النص المفهرس

صفحات 201-220

- ٢٠١ -
كفاية سقط عن الباقين الإثم ، ودفع الظلم واجب على جميع القادرين على.
دفعه ، فان دفع بعضهم كان له الفضل وسقط الإثم عن غيره ، وإيواء أبناء
أهل السبيل وإطعامهم واجب على الجميع ، ولكن إن قام به بعض أهل.
القرية لم يأثم سائرهم ، وإن لم يطعمهم أحد سقطوا فى الإثم جميعاً إن
علموا وقصروا .
وفى الجملة أن المقصود بالواجب فى الكفاية وجود الفعل المطلوب من
الجماعة بالتكليف ، فان وقع فلا إثم والفضل لصاحبه ، وإن لم يقع كان
الجميع آثما ، وقد ذكر هذا المعنى واستخرجه من الآى الكريمة الشافعى.
فى باب العلم . وقال بعد أن سرد طائفة من آيات الجهاد مثل قوله تعالى
((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)) احتملت الآيات أن يكون الجهاد
كله ، والنفير خاصة منه على كل مطيق له ، لايسع أحداً منهم التخلف عنه
كما كانت الصلوات والحج والزكاة ، فلم يخرج أحد وجب عليه فرض منها من
أن يؤدى غيره الفرض عن نفسه ، لأن عمل أحد فى هذا لا يكتب لغيره ،
واحتملت أن يكون قصد الكفاية ، فيكون من قام بالكفاية فى جهاد من
جوهد من المشركين مدركا تأدية الفرض ، ونافلة الفضل ، ومخرجاً من
تخلف من الإثم. ولم يسو الله بينهما، فقال الله تعالى: (( لا يستوى القاعدون
من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل
الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ، وكلا وعد الله الحسنى
وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما))، وقال تعالى: ((وكلا
وعد الله الحسنى)) فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان وأبان
فضيلة المجاهدين على القاعدين ، ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غزا غيرهم
كانت العقوبة بالإثم - إن لم يعف اللّه - أولى بهم من الحسنى ، ثم يقول :
وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصوداً قصد الكفاية فيما ينوب فإذا قام به.
من المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه الإثم ، ولو ضيعوه معاً

- ٢٠٢ -
خفت ألا يخرج واحد منهم فيه من المأثم بل لاشك أن اللّه تعالى شاء لقوله
((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أيماً))
١٣٤ - والتعبير عن صفة المطلوب على وجه الكفاية على هذا التفسير
(الاحتمالى بأنه يراد به العام ، ويدخله الخصوص تعبير جيد محكم مستقيم ،
ذلك الخصوص فيه ملاحظ والتكليف عام ، بدليل إثم الجميع إن لم يقع
الفعل ، ولا إثم من غير تكليف ولا عصيان إلا إذا كان طلب ، والخصوص
ملاحظ ، لأن المقصود أن يقع الفعل من أدنى عدد ، أومن العدد الذى يعقل
: أن يقع منه الفعل .
ثم إن تسمية المطلوب كفاية بأنه عام يراد به العام ، ويدخله الخاص يومىء
إلى معنى جليل فى فروض الكفاية ، وهو أن فروض الكفاية على الجميع ،
وموزعة على الطوائف والآحاد ، وهو أن فروض الكفاية وعلم الهندسة فرض
كفاية ، والزراعة فرض كفاية ، وكذا الجهاد والطب ، وكل صناعة أو عمل
لا تستغنى عنه الجماعة ، ويقوم عليه نظامها الحكومى أو الاجتماعى أو الاقتصادى
يخاطب به الكافة ويطلب على الخصوص من الخاصة ، فالجماعة كلها مطالبة
بتهيئة الأسباب ، ليكون من بينها الأطباء والمهندسون والزراع والصناع ،
والولاة والقضاة ، ومن كانت عنده الكفاية للولاية ، أو القضاء أو الهندسة
أو الطب أو الجندية أو التفقه فى الدين مطالب على الخصوص فيما هو أهل له
وبذلك يتحقق الطلب العام ، ويتحقق الطلب الخاص ، وبذلك نفهم السبب
فى إثم الجميع ، إن لم يقع الفعل المطلوب، ولكن الإثم فى ذلك ليس درجة
.واحدة .
وقد وضح ذلك المعنى القيم فى فرض الكفاية للشاطبي فى موافقاته ولنقتبس
.منه بعض جمل . فقد قال فى فرض الكفاية : إن القيام بذلك الفرض
قيام بمصلحة عامة ، فهم مطالبون بسدها على الجملة ، فبعضهم قادر
عليها مباشرة ، وذلك من كان أهلا لها ، والباقون وإن لم يقدروا قادرين

- ٢٠٣ -
على إقامة القادرين ، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ، ومن
لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر هو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها ،
فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض ، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر
إذ لا يتوصل إلى القيام القادر إلا بالإقامة ، من باب ما لا يتم الواجب
إلا به )) .
ولقد بين أن مواهب الناس مختلفة وقدرهم فى الأمور متفاوتة متبادلة
فترى هذا قد تهيأ للعلم ، وهذا للإدارة والرياسة ، وذلك للصناعة ، وآخر
الصراع والواجب أو يربى كل أمرىء وما يسر له ، حتى يبرز كل واحد
فيما غلب عليه ومال إليه ، وبذلك يتربى لكل فعل هو فرض كفاية قوم ، لأنه
سير أولا فى طريق مشترك ، فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف
فى مرتبة محتاج إليها فى الجملة ، وإن كان به قوة زاد فى السير إلى أن وصل
إلى أقصى الغايات فى المفروضات الكفائية .
وبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة ؛ فأنت ترى أن الترقى فى طلب
الكفاية ليس على ترتيب واحد ، ولا هو على العامة باطلاق ؛ ولا هو على
البعض بإطلاق ؛ ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل ولا بالعكس
بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد ، حتى يفصل بنحو من هذا التفصيل ،
ويوزع فى أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع ، وإلا لم نضبط القول فيه بوجه
من الوجوه ، والله أعلم (١) .
١٣٥ - القسم الثالث من أقسام العام هو العام الذى يراد به كله الخاص
أى معنى العموم فيه غير المقصود البتة ، بل المقصود تخصيصه ببعض آحاده
وليس المراد مفهوم لفظه ، فاللفظ العام يكون قد وضع فى موضع الخاص .
وتخصيص اللفظ العام على ذلك النحو ؛ إما أن يكون مفهوماً من الآيات
(١) الموافقات الجزء الأول ص ١١٤ - ١١٩.

