص المفهرس
صفحات 221-240
- ٢٢١ - يعاضده القرآن ، وأنكر الآخرون الحجية إلا ما كان منها عاماً تلقنه العامة عن الكافة ، أو استفاض واشتهر . ولقد تصدى لرد هذه الأقوال جميعها من لقبته مكة وبغداد شاباً يناصر الحديث والمدافع عنه ، ولقبه تاريخ الفقه ، بل تاريخ الفكر الإسلامى بملتزم السنة لا يحيد عنها ، فتصدى لزد هذه الأقوال الشافعى رضى الله عنه . ولقد أخذ الشافعى فى رسالته يدلى بالحجة تلو الحجة من كتاب الله، يثبت بها حجية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للرد على الفريق الأول ، ولنذكر تلك الحجج مقتبسة من قوله ، كما ساقها مع تقريبها من الأقيسة المنطقية لتستبين قوتها ، وتتضح استقامتها . الحجة الأولى : أن الله سبحانه وتعالى قد قرن الإيمان به بالإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان به يوجب طاعته فى أقواله وأفعاله وتقريراته ، فيكون الواجب اعتبار السنة النبوية مصدراً لهذا الشرع الكريم ، ويثبت المقدمة الأولى والثانية بقوله تعالى: ((فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون)) وقوله تعالى: (((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه )) وهاتان الآيتان صريحتان فى أن الإيمان بالرسول جزء من الإسلام ، فهما تدلان بهذا النص الصريح على المقدمة الأولى ، وقد اقترن الإيمان بوجوب الاتباع فى الآيتين فكانتا أيضاً دالتين على المقدمة الثانية ، ولأن ثمرة الإيمان الاتباع ؛ وليس من المعقول أن يكون الإيمان بالرسول واجباً ، والاتباع له فى أقواله وأفعاله وتقريراته غير واجب ، وإذا صحت المقدمتان ثبتت النتيجة وهى : حجية السنة النبوية لا محالة . +. الحجة الثانية : أن الله سبحانه وتعالى ذكر فى كتابه أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة بقوله تعالى فى كتابه الكريم . (( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم)) وقوله جل ثناؤه: (( كما أرسلنا فيكم - ٢٢٢ - رسولامنكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة )) وغير ذلك. من الآيات ، والكتاب هو القرآن ، والحكمة هى السنة النبوية ، كما فسرها من يرضاه الشافعى من أهل العلم ، لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة ، وهى لابد أن تكون شيئاً غيره من جنسه فلم يجز والله أعلم . أن يقال الحكمة ها هنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد قال الشافعى فى بيان هذا المعنى وتوكيده .. ذلك أنها مقرونة مع كتاب الله ، وأن الله افترض طاعة رسوله وحتم على الناس اتباع أمره ، فلا يجوز لقول فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله ، ولما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقروناً بالإيمان به ، وسنة رسوله مبينة عن اللّه معنى ما أراد دليلا خاصة. وعامة ، ثم قرن الحكمة بها بكتابه ، فأتبعها إياه ، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله . الحجة الثالثة : أن الله سبحانه وتعالى فرض على المؤمنين طاعة النبى صلى الله عليه وسلم واتباعه ، ومن كانت طاعته واجبة فأقواله ملزمة المطيع ، ومن يخالفها عاص ، وبذلك تكون سنة النبى صلى الله عليه وسلم حجة فى هذه الشريعة الغراء . وبرهان القضية الأولى أن الله سبحانه وتعالى صرح فى القرآن الكريم بوجوب طاعته ، وقرن بطاعته تعالت عظمته طاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وقد اعتبر معصية الرسول عصياناً له ، ومن ذلك قوله تعالى: (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبيناً))، وقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ، فإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر)) وقوله تعالى : ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً )) وقوله تعالى. ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) وقوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ۔ - ٢٢٣ - فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مماقضيت ويسلموا تسليما)) . الحجة الرابعة : أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل دعاء الرسول ليحكم بينهم كدعاء بعضهم بعضاً ، ولم يجعل مخالفته كمخالفة غيره من الناس ، بل مخالف حكمه غير مسلم ، وإذا كان كذلك فأحكامه وأقواله سنة متبعة، وحجة ملزمة ، وقد ثبتت القضية الأولى بقوله تعالى ، لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، وقد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو إذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم. عذاب أليم)) وقوله تعالى: (( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفى قلوبهم. مرض أم ارتابوا ، أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله ، بل أولئك هم الظالمون ، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون . ومن يطع اللهورسوله ويخش اللّه ويتقه فأولئك هم الفائزون)) فأعلم الله الناس أن دعاءهم إلى الرسول ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله، لأن