- ٢٠٤ -
وما أحاط بنزولها ، أو بآيات أخرى ، وإما أن يكون بتخصيص السنة ،
وورود الآثار الصحاح الدالة على أنه لا يجرى على عمومه .
ومن العام الذى يبين المعنى خصوصه قوله تعالى: (( الذين قال لهم الناس.
إن الناس قد جمعوا لكم ، فاخشوهم فزادهم إيماناً ، وقالوا حسبنا الله ونعم.
الوكيل)) فسياق الآية يشير إلى أن المراد من الناس بعض الناس ، ومحال أن
يكون المراد من كلمة الناس جميع الناس ، لأن المخبر غير المخبر عنه ، ومن
مع رسول اللّه ناس غير الإثنين، فالقائلون بعض الناس لا محالة ، والجامعون.
بعض الناس أيضاً ؛ فالعقل يشير بلا ريب إلى أنه لم يجمع الناس كلهم ؛ ولم.
يخبرهم الناس كلهم ، ولم يكونوا هم الناس كلهم .
ومن العام الذى تبين آية أخرى خصوصه ، ولا يكون السياق مبيناً ذلك.
التخصيص فى قوله تعالى : ((الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة
ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله )) فهذه الآية بعمومها وسياقها تفید أن حد
الزانية سواء أ كانت حرة أم أمة مائة جلدة ، ولكن يضم قوله تعالى فى حق
الإماء. (( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من
العذاب)) يكون الجلد مائة كاملة خاصاً بالأحرار ، فهو عام أريد به كله
الخاص أو عام خصص .
ومثال العام الذى دلت السنة على أنه يراد به الخاص آية المواريث ؛
فقد قال تعالى: ((يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن
نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه
لكل واحد منهما السدس مما ترك إن کان له ولد ، فان لم یکن له ولد وور ثه
أبواه ، فلأمه الثلث ، فان كان له إخوة فلأمه السدس)) وقال تعالى: ((ولكم
نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ، فان كان لهن ولد فلكم الربع
مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن
لكم ولد ، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها

-- ٢٠٥ -
أودين ، وإن كان رجل يورث كلالة ، أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل
واحد منهما السدس ، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلثمن بعد
وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم) والآيات
بظاهر عمومها تفيد أن الوارثين سواء أكانوا آباء أم أولاداً أم غيرهم
يرثون ، سواء اتحد الدين أم اختلف ، وسواء أكان المدلى بسبب الإرث
قاتلا أم غير قاتل ، فجاءت السنة ، وبينت أن المسلم لايرثه غير المسلم، وأنه
لا ميراث لقاتل .
ثم الآية تبين أن الورثة لا يأخذون إلا بعد الوفاء بالدين ، وتنفيذ
الوصية وهى بعمومها تفيد أن الوصية مقدمة على الميراث أياً كان مقدارها،
فجاءت السنة وبينت أن الوصية التى تقدم على الميراث هى الوصية التى لا تزيد
على الثلث ، فكانت الآيات بذلك مخصصة ، أريد بها كلها الخاص ، وإن
كان اللفظ عاماً .
ومن العام الذى أريدبه الخاص قوله تعالى: (( والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه)). ويقول الشافعى خصصتها السنة،
لأنها بعمومها تفيد أن من يسرق شيئاً تقطع يده ، سواء أكان قليلا أم كان
كثيراً ، ومهما يكن نوع المسروق ، ولكن سن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن لا قطع فى ثمر ولاكثر (١) وألا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع
دينار فصاعداً ، على ذلك يكون لفظ الآية ظاهره العموم ، وأريد الخصوص
وهو أنه لاقطع إلامن سرق من حرز ، وبلغت سرقته ربع دينار على مذهبه.
+ ١٣٦ - وقبل أن نترك الكلام فى العام الذى جاء به القرآن نشير إلى
مسائل ثلاث تكلم فيها علماء الأصول ، وتحاول تبيين رأى الشافعى فى هذه
المسائل :
(١) الكثر بفتحتين جمار النخل .

- ٢٠٦ -
أولاها : أن الشافعى يعمل بالعام ولا يتوقف فى العمل ، ما لم يوجد
ما يخصصه أو يدل على عمومه . فإذا وجد ما يخصصه اعتبر خاصاً بسبب
دليل التخصيص ؛ فهو يترك العام على عمومه ، حتى يثبت المخصص، وذلك
هو الرأى المختار لدى الفقهاء. ويذكر الغزالى ثلاثة آراء فى العام : أحدها
أنه يؤخذ بأقل ما يدل عليه ، والثانى أنه يحتمل أن يراد به الخاص، وأن يراد
به العام ، فصار كالمشترك ، لايدل على أحد معينيه إلا بمصلحة قرينة مرجحة
لأحدهما على الآخر . وكلا الرأيين لايقوم على أساس علمى . أو لغوى ؛
لأن فى اللغة العربية؛ كما هو فى سائر اللغات لفظ يقع على كثيرين ، فيعمل
به على مقتضى ذلك ، حتى يثبت غيره .
ولقد قال الغزالى فى ترجيح دلالة العام على عمومه : واعلم أن هذا
النظر لا يختص بلغة العرب ، بل هو جار فى جميع اللغات لأن صيغ العموم
يحتاج إليها فى جميع اللغات ، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق ، فلا
يضعونها مع الحاجة إليها ، ويدل على وضعها توجيه الاعتراض على من عصى
الأمر العام ، وسقوط الاعتراض عمن أطاع ، وجواز بناء الاستحلال على
المحللات العامة ، وبيانها أن السید إذا قال لعبده من دخل داری فاعطهدر هما
أو رغيفاً . فأعطى كل من دخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه ، فإن عاتبه
فى إعطائه واحداً من الداخلين مثلا ، وقال: لم أعطيت هذا من حملتهم ، وهو
قصير ، وإنما أردت الطوال ، أو وهو أسود ، وإنما أردت البيض، فالعبد
أن يقول ما أمرتنى بإعطاء الطوال ولا البيض ، بل بإعطاء من دخل ، وهذا
داخل ، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام فى اللغات كلها رأوا اعتراض السيد
ساقطاً ، وعذر العبد متوجهاً ؛ ولو أنه أعطى الجميع إلا واحداً فعاتبه السيد ،
وقال لم لم تعطه فقال لأن هذا طويل أو أبيض ، وكان لفظك عاماً ، فقلت
لعلك أردت القصار أو السود استوجب التأديب بهذا الكلام . فهذا معنى
سقوط الاعتراض على المطيع ، وتوجهه على العاصى .. وأما الاستحلال
بالعموم فإذا قال الرجل أعتقت عبيدى وإمائى ، ومات عقيبه جاز لمن سمعه

- ٢٠٧ -
أن يزوج من أى عبيده شاء ، ويتزوج من أى جواريه شاء ، بغير رضا
الورثة ، وإذا قال العبيد الذين همفى يدى ملك فلان ، كان ذلك إقراراً محكوماً
به فى الجميع ، وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات فى سائر اللغات
لا ينحصر .
وهكذا يبين الغزالى أن اللفظ العام يستعمل فى عمومه من غير حاجة.
إلى قرينة أو سياق يرجح جانب العموم على جانب الخصوص ، إنما الذى.
يحتاج إلى القرينة أو السياق هو دلالة العام على الخصوص أو تخصيصه.
لبعض آحاده التى يشملها اللفظ فى أصل استعماله .
وهذا هو مسلكالشافعی رضی الله عنه ، فهو یثبت أن العام إن إرید به.
الخاض فإنما يكون ذلك بنص القرآن ، أو أثر من الحديث ، ووافقه على
ذلك الأكثرون من علماء الأصول ، ومنهم الحنفية ، بيد أن الحنفية قد.
اختلفوا عن الشافعى ، فأعطوا اللفظ العام من القوة مالم يعط الشافعى ، فهو
يجعل العام مستعملا بصيغته فى العام إن لم يوجد ما يخصصه ، ولكن دلالته.
على ذلك ظنية لاقطعية ، ولذلك أمكن أن يخصص عام القرآن بخبر الآحاد ،.
كما سنبين فى المسألة الثانية ، مع أن خبر الآحاد ظنى فى ثبوته ، والقرآن
قطعى الثبوت ، ولكن لأن العام ظنى فى دلالته ، كان التخصيص تخصيص ..
ظنى فى دلالته بظنى فى ثبوته ، وذلك جائز ، أما الحنفية فقد قالوا إن
دلالة اللفظ العام على العموم دلالة قطعية ، ولذلك لم يجز تخصيص عام
القرآن بخبر الآحاد لأن القرآن قطعى فى ثبوته ، وعامد قطعى فى دلالته ،
بينما خبر الآحاد ظنى فى ثبوته ، ولا يتخصص قطعى بظنى .
ومعنى القطعية عند الحنفية ألا يدخل الدلالة احتمال التخصيص الناشىء.
على دليل ، فليس معنى القطعية ألا يدخل الدلالة احتمال تخصيص قط ،
لأنه ما دام التخصيص جائزاً ممكناً ، لم يقم دليل على استحالته ، فهو محتمل
فى كل حال ، ولكن لأنه لا دليل على التخصيص سرنا فى العمل على أساس.
٠

- ٢٠٨ -
أن الدلالة قطعية ما دام لم يقم دليل ، كما هو الشأن فى استخدام الكلام والأخذ
بدلالته ، فالألفاظ تستعمل دائماً فى حقيقتها ، وتعتبر قطعية فى دلالتها على
الحقيقة مع أن احتمال المجاز ثابت ، ولكنه احتمال غير ناشىء عن دليل ،
فلا يلتفت إليه ، ولا يصح أن نقول إن دلالة اللفظ على حقيقة معناه ظنى ،
لاحتمال المجاز ، وإلا ما كان لفظ مفيداً معنى مستقيما يطمئن إليه السامع قط .
١٣٧ - المسألة الثانية : هى تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد فى
كل أحواله ، فالشافعى يجوز ذلك ، كما رأينا فيما جاء بالرسالة من تخصيص
عام القرآن بأحاديث الآحاد ، إذ نصت السنة على جعل حكم الجلد المنصوص
عليه بصيغة عامة فى قوله تعالى ((الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما
مائة جلدة )) خاصاً بالبكرين ، أما المحصنات والمحصنون فإنهم لا يجلدون
.ولكن يرجمون ، وحديث الرجم خبر آحاد .
أما الحنفية فإنهم لا يجوزون تخصيص العام بحديث الآحاد ، إلا إذا كان
العام مخصوصاً بتخصيص آخر ، وأساس الخلاف إنما هو فى دلالة العام
بصيغته على العموم . فالشافعى يراها ظنية ، لأن احتمال التخصيص قوى
إذ العام الحالى من التخصيص نادر ، حتى لقد روى عن ابن عباس أنه قال
ما من عام إلا وخصص ، وإذا كان التخصيص قوياً إلى هذا الحد ،
فتكون دلالة العام قبل ظهور المخصص دلالة ظنية ونبحث معها عن المخصص،
فعساه يكون ثمة مخصص ، وإذا كانت الدلالة ظنية على هذا النحو، فيجوز
تخصيص العام بما هو ظن ، بل إن ذلك التخصيص قد جاء متفقاً مع
المشهور الكثير ، وهو كون ألفاظ للعموم يغلب فيها الخصوص .
والحنفية إذا قالوا إن دلالة العام على العموم بصيغة قطعية لم يجوزوا
تخصيصه بما هو ظنى ، إذ أن ذلك التخصيص يجعل بعض ما يدل عليه
اللفظ مخصوصاً من حكمه ، ومقتضى القطعية يجعل دلالة اللفظ على حكم
ذلك البعض ثابتة قطعاً ولا يبطل مثل تلك الدلالة القطعية بأمر ظنى .