الحاكم بينهم رسول الله. صلى الله عليه وسلم، وإذا سلموا لحكم رسول اللّه، فإنما سلموا لحكمه بفرض الله، وأعلمهم أن حكمه حكمه ، وكل هذا يؤدى إلى أن سنته شريعة لامحالة . الحجة الخامسة : أن الله سبحانه وتعالى أمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يبلغ رسالته ، ويبين شريعته ويتبع وحيه ، وأخبر تعالى علمه أنه باخے وأخبر وبين ، واتبع شريعة وحيه ولقد كان التبليغ بإقرائهم القرآن ، وبيانه عليه السلام ، وإذا كان كذلك فالشريعة هى القرآن وأقواله عليه السلام ، لأنها بلاغة الناس واتباعه للوحى وقد كان الأمر بالاتباع فى مثل قوله تعالى : ((واتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين)). وقوله تعالى: ((ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)) وكان الأمر بالتبليغ فى مثل قوله تعالى)) يا أيها الرسول بلغ. . = ٢٢٤ - ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)) وكانت شهادة اللّه سبحانه وتعالى باتباعه ما أوحى إليه ، وتبليغه فى مثل قوله تعالى (( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ، ماكنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم)). وقوله تعالى : ((ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ، وما يضرونك من شىء ، وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ، وعلمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيما)» فهذه الآية وما سبقتها تدل على أنه ما كان ينطق على الهوى ، وأنه بلغ شرع ربه حتى ساغ له صلى الله عليه وسلم أن يقول، (( ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولاتركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه)) وإذا كانت أقوال النبى وسائر سنته بياناً لأمر الله ونهيه فقد حق على المؤمنين أن يتخذوها حجة ، ونورا لمعرفة ما أمر الله به . ١٤٥ - وهكذا يسرد الشافعى الآيات مثبتاً أن السنة مصدر من مصادر الفقه الإسلامى ، بل العلم بها فى مرتبة العلم بالكتاب، وإن كان الحكم يبحث عنه فى الكتاب الكريم ، وما كان الشافعى فى حاجة إلى مثل هذا الاستدلال لو لم يكن ثمة منكرون ينازعون الفقهاء هذه القضية ، ولقد كان هؤلاء المنازعون الذين ارتكبوا ذلك الشذوذ العلمى ، ونابذوا بذلك الجماعة الإسلامية - من الزنادقة الذين أظهروا الإسلام ، وأبطنوا سواه ليفدوا "أمر المسلمين ، وينالوا من الشرع الإسلامى بمثل هذا الكيد الخفى ، بعدأن عجزوا عن مغالبته بالحجة الظاهرة ، إذ قضى عليهم بالأدلة الباهرة، وبعض هؤلاء كانوا من الخوارج ، ولذلك كان من الخوارج من أنكر حكم الرجم لأنه لم يرد فى القرآن الكريم ، وذكر عبد الرحمن بن مهدى(وهو من مناصرى الشافعى رضى الله عنه، وقد بينا أنه كتب رسالة الأصول إليه أن منكرى السنة - ٢٢٥ - «والاحتجاج بها من الزنادقة والخوارج ، فقد قال عندما روى له ما يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أنه قال ( ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب اللّه ، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ، وإن خالف كتاب اللّه فلم أقله ، وكيف أخالف كتاب الله وبه هدانى) ، قال الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، فعبد الرحمن بن مهدى المعاصر للشافعى يقرر بهذا أن منكرى السنة كانوا من الزنادقة والخوارج، والتاريخ يؤيده ، فإن بعض الخوارج كما علمت قد أنكروا فعلا حكم الرجم محتجاً بأنه لم يرد فى القرآن الكريم . ولكن أستاذنا الخضرى رحمه الله يستنبط من مجرى كلام الشافعى بوسياقه أن منكرى السنة فى الاحتجاج فى الفروع هم من المعتزلة ، وذلك لأنهم هم الذين اشتهروا بعدم علمهم بالآثار ، ولأن الشافعى ذكر منكرى خبر الآحاد كانوا بالبصرة ، والبصرة من قديم الزمان عش الاعتزال ، ثم يؤيد ذلك بجملة لابن قتيبة فى كتابه تأويل مختلف الحديث على المعتزلة . وعندى أن إنكار الاحتجاج بالسنة فى الفروع كان من الزنادقة ، وبعض الشذاذ من الخوارج، كما ذكر عبد الرحمن بن مهدى ولا مانع من أن يكون هؤلاء الزنادقة قد انتحلوا نحلة الاعتزال ستراً لأهوائهم ، ولنزعة العقل واعتماد المعتزلة عليه، ولقد وجدوا فى مذهب الاعتزال ستاراً لإخفاء أهوائهم وطى مفاسدهم بالكتمان ، حتى تفرخ وتصل إلى غايتها ، ومهما يكن من أمر هؤلاء فإنهم ليسوا فى شىء من الإيمان وأهله . ١٤٦ - ننتقل إلى الرأى الثانى، وهو الذى يرفض السنة إلا إذا كان قد ورد مع الخبر قرآن ، وهذا الكلام فى ظاهره يحتمل احتمالين : أحدهما مردود ، وهو الذى يجعل قائله من الشذاذ ، والآخر مقبول فى الجملة ، أما المردود فهو أن يجعل الخبر عن الرسول سواء أكان خبر عامة أم خبر خاصة فى موضع الرد حتى نرى نصاً قرآنياً فى معناه ، ونهاية هذا القول تتلاقى مع منكرى الاحتجاج بالسنة على الإطلاق لأنه إذا كان قد ورد فى ( م ١٥ - الشافعى ) ٠٠٠ ايه - ٢٢٦ - معنى الخبر قرآن ، فالحجة للقرآن دون الحديث ، والحجة التى سيقت لإثبات حجية السنة تجىء هنا ، لأن قائل ذلك القول لم يخرج عن أنه يرفض