- ٢٠٩ -
ولكن الحنفية كما رأيت قد قالوا إن العام إذا كان مخصصاً قبلا جاز
تخصيصه بأحاديث الآحاد وبالقياس، وذلك لأن معنى القطعية فى العام
غير المخصص ليس نفى احتمال التخصيص نفياً مطلقاً ، بل إن احتمال
(التخصيص احتمال غير ناشىء عن دليل ، وإذا وجد المخصص ، فقد صار
احتمال التخصيص بعد ذلك احتمالا ناشئاً عن دليل وهو التخصيص بالفعل
وبذلك يكون احتمال التخصيص ناشئاً عن دليل ، فيكون ظنياً ، وأيضاً
فإن العام إذا خصص كان دلالته على بعض ما يشمله اللفظية ، دلالة مجازية (
. من قبيل إطلاق اسم العام ، وإرادة الخاص ، والدلالات المجازية ما دامت
قريتها غير قاطعة فهى ظنية ، وإذا كان العام المخصص دلالته ظنية على هذا
الأساس فيجوز تخصيصه بأحاديث الآحاد والقياس كما علمت .
١٣٨ - المسألة الثالثة: بيان حقيقة التخصيص أهو إخراج لبعض
آحاد العام من الحكم بعد دخولها فى عموم أحكامه أم هو بيان إرادة الشارع
الخصوص من أول الأمر ، وأن الآحاد التى لا يشملها العام لم تدخل فى ضمن
· العام بالنسبة لهذه الأحكام ، حتى تخرج؟ لقد نصت كتب الأصول سواء
أ كانت شافعية أم حنفية على أن التخصيص هو قصر العام على بعض آحاده
بالإرادة الأولى فيكون النص المخصص مبيناً لإرادة الخصوص ، ولقد جاء
فى المستصفى فى بيان أن دليل التخصيص ليس لإخراج ما دخل فى العام ،
بل لإرادة الخصوص فى اللفظ العام ، إن تسمية الأدلة مخصصة تجوز الدليل
: يعرف إرادة المتكلم ، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصاً ،
والتخصيص على التحقيق بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى
الخصوص ، وهو نظير القرينة ، التى تساق لبيان أن اللفظ خرج من الحقيقة
إلى المجاز ، وذلك كله يدل على أن جمهور الفقهاء ، من التخصيص هو إرادة
الخاص باللفظ العام ، وأن الأساس فى الفرق بين النسخ والتخصيص أن
النسخ يغير الأحكام الثابتة المقررة ، فإذا نسخ العام أو بعضه ، فقد تغيرت
(م - ١٤ الشافعى)
٠

- ٢١٠ -
الأحكام التى كانت ثابتة ، أما التخصيص فإنه دفع لدخول المخصوص فى
عموم الصيغة .
والشافعى فى رسالته سلك ذلك المسلك ، فهو يعبر عن التخصيص بعبارة .
لا تفيد إلا ما قاله جمهور الأصوليين من بعده . فهو يذكر عنوان العام .
المخصص ، هكذا بيان ما نزل من القرآن عام الظاهر يراد به كله الخاص ،
فهذا اللفظ يدل على أنه يرى أن التخصيص ليس إلا بيان الإرادة .
هذا شأن التخصيص سواء أكان الدليل المخصص مقارناً للمخصوص ،
:
أم متأخراً عنه ، أم سابقاً عليه ، وهذا عند الشافعية ، فإنهم يرون أن الخاص ...
إذا توارد هو والعام على موضوع واحد كان المراد بالعام الخاص ، لأن
دلالة الخاص قطعية ودلالة العام ظنية عندهم ، والعمل بالعام لا يمنح البحث.
بعن المخصص : فإن جاء اعتبر العام خاصاً .
وأما الحنفية فإنهم يشترطون فى دليل التخصيص أن يكون مقارناً للعام.
حتى يكون قرينة دالة على أنه أريد بلفظ العام الخاص ، فإن لم يصطحبا
فى الزمان ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم فى موضع التعارض بينهما ، ولو كان ..
المتأخر هو العام ، وذلك مبنى على أنهم يرون أن العام قطعى فى دلالته .
هذا كلام الشافعى فى عام القرآن وخاصه ، قد جليناه ، واستعنا فى
تجليته بأقوال من جاء بعده من علماء الأصول ، ولننتقل إلى نقطة أخرى ..
. وهى بيان الكتاب للشريعة ومقام السنة منه .
بيان الكتاب للشريعة ومقام السنة منه
١٣٩ - القرآن الكريم هو مصدر المصادر لهذه الشريعة ، وينبوع
ينابيعها والمأخذ الذى اشتقت منه أصولها وفروعها ، وأخذت منه الأدلة
قوة استدلالها وهو بهذا الاعتبار كلى الشريعة ، وجامع أحكامها ، ولقد ..
روى عن عبد الله بن عمر أنه قال : من جمع القرآن فقد حمل أمراً عظيما ،
وقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه ، ولقد قال ابن حزم:
٠

- ٢١١ -
الظاهرى : كل أبواب الفقه ليس منها باب، إلا وله أصل فى الكتاب والسنة
تعلنه، والكتاب أصل السنة وعمدتها على ما سنبين إن شاء الله تعالى: ((إن هذا
القرآن يهدى للتى هى أقوم)) وقال تعالت كلماته (( وننزل من القرآن ما هو شفاء
ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)) ولقد كانت عائشة رضى الله.
عنها تقول : من قرأ القرآن ، فليس فوقه أحد ، وإذا كان القرآن هو كلى
الشريعة . كما تبين من هذه النصوص وغيرها مما لا يتسع المقام لذكرها ، فلابد
أن يكون بيانه لها بياناً إجمالياً يحتاج إلى تفصيل، وأمراً كلياً يحتاج إلى
تبيين ، لذلك كان لابد من الاستعانة بالسنة ، لاستنباط الأحكام منه ،
واستخراج الشرائع من بين ثناياه ، ولقد قال عز من قائل: (( وأنزلنا إليك
الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)) ولقد نظر الشافعى إلى القرآن هذه النظرة.
وذكر أنه كلى الشريعة لا يعلم شيئاً من جهله ، ولا يجهل شيئاً من علمه، فيه
الشريعة كلها بالنص ، أو الاستنباط ، والاستدلال ، ولنذكر كلمته.
البليغة ، فقد قال : كل ما أنزل فى كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة، علمهمن
علمه ، وجهله من جهله ، لا يعلم من جهله ، ولايجهل من علمه ، والناس فى
العلم طبقات ، موضعهم من العلم بقدر درجاتهم فى العلم به فحق على طلبة العلم.
بلوغ غاية جهدهم فى الاستكثار من علمه ، والصبر على كل عارض دون
طلبه ، وإخلاص النية لله فى استدراك علمه نصاً واستنباطاً ، والرغبة إلى
اللّه فى العون عليه ؛ فإنه لا يدرك الخبر إلا بعونه ، فإن من أدرك علم أحكام
الله فى كتابه نصاً واستدلالا، ووفقه الله القول والعمل بما علم، فاز بالفضيلة
فى دينه ودنياه ، وانتفت عنه الريب ونورت فى قلبه الحكمة ، واستوجب
فى الدين موضع الإمامة .
وإنك لتقرأ رسالة الشافعى كلها من أول بيانها ، إلى نهاية أصولها ، فتحس.
بأن القرآن هو القطب الذى دار عليه علمها ، لأنها توصل الأصول لعلم
الشريعة ، والقرآن قط! وإمامها وحجتها إلى يوم الدين .

- ٢١٢ -
١٤٠ - وإذا كان للقرآن ذلك البيان الكلى ، وكانت السنة مبينة
لما يحتاج إلى بيان ، فقد قسم الشافعى بيان القرآن إلى قسمين. بيان هو نص
فيه لايحتاج فى بيانه إلى شىء وراءه ، وبيان يحتاج إلى السنة، إما فى تفصيل
مجمله ، أو تعيين معنى يحتمله ، أو إرادة الخاص فى بعض عمومه .
ويضرب الشافعى لكل قسم من الأقسام الأمثال ، ويسوق الشواهد ،
والحكم فى كل شاهد ، فهو يذكر من الأحكام التى بينت فى القرآن بياناً كاملا
لا يحتاج معه إلى سواه - اللعان وكيف يكون ، فقد قال جل ثناؤه :
(( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، فاجلدوهم ثمانين جلده،
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون )) ثم يقول تعالت كلماته:
(( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ، فشهادة أحدهم
أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان
من الكاذبين ، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه إنه لمنٍ
الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين)) ففى هذه
الآيات تفریق بین من یرمی زوجه ، ومن یرمی غیر زوجه ، فمنیر می غیر
زوجه عليه الحد لا محالة إن لم يأت بأربعة شهداء ، ومن يرمى زوجه وليس
له إلا شهادة نفسه ، فاللعان . وقد بين القرآن طريقته ، فلا حاجة فى بيانها
إلى بيان بعده ، ولقد جاءت السنة فزادت حكماً آخر ، وهو التفريق ،
ولذا يقول الشافعى رضى الله عنه: فى كتاب الله غاية الكفاية من اللعان
"وعدده، ثم حكى بعضهم عن النبى فى الفرقة بينهما كما وصفت .
ولقد بين فى الأم السنة التى وردت فى اللعان ، وهى سؤال عويمر العجلانى،
وسكوت النبى ، حتى نزلت الآية ، فلاعن النبى بينهما ، ثم فرق بينهما، ونفى
الولد عن الرجل ، ثم قال : فيه دلالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حين وردت عليه هذه المسألة ، وكانت حكماً. وقف عن جوابها، حتى
أتاه من اللّه عز وجل الحكم فيها، فقال لعويمر، قد أنزل الله فيك، وفى
صاحبتك ، فلاعن بينهما، كما أمر الله تعالى فى اللعان، ثم فرق بينهما، وألحق

- ٢١٣ -
الولد بالمرأة ونفاه عنه ، وقال لاسبيل لك عليها ولم يرد الصداق على
الزوج .
ويضرب مثلا آخر لبيان ما نص فى القرآن ، وهو شهر رمضان ، فقد
قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ، كما كتب على الذين
من قبلكم لعلكم تتقون . أياماً معدودات، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ،
ثم قال سبحانه: ((شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من
الهدى والفرقان ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة
من أيام أخر ، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، ولتكملوا العدة ،
ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)) فهذه الآية نص فى أن الأيام
المعدودات هى شهر رمضان ، ولا حاجة إلى شىء وراء ذلك فى بيان أيام
الصوم وشهره . ولذا يقول الشافعى : ما علمت أحداً من أهل العلم بالحديث
قبلنا تكلف أن يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الشهر المفروض صومه
شهر رمضان الذى بين شعبان وشوال ، لمعرفتهم بشهر رمضان من الشهور،
واكتفاء منهم بأن الله فرضه ، وقد تكلفوا حفظ صومه فى السفر وفطره ،
وتكلفوا كيف يكون قضاؤه ، وما أشبه هذا مما ليس فيه نص كتاب ،
ولا علمت أحداً من غير أهل العلم احتاج فى المسألة عن رمضان أى شهرهو؟
ولا هل هو واجب أم لا .
وفى كل هذا ترى أن القرآن كان نصاً فيما استشهد به الشافعى ، وإن
كان لموضوع المسألة تكملة قد بيتها السنة ، كما ثبت التفريق ، وعدم ثبوت
نسب الولد اللعان . وكما بينت أحكام القضاء ، والرخصة فى الإفطار ، وصحة
الصوم فى حال السفر بالنسبة لآيات الصوم ، ولكن الأولى نص فى اللعان
وطريقته لاتحتاج إلى بيان ، والثانية نص فى أيام الصوم وشهره ولا تحتاج
فيهما إلى بيان آخر ، ولذا لم يكلف أحد من الناس نفسه طلب العلم
بسنة فى هذا