السنة على أنها من مصادر الفقه الإسلامى . أما الوجه الآخر الذى ليس فيه شذوذ فهو أن يكون المعنى أن السنة لا تأتى بحكم إلا إذا كان له أصل فى القرآن الكريم باعتباره المصدر الأول · الكلى لهذه الشريعة وأصل أصولها ، وينبوع ينابيعها ولأن ما يشتمل عليه من قضايا كلية عامة قد اشتمل على كلى الشريعة والسنة ، تفصل أجزاءها وتبين فروعها . وقد قال هذا القول فقهاء لآرائهم مكانتها . وقد بين الشافعى ذلك الرأى بعض البيانات فقال : منهم من قال : لم يستن سنة قط إلا ولها أصل فى الكتاب ، كما كانت سنته تبين عدد الصلاة وعملها ، على أصل حملة فرض الصلاة ، وكذلك ما سن من البيوع ، وغيرهما من الشرائع ، لأن الله تعالى قال: ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)) وقال جل شأنه: وأحل الله البيع وحرم الربا)) فما أحل وحرم ، فإنما بين فيه عن اللّه كما بين الصلاة (١) . ولم يرد الشافعى ذلك الرأى ، ولم يعتبره من الضلال ، وليس هو منه فى شىء ، بل هو نظرة عميقة إلى أصول الاستنباط فى فقه القرآن والسنة . وسواء أكانت النظرة صائبة من كل الوجوه أم يتخلف عنها بعض الفروع. فالمرأى مكانته من النظر ، أما الوجه الأول فقد جاء فى الأم أنه ضلال ، لأنه يتلاقى مع رأى من يرد السنة جملة ، ولم يسق حججاً لإبطاله مكتفيا بما ساقه من الحجج لإثبات أن السنة الينبوع الثانى من ينابيع الفقه الإسلامى. وأن العلم بها فى رتبة العلم بالقرآن الكريم . ١٤٧ - وننتقل بعد ذلك إلى الذين أنكروا أخبار الخاصة ، أى أخبار الآحاد، وهى الأحاديث غير المتواترة ، وغير المشهورة المستفيضة، ولم يأخذ بعض العلماء بها فى العمل، وذلك لأنها ظنية ، ولاحتمال التدليس (١) قد فصل ذلك النظر تمام الفصيل وضرب له الأمثلة وساق له الشواهد الشاطبي؟ فى الموافقات ، فارجع إليه عند الكلام على السنة . - ٢٢٧ - والكذب من الرواة ، ولأن أهل الأهواء والبدع أدخلوا فى هذا الباب من الأخبار ما لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار من العسير أن بميز الخبيث من الطيب ، ولقد أثبت الشافعى رضى الله عنه حجية أخبار الأحاد فى مواضع كثيرة من كتبه فى مناظراته ، وكتابته وإملائه . وقد دونت تلك الحجج فى الرسالة فى كتاب جماع العلم ، وفى كتاب اختلاف الحديث ، وهذه الحجج هى : الحجة الأولى : وهى قياس على أمر مقرر فى الشريعة ثابت بالقرآن الكريم والأخبار المستفيضة ، وذلك أنه ثبت بنص القرآن الكريم والسنة أنه يقضى بشهادة شاهدين أو رجل وامرأتين فى الأموال وما يشبهها ، وبشهاده أربعة فى الزنى وبشهادة اثنين فى سائر الحدود والقصاص ، وبشهادة امرأة فيما لا يطلع عليه إلا النساء ، وسارت على ذلك جماهير العلماء ، والقضاء إلزام بترجيح جانب الصدق على الكذب لتستقيم الأمور، ما دامت الشبهات قد انتفت، ومظنة الكذبة غير ثابتة ، وإذا كان فى ذلك الإلزام عمل بأخبار الآحاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لترجيح جانب الصدق ما دام الراوى عدلا ثقة ضابطاً قد التقى بمن روى عنه ، إذ القياس بينهما تام لأن قبول الأخبار عن الرسول بواحد أو اثنين من الثقات مثل قبول اثنين أو واحد من الشهود ، بل قبول الأخبار عن الرسول أولى بالأخذ ، لمظنة التوقى من الكذب عليه ما دام متديناً عدلا ثقة ضابطاً ، ولأنه بما يخبر يحرم فيتوقى الكذب . ولقد قال الشافعى فى هذا المقام : وللناس حالات تكون أخبارهم فيها أصح ، وأخرى أن يحضرها التقوى منها فى أخرى ، ونیات ذوى النيات فيها أصح ، وفكرهم فيها أدوم وغفلتهم أقل ، وتلك عند الموت بالمرض والسفر ، وعند ذكره ، وغير تلك الحالات من الحالات المنهة عن الغفلة ، ولا شك أن من أعظم هذه الحالات الرواية عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأن أقواله سنة متبعة تلزم عامة المسلمين ، ولأن الكذب عليه صلى الله عليه وسلم أعظم الكذب ، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أفرى الفرى من قوّلنى ما لم أقل ، ومن أرى عينيه ما لم تريا ، ومن ادعى إلى غير أبيه))، وقال عليه الصلاة والسلام (( من قال على ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار )). - ٢٢٨ - الحجة الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((نصر الله عبداً سمع مقالتى فحفظها ، ووعاها ، وأداها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) وإذا دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى حفظ قوله ووعيه وأدائه ، فكان كل من يقوم بذلك واحداً ، أو جماعة مجيباً دعوته ، ولا يكون لأدائه أثره من حمل الفقه إلى غيره إلا إذا كان كلامه مقبولا عنده ، حجة لديه ، فكان دليلا على الإلزام بخير كل من يروى عن النبى صلى اللّه عليه وسلم ولو واحداً، ما دام ثقة عدلا ضابطاً . الحجة الثالثة : أنه قد استفاض واشتهر وورد من عدة طرق أن الصحابة كانوا يتناقلون الأحكام الشرعية بأخبار آحادهم ، والنبى صلى اللّه اللّه عليه وسلم بين ظهرانيهم وأقرهم على تلقيهم تلك الأحكام بخبر الواحد ، فلو كان خبر الواحد لا يكفى للعمل بالحكم لبين لهم النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغى أن يأخذوا أحكام دينهم إلا من جمع يؤمن تواطؤه على الكذب، ويكون ذلك من تبليغ رسالته ، وبيان شرعته ، بل النبى صلى الله عليه وسلم كان يكتفى تبليغ الأحكام بواحد يرسله ، فلو كان الشرع لا يتلقى عن واحد ، ولو كانت الرواية لا تتم إلا برواية الكافة ما اكتفى النبى صلى الله عليه وسلم بإرسال واحد يخبر عنه ، ويبين شرعه ، وإنا ننقل لكم بعضاً من ذلك ، وقد سرد الشافعى منه كثيراً . ومما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، وذلك بينما الناس بقباء يستقبلون بيت المقدس فى صلاة الصبح ، فأتاهم آت يخبرهم بما نزل من القرآن ، فاستداروا إلى الكعبة ، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، ولم يكونوا ليفعلوه بخبر واحد إلا عن علم بأن الحجة ثبتت بمثله ، إذا كان من أهل الصدق ، ولو كان ما قبلوا من - ٢٢٩ - خبر الواحد عن رسول اللّه فى تحويل القبلة مما لا يجوز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كنتم على قبلة ، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم به عليكم حجة من سماعكم منى ، أو خبر عامة ، أو أكثر من خبر واحدعنی. ١٤٨ - ومن ذلك ما روى عن أنس بن مالك أنه قال : كنت أسقفی أبا طلحة ، وأبا عبيدة بن الجراح ، وأبى بن كعب شرابا من فضيخ (١) تمر ، فجاءهم آت فقال : إن الخمر قد حرمت ، فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها ، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت وهؤلاء فى العلم والمكان من النبى صلى الله عليه وسلم ، وتقدم الصحبة بالموضع الذى لا ينكره عالم ، وقد كان الشراب عندهم حلالا يشربونه ، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر ، فأمر أبو طلحة بكسر الجرار ، ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة ، وذلك أنهم لا يهرقون حلالا لهراقة سرف ، وليسوا من أهله ، ولو كان ما قبلوه من خبر الواحد ليس لهم لنهاهم النبى صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لم يفعل، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الناس بمنى يقرأ عليهم سورة التوبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليه قائمة بقبول خبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قد فرق النبى صلى الله عليه وسلم عمالا على نواح عرفنا أسماءهم ، والمواضع التى فرقهم عليهم ، ولم يكن لأحد ممن قدم عليه أولئك العمال أن يقول أنت واحد ، وليس له أن يأخذ منا ما لم نسمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يذكر أنه علينا، أو يأتينا به خبر كافة ، أو يكون مشهوراً، أو يأتينا أكثر من واحد ، وعمل النبى صلى الله عليه وسلم حجة ليس وراه حجة . هذه كلها أخبار مستفيضة مشهورة تدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقر المسلمين على أخذهم بخبر الواحد ، وهو عليه الصلاة والسلام یکتفی فی التبليغ بإرسال واحد . (١) الفضيخ التمر المفضوخ أى المشقوق . - ٢٣٠ - الحجة الرابعة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث فى وقت واحد اثنى عشر رسولا إلى اثنى عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام ، وكان كل رسول معروفاً فى الجهة التى بعث فيها ، وكان النبى يرسل الكتب إلى الولاة ، على يد آحاد من الرسل ، ولم يكن لواحد من ولاته ترك إنفاذ أمره ، لأن الرسول واحد ، ويجب أن يكون كثيراً ، أو كافة ، وكل هذا يدل على أن خبر الواحد كاف فى الإلزام ، وإلا ما اكتفى النبى عليه الصلاة والسلام برسول واحد، ولجرى الشك فى الخبر عندمن أرسل إليهم . الحجة الخامسة : أن الصحابة فيما اشتهر واستفاض عنهم كانوا يأخذون يخبر الواحد ، فإذا عرضت لهم مسألة ليس فى كتاب الله حكمها اتجهوا إلى تعرف سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يقبلون فى ذلك خبر الكافة ، والأخبار المشهورة ، وأخبار الخاصة على سواء ، والوقائع من ذلك تخرج عن الحد والحصر . وقد يقضون فى المسألة برأيهم لعدم معرفة الحديث ، فإذا عرفوه رجعوا إلى الحديث ، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب كان يجعل دية المقتول لعائلته ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً ، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبائى من ديته ، فرجع عمر إليه ، ويروى أن عمر رضى الله عنه قال : أذكر الله امرأ سمع من النبى صلى الله عليه وسلم فى الجنين شيئاً، فقام حمل بن مالك ابن النابغة ، فقال : كنت بين جاريتين لى يعنى ضرتين ، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنيناً ميتاً ، فقضى فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بغرة ، فقال عمر : لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره ، ولقد علق الشافعى على هذين الخبرين فى كتاب اختلاف الحديث ، فقال : لو جاز لأحد رد هذا بحال لجاز لعمر بن الخطاب أن يقول للضحاك : أنت رجل من أهل بجد ، ولحمل بن مالك: أنت رجل من أهل تهامة