- ٢١٤ -
١٤١ - القسم الثانى من بيان القرآن قد ذكر أنه لا يكون نص فى
الموضوع، بل البيان فيه يحتاج إلى السنة، وقد ذكر الشافعى فى هذا أمثلة
يصح تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :
فالقسم الأول منه أن يكون السياق محتملا احتمالين ، فتعين السنة
أحدهما وقد مثل لذلك بقوله تعالى: (( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى
تنكح زوجاً غيره ، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا )) فاحتمل قول
الله ((حتى تنكح زوجاً غيره)) أن يتزوجها غيره ، ولو لم يدخل بها وإن
عقد عقدة النكاح كاف لإحلالها للأول واحتمل ألا يحلها حتى يدخل بها ،
لأن اسم النكاح يقع بالإصابة ويقع بالعقد ، فلما قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لامرأة طلقها زوجها ثلاثاً، ونكحها بعده رجل: (( لا تحلين له
حتى تذوقى عسيلته، ويذوق عسيلتك)) يعنى يصيبك ، تعين أن الإحلال
لا يكون إلا بنكاح حصل فيه دخول .
ومما يدخل فى احتمال الكلام المعنيين وإن كان الاحتمال ليس لذات اللفظ
كالآيتين السابقتين ، بل للتعارض فى الظاهر - مسألة المتوفى عنها زوجها
الحامل ، فقد ذكر الشافعى أن عدتها بوضع الحمل ، ورجح ذلك بالسنة،
وذلك لأن آية عدة الوفاة هى قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم ويذرون
أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً)) هى بعمومها تشمل الحائل
والحامل فى الظاهر، وقوله تعالى: (( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن)) تشمل بعمومها المتوفى عنها زوجها ، والمطلقة ، فكان يحتمل أن
تكون عدة المتوفى عنها زوجها بإحدى العدتين، أو بهما بأن تعتد بهما معاً ،
كذلك قال بعض أهل العلم ، وقد أوجب الله على المتوفى عنها زوجها أربعة
أشهر وعشراً ، وذكر أن أجل الحامل أن تضع ، فإذا جمعت أن تكون
حاملا متوفى عنها أتت بالعدتين ، كما يكون فى كل فرضين جعلا عليها ،
فيكون عليها أن تأتى بهما معاً ، ويتحقق وجود العدتين أن تعتد بأبعد
الأجلين ، ولكن السنة جاءت مبينة المراد فى هذا الاحتمال ، فقد قال

- ٢١٥ -
رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبيعة بنت الحارث وقد وضعت بعد وفاة
«زوجها بأيام! قد حللت فتزوجى (١).
الثانى : أن يكون القرآن مجملا فيذكر النبى المفصل ، وكذلك شأن
أكثر الفرائض ، فالصلاة مفروضة فى القرآن إجمالا فى مثل قوله تعالى :
((إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)) والزكاة مفروضة إجمالا فى
( مثل قوله تعالى: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)) وكذلك
الحج ، وهكذا ، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد الصلوات،
: وكيف تكون فى السفر والحضر ، وكذلك الزكاة بينت السنة المقادير الواجبة
فى كل نوع من أنواع الأموال ، وشروط هذا الوجوب وبينت السنة مناسك
. الحج ومواقيته ، وما يتبع ، فكانت السنة فى كل هذا تفسير القرآن وتفصيله .
الثالث : بيان الخصوص فى العام، وقد ذكرنا بعض ماساقه الشافعى من
: أمثلة لهذا فى العام الذى أريد به الخاص بالسنة .
١٤٢ - هذه طريقة الشافعى فى بيان القرآن ، وهو بسلوكها يسير على
· السنن المستقيم ، لأنه بتجه أولا إلى فهم القرآن من القرآن وبالقرآن ، فما
(١) قد بين الشافعى عدة الوفاة للحامل وتعارض الآيات فى الظاهر، وتعيين السنة فضل بيان
· فى الأم جـ ٥ وقد جاء فيه : كان قول الله عزوجل والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتر بصن
بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً يحتمل أن يكون على كل زوجة حرة وأمة حامل وغير حامل ، واحتمل
أن يكون على الجزائر دون الإماء . وغير ذوات الحمل دون الحوامل ، ودلت السنة على أنها على
غير الحوامل من الأزواج ، وأن الطلاق والوفاة فى الحوامل . المعتدات سواء ، وأن أجهلن كلهن
أن يضعن حملهن، ثم بين السنة المعينة للمراد فقال: إن عبد الله بن عباس، وأبا سلمة اختلفا
فى المراة تنفس بعد وفاة زوجها بليال ، فقال ابن عباس آخر الأجلين ، وقال أبو سلمة ، إذا
: نفست فقد حلت ، فجاء أبو هريرة فقال أنا مع ابن أخى يعنى أبا سلمة فبعثوا كريبامولى ابن عباس
. إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فجاءهم ، فأخبر هم أنها قالت ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجهاً
د بليال، فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها. ((قد حللت فانكحى)).
۔