لم تريا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم تصحباه إلا قليلا ولم أزل معه ، ومن معى من المهاجرين والأنصار، فكيف غرب هذا عن جماعتنا وعلمته أنت ، وأنت واحد يمكن فيك أن تغلط وتنسى، بل رأى الحق اتباعه ، والرجوع عن رأيه فى ترك -: ٢٣١ - توريث المرأة من دية زوجها ، وقضى فى الجنين بما سمع وأعلم من حضر أنه لو يسمع عن النبى صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً لقضى فيه بغيره . وكان يرى إذا كان الجنين حياً ففيه مائة من الإبل ، وإن ميتاً فلا شىء له . ولكن الله تعبد الخلق بما شاء على لسان نبيه ، فلم يكن له ، ولالأحد إدخال (لم) ولا (كيف) ولاشيئاً من الرأى على الخبر عن رسول، ولارده على من يعرفه بالصدق فى نفسه وإن كان واحداً . . ولقد ذكر الشافعى فى الرسالة تعليلا لكون عمر أحياناً كان لايكتفى بخبر واحد حتى يكون من يعاضده ، ويفسر مكانه من الاجتهاد والقضاء والفتيا ، وهذا التعليل هو قوله : لا يطلب عمر مع رجل أخبره آخر إلا على أحد ثلاثة معان : ١ - إما أن يحتاط ، فيكون ، وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد، فخبر اثنين أكثر ، وهو لا تزيد إلا ثبوتاً ، وقد رأيت ممن أثبت خبر الواحد من يطلب معه خبراً ثانياً ، ويكون فى يده السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم من خمسة وجوه فيحدث بسادس ، فيكتبه ، لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب للنفس، وقد رأيت من الحكام من يثبت عنده الشاهدان العادلان والثلاثة،فيقول للمشهود له ز دنی شهوداً، وإنما يريد أن يكون بذلك أطيب لنفسه، ولو لم يزده المشهود له على شاهدین حکم له بهما . ٢ - ويحتمل أن يكون لم يعرف المخبر، فيقف عن خبره ، حتى يأتى مخبر يعرفه ، وهكذا ممن أخبر ممن لا يعرف لم يقبل خبره ، ولا يقبل الخبر إلا عن معروف بالاستشهاد لأن يقبل خبره . ٣٠ - ويحتمل أن يكون المخبر له غير مقبول القول عنده ، فيرد خبره حتى يجد غيره يقبل قوله . ٠ .. - ٢٣٢ - ولقد سرد الشافعى أخبار كثيرين من التابعين وتابعيهم بعد أخبار الصحابة فى الأخذ بأخبار الآحاد ، وترك الرأى فى موضع ورودها ، ثم قال بعد. ذلك : ولو جاز لأحد من الناس أن يقول فى الخاصة : أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه ، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحداً إلا وقد ثبته جاز لى ، ولكن أقول لم أحفظ من فقهاء المسلمين. أنهم اختلفوا فى تثبيت خبر الواحد . × ١٤٩ - وإذا كان الشافعى يعتبر أخبار الآحاد أو كما يعبر هو عنها علم. الخاصة أو خبر الخاصة حجة فى العمل فهو لايضعها فى مرتبة القرآن ، ولا فى مرتبة السنة المجمع عليها ، بل يجعلها دونها فى الاحتجاج ، إذ أن الكتاب .. والسنة المجمع عليه كلاهما قطعى الثبوت ، فالشك فيهما يخرج الشاك عن الإسلام ، ومن امتنع من قبول ما جاء به الكتاب أو السنة المجمع عليه. استتيب ، أما خبر الخاصة فهو ملزم للعاملين فى العمل ، وليس لهم رده ، كما ليس لهم رد شهادة العدول ، ولكن لأن الخبر جاءعن طريق الانفراد، لو شك شاك فى هذا لم نقل له تب ، بل نقول ليس لك إلا أن تقضى بشهادة الشهود العدول ، وإن أمكن الغلط ، ولكن تقضى بذلك على. الظاهر من صدقهم ، واللّه ولى ما غاب عنك منهم .. وبهذا تراه يضع الأمور فى مواضعها ، فهو يجعل الآحاد حجة فى العمل دون الاعتقاد فيقرر أن الشك فيه لا عقاب عليه ، ولكن العمل به أمر لابد منه للحجج التى ساقها ، ولخصناها لك فيما مضى ، ولأنه طريق لنقل سنة النبى صلى الله عليه وسلم إلا إذا قبلنا أخبار الثقات ، ولأن خبر الصادق يرجح صدقه ، واحتمال كذبه غير ناشىء عن دليل ، وفى الأعمال لا يؤخذ بالاحتمالات التى لا تنشأ عن دليل . ١٥٠ - والشافعى يشترط فى قبول أحاديث الآحاد شروطا دقيقة فى .. الراوى فهو يشترط (١) أن يكون ثقة فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه، - ٢٣٣ - فلا يقبل الحديث ممن لم يعرف بالصدق ، ولا يقبل من غير متدين (٢) وأن. يكون عاقلا لما يحدث فاهماً له ، بحيث يستطيع أن يحيل معانى الحديث من لفظ إلى لفظ أو يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع ، لا يحدث به على المعنى ، لأنه إذا حدث به على المعنى ، وهو غير عالم بما يحيل المعنى به من لفظ إلى لفظ لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، فإذا أداه بحروفه لم يبق وجه يخاف فيه إحالته (٣) وأن يكون ضابطاً لما يرويه بأن يكون حافظاً له إن حدث به من كتابه (٤) وأن يكون قد سمع الحديث ممن يروى عنه ، وإلا كان مدلساً (٥) وأن يكون الحديث غير مخالف لحديث أهل العلم فى الحديث إن شركهم فى موضوعه . ثم يشترط فى كل طبقة من الطبقات الشروط الأربعة السابقة ، حتى ينتهى الحديث موصولا إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهى إليه. دونه إن انتهى عند تابعى، على مانبين إن شاء الله تعالى، وإن تلك الشروط. التى اشترطها الشافعى لقبول روايات الخاصة هى الشروط التى أخذ بها علماء. مصطلح الحديث ، ولقد اتفقو عليها ، ولم