- ٢١٦ -
يكون من الأحكام مبيناً فى القرآن نصاً فى موضوع واحد ، أو فى مواضع.
متفرقة فبالقرآن وحده ثبت الحكم ، كما رأيت فى الصوم واللعان .
ويبدو للمستقرى لأحكام القرآن الكريم ، والمبادىء العامة للأحكام ..
فى الشريعة أن جميعها قد اشتمل عليه الكتاب الكريم ، ولقد جاء فى
الموافقات : فى الحديث : ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى من الآيات.
ما مثله آمن عليه البشر . وإنما كان الذى أوتيته وحياً أوحاه إلى فأرجو أن ..
أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ، وإنما الذى أعطى القرآن ، وأما السنة .
فبيان له ، وإذا كان كذلك فالقرآن على اختصاره جامع ، ولا يكون جامعاً ،
إلا والمجموع فيه أمور كليات الشريعة تمت بتمام نزوله بقوله تعالى: ((اليومٍ ..
أكملت لكم دينكم)).
وإذا لزم أن يكون مع القرآن بيان ، وهو لابد من ذلك كان هو السنة،
لأن ما اشتمل عليه كلى يلزم أن يكون ثمة بيان بجواره ، فالسنة هى التى
بينت جزئيات الشرع، والقرآن تولى بيان كلياته ، فالصلاة والزكاة، والحج.
والجهاد ، والصوم ، كل ذلك أوجه القرآن ، والسنة بينته ، وكذلك فىشئون
الأسرة ومعاملة الإنسان مع الإنسان والعقوبات المانعة من الفساد فى الجماعة.
كل هذا وضع فى القرآن مبادئه وأصوله، وتولت السنة بيانه وتفصيله ، فالشافعى
إذا استعان فى استنباط أحكام القرآن بالسنة فقد استعان بالمصدر الأول لتفسيره ..
ولقد قال الشاطبى فى موافقاته : لا ينبغى فى الاستنباط من القرآن الاقتصار
عليه دون النظر فى شرحه وبيانه ، وهو السنة ، لأنه إذا كان كلياً ، وفيه أمور
كلية ، كما فى شأن الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، ونحوها- فلا محيص
عن النظر فى بيانه ، وبعد ذلك ينظر فى تفسير السلف الصالح له إن أعوزته
السنة ، فإنهم أعرف به من غيرهم ، وإلا فمطلق الفهم العربى لمن حصله يكفى
فيما أعوز من ذلك .

- ٢١٧ -
وقد سلك الشافعى ذلك المسلك القويم ، فهو يستعين فى الاستنباط من
القرآن بالسنة ، وإلا تكن سنة بين يديه حاضرة استعان بأقوال الصحابة
فى وفاقهم وخلافهم وإن لم يكن قول صحابى استعان بالأسلوب العربى.
والرأى والقياس ، وسنبين ذلك عند الكلام على أقوال الصحابة والقياس .
السنة
١٤٣ - ذكرنا طريق الشافعى فى الاستنباط من القرآن ، وقد رأينا
أنه بين طريقته ، ولم يتعارض لحجية القرآن فى الشريعة وإثباتها ، لأن ذلك
لا يحتاج لدليل فى نظر المسلم ، إذ أن من أنكر حجية القرآن لإثبات
الشريعة ، فقد خرج على الملة واستتيب ، وإن لم يتب قتل ، أما السنة فقد.
وجد الشافعى من ينكر حجيتها . فالتقى بناس ارتكبوا أكبر هذا القول ،
ووجد ناساً ينكرون أن تكون السنة مثبتة أحكاماً فوق أحكام القرآن ،
لأنها تبين ولا تزيد ، ووجد ناساً أنكروا حجية خبر الآحاد ، وجد
الشافعى هؤلاء وأولئك ، فكان لا بد أن يسوق الأدلة لإثبات أن السنة
حجية فى إثبات الأحكام ، ولو كانت أخبار آحاد ، ما دام المخبر ثبتاً ثقة ،
وكانت الرسالة مكان هذه الأدلة ، والأم مكان المساجلات التى قامت بينه
وبين مجادليه من منكرى السنة فى أصل حجيتها ، أو منكرى الزيادة بها
على القرآن ، أو منكرى خبر الآحاد منها .
١٤٤ - ولنبدأ بكلمة تبين آراء هذه النحل ، كما نقلها الشافعى عنهم
فإنهم قد انغمروا فى التاريخ ، ولم يبق لهم من ذكر إلا أن يذكر رأيهم
مثل الشافعى لنقضه ، والتوقى من مثله .
يذكر الشافعى فى كتاب جماع العلم من الأم أن أولئك الذين خالفوا
الإجماع سلكوا ثلاثة مذاهب ، لكل أمذهب فريق : أحدها إنكار حجية.
السنة جملة ، والثانى إنكار حجيتها إلا إذا كان معها قرآن ، وقد بين رأى
أصحاب المذهب الأول الذى يعتمد على القرآن وحده بما حكاه عنهم ، وهذا

- ٢١٨ -
-نصه: قال لى قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه: أنت عربى ، والقرآن
نزل بلسان من أنت منهم ، وأنت أدرى بحفظه وفيه فرائض أنزلها لو شك
فيها شاك ، وقد تلبس عليه القرآن بحرف منها استقبته ، فإن تاب ، وإلا.
قتلته، وقد قال اللّه عز وجل ((تبياناً لكل شىء)) فكيف جاز عند نفسك
أو لأحد - فى شىء فرضه الله أن يقول مرة الفرض فيه عام ، ومرة الفرض
فيه خاص ، ومرة الأمر فيه فرض ومرة الأمر فيه دلالة ، وإن شاء ذوإباحة ،
وكثر ما فرقت بينه من هذا ، عندك حديث ترويه عن رجل آخر ،
أو حديثان أو ثلاثة ، حتى تبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وجدتك
. ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحداً لقيتموه ، وقدمتموه فى الصدق والحفظ
ولا أحداً مما لقيتم سلم من أن يغلط أو ينسى ، ويخطىء فى حديثه ، بل وجدتكم
تقولون لو قال رجل لحديث أحلم به ، وحرمتم من علم الخاصة ( خبر
الواحد ) لم يقل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم . إنما أخطأتم أو من
حدثكم ، وكذبتم أو من حدثكم - ولم تستتيبوه ، ولم تزيدوه على أن
تقولوا له بئسما قلت ، أفيجوز أن يفرق بين شىء من أحكام القرآن
.وظاهره واحد ، عند سمعه بخير من هو كما وصفتم ، وتقيمون أخبارهم
مقام كتاب الله وأنتم تعطون بها ، وتمنون بها .
وجملة قبولهم واحتجاجهم له أن الكتاب فيه تبيان كل شىء ، وأن
الكتاب عربى لا يحتاج إلى بيان غير معرفة اللسان العربى ، والأسلوب
العربى الذى جاء القرآن به ، وليس وراء بيانه بيان ، وأن الأحاديث
المروية يرويها رجال لا يبرعون فى نظر أحد من الكذب ، أو الخطأ ،
أو النسيان ، ورواية أمثال هؤلاء لا يصح أن تقرن بالكتاب القطعى فى ثبوته
ودلالته على أى وجه كان جمعها به ، ولو كان جمع التابع بالمتبوع ، وإنكم
أنتم معشر الآخذين بها قد سلمتم أنها ليست فى مقامه ، حتى تبينه فتكون