يختلفوا فيها . ١٥١ - وقد ذكر الشافعى أن شروط الراوى يجب أن تتوافر فى الراوى حتى يصل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو من ينتهى إليه الحديث. كأنه يقبل بعض الأحاديث التى لا تتصل بسندها إلى رسول الله صلى الله. عليه وسلم ، والحق أن الشافعى يقبل الحديث المرسل ويعتبره حجة دون. حجة السند ، والمرسل هو الحديث الذى يقف فيه السند عند التابعى، ولا يذكر فيه الصحابى الذى روى عنه التابعى، والشافعى يقيد قبوله بشروط دقيقة ، فهو لا يقبله بإطلاق كما فعل بعض العلماء ، ولا يرده بإطلاق كما فعل غيرهم ، بل يقف موقفاً معتدلا بين الرادين والقابلين (١) فهو لا يقبله من (١) مذاهب علماء الحديث، والفقهاء فى شأن المرسل ثلاثة : المذهب الأول أنه ضعيف يرد ولا يجب العمل به ، وذكر النووى فى التقريب أن ذلك رأى جماهير المحدثين. وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول والعلة فى رده هو جهل من روى عنه إلى رسول الله= - ٢٣٤ - التابعى الذى لم يلق عدداً كبيراً من الصحابة بل يقبله من كبار التابعين الذينى. شاهدوا كثيرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويشترط فى قبوله منهم النظر فيه ، والبحث عما يسوغ قبوله من مسوغات . منها أن ينظر إلى ما أرسله التابعى الكبير ، فإن وجد أن الحفاظ المأمونين أسندوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى ما روى كان هذا دلالة واضحة على صحة المرسل ، وصدق من رواه . ومنها أن ينظر هل يوافقه مرسل غيره قبله أهل العلم بطريق من السند غير طريقه ، فإن وجد ذلك كانت هذه دلالة تسوغ القبول ولكنها أضعف من الأولى ، وذلك لأن دليل المرسل السابق الذى جعله مقبولا أقوى من هذه الدلالة ، إذ الأول حديث مسند ، قوى مراسلات التابعى، أما هذه المرتبة فدليلها حديث مرسل مقبول عند أهل العلم قوى تلك المراسلات ، ولا شك أن المسند أقوى من المرسل . ومنها أن ينظر إلى البعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ، فإن وافق المرسل قبل ، لأنه يكون فى هذا دلالة على أنه لم يؤخذ مرسله إلا عن أصل يصح ، وهذه رقبة دون الثانية -صلى الله عليه وسلم وعدم تسميته، ولأنه إذا كانت الرواية عن المسمى المجهول مردودة فأولى أن ترد عمن لا يسمى قط. المذهب الثانى : قبوله مطلقا، وهو مذهب مالك وأحمد ونقل الغزالى أنه مذهب الجماهير وقد ذكر حجته القرافى فقال : حجة الجواز سكوته عنه مع عدالة الساكت . وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام يقتضى أنه ما سكت عنه . إلا وقد جزم بعدالته فسكوته كإخباره بعدالته ، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته فكذلك سكوته عنه ، حتى قال بعضهم ! إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق لأن المرسل قد تذيم الراوى وأخذه فى ذمته عند اللّه تعالى، وذلك يقتضى وثوقه بعدالته، أما إذا أسند فقد فوض أمره للسامع بنظره فيه ولم يتذعمه . المذهب الثالث مذهب الشافعى وهو الوسط بين الرد والقبول ، فهو يأخذ بالمرسل الذى ينتهى إلى كبار التابعين إذا أسند مرسل ذلك التابعى أو قوى بمرسل مقبول أو قول صحابى أو فتوى جماعات من العلماء بمثل ما قص عليه . - ٢٣٥ = ومنها أن يوجد جماعات من أهل العلم يفتون بمثل ما جاء به المرسل فيقبل ، وهذه هى المرتبة الأخيرة . فإن لم توجد معاضدة للإرسال بواحدة من هذه الأمور الأربعة رد المرسل ولا يقبل فى عمل ، ولا يلزم به أحد . ونرى من هذا أن الشافعى يقيد قبول المرسل بقيدين : أحدهما أن يكون المرسل من كبار التابعين الذين لقوا كثيرين من الصحابة ، والثانى أن تكون ثمة دلالة تقوى سند الإرسال من الدلالات الأربع السابقة . والمرسل فى حال قبوله لا يكون فى فترة المسند ، لأنه منقطع السند عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل ، ويعلل الشافعى تأخير مرتبة المرسل عن المتصل بقوله : إن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمى ، وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله ، فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحد من حيث لو سمى لم يقبل . نرى مما تقدم أن الشافعى تكلم فى سند الأحاديث متصلة ومرسلة وفى رجالها ، واشترط فى الرواة شروطاً تبعه عليها رجال الحديث من بعده ، ولم يكتف بذلك بل تكلم فى العلل التى تعرض لمتن الحديث من حيث موافقته للكتاب ، ومن حيث اختلاف الأحاديث بعضها مع بعض ؛ وبذلك تعرض لمتن الحديث بالدراسة ، ليكون معمولا به ، أو لا يكون معمولا به . فلقد فرض أن الأحاديث لا يمكن أن تكون مخالفة لما فى كتاب الله تعالى ولا مناقضة لما نص عليه نصاً محكماً لا نسخ فيه ، ويقول فى ذلك : كل ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كتاب الله من سنة ، فهى موافقة كتاب الله تعالى فى النص بمثله، وفى الجملة بالتبيين عن الله، والتبيين يكون أكثر تفسيراً من الجملة ، وماسن مما ليس فيه نص كتاب الله ، فيفرض الله طاعته عامة فى أمره تبعناه ، ويفهم من فحوى ذلك الكلام ومرماه أنه - ٢٣٦ - لا يمكن أن تكون