- ٢١٩ -
قاضية بتخصيص أو تقييد أو تفصيل(١).
وترى من هذا أن ذلك الرأى يهدم السنة ، ولا يعتبرها أصلاها من
أصول الفقه الإسلامى قط ، ولقد بين الشافعى أن ما يترتب على هذا المذهب
يفضى إلى أمر عظيم جداً ، فإن الأخذ به يترتب عليه ألاتفهم الصلاة والزكاة
والحج ، وغيرها من الفرائض المجملة فى القرآن التى تولتها السنة بالبيان ،
إلا على القدر اللغوى منها ، فيفرض من الصلاة أقل ما يطلق عليه اسم صلاة
ومن الزكاة أقل ما يسمى صدقة ، وهكذا ، فلو صلى فى اليوم ركعتين ،
قال ما لم يكن فى كتاب الله ، فليس على فرضه ، وبهذا تسقط الصلوات
والزكوات التى تواتر لدى الكافة فرضها ، حتى أصبح العلم بها من ضروريات
العلم بالدين ، وقائل ذلك ليس من الإسلام فى شىء .
( ثانى المذاهب الثلاثة : أنه لا تقبل السنة إلا إذا كان فى الذى جاءت فيه
قرآن ، أى أنها لا تكون إلا عاضدة لما فى القرآن مبينة له ، ولقد بين
الشافعى نحلة هؤلاء فقال : قال غيره - أى غير أصحاب المذهب الأول -
(١) قال الشاطبى فى موافقاته فى هذا الرأى: إن الاقتصار على الكتاب رأى قوم
لا خلاق لهم خارجين عن السنة ، إذ عولوا على أن الكتاب فيه بيان كل شىء ، فاطرحوا
أحكام السنة ، فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة ، وتأويل القرآن على غير ما أنزل
الله ... وربما ذكروا حديثاً يعطى أن الحديث لا يلتفت إليه إلا إذا وافق كتاب الله
تعالى، وذلك ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب
الله، فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله ، وكيف
أخالف كتاب الله، وبه هدانى الله)) قال عبد الرحمن بن مهدى: الزنادقة والخوارج وضعوا
ذلك الحديث ، قالوا وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح
النقل ... وقد عارض هذا الحديث قوم ، فقالوا نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل
. شى . ونعمد على ذلك ، قالوا فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً ، لأنا وجدنا كتاب
الله يطلق التأسى. والأمن بطاعته ويحذر من المخالفة)).

- ٢٢٠ -
ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر ، فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن ..
فصار إلى ألا يعرف ناسماً ولا منسوخاً ولا خاصاً ولا عاماً .
وهذا المذهب يقبل من السنة كما ترى ما فيه القرآن يعاضده ، ومالا
فلا ، أى أن السنة لا يمكن أن تأتى بشرع زائد على ما فى كتاب اللّه،
لأنه لا يكون له ما يعاضده من القرآن ، ويساعده من آياته البينات .
وثالث المذاهب المخالفة للجماعة مذهب اللذين ينكرون حجية خبر
الآحاد جملة ، ولا يعتبرون إلا الأخبار المتواترة أو المستفيضة المشهورة ،
وبعبارة جامعة لا يقبلون إلا أخبار العامة . ولنترك الشافعى بيان هذه النحلة
فقد بينها ، وبين حجتها ، فقال فى بيان رأيها :
وافقتنا طائفة فى أن تثبيت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم لازم
للأمة ، ورأوا ما حكيت مما احتججت به على رد الخبر - حجة بثبوتها ،
ويضيقون على كل واحد أن يخالفها ثم كلمنى جماعة منهم مجتمعين ، ومتفرقين
بما لا أحفظ كلام المنفرد عنهم منهم ، وكلام الجماعة ، ولا ما أجبت به
كلام ، وقد جهدت على نقض كل ما احتجوا به ، فأثبت أشياء قد قلتها ،
ولمن قلتها منهم ، وذكرت بعض ما أراه منه يلزمهم ، وأسأل الله تعالى
العصمة والتوفيق ، فكانت جملة قولهم أن قالوا : لا يسع أحداً من الحكام
ولا من المفتين أن يفتى إلا من جهة الإحاطة ، والإحاطة كل ما علم أنه
حق فى الظاهر والباطن يشهد به عند اللّه، وذلك الكتاب والسنة المجتمع عليها،
وكل ما اجتمع الناس فيه ، ولم يفترقوا فالحكم كله واحد ، يلزمنا ألا نقبل
منهم إلا ما قلنا مثل أن الظهر أربع ، لأن ذلك لا منازع فيه ، ولا دافع
له من المسلمين ولا يسع أحداً الشك فيه .
فهذا القسم من منكرى بعض السنة لا يقبل منها إلا ما لا شك فيه
ولا منازع ، ويسمى الشافعى العلم به علم إحاطة ، لأنه علم فى الظاهر والباطن .
: ١٤٤ - هذه هى الأقوال الثلاثة التى خالفت عليه المسلمون ، فأنكر
بعضها حجية السنة جملة ، وأنكر الآخر حجيتها إلا ما كان منها بياناً لقرآن