السنة مخالفة نصاً من نصوص القرآن المحكمة التى لا نسخ فيها ، بل هى إما مبينة للكتاب ، أو مفصلة لمجمله ، أو آتية بحكم ليس فى القرآن نص فيه ، ويأمر القرآن الكريم العام بطاعة الرسول تتبع فيما لا نص فيه ، فلا يمكن إذن أن تكون السنة مناهضة للكتاب ، لأنها استمدت القوة منه ، وكل خبر قد ورد مناهضاً لحكم الكتاب يكون مردوداً بالبناء على ذلك . أما الاختلاف بين السنة ، فالشافعى يقسمه قسمين: (أحدهما ) اختلاف عرف الناسخ من المنسوخ ، وهنا يعمل بالناسخ ، ويترك المنسوخ ، لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنسخ بسنته، ولا يصح أن يكون ذلك اختلافاً إذ المنسوخ قد ألغى العمل به بالسنة نفسها وتصريحها . ويضرب لذلك مثلا بالقبلة فيقول : كان أول ما فرض الله على رسوله فى القبلة أن يستقبل بيت المقدس للصلاة ، فكان بيت المقدس القبلة التى لا يحل لأحد أن يصلى إلا إليها فى الوقت الذى استقبلها فيه سورل اللّه صلى الله عليه وسلم ، فلما نسخ اللّه قبلة بيت المقدس ، ووجه رسوله والناس إلى الكعبة كانت الكعبة القبلة التى لا يحل للمسلم أن يستقبل المكتوبة فى غيرها ، ولا يحل أن يستقبل بيت المقدس أبداً ، وكل كان حقاً فى وقته ، بيت المقدس من حين استقبله النبى صلى الله عليه وسلم إلى أن حول عنه الحق فى القبلة . ثم البيت الحرام الحق فى القبلة إلى يوم القيامة .. وهذا مع إبانته لك الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة دليل على أن النبى صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة حوله الله عنها إلى غيرها سن أخرى يصير إليها الناس بعد التى حول عنها، لئلا يذهب على عامتهم الناسخ ، فيثبتون على المنسوخ . وفى هذا يثبت الشافعى أن نسخ القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام لم يكن بالكتاب فقط ، بل كان بالسنة أيضاً ، لأن اللّه لما أبان تحويل القبلة إلى الكعبة سن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سنة بياناً للكتاب يكون بها ٠ - ٢٣٧ - مع قول الله تعالى ما ينسخ السنة السابقة، ولذلك يكون بعد البيان السابق تعليلا له ، لئلا يشبه على أحد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكن ، فيكون فى الكتاب شىء يرى من جهل اللسان ، أو العلم بموقع السنة من الكتاب ، أو إبانتها معانيه أن الكتاب ينسخ السنة ، وكأنه فى هذا يرى أن السنة لأن مقامها فى الكتاب بيانه وتفصيل ما فيه من إجمال لا ينسخها الكتاب وحده ، بل إذا كان فى الكتاب ما ينسخ سنة ، أردف الكتاب بسنة أخرى تكون ناسخة . وذلك لما للسنة من مقام البيان ، وقد نبين ذلك عند الكلام فى النسخ عند الشافعى (١). (١) يمثل الشافعى بالسنة التى نسخت غير ما ذكر بنهى النبى صلى الله عليه وسلم من ادخار لحوم الضحايا لأكثر من ثلاث ثم بتر خيصه بعد ذلك فى الادخار ويقول فى ذلك عن ابن عمر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبى بكر فذكرت ذلك لعمرة فقالت صدق سمعت السدة عائشة تقول : دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم فقال النبى ادخروا لثلاث، وتصدقوا بما بقى ، قالت فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله : لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم يحملون منها الودك ويتخذون الأسقية فقال رسول الله وما ذاك أو كما قال، قالوا يارسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال رسول الله : إنما نهيتكم من أجل الدافة التى دفت حضرة الأضحى فكلوا وتصدقوا وادخروا)) ثم يروى عن على عن رسول اللّه أنه قال (( لايأكل أحد من لحم نسكه بعد ثلاث)) ثم يقول الشافعى بعد ذلك: فلما حدثت عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم بالنهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم بالرخصة فيها بعد النهى وأن رسول الله أخبر أنه إنما نهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث للدافة كان الحديث العام المحفوظ أوله وآخره وسبب التحريم والإحلال فيه حديث عائشة عن النبى وكان من علمه أن يصير إليه . وحديث عائشة من أبين ما يوجد فى الناسخ والمنسوخ من السنن ، وهذا الكلام من الشافعى صريح فى أن حديث عائشة يدل على النهى عن الادخار لأكثر من ثلاث نسخه التر خيص بعد ذلك بالادخار غير المقيد بالزمن ، ولكن النظر الدقيق لا يجعل حديث عائشة ناسخا للنهى السابق ،= - ٢٣٨ - ١٥٢ - قد بينا السنة إذا اختلفت ، وعرف الناسخ فيها من المنسوخ عند الشافعى، ونقلنا لك ما ضربه من الأمثال على ذلك ، وهذا هو القسم الأول من الأحاديث المختلفة ، أما القسم الثانى فهو الاختلاف بين الأحاديث التى لم يعرف فيها الناسخ من المنسوخ ، وهذه يقسمها الشافعى إلى قسمين : أحدهما ما أمكن التوفيق بينهما ، وكان الاختلاف فى ظاهر القول لافى المعنى والمرمى، فإذا أمكن التوفيق بضرب من ضروبه سرنا إليه ، ولا يسار إلى الاختلاف إلا حيث لا يكون إلى التوفيق سبيل . -لأن النهى السابق كان لمعنى رضى الله عنها وهو وجود الدافة الذين نزلوا بالمدينة حضرة العيد، فكانت الصدقة والإطعام واجبين . وكان الادخار لأكثر من ثلاث متنافياً مع الإطعام فنهى عنهفى فهو نهى مقيد بمعنى متحقق . كما تحقق فى كل ما يشابه هذه الواقعة كان النهى ، فإذا لم يوجد ذلك المعنى بالادخار على الإباحة غير ممنوع ، وهذا ما يستفاد بصريح عبارة النبى صلى الله عليه وسلم فى رواية عائشة ، فلا نسخ إذن ، لأن النسخ يقتضى إلغاء الحكم السابق ، ولا إلغاء على هذا الوضع ، لأن النهى يتحقق إذا ثبت مثل هذه الحال ، ولذا تردد الشافعى فى إثبات النسخ فى هذا الحديث مع قوله إن حديث عائشة من أبين ما يوجد فى الناسخ والمنسوخ من السنن ، ولقد كان تردده واضحاً فى كتاب مختلف الحديث ، وصريحاً فى الرسالة . فقد قال فى الرسالة، بعد أن قال فى حديث عائشة ما قال ما نصه : فالرخصة بعدها فى الإمساك والأكل والصدقة من لحوم الضحايا إنما لواحد من معنيين ، لاختلاف الحالين : فإذا دفت الدافة ثبت النهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإذا لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والادخار والصدقة ، ويحتمل أن يكون النهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخا فى كل حال ، فيمسك الإنسان من ضحيته ما شاء ، ويتصدق بماشاء تردد الشافعى فى الحكم بالنسخ ، وبين أنه احتمالى ، وبذلك يكون قد خالف قوله فى حديث عائشة رضى الله عنها إن النسخ فيه من أبين السنن ، لأنه لا نسخ مع الاحتمال ، إلا إذا توسعنا فى معنى النسخ فشمل تقييد المطلق ، ومهما يكن ، فنحن أميل إلى عدم النسخ . - ٢٣٩ - ١ - وإن اختلاف الرواية الاستقصاء عند بعض الرواة، والاختصار عند آخر قد يكون له دخل فى ظاهر الاختلاف ، ولو علم الخبر بجملته وتفصيله ، وتبين المختصر والمتقصى لتبين أن لا خلاف ، ويقول ( الشافعى فى ذلك: يسأل ( أى الرسول ) عن الشىء فيجيب على قدر المسألة ، ويؤدى عنه المخبر الخبر متقصى ، والخبر مختصراً فيأتى ببعض معناه دون بعض ، ويحدث عنه الرجل الحديث قد أدرك جوابه ، ولم يدرك المسألة ، فيدله على حقيقة الجواب بمعرفته السبب الذى يخرج عليه الجواب .. ١- وقد بسن النبى فى الشىء سنة ویذ کر فيها حكمه، ویذ کر حكما بمخالفه فى حال غيرها ، ثم ينقل الحكمين من غير بيان الحالين اللتين فيهما:، فيظهر التخالف بينهما ، ولو تبينت كلتا الحالتين لظهر أن لاخلاف ، وأن كل حكم فى حاله . ٢ - وقد يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما فى أمر لمعنى فيه ، ويسن حكما آخر فى أمر آخر فيه معنى الأمر السابق ، ويزيد عليه فيكون حكمه مخالفاً للحكم الأول لهذا المعنى الزائد ، فيحفظ كل حكم - حافظ من غير أن ينبه إلى المعنيين . فإذا تلقى العلماء حفظ كل راو ظن أن هناك خلافا ، ولا خلاف ، ويقول الشافعى فى ذلك ، ويسن سنة فى معنى ويسن فى معنى ، يخالفه فى معنى ، ويجامعه فى معنى - سنة غيرها لاختلاف الحالين ، فيحفظ غيره تلك السنة ، فإذا ما أدى كل ما حفظ رآه بعض السامعين اختلائاً ، وليس منه شىء مختلف . فى كل هذه الصور أمكن التوفيق ، والبحث فى الحديث . وتقصى الروايات ينتهى بالباحث إلى هذا التوفيق لا محالة . وإذا لم يجد فيما بين يديه توفيقاً وهذا هو القسم الثانى ، وهو الاختلاف "الذى لا يمكن التوفيق معه، أى أن الاختلاف فى المعنى والظاهر، لا فى ظاهر اللفظ فقط، وهنا نجد الشافعى رضى الله عنه يسلك فى ذلك ثلاثة - ٢٤٠ - مسالك ، كل واحد منهما يترتب على عدم إمكان سابقه . المسلك الأول : أنه يفرض التقدم والتأخر بين الحديثين ، فيكون متأخر الحديثين ناسخاً للمتقدم منهما ، ولكن روى الحديث المنسوخ راو من غير أن يعلم ناسخه ، ويتحرى لتحقيق هذا الغرض وسيصل إليه طالبه الباحث عنه . إن كان ثمة نسخ ، لأن ذلك إن غاب عن بعض العلماء لايغيب عن عامة العلماء ، فطالبه سيجده إن كان . المسلك الثانى : يكون إذا تحقق الاختلاف بين الحديثين من غير توفيق بينهما ولا نسخ وتحرى العالم عن ذلك فلم يجده ، وهنا يوازن الشافعى بين الحديثين من حيث السند ، فإذا كان الحديثان غير متكافئين من حيث الثبوت أى أن رواية أحدهما أقوى من رواية الآخر يصار إلى الأثبت من الحديثين فيؤخذ به ويهمل الآخر . المسلك الثالث : أن يكون أحد الحديثين له دلالة من كتاب الله أو سنة نبيه الثابتة أو عليه شواهد فى الجملة تؤيد معناه ، فيصار إليه . ولا يفرض الشافعى رضى الله عنه أن يكون بين حديثين اختلاف ولا يمكن التوفيق بينهما ، ولا يمكن معرفة الناسخ والمنسوخ فيهما ولا يمكن الترجيح بينهما لقوة الثبوت ، أى أنه لا يفرض حديثين تساويا فى الثبوت وبينهما اختلاف لا توفيق معه ، وغاب عن علم العلماء الناسخ من المنسوخ منهما وقد كان منعه ذلك أساسه الاستقراء والتتبع ، فهو فى هذا كان عملياً لا يجرى وراء الفروض التى ليس لها سند من المتحقق الثابت ، ولذا يقول: ولم نجد عنه حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة بأحد ما وصفت ، إما بموافقة كتاب أو غيره من بعض الدلائل . ولقد ذكر الشافعى لكل ما ساق من قواعد أمثلة لأحاديث متعارضة ، وفق بينها أو نسخ أحدها أو رجح بينها .